|
|
زوجة على وشك السقوط
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 18:12
المحور:
الادب والفن
دقت الرابعة والنصف. أغلق مراد الهرماز ملفاته، سحب المعطف وخرج من الإدارة دون أن يلتفت خلفه. في الطريق، لم يكن يرى وجوه المارة، يرى فقط انعكاس ضوء النيون على زجاج الخمارة القريب. دفع الباب الخشبي الثقيل، تسلل الهواء البارد المشبع برائحة الخشب القديم والتبغ إلى صدره، تنفس بعمق لأول مرة منذ الصباح. اتجه نحو الزاوية المعتادة، سحب الكرسي الذي أخذ شكل جسده بفعل التكرار وجلس. لم يطلب شيئا، وضع النادل الكأس أمامه ومضى. أمسك الكأس، شعر ببرودة الزجاج في كفه، وبتلك الرعشة الخفيفة التي بدأت تتلاشى في أصابعه بمجرد أن لامست الشفاه السائل اللاذع. مع الجرعة الأولى، تلاشت ضوضاء الشارع، وصار صوت عقارب الساعة في الخارج بعيدا جدا. لم يفكر في عمله، ولا في الأوراق التي وقعها، ولا في المنزل الذي ينتظره ببرود. استند بظهره إلى الجدار، وأغمض عينيه. أصبحت الجدران في نظره تتسع، والأضواء الخافتة تغدو أكثر دفئا. في تلك اللحظة، كان الوقت يتوقف، وتغيب كل التزامات النهار. الكأس في يده الحد الفاصل بين كونه موظفا يراقب الساعة، وبين كونه شخصا يملك وقته الخاص تماما. فرغ الكأس، فوضع النادل واحدا آخر بصمت. لم يتبادل مراد كلمة واحدة مع أحد. كان يحدق في المساحة الفارغة أمامه، يراقب دوائر الضوء على الطاولة، مكتفيا بالعزلة التي لا يقطعه عنها سوى إفراغ الزجاجة. ساعة بعد ساعة، العالم يتلاشى حتى لم يعد هناك سوى الكأس، والكرسي الخشبي، والصمت الذي يحميه من كل شيء. الزجاجات الفارغة حوله قبور صغيرة لليال ضاعت، تراكمت كجثث زجاجية صامتة على الطاولة. سقط خيط من اللعاب على صدر قميصه المكوي بعناية صباحا، واللسان في فمه قطعة خشب مبللة، لا تهجي اسما ولا تصرخ نجدة. حاول دفع جسده بعيدا عن الكرسي، خانته أعصابه خدر قوي في الأرجل، انساب السائل الحار في سرواله، بقعة داكنة تتسع كخريطة للهزيمة على القماش. استفاق السكارى من حوله على رائحة الانكسار، تراجعوا بقنانيهم كما يبتعد الناجون عن غريق يلفظ أنفاسه. دفع نحو دورة المياه، صوت اصطدام جسده بالبلاط البارد كان مكتوما. اندفع الماء من الصنبور كالسياط، يغسل القميص المبتل، يمزج العرق بالخمر بالبول على الأرضية الغارقة. لم تكن هناك كلمات، فقط ضجيج الارتطام ورذاذ الحنفيات الصدئة. خرج من هناك، مبلل الأطراف، ببذلة تفوح منها خيبة الكون. تحسس الحائط بيده المرتجفة، أصابعه تتبع شقوق الإسمنت كأنها طريق إلى الحياة. وضع آخر ما في جيبه على الطاولة الملطخة، ومضى مترنحا. في الخارج أضواء الشوارع تتكسر في عينيه إلى ألف قطعة من ضياء باهت. التفت الشارع من حوله كدوامة سوداء، خطواته لا تلمس الأرض ،تعوم في فراغ لزج. لم يكن يمشي، انما يغرق في هواء الليل، وحيدا، يقتفي أثر ظله الذي صار