غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 13:11
المحور:
قضايا ثقافية
الجذور التاريخية والاجتماعية لمتلازمة "الدلو"
تُعدّ "عقلية السلطعون “أو ما يُعرف بمتلازمة "الدلو “واحدةً من أكثر الاستعارات الاجتماعية عمقاً في تفسير آليات الكبح الجماعي والتقويض الذاتي داخل المجموعات البشرية. وتعود صياغة هذا المصطلح تاريخياً إلى الكاتبة والناشطة النسوية الفلبينية نينوتشكا روسكا، التي استخدمته لتوصيف أنماط سلوكية متجذرة في الثقافة الشعبية تُعرف بـ "عقلية النجاة الفردية". تتلخص هذه الظاهرة في محاولة كل فرد الهروب بمفرده، غير أن وجود الجماعة في مساحة ضيقة يدفع أفرادها إلى التمسك ببعضهم البعض، وسحب أي سلطعون يحاول التسلق إلى الأعلى؛ مما يؤدي في النهاية إلى بقاء المجموعة بأكملها أسيرة "الدلو" ومواجهة الهلاك الجمعي.
من منظور علم الاجتماع التاريخي، لا تنشأ هذه العقلية كنزوع بيولوجي فطري، بل كاستراتيجية تكيفية مشوهة تفرزها بيئات القهر والاضطهاد الطويل. وتؤكد الدراسات السلوكية أن هذا النمط ينتشر بوضوح في المجتمعات التي عانت من الاستعمار المباشر والتحجيم الممنهج عبر أجيال متعاقبة.
في التجربة الفلبينية إبان الاستعمار الإسباني، تبنى السكان الأصليون عقلية السلطعون كآلية لخطب ود النخبة الاستعمارية الحاكمة، وذلك عبر إحباط أي محاولة تميز أو ذكاء يبديها أقرانهم؛ خوفاً من أن يؤدي تفوق الأفراد إلى جلب غضب السادة على المجموعة، أو إحداث خلل في موازين القوى التقليدية. وقد تكرر هذا النمط السلوكي القائم على الوشاية المتبادلة والتقويض الداخلي خلال فترات الاحتلال والتحولات السياسية كما هو الحال في الشرق الاوسط، وصولاً إلى تصفية قادة الحركات الوطنية إثر الخلافات الضيقة.
الأبعاد النفسية والتحليلات السلوكية
تتداخل هذه الخلفية التاريخية مع تفسيرات نفسية متقدمة تدعمها نظريات علم النفس الاجتماعي المعاصر. وتوفر "نظرية صيانة التقييم الذاتي" التي صاغها عالم النفس أبراهام تيسر إطاراً تفسيرياً متميزاً؛ إذ تشير إلى أن الأفراد يحددون قيمتهم الذاتية عبر مقارنة أنفسهم بالمحيطين بهم، ولا سيما المقربين في الدوائر المهنية أو الاجتماعية. وحين يبدي أحد الأقران تفوقاً في مجال يمثل قيمة جوهرية للآخرين، فإن هذا النجاح يُترجم نفسياً كتهديد مباشر لتقدير الذات؛ مما يولد مشاعر الغيرة والعداء، ويدفع الفاعلين إلى العمل على خفض مكانة المتميز بدلاً من السعي لتطوير قدراتهم الذاتية.
يتلاقى هذا الطرح مع "نظرية الحرمان النسبي" التي صاغها صموئيل ستوفر في دراسته الشهيرة على الجنود؛ إذ وجد أن الأفراد في القطاعات التي تشهد معدلات ترقية عالية كانوا أقل رضا من نظرائهم في القطاعات ذات الترقيات المحدودة، وذلك لأن مقارنة الفرد لوضعه بقرينه الناجح تولد لديه شعوراً ذاتياً بالإجحاف والظلم. وتصبح عقلية السلطعون هنا وسيلة دفاعية لخفض الآخرين إلى المستوى نفسه بغية استعادة التوازن النفسي المفقود.
كما يرتبط هذا السلوك بـ "انحياز الندرة"، حيث يتوهم الأفراد في المجتمعات المأزومة أن النجاح والموارد الرمزية والمادية هي كميات محدودة ولعبة صفرية، مما يعني أن فوز الآخر وتفوقه يمثلان بالضرورة خسارة شخصية مباشرة لفرصهم الخاصة. وفي سياق متصل، حذر عالم النفس الفردي ألفريد أدلر من أزمة "الغرور المعرفي" بوصفها عائقاً حاسماً أمام التضامن الإنساني ومنطق الجماعة، وهو ما يتقاطع مع لفتة ابن الجوزي في كتابه "صيد الخاطر" حين أشار إلى أن استبداد المرء برأيه وتعظيمه لنفسه يمثل مانعاً كبيراً يحول دون الاستفادة من الآخرين والاستزادة من العلم.
