أحمد زكرد
باحث في مجال الفلسفة و العلوم الانسانية
(Ahmed Zakrad)
الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 01:06
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لا يكاد يوجد في حقل ديداكتيك الفلسفة موضوع أثار، خلال العقود الأخيرة، من النقاشات النظرية والممارسات التربوية بقدر ما أثارته مسألة تقويم الإنتاج الفلسفي. ويعود ذلك إلى أن التقويم في الفلسفة لا يواجه فقط إشكالات تقنية مرتبطة بتوزيع النقط أو توحيد معايير التصحيح، بل يصطدم بإشكال إبستمولوجي أكثر عمقًا يتعلق بطبيعة المعرفة الفلسفية ذاتها. فالفلسفة ليست علمًا تجريبيًا يقدم نتائج قابلة للتحقق بواسطة بروتوكولات موحدة، وليست رياضيات يمكن فيها رد كل مسألة إلى برهان يقود إلى نتيجة واحدة، وإنما هي نشاط عقلي يقوم على بناء الإشكالات، وإنتاج المفاهيم، وتشييد الحجج، وإعادة مساءلة البداهات. ومن ثم فإن أي محاولة لتقويمها لا يمكن أن تنفصل عن التصور الذي نتبناه لمعنى التفلسف نفسه، لأن التقويم لا يقيس المعرفة فقط، بل يعيد تعريفها داخل المؤسسة التعليمية.
لقد أفرزت المدرسة الحديثة، بدافع البحث عن العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص، منظومات متزايدة الدقة في التقويم، تمثلت في شبكات التنقيط، وعناصر الإجابة الرسمية، والمؤشرات المرجعية التي تهدف إلى تقليص الفوارق بين المصححين وضبط الأحكام التقويمية. ولا جدال في أن هذا التوجه استجاب لحاجة مؤسساتية مشروعة؛ فغياب المعايير يفتح الباب أمام الاعتباطية، ويجعل النقطة رهينة للانطباعات الشخصية والميول الفردية. غير أن هذا المكسب التنظيمي يخفي في داخله مفارقة دقيقة، تتمثل في أن الأداة التي وضعت لضمان العدالة قد تتحول، إذا فُهمت بوصفها نموذجًا مغلقًا للإجابة، إلى آلية تعيد تشكيل طبيعة التفكير الفلسفي المدرسي، بحيث لا يعود المتعلم مطالبًا بإنتاج تفكير قابل للنقاش، وإنما بإنتاج خطاب قابل للاعتراف المؤسسي.
وهنا تكمن الإشكالية الجوهرية التي يسعى هذا المقال إلى تفكيكها؛ فالمشكلة لا تكمن في وجود عناصر الإجابة الرسمية في حد ذاتها، لأن كل تقويم يحتاج إلى مرجع يحتكم إليه، وإنما في التحول الذي قد يصيب وظيفتها داخل الممارسة التربوية. فبين المرجع الذي يوجه عملية الحكم، والنموذج الذي يحدد مسبقًا ما ينبغي التفكير فيه، مسافة فلسفية واسعة كثيرًا ما يتم إغفالها. عندما تصبح عناصر الإجابة مرجعًا، فإنها تفتح أمام المصحح أفقًا للفهم، وتساعده على تقدير جودة الحجاج واتساق البناء المفاهيمي. أما عندما تتحول إلى نموذج مغلق، فإنها تنتج تصورًا ضمنيًا مفاده أن التفكير الجيد هو التفكير المطابق، وأن النجاح يقاس بمدى الاقتراب من أفق انتظار المؤسسة، لا بمدى أصالة المسار الحجاجي الذي بناه المتعلم.
إن هذا الانتقال من «مرجعية التقويم» إلى «نمذجة التفكير» هو، في تقديرنا، أخطر تحول عرفته الممارسة التقويمية في تدريس الفلسفة. فالتلميذ لا يتعلم فقط كيف يجيب عن سؤال فلسفي، بل يتعلم، بصورة غير مباشرة، أي نوع من التفكير يحظى بالاعتراف المدرسي. ومع مرور الزمن، تتكون لديه صورة ضمنية عن المقال الناجح، لا باعتباره بناءً فلسفيًا مفتوحًا، وإنما باعتباره بنية خطابية ينبغي أن تستجيب لتوقعات محددة سلفًا. وبهذا المعنى، فإن المؤسسة التعليمية لا تكتفي بتقويم الإنتاج الفلسفي، بل تساهم أيضًا في إنتاج نمط مخصوص من العقل المدرسي، عقل يتقن التوقع أكثر مما يتقن التساؤل، ويجيد إعادة تركيب المضامين أكثر مما يجيد إعادة بناء الإشكالات.
