|
|
تطور المعرفة من الحدس إلى النص
جوزيف تحوت
كاتب
(Jousseph Thouth)
الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 11:09
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
كم مرة يحدث لك ككاتب أن تشعر بالارتياح والاستحسان إزاء تعبير دون تعبير وكلاهما يدور حول نفس المعنى؟ كم مرة يحدث لك ككاتب أن تشعر بالانزعاج والاستهجان إزاء مسلك أسلوبي ما ولا يستقر ذوقك إلا بالجنوح عنه إلى تعبير آخر؟ هل جربت من قبل أن تفتش في نفسك عن علة أو موضع يبرر ما تشعر به من ارتياح أو انزعاج إزاء ما يعرض لك من مسالك أسلوبية مختلفة؟ وهل كنت موفقا في كل مرة بحيث تنجح في تحديد موطن وعلة الاستحسان أو الاستهجان؟ وقَدِّرْ أنك نجحت في معرفة موطن وعلة الاستحسان أو الاستهجان فهل تنجح في ذلك ما إن تطلبه؟ أم لا بد من إعمال فكر ونظر مع ما قُدِّرَ لك من ثقافة وذكاء لغوي؟ ثم ما معنى أن تنجح في تحديد موطن وعلة الشعور إلا أن تصوغ هذا الموطن وتلك العلة في نص واضح ومفهوم مكون من أجزاء وعلائق واضحة يقبل التسجيل وإعادة الفهم من ذات الكاتب فيما بعد أو التداول والفهم من القراء الآخرين، ولا فرق بين أن يكون هذا النص مسموعا في أذنك أو مسموعا في عقلك أو مسطورا فوق الورق؟ وألا تسأل نفسك حينئذ أين تقع تلك النقطة التي تفصل بين كونك عالما بمضمون هذا النص وبين كونك جاهلا به؟ هل كنت تعلم بمضمونه قبل أن تحوله إلى عبارة منظمة تقبل التسجيل والتداول؟ إذن، فلماذا لم تفلح في التعبير عنه وتحويله إلى نص إلا بعد أن أعملت فكرك وأطلت نظرك وشققت في ذلك على نفسك؟ وهل كانت هذه المشقة لمجرد إبراز مضمون هذا النص في ثوب جميل بليغ؟ أم كانت هذه المشقة لمعرفة ماهيته وجزئياته وعلائقه بأي نص كان ما دام يعبر عن هذه الماهية في دقة ووضوح؟ وهل نشق على أنفسنا في التعبير عما نعرفه؟ وما دمنا لم نعرف مضمون هذا النص قبل أن نحوله إلى معرفة واضحة تقبل التسجيل والتداول فلمَ استجبنا له فيما يحثنا عليه من مفاضلة بين الأساليب والعبارات؟ بل كيف تأتى له أن يؤثر في سلوكنا اللغوي وأن يثير فينا ما أثاره من مشاعر الارتياح والاستحسان أو الانزعاج والاستهجان ونحن لا نعرفه أصلا؟ ولعل مضمون هذا النص حرك خياراتك اللغوية مرات ومرات قبل أن تنجح في صياغته ضمن نص واضح يقبل التداول؛ ثم قدر أنك أخفقت في معرفة موطن وعلة الاستحسان أو الاستهجان بعد أن أعملت فكرك وأطلت نظرك ولم تنجح بعد أن شققت على نفسك في تحديد موطن وعلة الاستحسان في نص واضح مكون من أجزاء وعلائق وإن كان نصا عاديا لا يمت إلى البلاغة بصلة، أتسمي نفسك حينئذ عارفا بمضمون هذا النص الذي أخفقت في صياغته؟ أم تسمي نفسك جاهلا به؟ وإن كنت عارفا به فكيف تعجز عن التعبير عنه في نص أيِّ نص؟ وإن كنت جاهلا به فكيف يؤثر في سلوكك اللغوي ويحركك نحو خيارات وبدائل بعينها في التعبير؟ وَقَدِّر أنك نجحت في تحديد موطن وعلة الاستحسان أو الاستهجان في نص واضح يقبل التداول، هل جربت أن تقارن بين حالك قبل صياغة هذا النص وبين حالك بعده؟ ألم تلاحظ أن شعورك بالاستحسان أو الاستهجان لم يكن متعلقا بموضع بعينه في التعبير وإنما كان متعلقا بالتعبير كله؟ وأنه بعد أن تحدد ضمن نص أصبح متعلقا بموضع معين في التعبير وخاصية أسلوبية معينة فيه؟ ألم يكن قبل النص محض شعور كلي ومدغم، مبهم أبكم لا يبين؟ فلما انتظم في النص أصبح شعورا جزئيا محددا يبين عن موضعه وعلته؟ وإن كنت ككاتب تجد في نفسك هذه الأحوال ألا تجدها في نفسك ويجدها غيرك في نفسه في معاشه وعلمه وعمله؟ في كل ما يعرض لك أو يعرض له كل يوم وفي كل اتجاه من خيارات؟ فتجد في نفسك انزعاجا إزاء خيار ولا تعرف لهذا الانزعاج علة إلا أنه موجود ويعمل في نفسك؟ وتجد في نفسك ارتياحا إزاء خيار آخر ولا تعرف لهذا الارتياح علة إلا أنه موجود ويعمل في نفسك؟ أما جرت العادة بتسمية هذا الشعور المبهم الكلي الذي يبرز في نفسك في صورة شعور عام بالارتياح أو الانزعاج عندما يتعرض إلى ما يستفزه من المثيرات باسم الحدس أو الإلهام؟ ألا يميل بعضنا إلى إضفاء نوع من القدسية على الحدس والإلهام وربطهما بنوع من المعرفة العليا التي لا تلتزم بشروط المعرفة البشرية التقليدية؟ ثم انظر إلى نفسك ككاتب موهوب تتميز بحس مرهف: كم مرة يحدث لك أن تعبر عن مدارك وخصائص عميقة ودقيقة فتشعر في كل نص تنظمه بالقصور والعجز وأنه يشير ولا يقبض وينحو ولا يبلغ؟ تبني النص بعد النص وكل نص أعمق وأبلغ وأدق من سابقه لتقبض به حدسا أعمق وأشد فرادة من أن يصاغ في أيِّ نص، فلا تشعر بمثول الحدس في النص إلا شعورا مؤقتا لا يلبث أن يزول؟ ألم تسأل نفسك يوما ما علاقة هذه الظاهرة التي يجدها الإنسان العادي في نفسه بالمعرفة البشرية وباللغة وبالإبداع وبالأديان وبغيرها من الإنسانيات؟ وهو ما أطمح في هذا المقال إلى رصده وتسجيله والبلوغ به مداه، وسأبدأ في السطور التالية بتسجيل تصوري لتطور المعرفة بدءا من التقاطع في أفق الحس وأفق الشعور وانتهاء بانتظامها ضمن نص يعي ذاته ويقبل التداول تسجيلا نظريا مجردا من التطبيق أو الاستدلال، ثم أتبع ذلك بتوضيح للمفردات المستخدمة في الجانب التطبيقي من المقالة ولما من شأنه أن يكون بين هذه المفردات من علائق ومسافات، ثم أتبع ذلك بالمواقف اللغوية التي أوضح من خلالها ما أدعيه وأستدل عليه وهو ما يمثل الجانب التطبيقي من المقالة؛ ثم أختم المقالة بفهرس للمصادر والمراجع التي استعنت بها، وسأناقش هذه الأقسام ضمن المحاور التالية:
- تطور المعرفة: الحس، الحدس، الصورة، النص. - المصطلحات المستخدمة في الجانب التطبيقي: التداخلات والعلائق. - المفارقة بين سعر الجاريتين ووصفهما عند الجمحي. - مفارقة الجاريتين: من الجمحي إلى الآمدي. - عبد القاهر الجرجاني: المزية من الذوق إلى النص. - عبد القاهر الجرجاني يصل ما بدأه أبو القاسم الآمدي. - المعنى واللفظ عند عبد الكريم النهشلي. - المقاربة بين أبي نواس والرامي عند ابن رشيق. - القلم بين نظام الحدس ونظام النص. - الإبداع اللغوي كتحد لضرورات الوعي والنص.
تطور المعرفة: الحس، الحدس، الصورة، النص
تبدأ المعرفة بالتقاطع في أفق الحس بين مدركين حسيين متمايزين: لونين، رائحتين، ملمسين، صوتين، طعمين، أو بالتقاطع في أفق الشعور بين شعورين أو غريزتين مختلفتين؛ ونُحَصِّلُ من خلال هذه التجربة الواقعية معرفة كاملة، أي: معرفة ذات مستويين اثنين: معرفة منظمة تعي ذاتها ومضمونها واختصاصها وتقبل التسجيل والتداول ضمن النصوص، ومعرفة مضمرة لا تعي ذاتها ولا مضامينها ولا تقبل التداول، وهي المعرفة التي ستتطور فيما بعد لتنتج لنا معرفة جديدة ضمن نص منظم يعي ذاته ويقبل التداول؛ تتسرب إلينا هذه المعرفة المضمرة في صورة حدس دفين لا نعي وجوده في نفوسنا حتى نتعرض لمثير ينتمي إلى مجال اختصاصه، حينئذ يعبر هذا الحدس عن وجوده من خلال ما يثيره في نفوسنا من مشاعر عامة بالارتياح والاستحسان أو الانزعاج والاستهجان إزاء المثير؛ تتميز هذه المشاعر بأنها عامة وكلية فلا تتعلق بخاصية أو موضع معين في المثير وإنما تتعلق به كله، كما تتميز بأنها مدغمة ومدمجة فلا تتمايز فيها جزئيات وعلائق، كما تتميز بأنها بكماء فلا تبين عن موضعها أو علتها؛ وأقصى ما نلاحظه حتى هذه اللحظة هو مجرد وجود المعرفة المضمرة وتأثيرها، فلا نكون قادرين على إدراك أكثر من ذلك، حتى نمارس الاستبطان أو التفكير العكسي، أي: أن نتخذ من وعينا وشعورنا بالعالم موضوعا للدراسة بدلا من دراسة العالم نفسه، وقد ننجح حينئذ مع ما قُدِّرَ لنا من ثقافة وذكاء لغوي في تحويل هذه المعرفة المضمرة إلى معرفة منظمة تعي ذاتها وتقبل التداول، أي: نص، فالمعرفة تبصر جزئياتها وعلائقها ويكتمل وعيها بذاتها في النصوص؛ ولكننا لا ننتقل من مرحلة المعرفة المضمرة إلى مرحلة النص انتقالا مباشرا، بل لا بد أن نمر أثناء ذلك بمرحلة الصورة، فلا بد أن يقذف حدسك بالصورة التي تتحد في وقعها النفسي مع موضوع المعرفة المضمرة المراد التعبير عنها، وهذه الصورة التي يقذفها الحدس أمام حدقة الوعي هي الوسيلة التي ضمنها ومن خلالها نقارب المعرفة المضمرة ونُثَبِّت شعورنا بها، ويتحرك العقل ضمن هذه الصورة ويقيد حركته في النص الذي يسجل الصورة وحركة العقل في الصورة والشعور بموضوع المعرفة المضمرة الذي قابلته الصورة؛ وبذلك يصبح لدينا معرفة جديدة تعي جزئياتها وعلائقها ومواقعها وعللها ويكتمل وعيها بذاتها من خلال النص، وهي تقبل التسجيل والتداول.
هذا، وتتناقض طبيعة الحدس مع طبيعة النص تناقضا جوهريا قائما في أصل تكوين كل واحد منهما، فالحدس عميق ولا نهائي والنص محدود، والحدس متحرك ومتقلب والنص ثابت، والحدس مفرد لا يقبل التداول ولا التكرار والنص متداول موضوع لما من شأنه أن يكون موجودا في جنس مدلوله من أفراد، والحدس واحد ومتصل ومكتمل والنص مجزأ ضمن مفردات وعلائق؛ ورغم التناقض الجوهري العميق بين الحدس والنص يبقى الحدس مفتقرا إلى النص كي يدرك ذاته ويعبر عنها، ولذلك فإن الحدس يجتذب النص إليه ويضطلع بتشكيله وإعادة تشكيله من جديد كي يعبر عن نفسه في أدق وأبلغ ما يمكن من الصور؛ ولا يمكن لنا مهما بالغنا في ضبط النص أن نقبض به على الحدس، فالتناقض بينهما حقيقة جوهرية صلبة لا يمكن تجاوزها أو الفكاك منها، ومن ثم يستحيل على النص أن يقبض على الحدس قبضا مطلقا شاملا وأبديا، وإنما مُقدَّرٌ على النص أن يقارب الحدس باستمرار دون أن ينتهي إليه، وَمُقَدَّرٌ على الحدس أن يبقى مسجونا في فرادته وإطلاقه غير القابلين للمثول في اللغة إلى الأبد؛ وهذا التناقض بين الحدس والنص هو ما يدفع الحدس إلى الشعور بنفسه دائما وأبدا غريبا لا يجد تمثيله في النص، ومن ثم يعمل على هدم النص وتفكيكه وإعادة بنائه من جديد في بنيان أصدق في تمثيله والدلالة عليه، ولا يلبث الحدس أن يشعر في بنيانه الجديد بذات الغرابة التي شعر بها في كل بنيان سابق، فما يكون منه إلا أن يعاود هدم النص ليعاود بناءه من جديد، ومع كل مرة يصبح الحدس أكثر ضراوة وأشد شعورا بذاته الفردة المفقودة التي لا يبلغها أبدا، إن هذا التوتر بين النص والحدس ليفسر العديد والعديد من الأشياء، إنه يفسر الإبداع البشري الذي لا ينضب ولا يعرف حدا يقف عنده، وإنه يفسر قيام المعبد إثر المعبد، والمذهب إثر المذهب، والفلسفة إثر الفلسفة، والنص إثر النص...
المصطلحات المستخدمة في الجانب التطبيقي: التداخلات والعلائق
وليس الحديث في تطور المعرفة بالموضوع من مرحلة الحدس إلى مرحلة النص مرورا بمرحلة الصورة مما يسهل إنشاؤه أو فهمه واستيعابه؛ لأنه لا يتحقق إلا ضمن مصطلحات تبدو المسافة بينها شبه صفرية: إما لأنها ذات مضامين متداخلة (الحدس، الموضوع، الشعور، الصورة، النص) فكل مدرك يمكن إدراكه تحت هذه الأسماء لا يوجد في النفس إلا قائما بغيره كما سنرى، وإما لأنها ذات مَدَارِك متعددة: (الموضوع - المعنى)، (الحدس - المعرفة الجديدة)، (الصورة - المعرفة القديمة)، (المعرفة الجديدة - المعرفة المنظمة)، (النص - المعرفة المنظمة)، (النص - المعرفة الجديدة)، فكل زوج من هذه الأزواج يمكن أن يشير إلى ذات الموضوع وضمن ذات الطور والخصائص ولكن منظورا إليه من جهتين مختلفتين، فهما يشيران إلى مَدْرَكَين في مُدْرَكٍ واحد؛ وقد جرت العادة في اللغة بتناوب الأسماء في كل مسميين لا يوجد أحدهما في الواقع إلا قائما بالآخر، ومن ذلك تسميتهم المنتج إنتاجًا، والمعلومات علمًا، والأفكار تفكيرًا، ومن ذلك قولهم: هذا المنتج يتطلب العديد من الإمكانيات، وليس المنتج نفسه من يتطلب بل حركة إنتاجه، وقولهم: لقد استغرقت هذه الأفكار وقتا طويلا حتى تبرز للنور، وليست الفكرة الجامدة الثابتة نفسها من استغرقت وإنما حركة التفكير التي أنتجتها؛ كما جرت العادة بتناوب الأسماء في كل مسميين يقومان في مُدرَك واحد ضمن زاويتين مختلفتين من زوايا النظر، ومن ذلك المادة العلمية، تسمى مادة لأنها تدرك في الواقع ككتلة مادية، وتسمى علما لأنها تتضمن علما، وتسمى موضوعا لأنها مقصد للوعي والشعور، وتسمى نصا لأنها نظمت في نص، وقد تسمى غير ذلك من الأسماء دون أن تشير الأسماء في تعددها إلى تعدد مدلولها في المادة والواقع ولكن إلى تعدد السياقات والمسارات المعرفية التي يدرك ضمنها ومن خلالها، وسأعمل في الفقرات التالية على توضيح التداخلات والعلائق بين أهم المصطلحات المستخدمة في الجانب التطبيقي من المقالة، وهذه المصطلحات هي:
• المعرفة والعلم: ويأتي في مقدمة هذه المصطلحات جميعا مصطلح "المعرفة"، والذي استخدمناه في العديد من السياقات: "المعرفة المضمرة"، "المعرفة المنظمة"، "المعرفة الجديدة"، "المعرفة القديمة"، كما استخدمنا منه مصطلح "العارِف"، وذلك دون مصطلحي: "العلم"، "العالِم"؛ لأن مصطلح "العلم" يشير إلى نمط بعينه من أنماط المعرفة البشرية، وهو ما يتمثل في التفكير المنضبط المقنن وما ينتج عنه من معلومات؛ أما مصطلح "المعرفة" فهو أوسع دلالة وأشد شمولا، إذ يستغرق كافة نشاطات العقل البشري في مختلف اتجاهاته، في العلم والدين والفن والسحر والأسطورة والخرافة والرمز، ومن ثم كان مصطلح "المعرفة" هو الأنسب في سياق مقالة تدرس تطور المعرفة البشرية من الحدس إلى النص دونما أيِّ التفات إلى مدى دقة مضامينها بالمقاييس العلمية.
