أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح المواطن الصالح؟















المزيد.....

حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح المواطن الصالح؟


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 11:45
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ثمة سؤالٌ يستحق أن يُطرح بعيداً عن الحساسيات المعتادة التي ترافق أي حديث عن النص الديني في زمن الأزمات والانقسامات: ماذا لو أعدنا قراءة القرآن، لا بوصفه وثيقةً تاريخيةً نزلت قبل أربعة عشر قرناً لتخاطب مجتمعاً بعينه، بل بوصفه نصاً ما يزال يخاطب الإنسان في كل زمان، ويعيد مساءلة أزماته وأسئلته المتجددة؟
وماذا لو استبدلنا سؤال: ماذا قال القرآن عن كذا؟ بسؤالٍ آخر أكثر خصوبة: هل يستطيع القرآن أن يحاور مفهوماً حديثاً لم يعرفه زمن التنزيل بصيغته الاصطلاحية، مثل مفهوم "المواطنة"؟ وهل يمكن أن نستخرج من بنيته الأخلاقية ملامح لما تسميه الفلسفة السياسية اليوم "المواطن الصالح"؟
هذا السؤال لا ينطلق من محاولة إسقاط مفاهيم الحداثة على النص القرآني، ولا من رغبة في إثبات أن القرآن سبق كل النظريات الحديثة، فمثل هذه المقارنات غالباً ما تُفقِد النص خصوصيته وتُضعف البحث العلمي. المقصود هنا شيء آخر تماماً: اختبار البنية الأخلاقية للقرآن أمام أحد أكثر المفاهيم حضوراً في الفكر السياسي المعاصر، لمعرفة مقدار التقاطع بينهما، لا لإلغاء الفروق التاريخية أو المؤسسية التي تفصل بينهما.
ففي أدبيات المواطنة الحديثة، منذ أعمال عالم الاجتماع البريطاني T. H. Marshall وما تلاها من تطورات في فلسفة الحقوق والحوكمة والاستدامة، لم تعد المواطنة مجرد رابطة قانونية بين الفرد والدولة، بل أصبحت منظومة متعددة الأبعاد، تشمل المساواة أمام القانون، والمشاركة في الشأن العام، والتكافل الاجتماعي، والمسؤولية البيئية، والانتماء إلى الأسرة الإنسانية الأوسع. وهذه الأبعاد لم تظهر دفعة واحدة، بل تطورت عبر قرون من التجربة الإنسانية.
وحين نضع هذه الأبعاد أمام القرآن، لا بوصفه كتاباً في القانون الدستوري أو النظرية السياسية، وإنما بوصفه نصاً يؤسس للأخلاق التي تقوم عليها المجتمعات، تظهر نقاط التقاء تستحق التأمل.
يبدأ ذلك من البعد المدني. فالقرآن يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135).
يصعب قراءة هذه الآية دون ملاحظة أنها تؤسس لميزانٍ أخلاقي لا يستثني أحداً، حتى النفس والأقربين. وهي لا تقدم نظرية قانونية بالمعنى الحديث، لكنها تضع أساساً أخلاقياً قريباً مما أصبح يُعرف اليوم بسيادة القانون، حيث لا تكون القرابة أو السلطة أو المصلحة الشخصية سبباً لتعطيل العدالة.
وفي السياق نفسه، يخاطب القرآن النبي بقوله:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159).
ويصف المؤمنين بقوله:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38).
ومن الصعب ألا نلاحظ أن مبدأ الشورى هنا لا يأتي هامشياً، بل يُذكر إلى جانب الصلاة والإنفاق، وكأن المشاركة في صناعة القرار جزء من البناء الأخلاقي للجماعة، لا مجرد وسيلة إدارية لتنظيم الحكم. وهذا يقترب من الفكرة التي تقوم عليها الحوكمة التشاركية الحديثة، وإن ظل مختلفاً عنها في بنيته التاريخية والمؤسسية.
أما البعد الاجتماعي، فربما تتجلى صورته بأوضح ما يكون في سورة الماعون:
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ۝ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾.
واللافت أن السورة تربط بين أداء الشعيرة ومنع أبسط صور المعونة الاجتماعية.
وحين تُقرأ هذه الآيات إلى جانب قوله تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: 45)،
يصبح من الممكن فهم "السهو عن الصلاة" بوصفه ليس مجرد غفلة عن بعض تفاصيل الأداء، بل قصوراً في تحقيق الغاية التي أعلنها القرآن للصلاة نفسها، وهي إحداث أثرٍ أخلاقي في السلوك. فإذا لم تنعكس العبادة على علاقة الإنسان بغيره، ولم تمنعه حتى من بخلٍ بأبسط وسائل العون، فإن الشعيرة تكون قد فقدت وظيفتها الأخلاقية، مهما اكتملت صورتها الخارجية.