ولعل أول ما ينبغي مساءلته في هذا السياق هو التصور الضمني للحقيقة الذي تستند إليه بعض الممارسات التقويمية. ففي العلوم الطبيعية، يمكن الحديث عن نتائج قابلة للاختبار والتكرار، ولذلك يبدو البحث عن إجابة مرجعية أمرًا مفهومًا إلى حد بعيد. أما في الفلسفة، فإن الحقيقة لا تتجسد في تطابق الجواب مع نموذج سابق، بل في قوة المسار الذي يقود إليه. إن قيمة المقال الفلسفي لا تُستمد من النتيجة التي ينتهي إليها، وإنما من كيفية تشييد الإشكال، ودقة بناء المفاهيم، وانسجام الحجاج، والقدرة على مناقشة الاعتراضات، وإعادة تركيب المواقف في أفق جديد. لذلك فإن اختزال التقويم في مطابقة مضامين محددة لا يعني فقط تبسيط الفعل الفلسفي، بل يعني أيضًا نقله من فضاء التفكير إلى فضاء الاستظهار.
لقد بين جيل دولوز أن الفلسفة ليست تكرارًا للمفاهيم، وإنما هي فن إنتاج المفاهيم. وهذا التصور يغير جذريًا طبيعة ما ينبغي أن يقاس داخل الامتحان الفلسفي. فإذا كانت الفلسفة إنتاجًا للمفاهيم، فإن القيمة التربوية للمقال لا تكمن في استدعاء أسماء الفلاسفة أو إعادة عرض مواقفهم، بل في قدرة المتعلم على جعل هذه المفاهيم أدوات حية لفهم الإشكال المطروح. أما إذا تحولت المفاهيم إلى علامات مدرسية توظف فقط لإرضاء شبكة التنقيط، فإنها تفقد وظيفتها الفلسفية، وتصبح مجرد مؤشرات على الانتماء إلى النموذج المتوقع.
ومن هنا يمكن القول إن عناصر الإجابة الرسمية لا تمارس تأثيرها عبر مضمونها الصريح فقط، بل عبر ما تنتجه من تمثلات ضمنية حول طبيعة المعرفة المشروعة. فهي لا تقول للمتعلم: «هذا هو الجواب الصحيح» بشكل مباشر، لكنها قد توحي له بأن هناك مسارًا أكثر أمانًا من غيره، وأن الخروج عنه ينطوي على مخاطرة قد تنعكس على النقطة النهائية. وهكذا تتشكل تدريجيًا ثقافة مدرسية تجعل الاحتياط المعرفي يتغلب على الجرأة الفلسفية، ويصبح السؤال الأساسي الذي يوجه الكتابة هو: «ماذا ينتظر المصحح؟» بدلًا من: «ما الموقف الذي أستطيع الدفاع عنه فلسفيًا؟».
وهذا التحول لا يمكن فهمه إلا إذا أدركنا أن التقويم ليس عملية قياس محايدة، بل هو ممارسة تنتج آثارًا معرفية وثقافية بعيدة المدى. فكل نظام تقويمي يحمل في داخله تصورًا للمعرفة، وصورة للمتعلمين، وتعريفًا ضمنيًا لما يعتبر نجاحًا. ومن ثم فإن عناصر الإجابة الرسمية، مهما بدت تقنية ومحايدة، تشارك في إعادة تشكيل العلاقة التي يقيمها المتعلم مع الفلسفة، لأنها تحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الحدود التي يبدو داخلها التفكير مشروعًا وقابلًا للاعتراف.