• الحدس والمعرفة المضمرة: ثم يأتي مصطلح "الحدس" الذي يرادف مصطلح "المعرفة المضمرة"، وكلاهما يشير إلى المعرفة في الطور السابق على انتظامها ضمن نص ذي مفردات وعلائق يعي ذاته ويقبل التداول، وسيتم استخدام المصطلحين (الحدس - المعرفة المضمرة) في الجانب التطبيقي بالتناوب وبمعنى واحد.
• الحدس والموضوع: ثم يأتي مصطلح "الموضوع"، والذي سيستخدم في سياقات من مثل: "موضوع الحدس"، "موضوع النص"، "موضوع المعرفة الجديدة"، "موضوع المعرفة القديمة"، "موضوع المعرفة المضمرة"؛ ولأن "الحدس لا يقوم في النفس إلا وهو متعلق بموضوع ما فقد نكتفي في الاستعمال بمصطلح "الحدس" عن مصطلح "موضوع الحدس"، فقد نقول: "ولأن الحدس لا يتطور إلى معرفة جديدة إلا ضمن ومن خلال..."، ويصح أن نضع في موضعه "ولأن موضوع الحدس لا يتطور إلى معرفة جديدة إلا ضمن ومن خلال...".
• الحدس والشعور: ثم يأتي مصطلح "الشعور" الذي قد نستعمله مرادفا لمصطلح "الحدس" أو "المعرفة المضمرة"، فقد أقول: "فيقارب شعوره بتطور المعرفة من خلال صورة الماء"، ويصح أن نضع في موضعها "فيقارب حدسه أو معرفته المضمرة بتطور المعرفة من خلال صورة الماء"؛ وذلك لأن الحدس لا يمكن أن يوجد في النفس منفصلا عما يثيره من شعور عام بالقبول أو الرفض.
• الحدس والمعنى: إن الحدس لا يقوم في النفس إلا متعلقا بموضوع، وهذا الموضوع هو ما ستشير إليه بعض السياقات بمصطلح "المعنى"، فليس المعنى إلا الموضوع مقصودا إليه بالتصور والشعور، وليس الحدس إلا القصد إلى الموضوع والإقبال عليه بالتصور والشعور ومن خلال هذا القصد يتحول الموضوع إلى معنى، أي: محل للعناية والقصد بالتصور والشعور، والمعنى في حد ذاته شيء جامد ثابت وإنما يتحرك الحدس الذي يقصد إليه ويعنيه بالتصور والشعور، ولأن الحدس والمعنى يقومان في نفس المنشئ متحايثين وبقيام واحد فإن كل واحد منهما يقوم مقام الآخر في التعبير، فقد يطلق الحدس ويراد المعنى، ويطلق المعنى ويراد الحدس.
• الحدس والمعرفة الجديدة: ثم يأتي مصطلح "المعرفة الجديدة"، والمعرفة الجديدة هي ما يتحول إليه الحدس بعد أن يمر بمرحلة الصورة وينتهي إلى مرحلة النص؛ ومن ثم سيكثر استعمال مصطلح "المعرفة الجديدة" في الدلالة على ذات مدلول المصطلحين "الحدس"، "المعرفة المضمرة"، وذلك باعتبار ما سيكون في الحدس بعد أن يتطور، ويكثر ذلك في السياقات التي يوضع فيها "الحدس" أو "المعرفة المضمرة" في مواجهة مصطلح "المعرفة القديمة"، لنبين من خلال ذلك افتقار المعرفة الجديدة إلى المعرفة القديمة كي تكون قابلة للاستيعاب والفهم، ولننص على طبيعة التجاوب بينهما؛ كما قد نستعمل مصطلح "المعرفة الجديدة" في الدلالة على ذات مدلول المصطلحين "المعرفة المنظمة"، "النص"، وذلك باعتبار أننا لا نحصل من الحدس على معرفة جديدة إلا بعد أن ينتظم في النص، فالمعرفة الجديدة هي النص بالنظر إلى مضمونه وهي المعرفة بعد أن تنتظم.
• المعرفة المنظمة والمعرفة المضمرة: ثم يأتي مصطلح "المعرفة المنظمة"، وهو يتضاد في مدلوله مع المصطلح "المعرفة المضمرة"، من جهة أن المعرفة المضمرة تدل على معرفة لما تنتظم في النص فلا تعي ذاتها ولا تقبل التداول، بخلاف المعرفة المنظمة التي تدل على المعرفة التي تعي ذاتها في النص وتقبل التداول؛ ويترادف مصطلح "المعرفة المنظمة" مع مصطلح "المعرفة الجديدة" من جهة أن كلا منهما يدل على الحدس بعد أن ينتظم ضمن النص، ومن ثم يجوز أن يستعمل المصطلحان بالتناوب وبذات المعنى، وسأرجح مع ذلك استعمال "المعرفة الجديدة" عندما يضعنا السياق في مواجهة "المعرفة القديمة"، واستعمال "المعرفة المنظمة" عندما يضعنا السياق في مواجهة "المعرفة المضمرة".
• الصورة والمعرفة القديمة: ثم يأتي مصطلح "الصورة" وهي تدل على ما يقذف به الحدس أمام حدقة الوعي ليقارب ضمنها نفسه أو ليقارب ضمنها موضوعه، وهي تستمد من المعارف القديمة للعارِف، ويشترط فيها أن تتحد مع الحدس أو مع موضوع الحدس في وقعها النفسي، كي تكون صالحة لتمثيله والدلالة عليه، وقد يستعمل مصطلح "المعرفة القديمة" في بعض السياقات دون كلها مرادفا لمصطلح "الصورة"، فنقول مثلا: "ليقارب من خلال الصورة المستمدة من معرفته القديمة موضوع معرفته الجديدة التي يجدها في حدسه"، ويصح أن نضع في موضعه: "ليقارب من خلال معرفته القديمة المعرفة الجديدة التي يجدها في حدسه"؛ وذلك لما بين الصورة وبين المعرفة القديمة من تداخل لا يمكن تجاوزه، وستلاحظ في مثال الجاريتين أن المصطلحين (الصورة - المعرفة القديمة) يدلان على ذات المدلول، ومرجع ذلك إلى أن "المعرفة القديمة" قد تستعمل في الدلالة على عموم المعارف القديمة المتراكمة في نفس العارِف فتشمل صورة الجاريتين وغيرهما مما لا يحصى من الصور، وقد تستعمل في الدلالة على معرفة بعينها مخزونة في وعي العارِف وهي المعرفة بالجاريتين، فيترادف مصطلح "المعرفة القديمة" مع مصطلح "الصورة" في دلالته.
• النص والمعرفة الجديدة والمعرفة المنظمة: ثم يأتي مصطلح "النص"، وهو لا يفتقر إلى تعريف أو تفصيل، ولما كان الحدس لا يتحول إلى معرفة جديدة إلا وهو منتظم ضمن نص، ولما كانت المعرفة المضمرة لا تتحول إلى معرفة منظمة إلا وهي منتظمة ضمن نص صح أن ينزل مصطلح "النص" منزلة المصطلحين: "المعرفة الجديدة"، "المعرفة المنظمة" في الاستعمال وأن يدل على ذات مدلوليهما، ومرجع ذلك أن النص هو صورة المعرفة المنظمة يحدثان بحدوث واحد، وأن المعرفة الجديدة لا تتحقق إلا بعد أن تنتظم في النص وتعي ذاتها من خلاله.
- وبذلك يصبح لدينا ثلاثة أضداد: الحدس - النص، المعرفة المضمرة - المعرفة المنظمة، المعرفة الجديدة - المعرفة القديمة، يتطابق الطرف الأول من الضدين الأول والثاني (الحدس - المعرفة المضمرة) في مدلوله تطابقا تاما، وكذا الطرف الثاني من ذات الضدين (النص - المعرفة المنظمة)، أما الضد الثالث (المعرفة الجديدة - المعرفة القديمة) فإن الطرف الثاني منه (المعرفة القديمة) لا يترادف في مدلوله مع أي من المصطلحات الخمسة السابقة، أما الطرف الأول منه (المعرفة الجديدة) فتارة يترادف مع الزوج (الحدس - المعرفة المضمرة) باعتبار ما سيكون فيهما، وتارة يترادف مع الزوج (النص - المعرفة المنظمة) باعتبار ما هو كائن فيهما، وليس الترادف مع الزوج الأول باعتبار ما سيكون فيها بالبعيد أو المستنكر لأنني عادة ما أسمي الحدس أو المعرفة المضمرة بالمعرفة الجديدة آن انتقاله إليها وتحوله ضمن النص إلى معرفة منظمة، مما يسهل المسافة بينهما؛ هذا وقد ألجأ في التسهيل على القارئ إلى إِتْبَاعِ بعض الكلمات بقوسين () أضع ضمنهما مرادفات تعيِّن المعنى المراد مع ما سيكون من دلالة قوية وفاصلة للسياق.
• المُدرَك والمَدْرَك: ومن المصطلحات الجديدة التي سأستخدمها في هذه المقالة مصطلح "المَدْرَك"، وهو يشير إلى محل الإدراك كما يشير "المَطْعَم" إلى محل الطعام، والمراد به في سياقاتي زاوية النظر والرؤية أو الموضع الذي ينطلق منه الإدراك نحو موضوعه، وعندما أقول في الاسمين المختلفين: "هما يشيران إلى مَدْرَكينِ في مُدرَكٍ واحد"، فأنا أعني به أن الاسمين لا يشيران إلى مدلولين مختلفين، بل يشيران إلى ذات المدلول ضمن ذات الطور والخصائص ولكن منظورا إليه من جهتين مختلفتين.
• المُنشِئ الأول للنص: عادة ما تنشأ الاستعمالات اللغوية الجديدة بالتواطؤ ضمن مجموعة بشرية ما، أي: بالاتفاق المضمر بينهم على استعمال لفظ محدد في مدلول محدد، ولا يخضع هذا التواطؤ لإرادة شخص بعينه، ومن ثم يصعب أن نحدد دائما بمصطلح "المنشئ الأول للنص" شخصا واحدا معينا، وإنما هو مصطلح افتراضي يشير إلى اللحظة التي نشأ فيها الاستعمال اللغوي الجديد ضمن الذاكرة اللغوية لأول مرة، ثم قد يكون المنشئ الأول للنص شخصا واحدا يمكن تحديده والإشارة إليه، كما يكون في تلك الاستعمالات اللغوية التي يستجدها الكتاب والممثلون والمدونون ويقبلها عنهم كافة المجتمع أو شريحة منه، وقد يكون المنشئ الأول للنص جيلا كاملا أو شريحة محددة منه مع تعذر تحديد واحد منهم بعينه يتحمل مسئولية وجود هذا الاستعمال اللغوي وبروزه للوجود؛ وسأستخدم مصطلح "المنشئ الأول للنص" للإشارة إلى الآليات المعرفية التي ضمنها ومن خلالها انبثق الاستعمال اللغوي الجديد ضمن الذاكرة اللغوية لأول مرة دون إرادة لمنشئ محدد.
• المفسر الأول للنص: وكما لا يراد بمصطلح "المنشئ الأول للنص" متكلما بعينه أو متكلمين بأعينهم، كذلك لا يراد بالمصطلح "المفسر الأول للنص" مفسرا بعينه، وإنما هو مصطلح افتراضي يشير إلى تلك اللحظة التي يتلقى فيها العقل النص لأول مرة دون سالف عهد أو تفسير، ومن ثم يضطلع بإنتاج تفسير يخضعه للمعرفة والفهم البشريين، كما يشير إلى تلك اللحظة التي يشعر فيها العقل بالتنافر بين النص وتفسيره الموروث، ومن يضطلع بهدم التفسير الأول أو تجاوزه وإنتاج تفسير جديد يخضعه لمنظومته العقلية؛ وسأستخدم مصطلح "المفسر الأول للنص" للإشارة إلى الآليات المعرفية التي ضمنها ومن خلالها ينبثق التفسير الجديد لأول مرة في النص سواء أكان أول تفسير يقع فيه أم كان تفسيرا متمردا يهدم ما قبله أو يتجاوزه.