أثقل من جسده. الرصيف يميل كبحر هائج، يتخبط في قلب العاصفة، يمضي بجسد يقطر ماء وهزيمة، دون وجهة، ودون لسان. توقف الطاكسي عند الرصيف. نزل جسده المترنح، يصارع التوازن، يغرس أصابعه في خشب الباب، يحاول إدخال المفتاح في الثقب، الحديد والصلب يتراقصان تحت عينيه. طرق الباب بقبضة خاوية، مرتين، ثلاثا، ثم استسلمت يداه على الخشب. انفتحت النافذة، ظهر وجه مألوف، ملامحه منسوجة من صبر طويل لا ينكسر. انفتح الباب، فتدفق هواء دافئ. سقط ثقله بين أيديهم، الأبناء الأربعة، أذرع قوية تحيط بالجسد المنهك، يرفعون تاريخا من الضياع نحو السرير. في الغرفة، انحنت الزوجة. نزعت الحذاء الموحل، أزرار القميص التي تشبعت برائحة الرصيف والنسيان. بدأت بحركة روتينية، قطعة صابون، ماء دافئ، ومسحات صامتة على جلد لم يعد يشعر بالخزي. كانت رائحة العطر القوية تحاول طرد أشباح الخمارة من المسام، الجلد يرفض التطهير، يتشرب الصابون ليظل وفيا لرائحة الندم. قبل أن تنتهي، ارتفع صوته. شخير مكتوم، خشن، يتردد في أرجاء الغرفة كأنه صرخة عالقة في الحنجرة. وقفت، أطفأت الضوء، وأغلقت باب الغرفة كما تغلق جرحا لا يندمل. في الممر، خطت نحو غرفتها، قرب ابنتيها، حيث الصمت أرحم من أن يكسر. سكنت الدار، ونام الليل فوق جثث أحلام ذبلت قبل الأوان. تشرق الشمس لتكشف ندوبا جديدة على جدران البيت. في المطبخ، تجلس الزوجة أمام دفتر ديون صار أثقل من أثاث المنزل، صفحاته بيضاء من فرط الوعود التي لا تصرف، والأعين التي لم تعد تمنح كسرة خبز بالدين. الخزانة المفتوحة تعكس فراغ الجيوب، وصمت الأبناء الذين تعلموا ألا يطلبوا شيئا قبل أن يغلق الأب خلفه باب الخروج للمرة الأخيرة في اليوم. العالم عند مراد ينتهي عند عتبة الخمارة. في الصخب الذي يشبه انكسار مرايا الروح، يجد إيقاعا لقلب توقف عن النبض لأجل أهله. تتقاطع وعود التوبة المهترئة مع قعقعة الزجاجات، كلمات تتبخر قبل أن يبرد أثرها في الهواء. كل جرعة مسمار جديد في نعش القوت، وكل يوم يمر خيانة موثقة لكرامة استنزفتها الديون والحاجة. في البيت، يتحول حضوره إلى ظل ثقيل، غياب لا يملؤه وجوده المترنح. الزوجة تعيد ترتيب الخسارات كل ليلة، تمسح غبار الوعود الكاذبة عن الأثاث، بينما الأبناء يراقبون انكسار جدار الأمان يوما على صدر يوم. لم تعد الرائحة تفوح من ملابسه فحسب، صارت تسكن جدران البيت، رائحة الضياع الذي يلتهم غد الصغار ليطعم لحظة وهم عابرة. الحياة لم تعيد تسير نحو الأمام، تدور حول بقعة من سائل مسكر، حيث يباع خبز الأطفال في خمارة لا تعترف بالديون، ولا تعرف كيف تنام بسلام. الشمس في الخارج تصرخ بضوئها، لكن الغرفة لا تزال غارقة في عتمة خانقة، كأنها قاع بئر. مراد مستلقٍ، يترنح بين غيبوبة الخمر وصداع الاستفاقة. رائحة العرق الممزوج بالخمور الرخيصة تزكم الأنوف، تتسلل من مسامه لتلوث هواء الغرفة. الزوجة تقف عند