أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية العروس الصامتة.. بييرجورجيو بوليكسي:















المزيد.....

رواية العروس الصامتة.. بييرجورجيو بوليكسي:


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 18:50
المحور: الادب والفن
    


لطالما وجدت في الروايات البوليسية العالم الأدبي الأقرب إلى ذائقتي؛ ذلك الفن الذي يقوم على الدقة والصبر والقدرة على بناء الحكاية من أثر صغير أو سؤال غامض. كتبت روايتين بوليسيتين، وأعرف جيدا مقدار الحرفية التي يتطلبها هذا النوع، من هندسة الحبكة إلى توزيع الأسرار وإدارة فضول القارئ. ومع ذلك، ما زال يُنظر إلى الرواية البوليسية في كثير من الأحيان باعتبارها من الأدب الخفيف، وهو حكم لم أفهمه يوما، لأن وراء أفضل الأعمال في هذا المجال بناء معقدا وأسئلة تتجاوز الجريمة نفسها. ولولا هذا التصنيف المسبق، لما كتبت سوى الروايات البوليسية.

هناك روايات بوليسية تنشغل بالإجابة عن سؤال واحد: من ارتكب الجريمة؟ في المقابل، تأخذ رواية "العروس الصامتة" La mariée silencieuse للكاتب الإيطالي بييرجورجيو بوليكسي مسارا مختلفا، إذ تجعل الجريمة نقطة انطلاق لفهم منظومة كاملة تسمح للعنف بالاستمرار، خاصة ذلك الذي يستهدف النساء.

تدور الأحداث في ميلانو، حيث تمر أشهر على مقتل ماريا دوناتا، التي وُجدت داخل منزلها مرتدية فستان زفاف لا يخصها. ورغم إغلاق الملف دون الوصول إلى نتيجة مقنعة، يتمسك والدها، إيتالو سيو، بالأمل في كشف الحقيقة. وبعد محاولات متكررة، ينجح في إقناع نائب رئيس الشرطة فيتو ستريغا بإعادة التحقيق، ليبدأ الأخير العمل مع المفتشين إيفا كروتشي وبيبي بافان.

تتزامن إعادة فتح القضية مع سلسلة من جرائم قتل النساء والاعتداءات التي تهز المدينة. تبدو الوقائع منفصلة في البداية، ثم تتكشف معالم رابط يجمعها تدريجيا. وكلما تعمق التحقيق، ازدادت المفارقات، خاصة أن كل مشتبه به يمتلك حجة تبدو كاملة، الأمر الذي يدفع المحققين إلى الشك في الصورة الظاهرة والبحث عما يختبئ خلفها.

يستثمر بوليكسي هذه الفكرة بطريقة تعكس طبيعة التحقيق في الرواية، إذ تصبح الحجة المحكمة نفسها سببا لمزيد من الريبة، لأن الحقيقة لا تظهر دائما في أكثر الروايات تماسكا، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي تكشف التناقضات المخفية.

ولا يكتفي الكاتب بتقديم العنف بوصفه سلسلة من الجرائم المنفصلة، فهو يحاول تتبع الآليات التي تجعل هذه الجرائم ممكنة، وهذا ما يمنح الرواية بعدها الاجتماعي بعيدا عن حدود التحقيق التقليدي.

يذكرني هذا البناء ببعض الروايات البوليسية الأوروبية الحديثة التي تعتمد على كشف الطبقات المتراكمة خلف الجريمة، مثل روايات المحقق هاري هول، حيث لا تكون القضية منفصلة عن تاريخ الشخصيات وجراحها القديمة. الاختلاف أن عالم بوليكسي أكثر انشغالا بالبنية الجماعية للعنف، إذ يبحث عن الصمت الذي يحيط بالجريمة بقدر بحثه عن مرتكبها.

لا تكمن قوة الرواية في التشويق وحده، فالتشويق عند بوليكسي لا يأتي منفصلا عن الفكرة التي يبني عليها العمل، إذ ينظر إلى جرائم قتل النساء بوصفها نتيجة مسار طويل يبدأ بالإهانة، ثم السيطرة، ثم العزل، قبل أن يصل إلى العنف الصريح. ومن خلال تكرار هذا النمط في أكثر من قضية، يلفت الانتباه إلى أن المشكلة لا تنحصر في جريمة واحدة، وإنما ترتبط بآليات تتكرر في كل مرة مع اختلاف الأشخاص.

ومن أبرز الأفكار التي يبني عليها بوليكسي عمله فكرة الصمت. قد تخفي الضحية ما تتعرض له، وقد يتجاهل المحيطون بها المؤشرات، وقد تتعامل الجهات المسؤولة مع الشكاوى ببطء أو إهمال، بينما يختار آخرون إخفاء ما يعرفونه. ومع تراكم هذه المواقف، تصبح الجريمة أسهل وقوعا، لأن كل حلقة تمهد الطريق للحلقة التالية.

ويتطرق الكاتب أيضا إلى المجموعات الذكورية المتطرفة التي تنشط عبر الإنترنت، حيث تتحول مشاعر الإحباط والكراهية إلى خطاب جماعي يغذي العنف. اللافت أن الشخصيات لا تُقدم في صورة نماذج متشابهة، فلكل واحد منها دوافعه الخاصة والطريقة التي يبرر بها أفعاله أمام نفسه، وهو ما يمنح الرواية قدرا كبيرا من الواقعية.

ولا تتوقف الموضوعات عند العنف ضد النساء، إذ تمتد إلى العنصرية والتمييز ضد المختلفين بسبب أصولهم أو مظهرهم. ويظهر النص أن الكراهية، مهما اختلف هدفها، تنبع من الذهنية نفسها التي تبحث دائما عن شخص تُسقط عليه الإحباطات والمشكلات.