إن النظر إلى عناصر الإجابة الرسمية باعتبارها مجرد وثائق تقنية لتنظيم التصحيح يحجب طبيعتها العميقة بوصفها خطابًا معرفيًا (Discours épistémique) يحمل تصورًا ضمنيًا لماهية التفكير الفلسفي المشروع. فالوثيقة التقويمية لا تقتصر على تحديد ما ينبغي أن يُمنح عليه المتعلم نقطة، وإنما ترسم، في الوقت نفسه، الحدود التي يصبح داخلها التفكير معترفًا به مؤسساتيًا. ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي طرحه لا يتعلق فقط بما إذا كانت عناصر الإجابة تحقق العدالة بين المترشحين، بل بما إذا كانت تعيد إنتاج تصور معين للفلسفة، وتحول هذا التصور إلى معيار ضمني للحكم على جودة الإنتاج الفكري.
إن هذا التحول لا يحدث بصورة صريحة أو مقصودة، بل يتسلل إلى الممارسة التربوية عبر ما يمكن تسميته بـ"السلطة الصامتة للمعيار". فالمعيار لا يفرض نفسه دائمًا من خلال الإلزام المباشر، بل من خلال قدرته على تشكيل التوقعات. ومع تكرار الممارسة، يبدأ الأستاذ، ثم المتعلم، في بناء صورة ذهنية عن "المقال الجيد"، لا انطلاقًا من طبيعته الفلسفية، وإنما من مدى توافقه مع البنية التي اعتادت المؤسسة الاعتراف بها. وهكذا تنتقل عناصر الإجابة من وظيفتها الأصلية باعتبارها مرجعًا استئناسيًا إلى وظيفة جديدة أكثر تأثيرًا، هي إنتاج نموذج ضمني للكتابة والتفكير.
وتتجلى خطورة هذا الانتقال في أن الفلسفة، بخلاف كثير من المعارف المدرسية، لا تُعرَّف بنتائجها، وإنما بطريقة اشتغالها. فالاختلاف بين مقالين فلسفيين لا يكمن فقط في اختلاف المواقف، بل في اختلاف المسارات الحجاجية التي تقود إلى هذه المواقف. فقد ينطلق متعلمان من الإشكال نفسه، ويصل كل منهما إلى نتيجة مختلفة، ومع ذلك يكون كلاهما قد أنجز عملًا فلسفيًا رصينًا إذا كان مسارهما قائمًا على مفهمة دقيقة، وحجاج متماسك، ونقد واعٍ للمسلمات. غير أن القراءة النمطية لعناصر الإجابة قد تجعل أحد هذين المسارين يبدو أكثر "شرعية" لأنه يقترب من الأفق المتوقع، بينما يُنظر إلى الآخر بوصفه خروجًا عن المطلوب، رغم سلامته المنهجية.
وهنا يظهر التوتر العميق بين منطقين مختلفين: منطق المؤسسة الذي يبحث عن القابلية للمقارنة والتوحيد، ومنطق الفلسفة الذي يحتفي بالاختلاف المنتج. فالمؤسسة لا تستطيع أداء وظيفتها من دون معايير، لأن غيابها يفتح الباب أمام الاعتباطية، بينما لا تستطيع الفلسفة أن تحافظ على هويتها إذا تحولت معاييرها إلى صيغ مغلقة تحدد مسبقًا ما ينبغي التفكير فيه. ومن ثم فإن القضية ليست اختيار أحد المنطقين وإقصاء الآخر، وإنما البحث عن صيغة تجعل المعيار يحمي حرية التفكير بدل أن يحاصرها لقد بين هانز-جورج غادامير أن كل فعل للفهم هو فعل تأويل، وأن القارئ لا يدخل إلى النص بوصفه ذاتًا فارغة، بل يحمل معه أفقًا من الانتظارات والخبرات السابقة. وإذا كان هذا الأمر ينطبق على قراءة النصوص الفلسفية، فإنه ينطبق أيضًا على قراءة أوراق الامتحان. فالمصحح لا يواجه مقالًا مجردًا، وإنما يقرأه من خلال تكوينه، وتجربته، وتمثلاته لما ينبغي أن يكون عليه المقال الفلسفي الجيد. ولذلك فإن الاعتقاد بإمكان تحويل عملية التصحيح إلى تطبيق ميكانيكي لشبكة التنقيط يغفل الطبيعة التأويلية للحكم التقويمي.