المفارقة بين سعر الجاريتين ووصفهما عند الجمحي
يقول محمد بن سلام الجمحي: "وللشِّعْر صَناعةٌ وثَقافةٌ يعرِفُها أهلُ العِلم، كَسائرِ أصنافِ العِلْمِ والصِّناعاتِ: منها ما تُثقِّفُه العَينُ، ومنها ما تُثقِّفُه الأُذُنُ، ومنها ما تُثقِّفُه اليدُ، ومنها ما يثقفه اللِّسانُ. من ذلك اللؤلؤ والياقوتُ، لا تعرفُه بصِفةٍ ولا وَزْنٍ، دون المعاينة مِمَّن يبصره. / ومن ذلك الجهْبَذةُ بالدّينارِ والدِّرْهَمِ، لا تُعرَف جَوْدتُهما بلونٍ ولا مسٍّ ولا طرازٍ ولا وَسْمٍ ولا صِفةٍ، ويعرِفُه الناقِدُ عند المعاينةِ، فيعرفُ بَهْرَجها وزائفَها وسَتُّوقَها ومفرَّغها — ومِنهُ البَصَرُ بغريبِ النَّخْلِ، والبصَرُ بأنواعِ المتاع وضُروبه واختلاف بلاده، مع تشابه لونه ومسّه وذرْعه، حتَّى يضافَ كلُّ صنفٍ إلى بلده الذي خرَج مِنهُ. وكذلك بصر الرقيقِ، فتوصف الجاريةُ فيقالُ: ناصِعَةُ اللون، جيدةُ الشَّطب، نقِيّة الثغر، حسنةُ العينِ والأنفِ، جيدةُ النّهُود، ظريفَةُ اللسان، وارِدَةُ الشعرِ، فتكون في هذه الصفة بمائةِ دينارٍ ومائتي دينار، وتكونُ أُخرى بألف دينارٍ وأكثر، ولا يجدُ واصِفُها مزيداً على هذه الصفة، وتوصف الدابةُ فيقالُ: خفيفُ العِنانِ، ليِّنُ الظهْرِ، شديد الحافِر، فتي السنِّ، نقيٌّ من العيوب، فيكون بخمسين ديناراً أو نحوها، وتكونُ أُخرى بمائتي دينارٍ وأكثر، وتكونُ هذهِ صفتها. ويُقالُ للرجل والمرأةِ، في القراءةِ والغناءِ: إنّه لَنَدِىُّ الحلْقِ، طَل الصَّوتِ، طويلُ النَّفَسِ، مصيبٌ لِّلحْنِ — ويوصف الآخَر بهذه الصفةِ، وبينهما بَوْنٌ بعيدٌ، يعرِفُ ذلك العلماءُ عند المعاينةِ والاستماعِ له، بلا صفةٍ يُنتَهَى إليها، ولا علمٍ يُوقف عليه. وإن كثرة المدارسة لتُعدي على العلمِ به. فكذلك الشعرُ يعلمه أهلُ العلمِ به"[1]، فهو يبدأ بقوله: "وللشِّعْر صَناعةٌ وثَقافةٌ يعرِفُها أهلُ العِلم، كَسائرِ أصنافِ العِلْمِ والصِّناعاتِ"، ليؤكد من خلال ذلك على أن معرفة الشعر ونقده ترتد إلى علم وقواعد تؤهل الناقد، ويقول بعد ذلك: "منها ما تُثقِّفُه العَينُ، ومنها ما تُثقِّفُه الأُذُنُ، ومنها ما تُثقِّفُه اليدُ، ومنها ما يثقفه اللِّسانُ"، الضمير في "منها" يعود على "أصناف العلم والصناعات"، أي: فمن هذه الأصناف ومن هذه الصناعات...، ثم هو يكرر كلمة "تثقفه"، وَثَقَفَ الشيء، أي: حذقه وأتقنه وتمكن منه كما يفهم من لسان العرب لابن منظور، وتثقفه العين، أي: تتقنه العين، وإسناد الفعل "ثقف" إلى الحاسة التي لا يمكن أن تنفك في الوعي عن كونها مصدرا للمعرفة يعطي "الثَقْف" معنى الحس والمباشرة، ليكون المقصود بجملة من مثل "تثقفه العين" في النهاية هو: تباشره العين المرة بعد المرة حتى تتقنه، وتتقن ما يكون فيه من أحوال وصفات وتغييرات، وما يعد منها عيبا، وما يعد منها مزية، وقل مثله في بقية الحواس التي أسند إليها الثقف في النص، أي: إن هذه الحواس تباشر موضوعاتها المرة بعد المرة وتراكم في كل مرة معرفتها به حتى تكون نوعا من المعرفة أو العلم يحكم تصرفنا في كل موضوع؛ ليتحول هذا التصرف بذلك من تصرف عارض أو عشوائي إلى صناعة، أي: تصرف منظم في المادة ينحو بها نحو غاية ما؛ ثم هو يقول: "من ذلك اللؤلؤ والياقوتُ، لا تعرفُه بصِفةٍ ولا وَزْنٍ، دون المعاينة مِمَّن يبصره"، توقف قليلا عند هذه الجملة، ثم اسأل نفسك: ما الذي يعنيه الجمحي بالفعل "يبصره" في هذا النص؟ وهل يتأتى أن يقول: إنك لا تعرف قيمة اللؤلؤ حتى يعاينه من يمتلك حاسة البصر فتقع عليه عينه؟ إن مثله غير وارد وإلا كان معظم البشر في معرفته سواء وهو ما يتناقض تماما مع السياق، ومن هنا يفرض السياق على البصر معنى يفوق المعنى الحسي المألوف في هذا اللفظ، هو معنى الخبرة والمعرفة الخاصة، ثم المراد بقوله "لا تعرفه بصفة ولا وزن"؟ يتأتى في هذه العبارة أن تفسر ضمن وجهين اثنين، أما الوجه الأول وهو الأبسط: ما من صفة ووزن محددين يضمنان بشكل مطلق جودة اللؤلؤ والياقوت بحيث يعني وجودهما وجود الجودة وتراجعهما تراجع الجودة وذلك لتعدد وتداخل الصفات التي نحكم بالجودة ضمنها ومن خلالها، أما الوجه الثاني: أن المعرفة التي يحدد بها البصير جودة اللؤلؤ والياقوت ليست مما يصاغ في لفظ أو يقدر في وزن، وإنما هي معرفة مضمرة تمارس تأثيرها في سلوك العَارِف دون أن تعي نفسها أو تقبل التداول، أي: هي حدس، دعنا لا نتسرع حتى نختبر كافة الاستعدادات الدلالية التي يمتلكها السياق؛ ثم هو يقول: "ومن ذلك الجهْبَذةُ بالدّينارِ والدِّرْهَمِ"، أي: نقد الدينار والدرهم ومعرفة الجيد من الرديء والزائف منها، "لا تُعرَف جَوْدتُهما بلونٍ ولا مسٍّ ولا طرازٍ ولا وَسْمٍ ولا صِفةٍ"، مرة أخرى ينفي إمكانية معرفة قيمة الدينار والدرهم من خلال مدرك محدد في الموضوع، مما يطرح علينا السؤال مرة أخرى: هل ينفي إمكانية الحكم على الموضوع من خلال صفة بعينها لتداخل وتعقد الصفات المرجحة للحكم؟ أم هو ينفي إمكانية الحكم من خلال معرفة يمكن صياغتها فيما يدل على لون أو مس أو طراز أو وسم أو صفة؟ فالعارف إما أن يمتلك معرفة تقبل التداول والتنظيم ضمن لفظ يدل على لون أو مس أو طراز أو وسم أو صفة سواء أكانت هذه المعرفة بسيطة أم كانت متعددة ومتداخلة العناصر، وإما أن يمتلك معرفة مضمرة لا تعي ذاتها في النص ولا تقبل التداول، وإنما تمارس تأثيرها في نفس العارف "عند المعاينةِ"، فيعرفُ "بَهْرَجها وزائفَها وسَتُّوقَها ومفرَّغها"، دون أن يكون قادرا على التعبير عن مقدمات هذه الأحكام في نص يقبل التداول، ومع تكرار النفي لخمس مرات وتعلقه بما يدرك بالعين تارة وما يدرك بالمس تارة أخرى في العبارة الثانية، ومع تعلقه في العبارتين بالنكرة التي تفيد في سياق النفي العموم والشمول يترجح الوجه الثاني من التفسير، ولكن يبقى مع ذلك الوجه الأول محتملا لما في المفرد من دلالة طبيعية على الواحد، فيحتمل في "لا تُعرَف جَوْدتُهما بلونٍ ولا مسٍّ ولا طرازٍ ولا وَسْمٍ ولا صِفةٍ" أن يكون المراد: لا تعرف جودتهما بلون واحد، ولا مس واحد، ولا طراز واحد، ولا وسم واحد، ولا صفة واحدة؛ وبذلك يبقى الوجه الأول من التفسير حاضرا غير مردود؛ ولذلك دعنا نتابع النص مرة أخرى حتى تصعد على السطح تحققات دلالية بعينها، يقول الجمحي بعد ذلك: "ومِنهُ البَصَرُ بغريبِ النَّخْلِ، والبصَرُ بأنواعِ المتاع وضُروبه واختلاف بلاده، مع تشابه لونه ومسّه وذرْعه، حتَّى يضافَ كلُّ صنفٍ إلى بلده الذي خرَج مِنهُ"، ومرة أخرى يستخدم محمد بن سلام الجمحي البصر بمعنى الخبرة، فمجرد النظر بالعين مع تشابه اللون والمس والذرع لا يفضي إلى رد كل نوع من المتاع إلى بلده ومنشئه، وإنما تفعل ذلك الخبرة بما يكون في كل نوع من دقائق تعلن عن نسبته إلى موطن محدد، مما يؤكد دلالة البصر على الخبرة في العبارة "دون المعاينة مِمَّن يبصره" في بداية الفقرة، ويتحدث محمد بن سلام الجمحي في هذه العبارة عن معرفة تتجاوز الظاهر من الصفات المتشابهة في اللون والمس والذرع لتصل إلى خصائص دقيقة ترد كل متاع إلى موطنه، وما من دلالة صريحة في النص عن إمكانية أو عدم إمكانية التعبير عنها، ولذلك يبقى الاحتمالان ثابتين معنا، ثم هو يقول: "وكذلك بصر الرقيقِ، فتوصف الجاريةُ فيقالُ: ناصِعَةُ اللون، جيدةُ الشَّطب، نقِيّة الثغر، حسنةُ العينِ والأنفِ، جيدةُ النّهُود، ظريفَةُ اللسان، وارِدَةُ الشعرِ، فتكون في هذه الصفة بمائةِ دينارٍ ومائتي دينار، وتكونُ أُخرى بألف دينارٍ وأكثر، ولا يجدُ واصِفُها مزيداً على هذه الصفة"، فيصور لنا بذلك مشهدا واقعيا لتاجر يقول ويفعل مما من شأنه أن يكون أبلغ في الدلالة على ما يريد، فيصور لك صورة تاجر خبير "بصير" بالرقيق، يصف الجارية أمام الناس فيقول: ناصِعَةُ اللون، جيدةُ الشَّطب، نقِيّة الثغر... فتباع بصفاتها هذه بالمائة دينار وبالمائتي دينار، "وتكون أخرى بألف دينار وأكثر"، أي: وتباع جارية بألف دينار وأكثر، فإذا ما أراد الواصف أن ينص على الصفة التي لأجلها كان هذا الفرق الشاسع في السعر لم يجد إلا أن يقول: ناصِعَةُ اللون، جيدةُ الشَّطب، نقِيّة الثغر... فلا يجد "مزيداً على هذه الصفة"، أي: أننا أمام معرفة مؤثرة في السلوك تدفع التاجر إلى تمييز الجارية الثانية في السعر، إلا أنها لا تبين في اللفظ، فلا تملك أن تعبر عن نفسها بألفاظ خاصة تميزها عن المعرفة بالجارية الأولى، ثم يؤكد الجمحي هذه المعرفة بتمييزها في مشهدين آخرين، فيقول: "وتوصف الدابةُ فيقالُ: خفيفُ العِنانِ، ليِّنُ الظهْرِ، شديد الحافِر، فتي السنِّ، نقيٌّ من العيوب، فيكون بخمسين ديناراً أو نحوها، وتكونُ أُخرى بمائتي دينارٍ وأكثر، وتكونُ هذهِ صفتها"، ثم يقول: "ويُقالُ للرجل والمرأةِ، في القراءةِ والغناءِ: إنّه لَنَدِىُّ الحلْقِ، طَل الصَّوتِ، طويلُ النَّفَسِ، مصيبٌ لِّلحْنِ — ويوصف الآخَر بهذه الصفةِ، وبينهما بَوْنٌ بعيدٌ"؛ وبذلك يتأكد الوجه الثاني من التفسير والقاضي بوجود معرفة ليس من شأنها أن يعبر عنها في اللفظ، فلا يعبر عنها بصفة ولا لون ولا مس ولا وزن ولا سمة؛ ويختتم محمد بن سلام الجمحي فقرته بقوله: "يعرِفُ ذلك العلماءُ"، أي: يعرف هذه الخصائص غير القابلة للتعبير عنها أهل الخبرة والبصر، "عند المعاينةِ والاستماعِ له"، أي: عند مباشرة موضوع المعرفة بالحس المباشر، من بصر، أو سمع، أو ذوق، أو مس، أو شم، "بلا صفةٍ يُنتَهَى إليها"، أي: لا تقبل هذه المعرفة المميزة لموضوع عن موضوع ضمن مجالها المعرفي أن توصف في اللغة، "ولا علمٍ يُوقف عليه"، ولما تعذر تحولها إلى نص تعذر تداولها بين البشر، وإنما يتداول الحد الظاهر منها ويحصل ما تبقى منها من خلال التجربة الفردية، ولذلك تحدث الجمحي في بداية نصه عن ثَقْف الحاسة وإتقانها دون العقل، فهو لا يريد معرفة تتطور في العقل من خلال اللغة، وإنما يريد معرفة تتطور في الحاسة من خلال التجربة والمران، وهذا ما يؤكده الجمحي في عبارته التالية "وإن كثرة المدارسة لتُعدي علي العلمِ به"، فيؤكد بذلك أننا أمام نمط من العلم لا يتداوله البشر في اللغة بل يحصله كل متعلم على حدة من المباشرة الحية في المادة والواقع، ولا يمتنع مع ذلك تداول الحد الظاهر من هذه المعرفة في اللغة، والحد الظاهر هو ما تمثل في قولهم في الجارية: ناصِعَةُ اللون، جيدةُ الشَّطب، نقِيّة الثغر...؛ أما الحد الباطن من هذه المعرفة فهو الذي قضى بالتمايز بين الجاريتين دون أن يجدوا من اللفظ ما يسمح بتداوله؛ ثم هو يقول: "فكذلك الشعرُ يعلمه أهلُ العلمِ به"، أي: الشعر شأنه شأن بقية المعارف والعلوم، يقع في معرفته الحدان، فمنه ما يقبل التداول في اللغة، ومنه ما يعرفه العارِف من خلال التجربة والمران والمباشرة الحسية دون أن يكون ثمة سبيل إلى التعبير عنه وتداوله في اللغة.
توصف الجاريتان، فيقال في الجارية منهما: "ناصعة اللون"، فهل نصوع اللون في هذه هو ذاته نصوع اللون في تلك؟ ويقال: "جيدة الشطب"، فهل جودة الشطب في هذه هي ذاتها جودة الشطب في تلك؟ ويقال: "نقية الثغر"، فهل نقاء الثغر في هذه هو ذاته نقاء الثغر في تلك؟ ويقال: "حسنة العين والأنف"، فهل حسن العين والأنف في هذه هو ذاته حسن العين والأنف في تلك؟ ويقال: "جيدة النهدين، ظريفة اللسان، واردة الشعر"، فهل جودة النهدين وظرافة اللسان وورود الشعر في هذه هي ذاتها جودة النهدين وظرافة اللسان وورود الشعر في تلك؟ وهل من المعقول أن تكون الصفات في هذه هي ذاتها في تلك، وقد بيعت إحداهما بألف دينار وبيعت الأخرى بألفين؟ وهل اتحدت الجاريتان في الصفة مع تمايزهما في القيمة إلا لما حققته ذات الصفات في كل واحدة منهما من فرادة غير قابلة للتكرار؟ فأين موقع هذه الفرادة في نصوع اللون، وجودة الشطب، ونقاء الثغر، وحسن العين والأنف، وجودة النهدين، وظرف اللسان، وورود الشعر؟ أين ذهبت؟ وكيف اختفت؟ كيف تعبر اللغة بالألفاظ ذاتها عن صفات لا توجد في الواقع إلا في تحققها الفردي غير القابل للتكرار؟ وبذلك نصطدم بالمفارقة الأولى بين طبيعة الحدس وطبيعة النص، فالحدس يتعلق بموضوعه كما باشره في الواقع في فرادته غير القابلة للتكرار؛ أما النص فمهما حاول أن يعبر عما يختص به موضوعه من فرائد تميزه عن بقية جنسه وتحيل أن يكون له بينها تكرار، فإنه لا يملك في النهاية بل لا يملك في البدء والفطرة، إلا أن يعبر بألفاظ لم توضع للدلالة على عين موضوعه ولا على أعين خصائصه، وإنما وضعت للدلالة على ما من شأنه أن يكون موجودا في أجناسها من أعين وخصائص لا تطابق موضوعه مهما قاربته؛ وبذلك يفقد الموضوع الذي تعلق به الحدس فرادته إلى الأبد؛ وعادة ما يميل التداول إلى إلغاء الفرادة التي باشرها المتكلم لصالح الفرادة المخزنة في وعي المتلقي، فالمتكلم يتداول اللفظة الدالة، ولا يستطيع بحال أن يتداول الصورة الذهنية أو الشعور المرتبط بهذه اللفظة، والمتلقي يترجم هذه اللفظة إلى الصورة الكائنة في وعيه وشعوره هو والمختلفة بالقطع عن الصورة الكائنة في وعي وشعور المتكلم.
انظر إلى حال الجاريتين في المادة والواقع تجد الجاريتين في كليتهما ووحدتهما واتصالهما؛ ثم انظر إلى حالهما في نص الجمحي: "فتوصف الجارية فيقال: ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، جيدة النهدين، ظريفة اللسان، واردة الشعر" تجد الجارية منهما قد تمزقت إلى لون ناصع، وشطب جيد، وثغر نقي، وعين وأنف حسنة، ونهد جيد، ولسان ظريف، وشعر وارد؛ فهل حال الجاريتين في المادة والواقع هو ذات حالهما في النص؟ نشعر بالجاريتين في كليتهما ووحدتهما واتصالهما، حتى إذا رمنا تنظيم شعورنا بهما في نص يعي ذاته ويقبل التداول لم نستطع إلا أن نمزقهما إلى شتيت من الجزئيات ضمن اطراد من العلائق؛ فلا تنتقل المعرفة بالجاريتين من مرحلة الحدس إلى مرحلة النص حتى تفقد الجاريتان وحدتهما واتصالهما، وهنا تتجلى المفارقة الثانية بين الحدس والنص، فالحدس يتعلق بالموضوع في كليته ووحدته واتصاله؛ أما النص فدائما وأبدا ما يمزق موضوعه إلى جزئيات وعلائق تمتد أفقا مع طول الخطاب؛ ويشتد الشعور بتلك المفارقة في الخطابات الأكاديمية إذ تجد نفسك مضطرا إلى تمزيق وحدة الموضوع بين آلاف من السطور تمتد أفقا، رغم أن الموضوع في حدس الكاتب لا يمكن الإبانة عنه إلا ضمن ومن خلال وحدته المغيبة بما تحويه من علاقات تساهم في تحديد طبيعة كل جزئية من جزئيات الموضوع؛ حتى يجد الكاتب نفسه في مواجهة خطاب لا تبنى ثوانيه حتى تستقر أوائله ولا تستقر أوائله كمقدمات صحيحة قابلة للفهم حتى تستكمل ثوالثه، ليجد الكاتب نفسه مضطرا إلى البناء على أسس لما تتضح ويُسَلَّمُ بصحتها بعد، وتلك مفارقة الخطاب، ولعله ما من كاتب أكاديمي إلا وشعر بها في مرحلة ما.