تشريح بنية "الدلو الاستبدادي" والسلطات الرجعية
تتمثل أزمة المجتمعات المغلقة والمأزومة في كونها تحولت إلى "دلاء استبدادية"، حيث تحرص السلطات الشمولية والرجعية على صياغة بيئة اجتماعية وثقافية تمنع أي حراك تجددي مستقل. وفي هذه البيئات، تشيع قيم تفكك المعايير والضوابط الأخلاقية، حيث يؤدي ضعف المؤسسات وغياب العدالة في توزيع الموارد المادية والمعنوية إلى نشوء صراع صفري مسموم يحتكر فيه المتنفذون كل شيء، ويصبح التقرب من السلطة وتلميع صورتها هو المعيار الوحيد للترقي الاجتماعي.
تتجلى خطورة البنية الاستبدادية في قدرتها على تعميم الخوف وتوظيفه أيديولوجياً وطائفياً. فبينما تمتلك بعض المجتمعات الحية القدرة على تجاوز عقدة الخوف التاريخي من السلطة وحماية مكتسباتها الدستورية، تظل مجتمعات أخرى أسيرة الفزع والترهيب السلطوي الذي يعيد إنتاج الديكتاتورية تحت مسميات طائفية أو أمنية. ويستخدم الساسة في الدول المأزومة الصراعات الفرعية كمعاول هدم تحرم المواطنين من أبسط مقومات العيش الكريم، مستفيدين من حالة النقص والشعور بالدونية التي تتملك الفرد المقهور داخل الدلو المأزوم.
دور "المثقف المتفلسف"
في سياق الدلو الاستبدادي، يبرز نموذج "المثقف المتفلسف" كفاعل محوري في ترسيخ آليات عقلية السلطعون. وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون المثقف حامياً لقيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، ومحفزاً للوعي التجديدي، تسقط فئات واسعة من النخب الثقافية في قعر السلطة السياسية، لتتحول إلى أدوات لتبرير الاستبداد وتسويغ القمع وإشاعة التفرقة. ويظهر التمايز جلياً بين:
المثقف العضوي: الذي ينغرس في هموم مجتمعه وقضايا وطنه مدافعاً عن الحقوق الأساسية للإنسان.
المثقف المتفلسف الانتهازي: الذي يبيع أفكاره لقاء المال والجاه، مفضلاً التنظير في القصور والفنادق الفخمة لصالح النظم الشمولية ومصالح السلطات الرجعية والمتنفذين.
تتجلى الانتهازية الثقافية في سعي هؤلاء للاحتفاظ بـ "رأس المال الرمزي" واحتكاره بالكامل. يتجلى ذلك في الصراعات الأكاديمية والثقافية التي تدور حول الهيمنة الرمزية؛ إذ يعمد بعض أدعياء المعرفة من ذوي الشهادات العليا إلى تشويه سمعة زملائهم المتميزين عبر بث الشائعات الكيدية والوشاية بهم في ردهات البلاط الإداري والسياسي، تفادياً لبروز أي كفاءة حقيقية تفضح ركودهم المعرفي والأخلاقي.
التبعية الأيديولوجية وقمع المختلف:
تميل النظم السلطوية المعاصرة إلى فرض التماثل بين الثقافة والإعلام والأيديولوجيا الرسمية، مما يسهم في سحق الفكر النقدي المستقل وإلغاء أي خصوصية، وتتحول فيه الثقافة إلى غوغائية تمجد "ثقافة القطيع" واللامبالاة وانتظار الخلاص الخارجي. يُظهر التاريخ الفكري أن المبدعين والطليعيين الحقيقيين لطالما واجهوا عداءً شرساً من بيئاتهم الثقافية والرجعية المتزمتة. كما أدت الهيمنة الاستهلاكية في العقود الأخيرة إلى سقوط الحركة الثقافية في فخ السطحية والنفعية والبحث عن الثراء السريع، مما عرضها لانتقادات لاذعة من نقاد شجعان تصدوا لتخريب الذائقة العامة ورفضوا ركوب موجات الاستهلاك المبتذلة.