طرف السرير، ليست تلك المرأة الصامتة التي تكنس الخيبات، تقف كمن ينتظر إعداما ليتحول إلى جلاد. بدأ مراد يفتح عينيه ببطء، يئن تحت وطأة الضوء. قبل أن ينطق بكلمة، انطلق صوتها، لم يكن صراخا، كان فحيحا حادا يمزق سكون الصباح: -لا تغمض عينيك، مراد. انظر إلي. هذه المرة، لن أغادر الغرفة. سأبقى هنا حتى تراني، ليس كخادمة، بل كشاهدة على العفن الذي تدعوه حياة. حاول الجلوس، سعل بشدة، صوته كان مشروخا: -ما بكِ؟ اتركيني.. أريد القليل من السكينة.. قاطعته وهي تهوي بيدها على الطاولة بجانبه، مبعثرة بقايا علب سجائره: -سكينة؟ أنت لا تملك السكينة، أنت تملك الهروب. أنت تسرق من طعامهم، من أحلامهم، ومن كرامتي، لتشتري ساعات من الغيبوبة. هل تظن أننا لا نرى؟ نحن نرى خريطة الهزيمة على قميصك كل صباح. نحن نتنفس خيبتك مع كل شهيق! تجاهلها، وحاول النهوض، فاقتربت منه، أمسكت بقميصه الملطخ بصرامة لم يعهدها فيها. اهتز بجسده الهزيل، لكنها لم تتركه: -اسمعني جيدا! كفايتي من صبرك قد نفدت. طوال سنوات، كنت أبتلع المرار لأجلهم، وأنت تمضغ عمرنا وتنبذه في قاع الكؤوس. هل تساءلت يوما لماذا لا ينظر إليك الأبناء؟ ليس لأنك فقير، لأنك غائب. أنت جثة تمشي في بيتنا، تطلب منا أن نقدس موتك اليومي ارتفع صوته بغضب عاجز: -أنا أعمل! أنا أتعذب في الإدارة لأجل هذا البيت! ضحكت بمرارة، ضحكة خالية من أي دلالة للفرح -: تتعذب؟ أنت تهرب! الإدارة هي سجنك لأنك اخترت أن تكون سجيناً. أنت لا تحارب الحياة، أنت تطلب من الخمر أن يقتلك ببطء كي لا تضطر لمواجهة حقيقة أنك رجل لا يرى نفسه إلا من خلال انعكاس زجاجة. أنا اليوم لست خائفة، ولست خجولة. أنا أشعر بالاشمئزاز، ليس منك فحسب، من صمتي الذي جعلني شريكة في هذا الانتحار الجماعي! تراجع إلى الوراء، اصطدم بالجدار، كان يرتجف، ليس من الخمر فقط، من ثقل الكلمات التي اخترقت دروع إنكاره. استمرت هي، وعيناها تشعان ببريق قاسي -: لقد كنت أظن أن الوفاء يعني أن أحمل عنك حطامك، لكنني اكتشفت أنني كنت أدفن أحلامي في حطامك أنت. أصبحت أنت العبء الذي يمنعني من التنفس. انظر إلى غرفتنا، لم تعد مكانا للحب، بل أصبحت مقبرة لمشاعرنا. كل يوم أقضيه معك يوم أسلب فيه من أولادي حقهم في أم كانت تستحق أن تكون شيئا آخر غير ظلك الذليل. سقطت يداها عن قميصه، تراجعت خطوات إلى الوراء، كانت تتنفس بصعوبة. ساد صمت مطبق، لم يكسره إلا أنفاسه المتهدجة. لم يعتذر، لأنه لم يعد يملك كلمات، ولم يصرخ، لأن كبرياءه انكسر تحت وطأة الحقيقة. في تلك اللحظة، رأت في عينيه انعكاسا لنفسها: امرأة أنهكتها التضحية حتى صار الألم هويتها الوحيدة. خرجت من الغرفة. لم تكن تهرب هذه المرة، كانت تترك خلفها قفصا لم يعد يقوى على احتوائها، تاركة إياه في الغرفة، وجها لوجه مع صمته، مع رائحته، ومع خراب لم يعد يملك أحدا ليتحمله عنه. لم تكن بحاجة إلى نظرة غريبة لتعرف أنها تلاشت. في ذلك الصباح، وبينما كانت تمسح غبار الخيبات عن مرآة الحمام القديمة، توقفت فجأة. لم تر انعكاس وجهها، رأت فراغا يتخذ شكل امرأة. فقد اعتادت أن ترى الزوجة، الأم، الخادمة، والمضحية، لكنها اليوم لم تجد نفسها بين هذه المسميات. وضعت خرقة التنظيف جانبا. نظرت إلى يدها؛ تلك اليد التي قضت سنوات تغسل عار الآخرين، وتفرك بلاطا لا يرى نظافته أحد. شعرت فجأة ببرودة غريبة تسري في أصابعها، لم تكن برودة الصباح، بل برودة إدراك متأخر. أدركت أن الصبر الذي كانت تسميه فضيلة لم يكن سوى تواطؤ ضد نفسها. مشت في أرجاء البيت بخطوات لم تعهدها؛ خطوات واثقة، لا تترقب صوتا ولا تحسب حسابا لمزاج النائم في الغرفة المجاورة. اقتربت من النافذة، المدينة في الأسفل تعج بالحياة، بالضجيج، وبالفرص التي لم تكن يوما جزءا من عالمها المغلق. العالم يتنفس حركة وصخب وضجيج وابتسامات، بيتها عبارة عن غرفة انتظار لموعد لا يأتي. لم يكن هناك دافع درامي خارجي، لم يكن هناك رجل يهمس لها بالكرامة، كان هناك صدى صوتها الداخلي الذي استيقظ فجأة. بدأت تتذكر أحلامها القديمة، تلك التي دفنتها تحت أكوام الديون ومسؤوليات الأبناء. تساءلت بمرارة: -أي إله يرضى أن يرى روحا تذبل ببطء في قفص من الخشب والنسيان؟ فتحت الخزانة، أخرجت حقيبة صغيرة، وبدأت بجمع ما تبقى منها: كتاب قديم كانت تخاف قراءته، فستان كانت تحتفظ به لمناسبة لم تأت، وأهم من ذلك كله، قرار كان ناضجا للسقوط. لم تعد ترى نفسها خائنة للميثاق، انما عائدة من منفى طويل. خرجت من الغرفة، أغلقت الباب خلفها لا بعنف، بهدوء من أنهى صفقة خاسرة. في الممر، لم تلتفت نحو غرفة زوجها، لم تعد رائحة الخمر تعني لها شيئا، أصبحت نفسها خارج الجدار. فتحت باب المنزل الرئيسي، ودخلت في ضوء الشمس. تعلم أنها ستبدأ من الصفر، بلا سند، بلا وجهة محددة، لكنها للمرة الأولى في حياتها، تملك شيئا ثمينا جدا ، تملك نفسها. طرق الباب حتى تآكلت مفاصل أصابعه، خلف الخشب كان الصمت السيد، صمت ليس خاويا، مشحونا برفض صامت تراكم لسنوات. نام في العراء، ملتحفا برائحة قيئه التي صارت له كفنا وهو حي. ومع بزوغ الفجر، كان الجيران يراقبون تلك الجثة التي تتنفس في قذارتها، مشهد صار مألوفا كشروق الشمس. حين فتح الباب، لم يكن الانفجار مجرد شتائم، كان اهتزازا لأساسات الروح. وقف أمامها، كومة من الخزي، يفرغ غضبه العقيم على الجدران، بينما تقف في الزاوية، لا كضحية، كمن يراقب احتراق آخر خيوط الرباط. بعد رحيله، بينما كانت تمسح بقطعة قماش آثار ارتطامه بالأرض، لم تكن تنظف الغبار، كانت تنظف ذاكرتها. انحنت، فانسابت خصلة من شعرها لتخفي انكسار وجهها. فجأة، طفت على سطح وعيها نبرة ذلك البائع؛ تلك الكلمات التي كانت كقطرة غيث في أرض بور، كانت كشرخ في جدار زنزانة. بدأ الصراع ينهشها: - هل الوفاء هو أن ندفن أنفسنا في مقبرة لا تطلب منا إلا الصبر؟ تساءلت، وهي تنظر إلى يدها التي صارت خشنة من صابون التطهير. مراد لم يعد رجلا، صار رائحة تسكن في أنسجة الستائر، صوتا يقطع حبل أحلامها، قيدا من صمت ثقيل. أدركت بلوعة جارحة، أن التضحية التي قدمتها طوال سنوات لم تكن صونا لعائلة، كانت إهدارا لامرأة تستحق أن تعيش في الضوء. بعد أسبوع، وقفت أمام الدكان. لم تذهب لشراء الطعام، ذهبت لتختبر هل لا تزال قادرة على الشعور بالحياة. حين التقت عيناه، لم تبحث في وجهه عن الخضار، بحثت عن اعتراف بوجودها. كانت عيناه نافذتين تطلان على عالم لم تعتد ألوانه؛ عالم لا تفوح فيه رائحة الخيانة للذات. - أنت تستحقين أن ترى العيون فيك، لا من خلال غبار الآخرين. تلك الجملة لم تكن مجرد غزل، كانت مشرط جراحيا استأصل آخر أوهامها بجدوى البقاء. شعرت بتداعي القلاع التي شيدتها حول قلبها؛ حصون الصبر، أسوار العادة، وخوفها من لقب الخائنة. تساءلت بمرارة: - أيهما أشد خيانة؟ أن أترك رجلا لا يرى في إلا خادمة لذاكرته المثقوبة، أم أن أخون نفسي وأحكم عليها بالموت البطيء في بيئة لا تعرف معنى الكرامة؟ لم تعد الحياة في بيتها خيارا، بل انتحارا مؤجلا. أخرجت هاتفها، كانت أصابعها ترتجف ليس من الخوف، من ثقل القرار الذي بدأت تتحمله. ضغطت الأرقام، كل رقم تدخله كحجر تضعه في جسر تعبر فوقه لتنجو من دوامة العبث. انصرفت، ولم تكن تمشي إلى البيت، تمشي نحو أنسانة جديدة، امرأة قررت أخيرا أن للروح حقا في التنفس بعيدا عن صدى شخير رجل باع عمره في قاع كأس. ساد الصمت أرجاء البيت بعد خروج الصغار. لم يقطعه سوى رنين الهاتف، نبرة خافتة تسللت عبر الأسلاك، اقتحمت عزلتها، ولامست مناطق طالما غشاها الخذلان. صوته خيطا من الضوء في عتمة مطبخ تفوح منه بقايا البارحة؛ رائحة الخمر والقيء التي تشبثت بالستائر والجدران، لم تكن تفارق أنفها. حين طلب اللقاء، أطلقت زفرة ممتدة كأنها تفرغ رئتيها من سنوات من الاحتباس. ارتجفت أصابعها، وسرت في جسدها حرارة لم تعرفها منذ زمن. في البدء، كان الرفض دفاعا أعمى، لكنه سرعان ما ذاب أمام سطوة الحنين إلى لمسة لا تطلب منها سوى البقاء. وعدته بالمرور، ثم أغلقت الخط. ظلت طيلة اليوم تدور في فلك التردد. كل زاوية في البيت كانت تذكرها بوعود الزوج الواهية، وبتلك الوساطات العائلية التي تحيل حياتها إلى قفص أضيق كلما انكسرت وعودها. مراد، في كل يوم جديد، يجدد ميثاقه مع الزجاجة، تاركا إياها غارقة في وحل الانتظار. وقفت أمام المرآة، لم تر وجها ذابلا من السهر والخيبات، رأت امرأة تصرخ بصمت طلبا للنجاة. الخطيئة التي فكرت فيها لم تكن في نظره خيانة، كانت في العمق فرارا. تبحث عن مرفأ لا تفوح منه رائحة الرصيف، عن وجه لا يراه أداة لتصريف غضبه. تداخلت أصوات الشجار المكتومة في ذاكرتها مع كلمات البائع الدافئة. حزمت أمرها، لم تعد ترغب في ترميم جدار ينهار كل ليلة. القرار