ولا تعود للجارية وحدتها ولا كليتها ولا اتصالها إلا من خلال مخيلة المتلقي، التي تعمل على ربط واستكمال الجزئيات المطردة في النص في كل واحد مستمد مما يكون في الجارية من صور باشرها المتلقي وخزنها في وعيه؛ وهذا ما يؤكد ضياع الفردية التي باشرها الملقي في جاريته الفردة التي ليس كمثلها أيُّ جارية أخرى، إذ استُبْدِلَ بكلِّها الفرد الذي باشره المُلقِي في المادة والواقع بما اشتمل عليه من جزئيات خاصة لم تذكر في النص وبما اشتمل عليه من كيفيات خاصة في اتصال وتناسق هذه الجزئيات الكلُّ الفرد المخزون في وعي المتلقي والذي لن يطابق الكلَّ الفرد الذي باشره المُلقِي مهما قاربه؛ وبذلك تضيع الفرادة التي باشراها المُلقِي لصالح الفرادة التي باشرها المتلقي، ولا فكاك من هذا الاستبدال ما دام التواصل اللغوي يقوم على استبدال الصور التي باشرها المتلقي بالصور التي باشرها وتكلم عنها المُلقِي، فلا سبيل إلى تداول الصور في اللغة.
واستخدام صورة الجاريتين من قبل محمد بن سلام الجمحي في سياق الحديث عن العلم بالشعر يعني أن العلم بالشعر ينطبق عليه ما انطبق على العلم بالجاريتين، فمنه ما يكون ظاهرا يمكن تداوله في النص ومنه ما يكون حدسا باطنا يشعر به الناقد ويوجهه في أحكامه النقدية دون أن يكون قادرا على صياغته في نص يعي ذاته ويقبل التداول؛ وهذه ممارسة لغوية تؤكد ما ادعيته من قبل من أن الحدس لا ينتقل إلى مرحلة النص إلا عبر قنطرة الصورة التي تتحد معه في وقعه النفسي، فلكي يتحول العلم بالشعر من مرحلة الحدس إلى مرحلة النص قذف الحدس بصورة تتحد في مواقعها النفسية مع العلم بالشعر وهي صورة العلم بالجاريتين، وهذه الصورة استمدها الجمحي من معرفته القديمة ليقارب ضمنها ومن خلالها حدسه ومعرفته الجديدة "العلم بالشعر"، وليثَبِّت من خلال هذه الصورة شعورا بعينه في معرفته الجديدة "العلم بالشعر"، وهو الشعور بالتفاوت مع العجز عن توضيح السبب، وهذا الشعور الذي يُثَبِّتَهُ الجمحي في معرفته الجديدة "العلم بالشعر" من خلال الصورة التي استمدها من معرفته القديمة هو ما يمثل وحدة الوقع النفسي بين العلم بالشعر (الحدس - المعرفة الجديدة) والعلم بالجاريتين (الصورة - المعرفة القديمة).
مفارقة الجاريتين: من الجمحي إلى الآمدي
وتكررت صورة الجاريتين في نصوص أبي القاسم الآمدي في موازنته الشهيرة بين أبي تمام والبحتري، وذلك إذ يقول: "وكذلك الجاريتان البارعتان في الجمال، المتقاربتان في الوصف، السليمتان من كل عيب: قد يَفْرِق بينهما العالمُ بأمر الرقيق، حتى يجعل بينهما في الثمن فضلا كبيرًا، فإذا قيل له وللنخاس: من أين فضلت أنت هذه الجارية على أختها؟ ومن أين فضلت أنت هذا الفرس على صاحبه؟ لم يقدر على عبارة توضح الفرق بينهما، وإنما يعرفه كلُّ واحد منهما بطبعه، وكثرة دربته، وطول ملابسته"[2]، فصرح في قوله "لم يقدر على عبارة توضح الفرق بينهما" بالمعرفة المضمرة التي تمارس تأثيرها في العارِف ولا تقبل الانتظام في نص يعي ذاته ويقبل التداول، "وإنما يعرفه كل واحد منهما"، أي: كل واحد من العالم بأمر الرقيق والنخاس، وهذا تصريح بما استنتجته من قبل من أن المعرفة المضمرة لا تتداول في النص وإنما يحصلها كل عارف على حدة "بطبعه"، والطبع في لسان العرب هو الخليقة والسجية التي جُبِلَ عليها الإنسانُ[3]، فهو الراسخ في السلوك البشري، وهو ما يجده الإنسان من نفسه عفوا وباطراد دون حاجة إلى تكلف أو تصنع أو اكتساب، أي: إن هذه المعرفة مع طول الدربة والممارسة تنزل من العارف منزلة المشي والكلام وتصير منه كالسلوك الغريزي الذي يفعله بوعي وبغير وعي، فيستغني بطبعه هذا عن الحاجة إلى نص يؤسس في وعيه المعرفة، وإنما استمد المعرفة بالطبع من "كثرة دربته، وطول ملابسته"؛ ولذلك لم يكن "الخبر كالمعاينة"[4] كما قال الآمدي في موازنته، فالمعرفة التي نتحصل عليها من الخبر معرفة ناقصة لا تشمل إلا السطح القابل للتداول، أما المعرفة التي نتحصل عليها من المعاينة معرفة كاملة؛ لأنها تشمل المستويين معا: المعرفة المنظمة التي تعي ذاتها في النص وتقبل التداول، والمعرفة المضمرة التي لا تعي ذاتها ولا تقبل التداول.
وتكررت في موازنة أبي القاسم الآمدي المشهورة بين أبي تمام والبحتري الروايات الدالة على معرفة العقل العربي القديم بالمعرفة المضمرة، ومن ذلك ما رواه عن إسحاق الموصلي: "قال لي المعتصم: أخبرني عن معرفة النَّغَم وبَيِّنْهَا لي. فقلت: إن من الأشياء أشياء تُحيط بها المعرفة، ولا تؤديها الصفة"، أي: هي معرفة لا تقبل التوصيف في اللغة، ومن ثم لا تقبل التداول، ومن ثم لا سبيل لأنه يعرفها المعتصم إلا بالتجربة الفردية والدربة والممارسة، وإنما طلب المعتصم تنظيم هذه المعرفة في اللغة "الصفة" كي يتم تداولها إليه؛ ومن ذلك أيضا: "قال: وسألني محمد الأمين عن شعرين متقاربين، وقال: اختر أحدهما، فاخترت، فقال: من أين فضلت هذا على هذا وهما متقاربان؟ فقلت: لو تَفَاوَتَا لأمكنني التبيين، ولكنهما تقاربا، وفضلت هذا بشيء تشهد به الطبيعة ولا يعبر عنه اللسان"[5]، والطبيعة كالطبع هي ما يجده الإنسان في نفسه دونما حاجة إلى اصطناع أو اكتساب، وليس هذا الشيء الذي تشهد به الطبيعة إلا الحدس أو المعرفة المضمرة التي تعجز اللغة "اللسان" عن التعبير عنها؛ ولكن هذا النص يشتمل على نقلة نوعية لم يشتمل عليها أيٌّ من النصوص الأخرى، إنه يشير إلى تلك النقطة التي يتحول فيها الحدس إلى نص، أو المعرفة المضمرة التي لا تعي ذاتها ولا تقبل التداول إلى معرفة منظمة تعي ذاتها وتقبل التداول، وذلك إذ يقول: "لو تفاوتا لأمكنني التبيين"، أي: لو تباعدت المسافة في الشعور بين الشعرين لأمكنني التبيين، أي: تحويل هذا الشعور بالتمايز بينهما إلى بيان، أي: نص ومعرفة منظمة تعي ذاتها وتقبل التداول؛ ونفهم من ذلك أن الشعور بالتمايز يتحول عند نقطة ما إلى معرفة منظمة، فلا يبقى الحدس حدسا ولا تبقى المعرفة المضمرة مضمرة إلى الأبد، وهو ما يتحقق عندما يشتد الشعور بالتمايز.
عبد القاهر الجرجاني: المزية من الذوق إلى النص
يقول عبد القاهر الجرجاني: "وَاعلم أنَّه لا يصادف القولُ في هذا الباب موقعاً من السامع، ولا يجِدُ لديهِ قَبولاً، حتى يكون من أهل الذَّوْق والمعرفة، وحتى يكون ممن تُحدِّثُه نفسه بأنَّ لما يُومِئُ إليه من الحسن واللُّطْف أصلاً، وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، فيجد الأريحِيَّةَ تارةً، ويَعْرَى منها أُخْرى، وحتَّى إِذا عَجَّبتَهُ عَجِب، وإِذا نَبَّهتَهُ لموضع المزية انتبه. فأمَّا من كانَ الحالان والوجهان عنده أبداً على سواءً، وكان لا يتفقَّد من أمر "النَّظْم" إلا الصَّحة / المُطْلَقة، وإلا إعراباً ظاهراً، فما أقَلَّ ما يُجدِي الكلام معه. فليكن مَنْ هذه صفته عندك بمنزلة من عَدِم الإِحساس بوزن الشعر، والذَّوقِ الذي يقيمه به، والطَّبْع الذي يُميّز صحيحه من مكسوره، ومُزاحفَه من سالمه، وما خرَج من البَحْر مما لم يخرُج منه = في أنَّكَ لا تتصدَّى لهُ، ولا تَتَكلفُ تعريفه، لعلمك أنَّه قد عَدِم الأداة التي معها يعرف، والحاسَّة التي بها يجد. فليكنْ قدْحُك في زَنْدٍ وارٍ، والحكُّ في عُودٍ أنت تَطْمَع منه في نارٍ"[6]، يمثل عبد القاهر الجرجاني نقطة تحول بارزة في تاريخ الصورة اللغوية في النقد العربي، إذ كانت الصورة اللغوية من قبله في العديد من أركانها ومباحثها تعتمد على الحدس المحض وعلى ما يجده المتلقي في نفسه من شعور عام بالاستحسان أو الاستهجان إزاء النص دون بيان لموطن أو علة الشعور؛ حتى اعتقد بعض الناس أن الصورة اللغوية وما يتصل بها من أركان ومباحث معرفة مضمرة لا يمكن التعبير عنها أو صياغتها في نص يعي ذاته ويقبل التداول، بل محكوم عليها أن تبقى في صورة شعور عام يثور إزاء النص، وحتى اكتفى بعضهم بوضع الأمثال والصور التي تعبر عن مجرد وجود المزية دون بيان لعللها أو مواضعها، وحتى اكتفى بعضهم برد ما يجده في نفسه من شعور عام بالاستحسان أو الاستهجان إلى مجرد اللفظ فحصر المزية في تلاؤم الحروف وسلامة اللفظ مما يثقل على اللسان؛ حتى جاء عبد القاهر فارتقى بالصورة اللغوية في العديد من أركانها ومباحثها من مرحلة الحدس إلى مرحلة الذوق ارتقاء سليما يرد الأحكام إلى عللها ومواقعها، وذلك بعد أن مارس نوعا من الاستبطان أو التفكير العكسي ليتحسس في نفسه مواطن وعلل ما يجده في نفسه إزاء النصوص من شعور بالاستحسان أو الاستهجان، وقد قذف حدسه أثناء ذلك بالعديد من الصور التي ضمنها ومن خلالها قارب شعوره في الصورة اللغوية، ولم يكتف بذلك حتى صاغ معرفته بالصورة اللغوية في صورة نصوص تعي ذاتها، تعي مضامينها وجزئياتها وعلائقها وعللها ومواقعها، تقبل التسجيل والتداول؛ فمثل بذلك نقطة انطلاق حاسمة في تاريخ النقد والبلاغة العربيين.
تناول عبد القاهر الجرجاني في خطاباته الحدس وما ينشأ عنه من شعور عام بالاستحسان أو الاستهجان، فالحدس في خطاباته هو الذوق والمعرفة التي لا بد من توافرها في المتلقي حتى يستوعب ما يُقَال في المزايا التي ترجع إلى النظم (الصورة اللغوية) "وَاعلم أنَّه لا يصادف القولُ في هذا الباب موقعاً من السامع، ولا يجِدُ لديهِ قَبولاً، حتى يكون من أهل الذَّوْق والمعرفة"[7]، وهو الطابعة التي تقبل مزايا النظم وتهيئ المتلقي لإدراكها "لأن المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها وتصور لهم شأنها أمور خفية ومعانٍ روحانية أنت لا تستطيع أن تنبّه السامع لها، وتحدث له علمًا بها حتى يكون مهيئًا لإدراكها، وتكون فيه طابعة قابلة لها"[8]، وهو الآلة التي بها يكون الفهم "وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له، كذلك لا تفهِم هذا الشأن من لم يُؤت الآلة التي بها يفهم"[9]، وهو الطبع الذي يرد النافر إليك وينزل على قولك "فتبقى في أيديهم حسيراً لا تملك غير التعجب، فليس الكلام إذن بمغنٍ عنك، ولا القول بنافع، ولا الحجة مسموعة حتى تجد من فيه عون لك على نفسه، ومن إذا أبى عليك أبى ذاك طبعه فرده إليك، وفتح سمعه لك، ورفع الحجاب بينك وبينه، وأخذ به إلى حيث أنت، وصرف ناظره إلى الجهة التي إليها أومأت، فاستبدل بالنفار أنسا، وأراك من بعد الإباء قبولا"[10]؛ ولا يمكن الاطمئنان إلى وجود هذا الحدس في نفس المتلقي حتى "يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، فيجد الأريحِيَّةَ تارةً، ويَعْرَى منها أُخْرى"، فالعلامة المؤكدة لوجود الحدس هي ما ينشأ عنه في نفس المتلقي من شعور عام بالاستحسان إزاء النصوص التي استحسنها النقاد أو شعور عام بالاستهجان إزاء النصوص التي استهجنها النقاد، وهذا الشعور العام في خطابات عبد القاهر هو ما تجده من صاحب الحدس إذا أنشدته قول أبي نواس: ركــبٌ تســاقوا على الأكــوار بينــهـمُ ∴ كأسَ الكـرى فانتشى المسقي والساقي كــأنَّ أعــنـاقـهـم والـنــومُ واضـعــهـا ∴ على الـمــنـاكــب لــم تُـعْـمَـد بـأعـناق فتجده حينئذ "أنِقَ لها، وأخذته الأريحية عندها، وعرف لطف موقع الحذف والتنكير في قوله "نظر وتسليم على الطرق"، وما في قول البحتري "لي عليك دموع" من شبه السِّحر، وأن ذلك من أجل تقديم "لي" على "عليك"، ثم تنكير "الدموع"[11]، وعبد القاهر الجرجاني هنا لا يتوقف على مرحلة الشعور العام بل يتجاوزه إلى تنظيمه في معرفة منظمة تعي ذاتها في النص وتقبل التداول، ولا تناقض في ذلك فعبد القاهر كما قلنا يمثل المرحلة التي انتقلت ضمنها الصورة اللغوية من مرحلة الحدس إلى مرحلة النص، وغاية ما يعنيني في هذا السياق أن أثبت معرفة عبد القاهر بالحدس وما يثيره في وجدان المتلقي من شعور عام؛ وهذا الشعور العام هو ما نجده في كلمة "الأخدع" إذ "تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تَثْقُلُ عليك وتوحشك في موضع آخر"، وهو الحسن والرُّوح والخفة والإيناس والبهجة الذي نجده لهذه الكلمة في بعض السياقات، والثقل والتنغيص والتكدير الذي نجده لها في البعض الآخر من السياقات[12]؛ وهو الشعور العام وهو ما نجده في نفوسنا من ارتياح واهتزاز واستحسان إذ نعمد إلى "ما تواصفوه بالحسن وتشاهدوا له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصًا"[13]؛ وهذا الشعور العام هو اللطف والظرف الذي تشعر به عندما تمر على موضع الحذف في قول الشاعر "سريع إلى ابن العلم يلطم وجهه..."[14]، وهو أيضا النفور وافتقاد الأنس والملاحة الظاهر في تفادينا لتقدير المحذوف في قول الشاعر "غضبى، ولا والله يا أهلها..."[15].
كما تناول عبد القاهر في خطاباته ما يكون عند فقد الحدس في العديد من المواضع، ومن ذلك: "وَاعلم أنَّه لا يصادف القولُ في هذا الباب موقعاً من السامع، ولا يجِدُ لديهِ قَبولاً، حتى يكون من أهل الذَّوْق والمعرفة، وحتى يكون ممن تُحدِّثُه نفسه بأنَّ لما يُومِئُ إليه من الحسن واللُّطْف أصلاً، وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، فيجد الأريحِيَّةَ تارةً، ويَعْرَى منها أُخْرى، وحتَّى إِذا عَجَّبتَهُ عَجِب، وإِذا نَبَّهتَهُ لموضع المزية انتبه. فأمَّا من كانَ الحالان والوجهان عنده أبداً على سواءً، وكان لا يتفقَّد من أمر "النَّظْم" إلا الصَّحة / المُطْلَقة، وإلا إعراباً ظاهراً، فما أقَلَّ ما يُجدِي الكلام معه. فليكن مَنْ هذه صفته عندك بمنزلة من عَدِم الإِحساس بوزن الشعر، والذَّوقِ الذي يقيمه به، والطَّبْع الذي يُميّز صحيحه من مكسوره، ومُزاحفَه من سالمه، وما خرَج من البَحْر مما لم يخرُج منه = في أنَّكَ لا تتصدَّى لهُ، ولا تَتَكلفُ تعريفه، لعلمك أنَّه قد عَدِم الأداة التي معها يعرف، والحاسَّة التي بها يجد. فليكنْ قدْحُك في زَنْدٍ وارٍ، والحكُّ في عُودٍ أنت تَطْمَع منه في نارٍ"؛ ففاقد الحدس لا يجد في نفسه شعورا بالارتياح أو الاستهجان إزاء ما يتلقاه من نص حسن أو قبيح وإنما "الحالان والوجهان عنده أبداً على سواءً"، فمثله مثل من يُرادُ تعليمُهُ الشعرَ وهو فاقد للإحساس بوزنه وعروضه، وللذوق الذي يقيمه به، وللطبع الذي يميز به ما يعرض على أوزانه من صحة وكسر وزحاف، بل ما يعرض عليه من خروج تام عن البحر الشعري، فليس من الحكمة أن يُتَكلَّفَ تعليم شخص مثله؛ وإنما "فليكنْ قدْحُك في زَنْدٍ وارٍ، والحكُّ في عُودٍ أنت تَطْمَع منه في نارٍ"؛ ويصرح عبد القاهر الجرجاني بضعف الحدس عند الكثرة الكاثرة من الناس حتى بلغ الضعف بعدد من الأدباء أنهم لا يميزون الحسن ولا القبيح فيما يكتبونه بأيديهم "والبلاء والداء العياء أن هذا الإحساس قليل في الناس حتى إنه ليكون أن يقع للرجل الشيء من هذه الفروق والوجوه في شعر يقوله أو رسالة يكتبها الموقع الحسن، ثم لا يعلم أنه قد أحسن، فأما الجهل بمكان الإساءة فلا تعدمه"، والأمر في أمثالهم من الناس سهل يسير فغاية ما يوجبونه عليك ألا تريهم ما لا يرون، ولا تهديهم إلى ما لا يهتدون إليه، وإلا فأنت "رام من غير مرمى، ومُعَنٌّ نفسك من غير جدوى"، وإنما يشتد البلاء "إذا ظنَّ العادم لها -أي: للآلة التي يميز بها بين الحسن والقبيح- أنه أوتيها، وأنه ممن يكمل للحكم، ويصح منه القضاء، فجعل يقول القول لو علم غِبَّه لاستحيى منه"[16]، أي: يكون البلاء أشد إذا ظن الفاقد للحدس بالمزية أنه يمتلكها ومن ثم شرع في إصدار الأحكام دون أن يكون له حس سليم أو مرجع واضح.
كما تناول عبد القاهر الجرجاني ما التمسه هو نفسه من صعوبة بالغة في الانتقال بمعرفة المزية من مرحلة الحدس إلى مرحلة النص "وينبغي أن نأخذ الآن في تفصيل أمر المزية، وبيان الجهات التي منها تَعْرِضُ، وإنه لمرامٌ صعبٌ ومطلبٌ عسير"، وقد بلغ من صعوبة هذا الأمر أن انقسم الناس "بين مُنكِرٍ له من أصله، ومُتَخَيِّلٍ له على غير وجهه، ومعتقدٍ أنه باب لا تقوى عليه العبارة"، أي: انقسم الناس بين من أنكر ما يدعيه عبد القاهر من مزايا في النصوص، وبين من تخيل هذه النصوص على غير وجهها، ولعله يعني بذلك من ردوا المزية في الكلام إلى اللفظ وحده دون النظم، وبين من اعترفوا بوجود هذه المزايا ولكنهم زعموا أن المعرفة بها حدس مضمر لا سبيل إلى التعبير عنه في نص يعي ذاته ويقبل التداول، ولا يمكن أن تكون المعرفة بها أكثر من "معانٍ تأبى أن تبرز من الضمير، وأن تدين للتبيين والتصوير، وأن تُرى سافرةً لا نقاب عليها، وبادية لا حجاب دونها"، وليس لمن أراد أن يبين عنها "إلا أن يُلوِّح ويشير، أو يضرب مثلاً ينبئ عن حسنٍ قد عرفه على الجملة، وفضيلةٍ قد أحسها من غير أن يُتبع ذلك بيانًا، ويقيم عليه برهانًا، ويذكر له علةً، ويورد فيه حجة"، أي: ليس لك إن أردت أن تعبر عن معرفتك بهذه المزايا إلا أن تمثل لها بصور تشير إلى مجرد وجود الحسن أو القبح على الجملة في النص "أو يضرب مثلاً ينبئ عن حسنٍ قد عرفه على الجملة"، دون أن تبين مواقع الحسن أو القبح أو أن تشير إلى علله أو أن تستدل عليه بالحجج والبراهين؛ ومن ثم كان "طريق التعليم إليه مسدودٌ، وباب التفهيم دونه مغلقٌ"[17]، ويقدم لنا عبد القاهر في كتابه الآخر "أسرار البلاغة" أمثلة لهذه الصور التي اعتاد النقاد إطلاقها ليعبروا بها عن مجرد شعورهم العام إزاء النص: "كأنها الماء جريانًا، والهواء لطفًا، والرياض حُسنًا، وكأنها النسيم، وكأنها الرَّحيقُ مِزاجُها التَّسنيم، وكأنها الديباج الخُسرواني في مَرامي الأبصار، ووَشْيُ اليَمن منشورا على أذْرُع التَّجّار"[18]، ويرد عبد القاهر على من زعموا ذلك الزعم، ويقر بأن "من الآفة أيضًا مَنْ زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في قليل ما تعرف المزية فيه وكثيره، وأن ليس إلا أن تعلم أن هذا التقديم وهذا التنكير أو هذا العطف أو هذا الفصل حَسَن، وأن له موقعًا من النفس وحظًّا من القبول، فأما أن تعلم لِمَ كان كذلك؟ وما السبب؟ فمما لا سبيل إليه، ولا مطمع في الاطلاع عليه"، ولا يكتفي عبد القاهر بذلك حتى يتهمهم بالكسل "فهو بتوانيه والكسل فيه في حكم من قال ذلك"، ويقرر في النهاية أن ما لا يدرك كله في هذا الباب لا يترك كله "واعلم أنه ليس إذا لم تُمكِن معرفة الكل وجب ترك النظر في الكل، وأن تعرف العلة والسبب فيما يمكنك معرفة ذلك فيه، وإن قلّ فتجعله شاهدًا فيما لم تعرف، أحرى من أن تسُدَّ باب المعرفة على نفسك، وتأخذها عن الفهم والتفهم، وتعودها الكسل والهوينا"[19].
كما تناول عبد القاهر الجرجاني ما اشترطناه في الارتقاء بالمعرفة من مرحلة الحدس إلى مرحلة النظم من ممارسة للاستبطان والتفكير العكسي، وأُذَكِّر أن المراد بالاستبطان والتفكير العكسي هو أن تتخذ من وعيك وشعورك بالواقع موضوعا للدراسة بدلا من دراسة الواقع نفسه، فتدرس على سبيل المثال تصورك وشعورك بالقلم بدلا من دراسة القلم نفسه كما هو في الواقع، ويسمى هذا النمط من التفكير بالتفكير العكسي في مقابلة التفكير التقليدي الذي يتجه من الوعي إلى ما ندركه خارج الوعي في الواقع، بخلاف التفكير العكسي الذي يتسلط فيه التفكير على الداخل (الوعي - الشعور)؛ وهذا ما نجده في خطابات عبد القاهر الجرجاني تحت مسميات مختلفة، فتارة يسميه بالنظر بالقلب ومراجعة العقل "وقد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزية... وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك، وتستعين بفكرك، وتعمل رويتك، وتراجع عقلك"[20]، فالمزية التي تتفاضل بها النصوص لا تقبض عليها "حيث تسمع بأذنك"؛ لأنها ليست مزية حسية مما يدرك في المادة والواقع بممارسة التفكير التقليدي، وإنما هي مزية تشعر بها في نفسك، ومن ثم لا سبيل إلى معرفتها إلا بممارسة الاستبطان والتفكير العكسي، وهو ما يعبر عنه عبد القاهر الجرجاني بقوله "تنظر بقلبك"، فالقلب -وهو مركز المعرفة في الوعي العربي القديم- لا يحدق في المادة والواقع كما تفعل العين والأذن، وإنما يستبطن ما تشعر به في نفسك، كما عبر عن الاستبطان بقوله "وتستعين بفكرك، وتعمل رويتك، وتراجع عقلك"، ولعل مراجعة العقل هي الأبلغ في الدلالة على التفكير العكسي، فهي تصور الباحث في صورة من اتخذ من عقله بكل ما يحمله من تصورات ومشاعر موضوعا له واضعا الواقع ذاته وراء ظهره؛ كما عبر عبد القاهر عن الاستبطان والتفكير العكسي في مواقع أخرى من خطاباته وتحت مسميات أخرى، وذلك إذ يقول: "فتأمل الآن هذه الأبيات كلها، واستقرها واحدًا واحدًا، وانظر إلى موقعها في نفسك وإلى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها، ثم فَلَّيْتَ النفس عما تجد، وألطفت النظر فيما يُحَسُّ به، ثم تكلَّف أن تردَّ ما حذف الشاعر، وأن تخرجه إلى لفظك وتوقعه في سمعك، فإنك تعلم أن الذي قلتُ كما قلت..."[21]، فليس المراد بتفلية النفس في هذا السياق إلا اتخاذ مشاعرها إزاء النص وما اشتمل عليه من خاصية أسلوبية موضوعا للبحث والدراسة، فتفتش فيها عما يثور إزاء النص من مشاعر وتصورات، ولا يكتفي عبد القاهر بهذه العبارة حتى يردفها بما هو أصرح منها "وألطفت النظر فيما يحس به"، فدل بتسليط التفكير "النظر" على الشعور "ما يُحَسُّ به" على الاستبطان دلالة صريحة، ولا عجب في ذلك ما دام الاستبطان هو الركن الأكبر في عمل كل مفسر أو بلاغي أو ناقد حقٍّ يستدعي حدسه في مواجهة كل قضية ولا يكتفي بما يكون من قوالب ومنهجيات جامدة، تتجاهل أن لكل نص قاعدته الخاصة التي يخلقها بالتفاعل مع ظروف إنشائه ويعيد خلقها بالتفاعل مع ظروف تلقيه، وأن كل نص هو حالة فردية ينبغي أن توضع له قواعده الخاصة من خلال الحوار معه.
كما تناول عبد القاهر في خطاباته الحد الذي تتحول معه المعرفة بالمزية من معرفة مضمرة إلى معرفة منظمة تعي ذاتها وتقبل التداول، ويتمثل هذا الحد في تحديد موقع الشعور بالاستحسان أو الاستهجان في كلية النص، وفي تحديد علل هذا الشعور بالاستحسان أو الاستهجان، وفي الاستدلال على الموقع والعلة بالحجج والبراهين، وهذا ما تفهمه من حديث عبد القاهر في "دلائل الإعجاز" إذ يقول: "وإذ قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن وتشاهدوا له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصًا... وتأمله، فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت، فانظر إلى حركات الأَرْيَحِيَّةِ، مم كانت؟ وعند ماذا ظهرت؟"[22]، فعبد القاهر يطلب من المتلقي أن يعمد إلى النصوص المشهود لها بالفضل لأجل ما فيها من نظم، فيتأملها، أي: يستبطن شعوره بها ليتحسس ما يكون منها إزاء هذه النصوص، حتى إذا شعر بما شعر به النقاد من قبله من الاستحسان والارتياح "فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت"، فعليه حينئذ أن ينظر إلى "حركات الأَرْيَحِيَّةِ"، أي: أن يعمد بعقله وتفكيره إلى ما ينشأ في نفسه من استحسان إزاء هذه النصوص فيتخذه موضوعا للدراسة والتفكير، حتى يصل في هذه المشاعر إلى تحديد "مم كانت؟"، أي: السبب، "وعند ماذا ظهرت؟"، أي: الموضع؛ وبتحديد السبب والموضع يكون المخاطب أو متلقي النص الأدبي قد انتقل بمعرفته بالمزية من مرحلة الحدس إلى مرحلة المعرفة المنظمة التي تعي ذاتها وتقبل التداول، ولا يكتمل انتظام المعرفة ضمن النص حتى تكون قابلة للاستدلال والبرهنة والاحتجاج عليها، وهذا ما يفهم من تجشم عبد القاهر تدريج القول فيما زعم معاصروه استحالته من إتباع المثل الذي ينبئ عن الفضيلة التي يحسونها في النص "بيانًا"، أي: توضيحا لعلتها وموقعها، "ويقيم عليه برهانًا، ويذكر له علةً، ويورد فيه حجة"[23].
كما يتناول عبد القاهر التعبير عن الحدس من خلال الصورة التي تتحد معه في مواقعه النفسية في العديد والعديد من خطاباته، وتارة يعيب على صُوَرِ النقاد من قبله أنها لا تُنبِئُ عن الحسن في النص إلا على الجملة دون أن يَتبَعَ هذه الإبانة توضيحٌ لعلِلِ الشعور ولا لمواقعه ولا للبراهين الدالة عليه "أو يضرب مثلاً ينبئ عن حسنٍ قد عرفه على الجملة، وفضيلةٍ قد أحسها من غير أن يُتبع ذلك بيانًا، ويقيم عليه برهانًا، ويذكر له علةً، ويورد فيه حجة"[24]، وتارة يأخذ عليها أنها رموز لا يفهمها إلا الخاصة من العلماء والبلغاء الذين يمتلكون من القرائح والطبائع والأذهان ما يؤهلهم لتداولها والتفاهم بها، حتى صارت مثلها من الصور في نظر العامة كاللغة المتواضع عليها المُفتَقَرُ في فهمها إلى الترجمة "وأن الذي قاله العلماء والبلغاء في صفتها والإخبار عنها رموز لا يفهمها إلا من هو مثل حالهم من لطف الطبع، ومن هو مهيَّأ لفهم الإشارات حتى كأن تلك الطباع اللطيفة وتلك القرائح والأذهان قد تواضعت فيما بينها على ما سبيله سبيل الترجمة يتواطأ عليها قوم فلا تعدوهم، ولا يعرفها من ليس منهم"[25].
وليست تعليقات عبد القاهر الجرجاني على استخدامهم للصورة في التعبير عن معرفتهم المضمرة بالمزية هي أكثر ما يثير الانتباه، بل أكثر ما يثير الإعجاب في خطابات عبد القاهر الجرجاني هو استعماله هو نفسه للصورة، وهي أكثر في كتاباته من أن تحصر، ومن ذلك قوله في "دلائل الإعجاز": "واعلم أنك لا تشفى العلة ولا تنتهي إلى ثَلَج اليقين حتى تتجاوز حدّ العلم بالشيء مجملاً إلى العلم به مفصلاً، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه، والتغلغل في مكامنه، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه، وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يُصْنَع فيه إلى أن يعرف مَنْبِتَه، ومجرى عروق الشجر الذي هو منه"[26]، يتكلم عبد القاهر في الفقرة السابقة عن تطور المعرفة بالمزية من حدس ومعرفة مضمرة لا تعي ذاتها ولا تقبل التداول "العلم بالشيء مجملا" إلى معرفة منظمة تعي جزئياتها وعلائقها ومواقعها وعللها وبراهينها "العلم به مفصلا"، ولو تتبعت الصور التي استخدمها عبد القاهر في هذه الفقرة القصيرة ليترجم حدسه بهذا التطور في نص يعي ذاته لأدهشك منها ما تجد من الكثرة الكاثرة، فهو أولا يقارب ما يجده الإنسان في نفسه من فقد للمعرفة ومن إشباع لهذا الفقد بصورة المرض والشفاء من المرض، فسمى الفقد "علة"، وعبر عن إشباعه بالفعل "تشفي"، وقارب ما يجده الإنسان في نفسه من شعور بالسكينة والثبات والاطمئنان إزاء ما يلتمسه فيها من معرفة متسقة مستقرة بصورة "الثلج"، وقارب ما يجده الإنسان في نفسه من شعور بالمعرفة الثابتة المستقرة بصورة الماء إذا يَقِنَ في الحوض واستقرّ فيه، فعبر عن ذلك الشعور بكلمة "اليقين"، وقارب ما يجده في نفسه من شعور ببلوغ الغاية بعد الكد والتعب بصورة من يواصل السير حتى يقطع الطريق ويبلغ غايته، فعبر عن هذا البلوغ بالفعل "تنتهي" المتعلق بمعموله بواسطة حرف الجر "إلى"، ثم شرع في تصوير "العلم" فجعله مكانا ذا أبعاد له "حدّ"، وأجزاء تقبل الاتصال "مجملا" والانفصال "مفصلاً"، بل جعله مكانا ذا زوايا يُحَدَّقُ إليها بالعين "النظر في زواياه"، ولا يكتفي بذلك حتى يجعله مكانا ذا طبقات تحجب ظواهره مكامنه حتى لا يُوصَلُ إليها إلا بعد تعمق "التغلغل في مكامنه"، ثم شبه الانتقال من المعرفة المضمرة إلى المعرفة المنظمة بمن يتتبع مجرى الماء حتى يصل إلى منبعه "وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه"، وبمن يتتبع جوهر العود بعد أن وقعت عليه الصناعة والتشكيل حتى يعرف العروق التي نبت منها "وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يُصْنَع فيه إلى أن يعرف مَنْبِتَه، ومجرى عروق الشجر الذي هو منه"؛ ولا يخفى عليك أيها القارئ أن كل صورة من تلك الصور تتحد في وقعها النفسي مع حدس عبد القاهر بكل موضوع من تلك الموضوعات السابقة، فالعلة تتحد في وقعها النفسي مع شعور عبد القاهر بفقد المعرفة، والشفاء يتحد مع شعوره بالتشبع بالمعرفة، وكذا الأمر في كل صورة من الصور التالية.
وأعد النظر أيها القارئ في الصور التي ضربها عبد القاهر في تطور المعرفة بالمزية "حتى تتجاوز حدّ العلم بالشيء مجملاً إلى العلم به مفصلاً، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه، والتغلغل في مكامنه، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه، وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يُصْنَع فيه إلى أن يعرف مَنْبِتَه، ومجرى عروق الشجر الذي هو منه"؛ ثم أسأل نفسك: لِمَ عبر عبد القاهر عن شعوره بتطور المعرفة من خلال ثلاث صور؟ ألم يكن من الممكن أن يعبر عن شعوره بتطور المعرفة من خلال صورة واحدة فقط؟ أتذكر أيها القارئ ما قلناه من قبل في المفارقة بين الحدس والنص؟ ألم يكن من وجوه المفارقة بينهما أن الحدس متلقب والنص ثابت؟ تلتقي الصور السابقة الثلاث في مسار واحد وهو الدلالة على تطور المعرفة بالشيء من مرحلة الحدس والمعرفة المضمرة إلى مرحلة النص والمعرفة المنظمة، ويرمز عبد القاهر إلى المرحلة الأولى برؤية القصر مجملا، وبمجرى الماء، وبالعود الذي تقع عليه الصناعة، ويرمز إلى المرحلة الثانية بالتحديق في زوايا القصر وبالتغلغل في مكامنه، وببلوغ منبع الماء، وبمعرفة مجرى عروق الشجر التي نبت منها العود؛ وهذه الصور جميعا تُثَبِّت في حدس عبد القاهر شعورا واحدا أصليا ينتظمها جميعا، وهو الشعور بتطور المعرفة في نفس العارف من الإدغام والإجمال إلى التنظيم والتفصيل، ويقع هذا التثبيت من خلال ما بين هذه الصور وبين الشعور الواحد الأصلي من وحدة في الوقع النفسي؛ ولكن كل صورة منها تُثَبِّت إلى جانب الشعور الواحد الأصلي فائض شعور عابر في موضوع الحدس "تطور المعرفة": فالصور الأولى تصور العلم في صورة القصر المشيد المنظم ذي الزوايا والأركان المكون من طبقات متراكمة يحجب ظواهرها مكامنها، ضمن صورة متحركة تتحرك فيها حدقة الوعي بين الزوايا والأركان، وكلما تجاوزت طبقة ظاهرة اصطدمت بأخرى كامنة وراءها، مما يثبت في حدس عبد القاهر بتطور المعرفة إلى جانب الشعور الأصلي فيضا خاصا من الشعور يتمثل في الشعور بالانتظام والرصانة واللانهائية؛ أما الصورة الثانية فهي تصور المعرفة في صورة متحركة نتتبع فيها مجرى الماء حتى نصل إلى نبعه، فإن كانت المعرفة قد تجلت في حدس عبد القاهر في الصورة السابقة في صورة ساكنة جامدة نتحرك فيها وهي لا تتحرك، فإنها هاهنا تتجلى في صورة متحركة متدفقة تتدفق وتتطور بنتائجها وأحكامها إلى ما لا نهاية وبلا نضوب كما يكون في النهر دون أن تنقطع أواخرها عن أوائلها، ليثبت من خلال ذلك إلى جانب شعوره الأصلي في تطور المعرفة فيضا ثانيا من الشعور يتمثل في الشعور بالتدفق والخصب والنماء والاتصال بالجذور؛ ثم تأتي الصورة الثالثة لتصور تطور المعرفة في صورة العود الذي تقع فيه الصناعة نتتبعه حتى نحدد من خلال صفة جوهره ومعدنه عروق الشجر التي نبت منها، ليثبِّت من خلال هذه الصورة في الحدس بتطور المعرفة وإلى جانب الشعور الأصلي فيضا ثالثا من الشعور يتمثل في الشعور بالوحدة بين جوهر المعرفة وهي في طور الحدس وبين جوهرها وهي في طور المعرفة المنظمة ذات التفاصيل والأقسام، فمن خلال الجوهر الواحد أمكن تحديد نسبة المعرفة بعد تطورها إلى أصلها المدغم كما أمكن نسبة العود بعد وقوع الصناعة عليه إلى الشجرة التي نبت من عروقها.
وبذلك يتأكد ما ادعيته من قبل أن الحدس متقلب يتدفق ضمن الموضوع الواحد فينتج في كل دفق فائض شعور خاص يختلف عن فائض الشعور الذي نجده في كل دفق آخر، هذا إلى جانب الشعور العام الذي ينتظم دفقات الحدس في الموضوع جميعا ضمن مسار واحد ثابت ومطرد، وفي كل مرة يتدفق فيها الحدس في موضوعه فإنه يقذف أمام حدقة الوعي بصورة تُثَبِّت شعوره بالموضوع بما اشتمل عليه من شعور عام وفائض شعور خاص، وذلك بخلاف النص الذي يثبت الحدس في الموضوع ضمن صورة واحدة بما اشتملت عليه من شعورين عام وخاص، حتى إذا عاد منشئ النص إلى نصه وحدس موضوعه حدسا جديدا شعر بالتنافر بين حدسه الجديد في الموضوع وبين النص الجامد الذي أقامه حدس سابق في ذات الموضوع؛ لأن حدسه قد تدفق في الموضوع تدفقا جديدا يحمل إلى جانب الشعور العام فائض شعور مختلف لا تمثله كافة الصور والنصوص السابقة، ومن ثم يعمل الحدس على تجاوز أو تفكيك هذه النصوص ليقيم نصوصا أخرى جديدة أصدق في التعبير عنه ضمن لحظته الحالية؛ كما يؤكد هذا ما ادعيته من قبل أن الصورة تعمل على تثبيت الشعور في الموضوع آن الحدس به من خلال ما بين الموضوع وبين الصورة من وحدة في الوقع النفسي.
عبد القاهر الجرجاني يصل ما بدأه أبو القاسم الآمدي
يقول أبو القاسم الآمدي: "قال: وسألني محمد الأمين عن شعرين متقاربين، وقال: اختر أحدهما، فاخترت، فقال: من أين فضلت هذا على هذا وهما متقاربان؟ فقلت: لو تَفَاوَتَا لأمكنني التبيين، ولكنهما تقاربا، وفضلت هذا بشيء تشهد به الطبيعة ولا يعبر عنه اللسان"[27]؛ فأشار بذلك إلى الشرط الذي تتحول معه المعرفة من مرحلة الحدس الذي لا يعي ذاته ولا يقبل التداول إلى معرفة منظمة تعي ذاتها وتقبل التداول، وهو الشعور بالمفارقة والتمايز، فالشعور بالحسن في الحسن قد لا يكون كافيا في تأجيج الحدس ودفعه إلى الإعلان عن نفسه أمام حدقة العقل، ولكن عندما يوضع القبيح في إزاء الحسن يتأجج الحسن إذ يتفجر فيه الشعور بالاستهجان في مقابل وبالتضاد مع الشعور بالاستحسان مما يدفع الحدس للإعلان عن مضامينه وييسر تحويله إلى معرفة منظمة تعي ذاتها وتقبل التداول، وهذا ما نص عليه عبد القاهر الجرجاني كوسيلة لدفع الحدس للتعبير عن نفسه أمام حدقة الوعي، وذلك إذ يقول: "ومن لطيف الحذف قول بكر بن النطاح: العـينُ تبـدي الحـبَّ والبـغـضا ∴ وتظــهــر الإبــرام والـنَّـقــضا دُرَّةٌ مــا أنصـفـتـني في الهوى ∴ ولا رحـم الـجـسـد الـمـنـضـي غـضـبـى، ولا والله يـا أهـلـهـا ∴ لا أطـعـمُ الـبـاردَ أو تـرضــى يقول في جارية كان يُحبُّها، وسُعِيَ به إلى أهلها فمنعوها منه، والمقصود قوله: "غضبى"، وذلك أن التقدير "هي غضبى" أو "غضبى هي" لا محالة، ألا ترى أنك ترى النفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف، وكيف تأنس إلى إضماره؟ وترى الملاحة كيف تذهب إن أنت رُمْتَ التكلم به؟"[28]؛ فالعدول بالتعبير عما تأنس به النفس من شأنه أن يثير فيها شعورا بالرفض والانزعاج، وعندما يوضع هذا الشعور المتضاد (القبول والارتياح - الرفض والانزعاج) في مقابل السلوك اللغوي المتضاد (حذف المبتدأ - ذكر المبتدأ) يكون ذلك أدعى إلى الفهم والاستيعاب، ولعل أهم ما نتعلمه من ذلك هو ما كان من تواصل في التراث العربي في إنتاجه النقدي، سواء أتم هذا التواصل بقصد أو بغير قصد، ولعل ما أكتبه من دراسة الآن يكون حلقة ضمن هذا التواصل.
المعنى واللفظ عند عبد الكريم النهشلي
يقول ابن رشيق القيرواني نقلا عن عبد الكريم النهشلي: "قال بعض الحذاق: المعنى مثال، واللفظ حَذو، والحذو يتبع المثال؛ فيتغير بتغيره، ويثبت بثباته" [29]؛ والمثال في "لسان العرب" هو ما جُعِلَ مِقْدَاراً لِغَيْرِهِ يُحْذَى عَلَيْهِ، وهو القَالَبُ الَّذِي يُقَدَّرُ عَلَى مِثْلِهِ، ويجمع جمع قلة على أمثِلَة، وجمع كثرة على مُثُل[30]؛ والمقصود بذكر المثال والإخبار به عن المعنى في نص عبد الكريم أن المعنى يشكل اللفظ ويعيد تشكيله بما يجعله تجسيدا له وتعبيرا صادقا عن كل ما ينطوي عليه من تصورات ومشاعر، وبذلك يكون المعنى مثالا يحتذى عليه في بناء اللفظ، ويكون اللفظ حُذوًا يُقَام على مثال المعنى وضمن ما يفرضه عليه من شروط تحدد عناصره ووجه تنظيمه، وهذا ما يصرح به عبد الكريم في قوله "والحذو" أي: اللفظ "يتبع المثال" أي: المعنى، فينتقي من الألفاظ ويسلك فيها من وجوه التعليق ما يتسق ويعبر عن المعنى المراد، ويبقى النص ثابتا على ما اقتضاه فيه المعنى المراد من عناصر ووجوه تعليق حتى يتغير هذا المعنى فيفرض في اللفظ ما يعبر عن هذه التغييرات؛ ألا يلتقي ما يقوله عبد الكريم النهشلي في المعنى مع ما قلته أنا من قبل في الحدس من أنه يجتذب النص ويشكله ويعيد تشكيله بما يجعله تعبيرا صادقا عنه بكل ما انطوى عليه من تصورات ومشاعر؟ ولكن المعنى في ذاته شيء خامل لا يجتذب لفظا ولا يشكل عبارة، فعندما أقول "كلامه كالعسل" فإن المعنى المراد من وراء ذلك هو أثر كلامه الحسن في النفس، ولا يتصور في مجرد هذا المعنى أن يجذب لفظا ويشكل عبارة حتى يُنحَى إليه بالتصور والشعور والتعبير عن صورته والشعور به وليس الحدس شيئا إلا هذا النحو، فالحدس هو ما يقصد إلى الموضوع بالتصور والشعور، وهو ما يجتذب النص ويشكله ويعيد تشكيله كي ينظم ويثبت ضمنه تصوره للموضوع وشعوره به.
كما ينقل ابن رشيق عن العباس بن حسن العلوي في صفة متكلم بليغ: "معانيه قوالب لألفاظه، هكذا حكى عبد الكريم، وهو الذي يقتضيه شرط كلامه"، أي: إن حكاية عبد الكريم "معانيه قوالب لألفاظه" تتفق في تصوره للعلاقة بين المعنى والنص مع ما أورده من قبل في قوله "المعنى مثال، واللفظ حَذو، والحذو يتبع المثال؛ فيتغير بتغيره، ويثبت بثباته"، ويتابع ابن رشيق: "ثم خالف في موضع آخر"، أي: خالف عبد الكريم ما ادعاه في العلاقة بين النص والمعنى، فقال: "ألفاظه قوالب لمعانيه"، فجعل الألفاظ هي المثال التي تصاغ المعاني ضمنه ومن خلاله ليخالف بذلك ما ادعاه من قبل من أن المعاني هي القوالب للألفاظ؛ ولكن ابن رشيق يخرج هذا التناقض بقوله "والقالب يكون وعاء كالذي تفرغ فيه الأواني، ويعمل به اللبن والآجر، وقد يكون قدرا للوعاء كالذي يقام به اللوالك، وتصلح عليه الأخفاف، ويكون مثالا كالذي تحذى عليه النعال، وتفصل عليه القلانس، فلهذا احتمل القالب أن يكون لفظا مرة ومعنى مرة"[31]، فميز بذلك بين صورتين مختلفتين في القالب، تتمثل الصورة الأولى في القالب الذي تفرغ فيه الأواني واللبن والآجر كي تصاغ على مثاله ونموذجه، وتلائم هذه الصورة في القالب اللفظ آن التلقي، أما الصورة الثانية فتتمثل في القالب الذي يحاط بجسم النعل حتى يصنع النعل على مثال ونموذج القالب، وتلائم هذه الصورة في القالب المعنى آن إنشاء النص؛ فنستخلص من ذلك أن المعنى أثناء إنشاء النص يكون قالبا يصاغ اللفظ على مثاله، فيحمل النص بذلك السمات والخصائص الدقيقة للمعنى الذي صيغ ضمنه ومن خلاله في سمات تكوينه، حتى إذا ما تلقاه متلق، استخلص من خلال السمات والخصائص التي طبعها المعنى في النص خصائص وسمات المعنى ذاته، وبذلك يكون اللفظ آن التلقي قالبا يتكون المعنى في نفس المتلقي على مثاله ونموذجه؛ فالمعنى قالب الإنشاء والنص قالب التلقي.
المقاربة بين أبي نواس والرامي عند ابن رشيق
يقول ابن رشيق: "واشتقاق الغلو [من] المغالاة، ومن غلوة السهم، وهي مَدَى رَميته، يقال: غاليت فلانا مُغَالاة وغِلَاء، إذا اختبرتما أيكما أبعد غَلْوة سهم"[32]؛ والغلو هو المبالغة في مقدار المعنى المنسوب إلى المسند إليه، مثل: خالد أسد تهابه الأعداء، أو هو المبالغة في نسبة المعنى إلى المسند إليه، مثل: تهاب الأعداء رماح سعيد، وجرى جواده بالذل والخضوع في رقاب الأعداء، فأنت لم تبالغ في المعاني المنسوبة إلى سعيد وإنما بالغت في نسبتها إليه حتى جعلتها تعم كل ما اتصل به من رماح وجواد، وإن كنت عند التحقيق لا تبالغ في نسبة المعنى إلى المسند إليه حتى تبالغ في ذات المعنى، لأن الهيبة والإذلال والإخضاع لا تعم ما اتصل بسعيد حتى يتضخم وجودها فيه فتتجاوز وجوده المحدود لتفيض على كل ما اتصل به، وكلمة "الغلو" الدالة على هذه المبالغة مشتقة من "المغالاة أو غلوة السهم، وهي مَدَى رَميته، يقال: غاليت فلانا مُغَالاة وغِلَاء، إذا اختبرتما أيكما أبعد غَلْوة سهم"، وهذا يردنا مرة أخرى إلى ما ادعيته من قبل من أنه لا يمكننا أن نعبر عن المعرفة الجديدة إلا ضمن ومن خلال المقاربة بصورة مستمدة من المعرفة القديمة، فعندما يتلقى المفسر الأول للنص بيتا مثل بيت أبي نُوَاس[33]: وأخفت أهل الشرك حتى إنه ∴ لتخافك النطف التي لم تخلق فيشعر بما فيه من تضخيم في مقدار الهيبة التي ينسبها أبو نواس للممدوح حتى تجاوزت في تأثيرها حدود الحياة الناضجة العاقلة لتزرع الخوف في بذرة الحياة التي لا يتأتى فيها عقل ولا شعور، وإن لم يكن قادرا على تنظيم هذا الشعور في نص يعي ذاته ويقبل التداول كما نظمناه نحن، فيسمي هذا الشعور بالغلو والمغالاة قياسا على ما يكون في رمي السهام، فما الذي يعنيه ذلك؟ يعني ذلك أن العارف في مواجهة المعرفة الجديدة ارتد إلى معارفه القديمة ليفتش فيها عما يكون قادرا على تفسير وتصنيف المعرفة الجديدة، فقذف حدسه، أي: شعوره بالمعرفة الجديدة، بصورة الرامي أمام حدقة الوعي ليقارب ضمن ومن خلال هذه الصورة شعوره في المعرفة الجديدة، وتتم هذه المقاربة من خلال وحدة الوقع النفسي بين صورة الرامي وبين المعرفة الجديدة التي يعانيها العارف، فالصورة تُثَبِّت في حدس العارف بموضوع معرفته الجديدة الشعور المشترك بينهما، وهو الشعور بالتوغل في جنس المراد حتى نبلغ أقصاه، ويتحقق هذا الشعور في صورة الرامي الذي يصيب سهمه أبعد غرض ممكن كما تتحقق في الشعور بما صنعه أبو نواس الذي جعل الهيبة في الممدوح تصل إلى أقصى تحقق ممكن لها.
ولا يكتفي ابن رشيق بهذه التسمية فيما صنعه أبو نواس حتى يورد لها تسمية أخرى، وهي "الإغراق"، ويفسر هذه التسمية بقوله: "والإغراق أيضا أصله في الرَّمْي، وذلك أن تجذب السهم في الوتر عند النَّزع حتى تستغرق جميعه بينك وبين حنية القوس، وإنما تفعل ذلك لبعد الغرض الذي ترميه، وهذه التسمية تدل على ما نحوتُ إليه وأشرتُ نحوه"[34]؛ ومرة أخرى يقارب المفسر الأول للنص حدسه بمبالغة أبي نواس بصورة الرامي، ولكن إن كانت الصورة السابقة تسلط الضوء على السهم بعد أن أصاب هدفه البعيد فإن الصورة الحالية تسلط الضوء على الرامي وهو ينزع السهم إلى الوراء حتى يستغرق كافة جسم السهم الفاصل بين الوتر المنزوع إلى الوراء وحنية السهم المستقرة في الأمام، ليثبت من خلال ذلك في حدس المبالغة شعورا جديدا لم تُثَبِّته الصورة الأولى وهو الشعور باستغراق كافة الاستعدادات الدلالية المتاحة في تضخيم معنى الهيبة حتى لو أراد أبو نواس أن يبلغ به أبعد من ذلك لارتد عنه ولما وجد في إمكانياته اللغوية ما يعينه، كالرامي الذي استغرق في نزعه كافة جسم السهم الفاصل بين الوتر المنزوع وحنية السهم حتى لو أراد أن ينزع بسهمه أكثر من ذلك ما استطاعه؛ ولكن ألم يكن ذلك المعنى حاضرا في الصورة الأولى؟ ألا يفهم من إصابة الرامي بسهمه أبعد غرض ممكن أنه نزع السهم إلى الوراء إلى أقصى حد ممكن؟ أجل يفهم هذا استدلالا، ولكن ليس حضوره استدلالا كحضوره نصا وتصويرا، فالمعاني المستدل عليها تحضر في مؤخرة الوعي دون أن تسجل حضورا حادا أو ملموسا في الشعور، أما المعاني التي تبرز في الصورة والنص فهي المعاني التي تعلق بها الشعور، والصورة إنما تُثَبِّت الشعور والحدس بالموضوع آن التصوير؛ ودقق النظر في صورة الإغراق هل تضع في ناظريك صورة ساكنة لرام جامد لا يتحرك؟ أم تصور فيهما صورة رام يجذب السهم الشيء بعد الشيء حتى يستغرق جميع كتلته بين الوتر وبين حنية القوس؟ وليست هذه الحركة شيئا أدعيه، بل هو ما يتجلى بوضوح في استخدام ابن رشيق للأفعال المضارعة "تجذب"، "تستغرق"، تفعل"، وهذا ما عنيته من قبل بأن العقل لا يترك الصورة التي يقذف بها الحدس ساكنة وإنما يتحرك ضمنها ومن خلالها ويحركها ضمن ومن خلال حركته، حتى يجسد ضمنها حدسه وشعوره بالموضوع.
صورة المطابقة في النقد العربي القديم
يقول ابن رشيق: "المطابقة في الكلام: أن يأتلف في معناه ما يضاد في فحواه، المطابقة عند جميع الناس: جَمْعُكَ بين الضدين في الكلام أو بيت شعر... قال الخليل بن أحمد: يقال "طابقت بين الشيئين" إذا جمعت بينهما على حَذْوٍ واحد وألصقتهما. وذكر الأصمعي المطابقة في الشعر فقال: أصلها وضع الرِّجْلِ في موضع اليد في مشي ذوات الأربع، وأنشد لنابغة بني جَعْدَة: وَخَــيْـلٍ يُـطَــابِـقْـنَ بِالدَّارِعِـينَ ∴ طِـبَـاقَ الْـكِـلَابِ يَطَأْنَ الْهِرَاسَا وقال الرماني: المطابقة: مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان. قال صاحب الكتاب: "هذا أحسن قول سمعته في المطابقة من غيره... وأما قول الخليل "إذا جمعت بينهما على حَذْوٍ واحد وألصقتهما" فهو مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان كما قال الرماني، يشهد بذلك قول لبيد: تـعــاورن الـحــديـث وطـبقـنه ∴ كــمـا طــبـقــت بالنعل المـثالا ومنه "طَبَّقْتُ المفصل" أي: أصبته فلم أزد في العضو شيئا ولم أنقص منه.. وكذلك قول الأصمعي "أصلها من وضع الرجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع" هو مساواة المقدار أيضاً؛ لأن من ذوات الأربع ما تجاوز رجله موضع يده، ومنها ما يطابق كما قال خِلْقَة، وربما كان طباقها من ثقل تحمله أو شكيمة تمنعها أو شيء تتقيه على أنفسها..."[35]؛ تبدأ المعرفة بالمطابقة بمشاهد مادية تتمثل في ذوات الأربع عندما تضع أرجلها في مواضع أيديها أثناء المشي، كما تتمثل في مطابقة المفصل، أي: إصابة الموضع الأنسب والأدق أثناء الجزارة، كما تتمثل في المطابقة بين الشيئين والجمع بينهما على حَذْوٍ واحد وإلصاقهما، تتقاطع هذه المشاهد في أفق الحس والشعور فلا تترك في الوعي مجرد صورة مادية لمضامينها المذكورة، بل تترك معرفة أعمق من ذلك، إذ تترك شعورا عميقا بالمطابقة وإصابة عين الهدف دون زيادة أو نقصان، كما تترك شعورا بالوحدة بين جميع المشاهد السابقة، وكل مرة يتكرر فيها مشهد من هذه المشاهد يتأكد في نفوسنا الشعور بالمطابقة، ويتعزز الشعور بوحدته وتمايزه عن مشاهده الحسية، مما يدفعه نحو التجرد في معرفة منظمة تعي ذاتها وتقبل التداول، ويعبر الشعور بوحدة المطابقة وتمايزها عن نفسه تعبيرا واضحا في لفظة "المطابقة" الدالة على إدراكه كمدرك واحد ومستقل، تمثل هذه المشاهد الحسية بالنسبة للمفسر رصيده المعرفي السابق على مباشرة النص ذاته، وعندما يباشر نصا من مثل قول الشاعر[36]: ســريـع إلــى ابـن الـعــم يلـطم وجهه ∴ ولــيــس إلــى داعــي الـنــدى بسريـع حــريــص عـلــى الدنيا مضـيع لـدينه ∴ ولـيــس لــمـــا فـي بيتــه بـمــضــيــع فإنه يشعر بالوحدة بين المعرفة الجديدة الماثلة في النص وبين معرفته القديمة بكل ما اشتملت عليه من صور مادية، فيقذف الحدس من خلال هذا الشعور بالوحدة بصورة مادية مستمدة من معرفته القديمة، ليقارب ضمنها ومن خلالها شعوره في المعرفة الجديدة الماثلة في الجمع بين (سريع - ليس بسريع)، أو في الجمع بين (حريص - مضيع)، وتكمن القيمة الدلالية لهذه الصور في أنها تكشف لنا بوضوح طبيعة شعور المفسر الأول للنص بالظاهرة التي تعرف بلاغيا باسم الطباق، فمقاربة هذه الظاهرة بالصورة المأخوذة من ذوات الأربع وهي تضع أرجلها في مواضع أيديها أثناء المشي يشير إلى شعورهم في العلاقة بين الضدين بوحدة الموضع، وكأن كل لفظة منهما ينبغي أن توضع حيث وضع ضدها، وإلا كان ذلك نقصا وخللا في النظام؛ ومقاربة الظاهرة بالصورة المأخوذة من الإصابة الدقيقة في المفصل دون زيادة أو نقصان يشير إلى شعورهم في العلاقة بين الضدين بالتكافؤ، وكأن كل لفظة منهما تمثل حاجة لا يشبعها بشكل دقيق إلا اللفظة المضادة لها، أو كأن كل لفظة منهما وجود لا يكافئه ولا يوازنه بشكل دقيق إلا وجود اللفظة الأخرى؛ ومقاربة الظاهرة بالصورة المأخوذة من المطابقة بين الشيئين والجمع بينهما على حَذْوٍ واحد وإلصاقهما يشير إلى شعورهم في العلاقة بين الضدين بالمساواة الكاملة حتى يوضع أحدهما في حذو الآخر فيطابقه دون زيادة أو نقصان، كما يشير إلى شعورهم فيها بوحدة تجذب كل طرف منهما إلى الآخر وتشده إليه وكأن كماله لا يكتمل إلا به، حتى إذا وجد لفظ منهما دون الآخر كان ذلك نقصا في سياق النص وحاجة لا تشبع، أما الشعور المشترك بين هذه الصور جميعا فيتمثل في التكافؤ والاقتران؛ ولعله من الواضح بعد كل تلك الأمثلة التي قدمناها أنه ما من صورة واحدة تنهض بكل مشاعرنا في موضوع الحدس وأن تعدد الصور فيه إنما هو لتعدد وتنوع وتقلب مشاعرنا به، وإن كان هذا يقع في ظاهرة صغيرة يمكن رصدها في السلوك البشري كالتضاد فكيف يكون الشأن في تلك الظواهر الكبرى التي لا يحيط بها حس ولا يمكن فيها قياس؟
القلم بين نظام الحدس ونظام النص
أكتب بالقلم الذي بين أناملي الآن، على الورق الملاصق ليدي، فيما أنا فيه من مكان وزمان، هذا حدث فرد غير قابل للتكرار لا بكله ولا بجزئياته، حتى ولو تكرر ذات الكاتب والقلم والورق والمكان ستظل كتابة أخرى ولن تكون هي نفس الكتابة، فأي لفظ ممكن في الدلالة على هذا الحدث الفرد أو على جزئياته وُضِعَ للدلالة عليها خاصة دون سائر ما التحق بها من متجانسات؟ هل وضعت "كتب" للدلالة على ذلك الحدث الخاص دون غيره من أحداث الكتابة؟ أم وضعت "قلم" للدلالة على ذلك القلم الخاص دون غيره من الأقلام؟ أم وضعت "ورق" للدلالة على ورقي الخاص دون غيره من الأوراق؟ أم وضعت "على" للدلالة على استعلاء قلمي فوق ورقي خاصة دون غيره من أحداث الاستعلاء؟ ودون غيره من أحداث استعلاء القلم فوق الورق؟ أم وضع رصف الكلام بعضه إثر بعض للدلالة على ما كان في هذه الجزئيات من كلية وتآلف خاصين دون غيرهما من الكليات والتآلفات؟ ثم انظر إليك إذا قلت لك "كتبت بالقلم" هل سترد الكتابة إلى ذات الكتابة التي مارستها أنا بالفعل؟ أم ستردها إلى ما تتصوره أنت في الكتابة من صور مخزونة في وعيك تقارب كتاباتي ولا تطابقها ولا تكون إياها أبدا؟ وهل سترد القلم إلى ذات القلم الذي كتبت أنا به بالفعل؟ أم إلى صورة القلم المخزنة في وعيك والتي لن تطابق القلم الذي كتبت به أبدا بل قد لا تقاربه؟ ما من لفظة من هذه الألفاظ إلا وهي دالة على ما من شأنه أن يكون موجودا في أجناس مدلولاتها من أفراد وفي أعينها من صور، رغم أنه ما من مدلول منها إلا وهو حدث فرد غير قابل للتكرار، فكتابتي الآن ليست هي كتابتي بالأمس ولن تكون كتابتي غدا، ومهما تقاربت لن تقبل التكرار؛ هذه هي معضلة اللغة، وذلك هو التناقض الشاخص في صلب ماهيتها: فاللغة تعبر بالمتكرر المتداول عن الفردي غير القابل للتكرار ولا التداول أبدا، وبينما لا يوجد العالم من حولنا إلا في فرادته غير القابلة للتكرار لا يوجد النص إلا في شيوعه وتداوله المتحرر من كل فردية، فما موقع اللغة من الواقع؟ وما علاقتها به؟ وما مقدار تصويرها له بالنسبة إلى مقدار تصويرها لبنيتها الضرورية المناقضة له؟ وكيف تحاكيه وتناقضه في الوقت نفسه؟
يتعلق الحدس بالعالم من حولنا باعتباره نظاما من الحقائق الكلية الفردية المتصلة حتى إذا ما هم بالتعبير عن هذه الحقائق في معرفة منظمة تعي ذاتها وتقبل التداول، أي: نص، اضطر إلى تحويلها إلى نظام من التمثيلات؛ لأنه لا يملك إلا أن يصوغ مضامينه في نصوص لا تشير في وعي المخاطب إلى أعيان مدلولاتها وإنما تشير إلى ما من شأنه أن يكون فيها من أجناس وصور، لا تطابق مضامينها الواقعية والكامنة في الحدس مهما قاربتها؛ وبذلك يفقد الحدس فرادته للأبد لصالح صور وظيفية تؤهل النص للدلالة والتأثير وممارسة الوظائف المنوطة به دون أن تطابق مدلولاتها الأصلية في حدس منشئ النص، وبذلك يصبح لدينا نظامان متوازيان يتفاعلان معا ولكنهما لا ينصهران معا في وجود واحد نظام الحدس ونظام النص، وآثرت أن أسميها بالتمثيلات -وهو مصطلح معروف بمشتقاته في اللسانيات[37]- لأنها تمثل مضامينها في الواقع وتقوم مقامها في النص وتؤدي ذات وظائفها في الدلالة والتأثير، دون أن تطابق هذه المضامين في وجودها الآني في الواقع بكل ما اشتمل عليه من أحوال وشروط متغايرة، وتُستَمَدُّ هذه التمثيلات من الواقع، وتَتَحدَّث من خلال التفاعل معه باستمرار، ويستمدها العقل في كليتها ثم يمزقها في جزئيات صغيرة ويعيد تدويرها تفكيكها وتركيبها باستمرار لينتج منها مختلف المشاهد الجديدة، وهي ثرية ومتنوعة وتتحدث باستمرار فهي ليست جافة جامدة جفاف وجمود الرموز، وهي في ذات الوقت لا تطابق مدلولاتها الواقعية ولا تزامن ما يستجد فيها من أفراد وصور، فاحتلت بذلك مرتبة وسط بين الحقيقة الفردة الآنية والرمز الجاف المستغرق لكل أفراد الجنس، وتظل مخزونة في الوعي مرتبطة باللغة حتى تستدعى لتقوم مقام مدلولاتها الواقعية في الدلالة والتأثير، فتمارس بذلك دورا وظيفيا أكثر مما هو دور حقيقي يطابق الواقع؛ وبذلك يتحول العالم ضمن اللغة إلى نظام من التمثيلات الممزقة ضمن اطراد من الجزئيات والعلائق، يقابل بالمتداول الفرد، وبالجزئية والعلاقة الواحد المتصل.
وكذا الشأن عندما أقول لك: "قابلت صديقك خالدا" ستستدعي من ذهنك على الفور صورة من الصور المخزونة فيه والتي شاهدتها في "خالد" من قبل، ولكنها لن تكون بأي حال من الأحوال هي ذات الصورة التي باشرتها أنا فيه، بل هي ما من شأنه أن يكون موجودا فيه من صور لا الصورة الخاصة التي كانت بالفعل في الواقع؛ وتتحدد طبيعة اللغة كنظام تمثيلات لا يحافظ على سمات المشهد الواقعي ضِمنَ ومن خلال الغاية التي وُضِعَت لأجلها، فاللغة وضعت لتتداول عالما صلبا فردا لا يقبل التداول، وضعت لتكون تعويضا عن التداول المفقود في الواقع، بل عن التداول المفقود في تجربتنا الفردية له غير القابلة للتكرار؛ ومن ثم لا بد أن تعتمد على من شأنه أن يتداول ويتكرر وهو البنية الصوتية، ولا تدل البنية الصوتية حتى تدل على صورة ذهنية، وإن كانت البنية الصوتية تتداول فإن الصورة الذهنية المرتبطة بها في وعي المتكلم لا تتداول بحال، ومن ثم لا بد من الاعتماد على صورة بديلة تعوض عن الصورة الذهنية في وعي المتكلم، وهي الصورة الذهنية في وعي المتلقي والتي ستقوم مقام الصورة الذهنية في وعي المتكلم وتؤدي ذات وظائفها، ففقدان الفرادة التي باشرها المتكلم هو المقابل العادل لجعل صورته قابلة للتداول من خلال الصور المجانسة لها. تحمل اللغة إذن منظومة من التمثيلات في وعي كل متحدث بها، تعتمد هذه التمثيلات على ما من شأنه أن يكون موجودا في جنس الحقيقة من أفراد وفي أعيانها من صور وهيئات، لتقابل به كل موجود بغض النظر عن فرادته وخصوصيته التي لا يوجد في الواقع إلا ضمنها ومن خلالها، وهي بهذا المعنى منظومة تمثيلية مستعلية بمعطياتها فوق متغيرات المادة والواقع بكل ما تحمله من فرادة غير قابلة للتداول والتكرار، واستقلالها عن الواقع مع ذلك استقلال نسبي يبرز آن التداول، إذ هي ترتد إليه باستمرار لتثري ذاتها بأنواع جديدة من نفس جنس المدلول أو بصور جديدة لذات أعيانه، حتى إذا كان التداول استقلت عن الواقع المخبر عنه واستغنت عنه بمخزونها من التمثيلات المقابلة للحقائق المخبر عنها والمجانسة لها بالقدر الصالح لأن تحل محلها كمعنى للنص وكمراد للمتكلم.
الإبداع اللغوي كتحد لضرورات الحدس والنص
ولطالما شعر المبدعون بذلك التناقض الصارم بين الحدس والنص، ولطالما سعوا بما يقتضيه وجودهم كمبدعين إلى تجاوز الهوة الفاصلة بينهما، وأستشهد على ذلك بمثالين من الأدب العربي، أما الأول فهو قول ابن المعتز[38]: أتعـذلني فـي يـوسـف وهـو مـن تـرى ∴ ويـوسـف أضـنـانـي ويوسـف يوسـف جرت التقاليد اللغوية بألا يُخبَرَ بالشيء عن نفسه لما كنت لا تخبر إلا لتفيد في المعلوم مجهولا، فإن أخبرت بالمعلوم عن نفسه فما أفدته ولا زدته شيئا على مجرد كونه المعلوم؛ فلماذا أخبر بـ"يوسف" عن "يوسف"؟ وأي زيادة استفادها "يوسف" من الإخبار عنه بنفسه؟ وهل ينبغي أن نبصر في الإخبار عنه بنفسه معنى أو صفة كنا نجهلها من قبل؟ لا نخبر عن الشيء بلفظ إلا وهو دال على معنى مجانس أو مناظر للكل المخبر عنه أو لشيء منه أو لفعل من أفعاله، وهذا بالضبط ما لا يريده ابن المعتز: فما من موجود يشبه يوسف في كليته ولا في جزئياته ولا في أي معنى من معانيه حتى يُدَلُّ عليه بلفظه، وما من معنى فيه إلا وهو وقع جديد لا تدركه اللغة في أي من دوالها لما كان لا سابقة له في أي مدلول، وما من لفظ نخبر به عنه إلا وهو غض منه، وتحريف لطبيعته، وإكراه لها على ما لا يقاربها؛ إن "يوسف يوسف" لا تدل على شيء أكثر مما تدل على ارتباك اللغة وحيرتها في استيعاب كائن جديد لا ألفة لها به: إلام تحيله وما من سابقة تتخذها نمطا له أو لشيء من معانيه؟ تبحث عن نظير له تحيله إليه فتجده فردا لا نظير له إلا نفسه فلا تجد إلا أن تحيله إليها؛ لقد تمتع يوسف بالفرادة التامة في كليته وفي كل معنى من معانيه، وكل لفظة نستخدمها في الدلالة عليه أو على أيٍّ من معانيه لا تملك إلا أن تشير إلى معهود مجانس له في وعي المخاطب، ولا مجانس له، ومن ثم تفقد اللغة قدرتها على الإحالة والدلالة، وتصبح محض تشويه وتحريف، إن هذا المسلك اللغوي لا يدل بلازم ألفاظه في أذهان المتلقين وإنما يدل بلازم المسلك اللغوي نفسه كعدول عن الإخبار عن الشيء بغيره إلى الإخبار عنه بنفسه، ولقد حاول الأديب بمثل هذا المسلك اللغوي أن يتجاوز الهوة الفاصلة بين الحدس والنص من خلال تعطيل الآلية التي ضمنها ومن خلالها تعمل اللغة، وهي الإشارة إلى المجانس المعهود في نفس المتلقي، ليوقع في نفسه شعورا حادا بالفرادة وفقد المجانس المعهود، فيستوعب المتلقي أن لا سبيل لمعرفة يوسف إلا بمعاينته في المادة الواقع في فرديته غير القابلة للتكرار ولا المجانسة، وهذا ما ينص عليه ابن المعتز صراحة في قوله "وهو من ترى"، فلا يملك في تعريفه إلا أن يشير إلى المعاين من فرادته في المادة والواقع، مع أن الأصل في اللغة أن تحيل إلى المجانس المتداول -وتقبل عني كلمة المتداول بشيء من التجاوز وتناسي الدقة- فتجزئ المخاطب بذلك عن مباشرته في المادة والواقع، ولكن اللغة هنا تتجاوز المعهود في آلياتها الدلالية إلى غير المعهود ليكون دلالة على "يوسف" غير المعهود في المادة والواقع، فهل نجح الأديب فيما يرد؟ يمكن القول بذلك ما دام المخاطب حاضرا في المشهد اللغوي قادرا على معاينة يوسف بنفسه، وهو ما لا ينطبق إلا على نسبة غير مذكورة من المتلقين، أما أنا وأنت وبقية المتلقين فلا تعمل اللغة في عقولنا إلا من خلال الإحالة التي هي طبيعة من طبائع اللغة وضرورة من ضرورات وجودها ولا يملك الإنسان أن يعطلها، غاية ما في الأمر أن هذه الإحالة ستعمل على نحو جديد مختلف عن النحو المعهود فبدلا من أن تحيل إلى صورة غلام أيِّ غلام لتستخدمها كمدلول تملأ بها فراغ النص، ستحيله إلى ما من شأنه أن يكون مدلولا فردا وفائقا فيه، ولكن ضمن معايير وشروط الفرادة والتفوق التي عاينها المتلقي لا ضمن معايير وشروط "يوسف" التي عاينها منشئ النص فيه في الواقع والتي حرص كل الحرص على إبلاغها للمتلقي، والتي فقدها للأبد، ببساطة لقد دُفِنَت مع يوسف.
أما المثال الثاني فهو ما يتمثل في قول عبيد بن الأبرص[39]: نـحــن الألــى فـاجـمــع جـمـو ∴ عــك ثــم وجــــههــم إلـيـــــنـا أنتم الألى ماذا؟ أنتم الألى بنوا؟ أم أنتم الألى جادوا؟ أم أنتم الألى أبوا؟ أم أنتم الألى حموا؟ أم أنتم الألى أباحوا؟ أم أنتم الألى ظفروا؟ أم أنتم الألى نصروا؟ ذُكِرَت كل هذه الممارسات مجتمعة في قصيدة عبيد، إلا أنه -وتحت وطأة الشعور الساحق بالذات في مواجهة الخطر- ما زالت هناك بقية عالقة في جوفه، ما زال هناك معنى انتهى إليه قومه أو ممارسة ابتدعوها لا تشبه أو تقارب أيا من الأجناس المذكورة ولا أيا من الأجناس التي ألفها البشر في دوالِّهم، ما زال هناك معنى فرد يحدسه عبيد ولم تحدث له سابقة نحيله إليها أو ندل عليه باللفظ المعهود فيها، حتى صارت كل التسميات المحتملة فيه تهجينا لطبيعته وإكراها لها على ما لا يجانسها، ما زال يجد في نفسه شعورا غير متناه بالذات المتضخمة في مواجهة الخطر أكبر من أن تحيطه اللغة في بنية صوتية محدودة، شعورا بالامتلاء لا يشبعه حرف أو صوت بكل ما امتلأ به من معاني القوة والمنعة والسطوة والبطش؛ فلا تملك اللغة في مواجهة الحدس الفرد اللامتناهي إلا أن تتلاشى بكل ما تحمله من سمات المحدودية والألفة والتكرار مكتفية بالإشارة إلى مجرد وجود، والربط بين الإبهام والشعور بالعظمة راسخ في الممارسة اللغوية ولا أستقصيه الآن، وإنما أتساءل هل نجح عبيد فيما يصبو إليه؟ لم تفعل اللغة في مثل ذلك النص إلا أن أشارت إلى مجرد وجود، فصنعت بذلك منطقة فراغ معرفي، تتحدد حدوده من خلال السياق بكل ما يحقق في الذات القومية لعبيد معاني القوة والمنعة والسطوة والبطش، إن مثل هذه الفراغات تحول النص من مجرد رسالة تنقل معنى بسيطا إلى آلة تعمل في ذهن كل متلق على توليد المعنى المناسب لإشباع الفراغ من خلال خبراته المتراكمة وتصوراته عن معاني القوة والمنعة والسطوة والبطش، وتصوراته للأحوال والأفعال التي تتحقق ضمنها ومن خلالها، وأيا يكن الأمر فإن هذه النصوص لا تملك في النهاية إلا أن تشبع فراغاتها بما هو حاصل في وعي وشعور المتلقي من تصورات لمعاني القوة والسطوة، ولا تملك بحال أن تشبعها بما كان في حدس عبيد مما عاينه ولم يستطع أن ينطق به، فهي ومهما سعت لن تملك بحال أن تتجاوز الهوة القدرية الفاصلة بين نظام الحدس ونظام النص.
واعلم أيها القارئ أن هذا لا ينال أو يغض من مثل تلك النصوص، فهي عندي تبلغ الطبقة العليا من الإبداع البشري، إنها تحدي الإنسان لذاته، تحدي الإنسان لحدود معرفته وحدود لغته، لينتج نصا يتجاوز الطبيعة القاصرة العاجزة عن صهر الحدس والنص في نظام واحد وضمن شروط واحدة، وهي في ذات الوقت خضوع الإنسان لضرورات الوعي واللغة التي لا يملك بحال من الأحوال الفكاك منها أو الوجود خارجها، ولست أريد بإيراد مثل هذه النصوص التقليل منها، أو نفي الإبداع عنها، وإنما أريد أن أقرر أن الإبداع البشري مهما امتلك من الجرأة والقدرة على مجابهة الضرورة والقدر لا يملك في النهاية إلا أن يخضع للضرورات التي لا يوجد ولا يدرك ولا يتكلم إلا ضمنها ومن خلالها.
المصادر والمراجع: [1] طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، قراءة وشرح: محمود محمد شاكر، ج1، دار المدني - جدة، ص5. [2] الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، سلسلة ذخائر العرب، العدد 25، تحقيق: السيد أحمد صقر، ج1، دار المعارف - القاهرة، الطبعة الرابعة ص413. [3] انظر لسان العرب، جمال الدين بن منظور، دار المعارف - القاهرة، ج29، ص2634. [4] الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، أبو القاسم الآمدي، ج1، ص415. [5] الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، أبو القاسم الآمدي، ج1، ص414. [6] دلائل الإعجاز، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني النحوي، تعليق: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة، الطبعة الثالثة - 1992م، ص291. [7] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص291. [8] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص547. [9] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص626. [10] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص628. [11] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص549. [12] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص46. [13] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني ص85. [14] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص150. [15] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص152. [16] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص626. [17] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص65. [18] أسرار البلاغة، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني النحوي، تعليق: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة، الطبعة الثالثة - 1992م، ص [19] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص292. [20] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص64. [21] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص151. [22] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص85. [23] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص65. [24] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص65. [25] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص250. [26] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص260. [27] الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، أبو القاسم الآمدي، ج1، ص414. [28] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص152. [29] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، ج1، دار الجيل - بيروت، الطبعة الخامسة - 1981م، ص127. [30] انظر لسان العرب، جمال الدين بن منظور، دار المعارف - القاهرة، ص4134. [31] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني، ج1، ص127. [32] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني، ج2، ص65. [33] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني، ج2، ص62. [34] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني، ج2، ص65. [35] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني، ج2، ص5 - 7. [36] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص150. [37] انظر السيميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها، سعيد بنكراد، دار الحوار للنشر والتوزيع - اللاذقية، الطبعة الثالثة - 2012م، ص97. [38] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني، ج1، ص333. [39] ديوان عبيد بن الأبرص، عبيد بن الأبرص، سلسلة شعراؤنا، شرح: أشرف أحمد عدرة، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى - 1994م، ص117.
#جوزيف_تحوت (هاشتاغ)
Jousseph_Thouth#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ستة متجولين في روما نسخة معدلة
-
البلاغة القديمة كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
-
البلاغة الجديدة والمعرفة بالله
-
قطعة الجبن لا تكون هي أبدا
-
البلاغة الجديدة
-
ستة متجولين في روما
المزيد.....
-
أبوظبي تُطوّر جزيرة متكاملة للصحة والعافية بقيمة 11 مليار دو
...
-
مصمم أزياء يستبدل الفساتين بأكياس الجثث.. ما السبب؟
-
رحلة عبر الزمن.. اكتشف أسرار مطعم تاريخي في لندن عمره 228 عا
...
-
إعلام إيراني: انفجارات تهز مدينة بندر عباس الساحلية
-
مصدر إيراني يحذّر من -رد مدمر- إذا نفذ ترامب تهديده باستهداف
...
-
سفينة هولندية تتعرض لهجوم قبالة سواحل عُمان في بحر العرب
-
الدفاع الروسية: إصابة بنى تحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا وإ
...
-
إرهاق الرحلات وجدل التصريحات يشعلان القمة.. إسبانيا وفرنسا ت
...
-
بينها السعودية والإمارات.. ترامب: أريد استرداد -تكاليف الحما
...
-
منشأة جبل الفأس الإيرانية: ماذا نعرف عن الموقع الذي يهدده ال
...
المزيد.....
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
-
تراجيديا العقل
/ عمار التميمي
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
المزيد.....
|