تجليات عقلية السلطعون في الحياة اليومية والواقع الرقمي
تتخلل عقلية السلطعون البنى التفاعلية للمجتمعات المأزومة بتمظهرات متباينة تمتد من الفضاء الأسري الضيق إلى البيئة المهنية والرقمية الواسعة. وفي بيئات العمل، يتحول السعي للتميز الفردي إلى "تهمة" صريحة ومصدر تهديد للزملاء والرؤساء على حد سواء، حيث يتغلغل هذا النمط السلوكي في العلاقات الوظيفية عبر الغيرة المهنية والتحرش المعنوي.
تحولت وسائل التواصل الاجتماعي في العصر المعاصر إلى بيئة وبائية بامتياز لإنتاج عقلية السلطعون على نطاق جماعي. فعندما ينشر أحد الأفراد إنجازاً علمياً، أو رياضياً، أو نمط حياة إيجابي، سرعان ما تنهال التعليقات الساخرة والمحبطة التي تسعى لجر الفاعل إلى الأسفل.
يتم استخدام استراتيجيات الطعن والتشكيك التلقائي مثل ادعاء الغش أو نيل المناصب بالوساطة والمحاباة بغية منع المتميز من الاستمتاع بلحظة تفوقه، والحفاظ على بيئة سلبية موحدة ومسطحة تحارب كل طاقة خلاقة ومبتكرة.
المسارات السوسيولوجية للانهيار الحضاري
إن استمرار دوران المجتمعات المأزومة في حلقة الفشل المفرغة يعزى إلى شبكة معقدة من العلاقات السببية التي يغذيها تحالف "المثقف المتفلسف" مع النظم البيروقراطية والاستبدادية السائدة. وتوضح نظرية "الفجوة المعرفية" أن تدفق المعلومات عبر وسائل الإعلام والتعليم قد يميل إلى زيادة اتساع الفجوة المعرفية بين الفئات ذات المستوى التعليمي المرتفع وتلك ذات المستوى المنخفض بدلاً من ردمها، عندما تكون البيئة المؤسسية قائمة على الاحتكار.
في بيئة السلطعون، يوظف المثقف المتفلسف تباين المعرفة هذا ليس لرفع وعي الجماهير، بل لترسيخ التبعية ونشر الجهل والخرافات؛ لضمان بقائه في موقع المفسر والوسيط الأوحد لدى السلطات الرجعية.
مقاربات الخلاص وتفكيك جدران "الدلو الاجتماعي"
تتطلب عملية تحرير المجتمعات من ربقة عقلية السلطعون وكبح ممارسات المثقف المتفلسف حزمة من التحولات الجذرية والمهيكلة التي تتجاوز مجرد الوعظ الأخلاقي لتطال صلب البنية التشريعية والتربوية والمؤسسية:
مأسسة الشفافية وتطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة: فرض معايير تقييم موضوعية وصارمة لإنجازات الأفراد والباحثين في المؤسسات الأكاديمية والمهنية، والاعتماد على لجان تقييم خارجية ومستقلة لتجاوز المحسوبية والغيرة الإدارية السائدة.
وضع الحدود النفسية والتعاطف المشروط: كما تبرز الأدبيات الفلسفية المعاصرة، فإن "التعاطف المفرط بلا حدود يعد شكلاً من أشكال الإيذاء الذاتي"؛ لذا يجب على الأفراد الطامحين للتميز وضع مسافة آمنة تفصلهم عن الدوائر السلبية والسامة، والامتناع عن طلب الرضا والقبول من بيئة أدمنت التقويض والتقليل من شأن المبدعين.
تأسيس بيئات حاضنة بديلة ومنفتحة حضارياً: تشكيل شبكات دعم متبادل تجمع المبتكرين والنوابغ والمثقفين العضويين النزهاء الذين يربطون معرفتهم بهموم الشارع وقضايا التنمية، والتركيز على العمل المبدع في صمت، ليكون النجاح الفعلي على أرض الواقع هو ما يحدث الضجيج ويكسر جدران الدلو الاجتماعي الضيق.
إن نجاح أي مجتمع في الخروج من "دلو الفشل" يتوقف بالدرجة الأولى على قدرته على تحويل النجاح الفردي من كونه تهمة تستحق العقاب والسحب إلى الأسفل، إلى كونه رافعة حضارية تفتح مسارات تنموية جديدة يستفيد منها الجميع، لتصعد المجموعة بأكملها نحو آفاق التطور والازدهار والكرامة الإنسانية المشتركة.
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