ولا يعني ذلك السقوط في النسبية أو إنكار إمكان الموضوعية، بل يعني إعادة تعريف الموضوعية نفسها. فالموضوعية في العلوم الإنسانية لا تتحقق بإلغاء دور الذات، وإنما بتنظيم حضورها عبر معايير واضحة، ونقاش مهني، وتبرير عقلاني للأحكام. إن المصحح لا يكون موضوعيًا لأنه تخلى عن تأويله، بل لأنه جعل هذا التأويل خاضعًا لقواعد مشتركة وقابلًا للمساءلة. ومن هنا فإن عناصر الإجابة ينبغي أن تُفهم بوصفها أدوات لتنظيم التأويل، لا وسائل لإلغائه، لأن إلغاء التأويل في الفلسفة يعني، في نهاية المطاف، إلغاء الفلسفة نفسها.
ويتقاطع هذا التحليل مع تصور بول ريكور الذي يميز بين الفهم الساذج والفهم النقدي. فالنص الفلسفي لا يستهلك معناه في قراءة واحدة، بل يظل مفتوحًا على إمكانات متعددة للفهم، شرط أن تبقى هذه الإمكانات منضبطة بمنطق النص والحجاج. وإذا كان المقال الفلسفي الذي يكتبه المتعلم نصًا جديدًا، فإن قراءته ينبغي أن تراعي هذا الانفتاح، لا أن تبحث فقط عن مدى مطابقته لصيغة مرجعية. إن المصحح، في هذه الحالة، لا يقارن النص بنموذج جاهز، بل يحاول أن يفهم منطقه الداخلي، ويختبر مدى اتساقه، وقدرته على معالجة الإشكال المطروح.
ومن زاوية أخرى، تكشف السوسيولوجيا التربوية، خاصة مع بيير بورديو، أن المدرسة ليست فضاءً محايدًا لإنتاج المعرفة، بل هي أيضًا مؤسسة لإنتاج الشرعية الثقافية. فهي تمنح الاعتراف لأنماط معينة من التعبير، وتضفي عليها قيمة أعلى من غيرها، حتى تبدو وكأنها التعبير الطبيعي عن الكفاءة، بينما تكون في الواقع نتيجة تاريخ طويل من بناء المعايير. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى بعض الاستخدامات الصارمة لعناصر الإجابة باعتبارها شكلًا من أشكال العنف الرمزي، ليس لأنها تمنع التفكير صراحة، بل لأنها تجعل نمطًا واحدًا من التفكير يبدو وكأنه الشكل الوحيد المشروع للتفلسف داخل المدرسة.
غير أن العنف الرمزي هنا لا يتجلى في رفض الإجابات المختلفة، بل في دفع المتعلم، بصورة غير واعية، إلى ممارسة رقابة ذاتية على تفكيره. فهو يتخلى، تدريجيًا، عن المسارات التي يراها أكثر قدرة على التعبير عن فهمه، ويفضل المسارات التي يتوقع أنها ستكون أكثر قبولًا لدى المصحح. وهكذا تتحول الكتابة الفلسفية من مغامرة عقلية إلى عملية تفاوض مع توقعات المؤسسة، ويصبح الامتحان تدريبًا على قراءة ذهن المصحح أكثر من كونه تدريبًا على بناء موقف فلسفي مستقل.
إن أخطر ما في هذه العملية أنها لا تُقصي حرية التفكير بقرار معلن، وإنما تعيد تشكيلها من الداخل. فالمتعلم يظل يعتقد أنه يفكر بحرية، لكنه يفكر داخل حدود رسمتها مسبقًا الثقافة التقويمية السائدة. وكلما ازدادت خبرته بالامتحانات، ازداد ميله إلى تبني ما يمكن تسميته بـ"العقل الاستراتيجي"، أي العقل الذي لا يسأل: ما الحجة الأقوى؟ بل يسأل: ما الجواب الذي يمنحني أكبر عدد من النقط؟ وعند هذه اللحظة، تكون الفلسفة قد فقدت جزءًا من وظيفتها التربوية، لأنها لم تعد تعلم المتعلم كيف يبني موقفًا، بل كيف يدير مخاطره التقويمية.
#أحمد_زكرد (هاشتاغ)
Ahmed_Zakrad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