الغريب ينمو في أحشائها كالجنين، لا راد له. ارتدت معطفها، ولم تلتفت إلى الوراء، صدى شخير الزوج في الغرفة المجاورة يملأ البيت ضجيجا ميتا. خرجت، والمدينة أمامها لم تعد مجرد شارع للديون، ممرا نحو شيء يفتقده صدرها: القليل من الحنان. بينما كانت خيوط الفجر الأولى تلامس ببرودة حافة النافذة، كانت الزوجة قد أنهت ترتيب ملامحها في المرآة. لم تكن هناك دمعة، انما نظرة حديدية. خلفها، اصطف الأبناء الأربعة، صمتهم كان امتدادا لصمتها الطويل. في مكتب الإدارة، كانت رائحة الأوراق القديمة والقهوة المرة تملأ المكان. وقف المدير، رجل بملامح تخطتها السنون، أومأ لها بالجلوس. لم تنتظر طويلا، ابتسم للاطفال وناولهم علية حلوى؛ سردت الحكاية لا كشكاية، كجرد لخسارات تراكمت على طاولة بيتها: تفاصيل الإهمال، غياب الأب، واهتزاز كيان الأطفال أمام زجاجات الخمر التي أصبحت ظلا في البيت. أصغى الرجل، أصابعه تتشابك فوق المكتب، وعيناه لا تغادران ثبات يديها المرتجفتين من الداخل، الثابتتين في الظاهر. لم تكن هناك كلمات تعاطف رخيصة، انما ثقل الحقيقة. قال المدير بصوت منخفض، كأنه يزن الكلمات قبل نطقها: - سأعيد لكِ هذا الحق. الراتب لن يغادر مكتبي إلا إليك. لكن، كوني مستعدة، الرجل الذي ألف الهروب في الكأس، قد يرى في عودته للبيت جدارا مسدودا، وقد يجنح للحماقة. لم ترد، اكتفت بإيماءة رأس، كأنها تحفر عهدا جديدا في الصخر. خرجت من المبنى إلى ضجيج المدينة. السماء تبدو أكثر اتساعا وجمالا وروعة ، الهواء الذي يلفح وجهها لم يعد محملا برائحة التبغ والندم، انما برائحة الطريق. ضغطت على يد طفلها الأصغر، شعرت لأول مرة أن الأرض تحت قدميها صلبة، وأنها لم تعد تمشي في فراغ، تقود جيشا صغيرا نحو غد لا يباع في الخمارات. لم تكن فرحة عابرة، كانت سكينة من استردت مفاتيح بيتها من أيدي الضياع. تقف أمام ميزان الخضار، منزعجة تلتفت يمنة ويسرة ، عيناها عالقتان في فراغ لا يرى ما حوله، حين اقتحم المشهد ضجيج مألوف. أصوات صغيرة، خطوات متسارعة، وتداخلات من ضحك وبكاء. التفتت، فإذا بأبنائها الأربعة يقتحمون فضاءها، لا كأفراد، ككتلة واحدة من الانتماء الذي يشد وثاقها. حين رأت عيونهم الصغيرة، التي تعكس براءة لا تدرك حجم انكسار أمهم، ضغط المشهد على مخيلتها كمن يعصر قلبا بيده. ارتجفت. لم يكن ارتعاشا من الخوف، كان زلزالا ضرب قلاع قرارها التي شيدته للتو. شعرت بكل حلم أرادت أن تحياه يتمزق تحت وطأة تلك الأعين التي لا تملك سوى الحاجة إليها. في تلك اللحظة، لم تعد المرأة التي تبحث عن ذاتها، صارت الجذر الذي لا يملك حق التحلل من التربة. أطبقت على حقيبتها، وأدارت ظهرها للضوء الذي كانت تطمح إليه. مشت بسرعة، وكأنها تهرب من ذاتها قبل أن تهرب من المكان. في الطريق الى البيت، لم يعد الشارع مجرد ممر للديون، صار مقبرة لكل ما تمنت أن تكونه. توقفت فجأة عند زاوية