على المستوى السردي، نجح بوليكسي في بناء حبكة محكمة تجمع بين أكثر من خط زمني ومكاني. فبينما يتقدم التحقيق في ميلانو، يجري في الوقت نفسه البحث في ماضي الضحية داخل سردينيا، ليكتمل المشهد قطعة بعد أخرى حتى تتضح الصورة النهائية. كما تأتي الإشارة إلى رواية "الغريبان في القطار" لباتريشيا هايسميث كلمسة أدبية تخدم تطور الأحداث ولا تقتصر على التحية الأدبية.

ويقترب هذا البناء من بعض أعمال كاميلا لاكبيرغ التي تجعل العودة إلى الماضي جزءا من تفكيك الجريمة، حيث تكشف حياة الضحية تدريجيا عن علاقات ومواجهات كانت مخفية قبل وقوع الحادثة. عند بوليكسي، لا يبحث التحقيق في تاريخ ماريا دوناتا من أجل استكمال المعلومات فقط، فكل تفصيل قديم يغير طريقة فهم الجريمة ويعيد ترتيب الأسئلة حول المسؤولية والسكوت المحيط بها.

ورغم متعة التحقيق البوليسي، يبقى الجانب الفكري هو الأكثر حضورا. فالرواية تناقش العنف القائم على النوع الاجتماعي، والتطرف الذكوري في الفضاء الرقمي، والعنصرية، والتمييز، مستخدمة أدوات الرواية البوليسية لاستكشاف هذه القضايا بعمق. ولا يقدم بوليكسي هذه القضايا من خلال خطاب مباشر أو مواقف جاهزة، إذ يجعلها تتكشف عبر الأحداث والشخصيات ومسار التحقيق. لذلك تأتي الأسئلة التي تطرحها الرواية من داخل العالم الروائي نفسه، وهو ما يمنحها تأثيرا أكبر ويجعل القارئ يشارك في اكتشاف أبعادها بدل تلقيها كأفكار مسبقة.

ويزداد تأثير العمل بفضل الشخصيات التي رافقت القراء عبر سلسلة "أغاني الشر"، حيث يواصل الكاتب تطويرها مع كل جزء، إلى جانب الحضور اللافت لجزيرة سردينيا التي تضفي على الأحداث بعدا إنسانيا ومكانيا مميزا.

ورغم ثقل الموضوعات التي يناقشها النص، لا يخلو السرد من مساحات من الدعابة تتسلل عبر الحوارات والتفاعلات بين الشخصيات. وتمنح هذه اللمسات الرواية إيقاعا أكثر توازنا، وتخفف من حدة الأجواء من دون أن تنتقص من جدية القضايا التي تطرحها.

تقدم "العروس الصامتة" أكثر من رواية تشويق؛ فهي عمل يطرح أسئلة صعبة حول المجتمع والعدالة والعنف، ويوازن بين الحبكة المحكمة والموضوعات الإنسانية، ما يجعلها تجربة جديرة بالاهتمام لدى محبي الروايات البوليسية ذات العمق الاجتماعي.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- راشيل، الغيابُ الطويل.. والجدران التي تعرف أكثر (في الغياب ن ...
- سلطان وبغايا.. تفكيك للمدينة ولجهاز إنتاج المعنى
- رواية عهد الماء: عندما يصبح الزمن نهرا من المصائر والذاكرة
- ذاكرة شمبانيا: نص فرنسي المرجع والبناء
- برشلونة الحلم.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- أصوات الموتى وإعادة تشكيل العالم في رواية حبيبتي مريم
- بين بحرٍ وزيتون.. من ديوان: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- تقريظ الروائي الكبير برهان شاوي لروايتي ذاكرة شمبانيا
- حين تتحول الحياة إلى اختبار للمعنى: قراءة في رواية متتالية ح ...
- من ديوان في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- رواية ذاكرة شمبانيا: إشكالية كتابة التاريخ بين السلطة والسرد
- غزّةُ المعنى، وحكايةٌ عن فلسطين.. ديوان: في الغياب نتعلم شكل ...
- الصامتون، تشريح أدبي لعنف الورق وجناية الأحكام المسبقة
- حين يتحوّل الحُبّ إلى فخّ في رواية في الأدغال
- كنيسة سانت جيمس.. من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- كيف تعيدنا رواية أنا أنايس بيرغ إلى فجواتنا المنسية؟
- قصائد من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- حين يلتهم الحديد اللحم البشري في الأيام العظيمة
- عندما تهاجمنا الطفولة المفقودة في اقتلوهم جميعا
- كتابة الذات خارج يقينها


المزيد.....




- لاجئ سوري يقترب من تحقيق حلمه في البطولة الأشهر عالميا للفنو ...
- بميزانية بسيطة.. كيف أعاد فيلم -حليمة- السينما المغربية لمنص ...
- حق الأداء العلني: لماذا يعارضه منتجون ويطالب به فنانون في مص ...
- ماريا بالاندينا تتولى إدارة متحف موسكو خلفا لآنا ترابكوفا
- توم كروز كما لم ترونه من قبل في الفيلم المرتقب -DIGGER-
- فرد حجاية: أم كلثوم في بغداد.. حكاية الزيارة الثانية بعد نصف ...
- فرد حجاية: الجانب المنسي من حياة الشاعر الكبير معروف الرصافي ...
- في عيدها الخمسين.. بوتين يشيد بمسيرة راقصة الباليه ديانا فيش ...
- الإقبال على موسيقى البوب الروسية يقفز سبعة أضعاف في ثلاثة أش ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة من العصر الرعامسي في الضفة الغربية للأقصر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية العروس الصامتة.. بييرجورجيو بوليكسي: