أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - 9 يوليو 1996 في ليبيا: الذاكرة الجريحة التي ما تزال تنزف صمتاً














المزيد.....

9 يوليو 1996 في ليبيا: الذاكرة الجريحة التي ما تزال تنزف صمتاً


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 23:53
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا يهدف فتح الكتابة في أحداث 9 يوليو 1996 إلى إثارة الأحقاد، بل يسعى إلى إرساء قيم الحقيقة والعدالة والمصالحة الوطنية. ومن منظور علم الاجتماع، يُعد كشف الحقائق خطوة مركزية في بناء مجتمعات أكثر استقرارًا، لأن المجتمع لا ينجح في تجاوز النزاعات عندما تبقى الوقائع مطموسة أو مشوّهة. حيث إن مواجهة الذاكرة الجريحة ليست فعلًا رمزيًا فحسب، بل عملية اجتماعية لإعادة بناء المعنى والتاريخ؛ إذ تتحول الأزمات التاريخية، عند توثيقها ومساءلتها، إلى دروس تُحصّن مستقبل الوطن.
شهد ذلك اليوم سقوط نحو 60 مشجعاً برصاص الغدر، خلال مباراة كرة قدم جمعت بين فريقي الاتحاد والأهلي طرابلس، وكان من بين الضحايا قريباً لأحد جيراننا. وتُحكى القصة المريرة كما يلي: اشترطت الأجهزة الأمنية على والد الضحية المكلوم التوقيع على ورقة تُفيد بأن سبب الوفاة هو مجرد مشاجرة وتدافع داخل الملعب، وذلك بوصفه شرطًا لتسليمهم الجثمان. وتحت وطأة القهر والصدمة، اضطر الأب إلى التوقيع مجبرًا، ثم أُمرت العائلة بدفن ابنها بسرعة ودون أي إبطاء. عقب ذلك، فُرض تعتيم كامل على الحدث، فلم يجرؤ أحد على تناوله أو الحديث عنه، رغم الآلام العميقة التي خلقتها تلك الفاجعة في نفوس الناس. ويمكن قراءة هذا الصمت المفروض بوصفه آلية لضبط الذاكرة الجماعية ومنع تحول الواقعة إلى سردية حقوقية وقانونية. وقد حاول النظام السابق الهروب من المسؤولية الجنائية والتاريخية، غير أن تلك الحادثة والمشاهد الدموية لا تزال تشكل ثقبًا أسود في الذاكرة الجمعية الليبية، وهو ثقب لا يزول تلقائيًا مع مرور الزمن، بل يحتاج إلى حقيقة موثقة وعدالة معلنة.
اليوم، وبعد مرور ثلاثين عامًا على تلك المأساة، لا تزال الثقوب السوداء تطفو على السطح، بما يؤكد أن القضية لم ولن تنتهِ بتلك الورقات القسرية أو التوقيعات المجبرة.
حتى بعد سقوط النظام السياسي السابق وغياب شخوصه، ما تزال الحاجة ملحّة لمعرفة التفاصيل كاملة: ماذا حدث؟ ولماذا وقعت تلك الوقائع الدموية؟ وكيف تم تهيئة الظروف التي أدت إلى استهداف أولئك الشباب؟ وهل كانت الأحداث امتدادًا لِسياقات عفوية، أم أنها نفذت ضمن ترتيبات أو تعليمات محسوبة؟
تثير هذه الذاكرة الجريحة جملة من التساؤلات المشروعة التي تنتظر إجابات حقيقية، كانت ينبغي أن تُقال بصيغة واضحة وقابلة للتحقق من رأس السلطة في حينه. ومما لا شك فيه وبدون مبالغة أن منطق السلطة المطلقة آنذاك يجعل مسألة المسؤولية القانونية والتاريخية مرتبطة بصاحب القرار الأعلى. وبحكم إمساكه المنفرد بزمام الحكم، يبقى القذافي وفق ما تثيره الوقائع وتستدعيه ضرورة الحقيقة مُساءَلًا عن الدماء التي سُفكت، وعن الطريقة التي أُديرت بها الأحداث وتم ضبط سرديتها وتعتيماً على تفاصيلها.
بناءً على ذلك، لا نملك اليوم من وثائق ملموسة سوى شهادات من عاصروا تلك المجزرة؛ سواء من كانوا داخل الملعب أو خارجه. ولا نقصد هنا المشجعين وحسب، بل أفراد المجتمع كافة الذين عاشوا تلك الحقبة وتشرّبوا آثارها. لقد فرضت القبضة الأمنية الصارمة صمتًا قسريًا، فبقيت البنادق هي الصوت الأوضح، في حين استسلم الأهالي من هول الفاجعة لذروة من الذهول، وتسلّموا جثامين أبنائهم دون قدرة على الرد إلا بالصمت والكمد.
إن هذا المقال دعوةٌ صريحة لفتح ذلك الجرح الذي ما زال ينزف في الخفاء، وتأكيد على أن المسؤولية لا تسقط بالتقادم، وأنها لا بد أن تطال كل من تورّط في تلك الجريمة. وكما أشرنا في مقالات سابقة، فإن إرساء مصالحة وطنية حقيقية لا يمر عبر دفن الذاكرة المثخنة بالآلام، ولا عبر فرض تصالح قسري يختزل وجع الضحايا. بل إن الاعتراف بالجرائم هو اللبنة الأولى، والمدخل الصحيح لأي مصالحة، والأساس المتين لبناء مؤسسات دولة قادرة على حماية الحقيقة وترسيخ العدالة.
وعلى تلك الجراح القديمة، تراكمت جراح أخرى في مرحلة ما بعد عام 2011. وأجزم أن بعضها يفوق في بشاعته ما حدث صيف 1996، على الرغم من أن هذه الأحداث ما تزال حية في ذاكرتنا الجريحة وتستوجب تسليط الضوء عليها، حتى لا تتحول إلى ثقوب سوداء تُطمس فيها الحقيقة. فالأوطان لا تُبنى على إنكار الجراح، بل تنهض على قاعدة المكاشفة والمصارحة والعدالة والقصاص.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف يُدار التعليم العالي في ليبيا ؟
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة في ليبيا من التفكيك إلى آليات الت ...
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة: نحو مقاربة المصالحة القائمة على ...
- جامعات ليبيا بعد 2014: طفرة في العدد وتعثر في الأثر
- من لعب الإقصاء في المدارس إلى ثقافة المواطنة: دعوة لإعادة هي ...
- المشروع الوطني لإعادة هيكلة التعليم في ليبيا: تشخيص الواقع و ...
- مفارقات سوسيولوجية لوسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة العرب ...
- قراءة نقدية: لكتاب رحلتي... من إلى... للأستاذ محمد عمر خليل
- التخيير والتسيير محرك وعي الإنسان
- قراءة نقدية للملخص التنفيذي للتقرير الوطني السابع للتنمية ال ...
- جدلية الذاكرة الوطنية والدولة في ليبيا: من الصراعات البنيوية ...
- خربشات على الملخص التنفيذي لتقرير التنمية البشرية في ليبيا 2 ...
- هندسة المعرفة البحثية: من التشبع إلى التجلي في الكتابة السوس ...
- متلازمة الهزال الفكري بين ثالوث التفاهة واللامعنى والسيولة ا ...
- هندسة السرديات المزيفة وآليات الهيمنة السياسية
- قسم علم الاجتماع بجامعة سرت يستعيد نبضه الأكاديمي: قراءة في ...
- لماذا نكتب في علم الاجتماع؟
- أخلاقيات البحث العلمي في العلوم الاجتماعية بين التنظير الغرب ...
- صناعة جدار الصد المعرفي: إستراتيجيات صيانة الذاكرة الوطنية ف ...
- الزهايمر السياسي كآلية للهيمنة وبنية وظيفية للسلطة في ليبيا ...


المزيد.....




- أبوظبي تُطوّر جزيرة متكاملة للصحة والعافية بقيمة 11 مليار دو ...
- مصمم أزياء يستبدل الفساتين بأكياس الجثث.. ما السبب؟
- رحلة عبر الزمن.. اكتشف أسرار مطعم تاريخي في لندن عمره 228 عا ...
- إعلام إيراني: انفجارات تهز مدينة بندر عباس الساحلية
- مصدر إيراني يحذّر من -رد مدمر- إذا نفذ ترامب تهديده باستهداف ...
- سفينة هولندية تتعرض لهجوم قبالة سواحل عُمان في بحر العرب
- الدفاع الروسية: إصابة بنى تحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا وإ ...
- إرهاق الرحلات وجدل التصريحات يشعلان القمة.. إسبانيا وفرنسا ت ...
- بينها السعودية والإمارات.. ترامب: أريد استرداد -تكاليف الحما ...
- منشأة جبل الفأس الإيرانية: ماذا نعرف عن الموقع الذي يهدده ال ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - 9 يوليو 1996 في ليبيا: الذاكرة الجريحة التي ما تزال تنزف صمتاً