هذه القراءة ليست نفياً لبقية التفسيرات، لكنها تكشف انسجاماً داخلياً بين النصوص، يجعل القيمة الأخلاقية للفعل هي المعيار النهائي للحكم عليه.
ومن زاوية أخرى، يلفت الانتباه حضور المسؤولية تجاه الأرض والموارد. فالقرآن يكرر النهي عن الإفساد:
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة: 60).
ويقول:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (هود: 85-86).
ولا يتحدث النص هنا عن البيئة بالمعنى الذي نستخدمه اليوم، لكن من الممكن قراءة مفهوم "بقية الله" بوصفه يفتح أفقاً أخلاقياً قريباً من فكرة الاستدامة، أي ألا يستهلك الإنسان كل ما يقع تحت يده، وأن يترك من الموارد ما يبقي الحياة ممكنة لغيره. إنها ليست مساواةً تامة مع مفهوم العدالة بين الأجيال كما تطور في الفكر البيئي الحديث، لكنها تلتقي معه في الإحساس بالمسؤولية تجاه المستقبل.
أما البعد الإنساني العالمي، فيظهر بجلاء في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).
فالخطاب موجَّه إلى "الناس" جميعاً، لا إلى جماعة عقدية بعينها، والاختلاف بين الشعوب والقبائل يُقدَّم باعتباره وسيلةً للتعارف لا سبباً للتفاضل أو الإقصاء. وفي عالم تتصاعد فيه النزعات القومية والانغلاق الهوياتي، تبدو هذه الرؤية جديرة بإعادة التأمل.
ولعل الآية التي تجمع معظم هذه الأبعاد في نسقٍ واحد هي قوله تعالى:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ... وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ... وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (البقرة: 177).
فإذا قُرئت هذه الآية بمعزل عن التصنيفات الموروثة، بدت أقرب إلى وصف منظومة أخلاقية متكاملة: التزامٌ قيمي، وعدالة اجتماعية، ورعايةٌ للفئات الهشة، واحترامٌ للعقود، وثباتٌ في مواجهة الأزمات. إنها لا تقدم دستوراً للدولة الحديثة، لكنها ترسم ملامح الإنسان الذي يمكنه أن يكون عضواً صالحاً في أي مجتمع عادل.
ومن المهم هنا التأكيد على أن هذه المقارنة لا تزعم أن القرآن قدّم نظرية للمواطنة بصورتها القانونية أو الدستورية المعاصرة، ولا أنه استخدم مصطلحاتها أو مؤسساتها. فالمواطنة الحديثة ثمرة تطور تاريخي طويل، ارتبط بنشوء الدولة الوطنية والدساتير وحقوق الإنسان والمؤسسات الديمقراطية.
لكن ما يبدو لافتاً هو أن القيم الأخلاقية التي تقوم عليها تلك المنظومة – كالعدل، والمسؤولية، والوفاء، والتكافل، والمشاركة، واحترام الكرامة الإنسانية – ليست غريبة عن الخطاب القرآني، بل تشكل جزءاً من بنيته المركزية.
لعل القيمة الحقيقية لهذه القراءة لا تكمن في الادعاء بأن القرآن سبق الحداثة، بل في أنها تحررنا من سؤالٍ ظل يلازم قراءتنا للنص زمناً طويلاً: ماذا كان يعني للأولين؟
فربما يكون السؤال الأجدر اليوم هو: ماذا يعني لنا نحن؟
وحين نقرأ القرآن بهذه الطريقة، لا نبحث فيه عن أسماء مؤسساتنا الحديثة، ولا عن مصطلحاتنا السياسية، بل عن المبادئ التي تمنح تلك المؤسسات معناها الإنساني. عندها يغدو النص أقل ارتباطاً بالماضي، وأكثر قدرة على مساءلة الحاضر، ويصبح القرآن كتاباً يقرأ سيرتنا نحن، بقدر ما حفظ سيرة الذين سبقونا.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار ...
- الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
- الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- المغرب: إحباط -مخطط إرهابي- لخلية تابعة لتنظيم -الدولة الإسل ...
- سؤال عميق يؤرق اليهود الأمريكيين اليوم
- كلفة أن تكون شيعيا في الخليج بعد حرب إيرانبعد الحرب مع إيران ...
- من عمر بن الخطاب إلى الثورة السورية.. الجامع العمري على قوائ ...
- الجزائر: جبهة التحرير الوطني تتصدر نتائج الانتخابات التشريعي ...
- تشييع خامنئي من النجف العراقية.. كيف احتفظت المدينة الشيعية ...
- شقيقان من نابلس يحرسان إرث صناعة أهلة المساجد ومآذنها في فلس ...
- الناشط الإعلامي الأمريكي جكسون هينكل: خطة أمريكا للإطاحة با ...
- فنيش: لولا دعم الجمهورية الإسلامية ما كانت المقاومة لتحظى به ...
- الحوار أم الردع؟ موريتانيا تعيد تفعيل الحوار مع السجناء السل ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح المواطن الصالح؟