مهجورة، حيث انفرط عقد الصبر الذي دام لسنوات. تساقطت دمعات دافئة، ثقيلة، كأنها ليست ماء، انما بقايا أحلام كانت تتنفس. رفعت رأسها نحو السماء، لم تكن تبحث عن إجابة، ترفع عجزها إلى فضاء أرحب. زرقة السماء تبدو نقية، بعيدة، ولا مبالية بآلامها، لكنها في تلك اللحظة، شعرت بأن السماء الشاهد الوحيد على قتيلة تمشي على قدمين. لم تعد إلى البيت لتكون خادمة للذاكرة، عادت لتكون سجينة للحب الذي لا ينكسر. مسحت وجهها بطرف معطفها، وأزالت آثار الانكسار عن وجهها قبل أن تصل، لتصنع قناعا جديدا من الصمود. دخلت البيت، وسط صمت الجدران المطبق، أدركت أن كرامتها لم تكن في الهروب، بل في قدرتها على حمل الثقل الهائل دون أن يراها أحد منهارة. تأملت أبناءها وهم ينامون، فصار وجه كل واحد منهم أيقونة تعبد فيها ألمها بصمت. سكن الليل، تنهدت تنهدة عميقة وأغمضت جفونها، لا لتنام، انما لتخبئ روحها في مكان لا تصل إليه يد الزجاجة، ولا تمسه عتمة الخيبة. لقد خسرت نفسها، لكنها في تلك اللحظة، عرفت أن التضحية الشكل الأكثر شجاعة، والأكثر وجعا، للحب.
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
-
سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
-
ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
-
ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
-
ضفائر الطين وكحل الغياب
-
الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
-
سكاكين في ميزان الضمير
-
خوارزمية الجشع في سيرة معلم
-
البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
-
مجنون طائر الحسون
-
عرش من زجاج تحت أقدام الظل
-
أرواح في مهب الحياد
-
في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
-
حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
-
صرخة في وجه المستحيل
-
ولائم الموت البارد في الظلام
-
بائع الوجبات وانكسار الصمت
-
الهارب من المدينة إلى المغارة
-
الحاج الخازوق وكبش العيد
-
غيبوبة الكلمات والدم
المزيد.....
-
-بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع
...
-
-إعلان بيروت العالمي-.. صرخة لإنقاذ ذاكرة جنوب لبنان من المح
...
-
موسكو توسّع مهرجان -جادة المسرح- بعروض جديدة ومشاركة دولية
-
رسول حمزاتوف... الشاعر الذي حمل داغستان إلى العالم
-
غموض يلف حادثة بوشهر: تضارب الروايات يفتح الباب أمام فرضية -
...
-
لماذا تُعد رواية -يفغيني أونيغين- لبوشكين -موسوعة الحياة الر
...
-
مسؤول أميركي يدعي: ?واشنطن لا ?تزال ملتزمة ?بإيجاد ?حل مع إي
...
-
الثقافة السورية تدعو الفنان فضل شاكر لزيارة دمشق تكريما لموا
...
-
روسيا وفلسطين توقعان مذكرة لتوثيق ومعالجة التراث الثقافي رقم
...
-
روسيا تلتزم بترميم المعالم التاريخية والثقافية المتضررة
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|