أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين















المزيد.....

ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 18:13
المحور: الادب والفن
    


توقفت السيارة وسط المدينة في الشارع الكبير، وكان المسافة التي قطعتها لم تكن مجرد كيلومترات، بل كانت عبورا في طبقات الزمن. الهواء هنا يحمل رائحة مختلفة، خليط من غبار الطريق القديم وندى ذكريات لم تكن لتمحوها الأيام. ترجلت بخطوات وئيدة، وبدأت أقدامي تقيس الشارع المؤدي الى تلك البوابة الحديدية الصدئة، التي لم تكن يوما مجرد مدخل لمدرسة، إنما كانت الفاصل بين عالمي الصغير في زقاق البيت الذي اقضي فيه سحابة يومي في تسلق الأشجار والركض، وفضاء المدينة الممتد إلى ما لانهاية.
اتذكر ذلك الصباح البعيد. حين اخبرنا أننا لن نعود إلى تلك المدرسة المجاورة لبيتنا، حيث كانت الجدران مألوفة كراحة اليد، أتذكر السور الذي امتلأ برسومات غريبة لفتيات عاريات بصدور كبيرة وأسماء وقلوب تشقها سهام. انتقلنا إلى مدرسة ابعد، في قلب المدينة الصاخب. أتذكر قبضة الخوف التي اعترتني حينها، طفل يواجه فكرة الرحيل عن ركنه الأمن. لكن سرعان ما تلاشت تلك الغصة، حين رأيت واجهة البناء الجديد، حين أدركت أن الطريق إليها سيجعلني شاهدا على تفاصيل المدينة اليومية؛ زحام السوق، نظرات الباعة، وتدفق الناس في الشوارع التي لم أكن اعرفها. الآن، وبعد سنوات، أقف أمام الجدران ذاتها. الطلاء تقشر كجلد مسن، والنوافذ التي كانت تطل على أحلامنا باتت صامتة. لم اعد ابحث عن الدرس الأول، ولا عن معلم غادر مكانه، بل ابحث عن ذلك الطفل الذي كنته، الذي استمد شجاعته الأولى من رؤية الحياة وهي تجري في شوارع المدينة، قبل أن أتعلم في فصولها معنى المسافات، ومعنى الحنين إلى أماكن لم تعد تشبهنا. لم تكن الرحلة مجرد عودة إلى مكان، بل كانت محاولة لإعادة ترتيب أجزاء مبعثرة، في شارع ما زال يضج بالناس، بينما أقف ، مراقبا صامتا، كمن يقرأ كتابا قديما بصفحات ممزقة، يطويها ببطء ليعود إلى حيث بدا كل شيء. في زاوية من مطبخ المدرسة المعتم، كانت السيدة التي تسكن جوارنا تظهر كطيف دافئ وسط صخب الممرات. كانت ملامحها تشبه أرضا متعبة، لكن يديها اللتين تشقان الخبز الغليظ كانتا تخبئان حنانا يفيض. أتذكر ذلك الخبز، كان قاسيا على الأسنان، لكنه حين يمتلئ بمرق العدس او الفاصولياء، يتحول إلى وليمة تكسر حدة الجوع الذي كان ينهش يومي الدراسي الطويل. كنت اخرج من بيتي عند بزوغ الفجر، في السابعة صباحا، ولا تطلق المدرسة سراحي إلا بعد الواحدة زوالا، حيث تشتد حرارة الظهيرة وتنفد الطاقة. كانت تمد يدها لي بذلك السندويش، تهمس بكلمات لا اسمعها جيدا وسط ضجيج التلاميذ. لم أكن ضمن القائمة الرسمية لمن يستحقون تلك الوجبات، رغم ان جوعي لم يكن يفرق بيني وبين زملائي المستفيدين. كان ذلك السندويش بالنسبة لي أكثر من مجرد طعام؛ كان اعترافا بوجودي في يوم طويل، وربما كان اصدق درس تعلمته في تلك المدرسة: ان الرحمة لا تتبع القوانين، وان الخبز المغموس في المرق هو اللغة الوحيدة التي يفهمها طفل يواجه العالم بمعدة خاوية. اليوم، حين استحضر صورتها، لا أرى مطبخا أو وجبة، أرى تلك اللحظة التي كانت فيها يدها تمتد عبر نافذة المطعم، جسرا صغيرا من الود، يغطي على قسوة المكان وتفاصيله المنسية. داخل المدرسة، تتغير نبرة الضوء. الممرات التي كانت تبدو في طفولتي ممرات إلى المجهول، تبدو الآن ضيقة، محاصرة بجدران تشربت صدى آلاف الأصوات. طلاء الأقسام المتقادم يتقشر كان المكان يلفظ ذكرياته، تاركا طبقات من الألوان الباهتة التي تحكي قصة سنوات من السكون والانتظار. السبورات الخشبية السوداء، بخدوشها التي لم تمحها السنين، لا تزال تحتفظ ب أثار باهتة لطباشير تلاشت منذ زمن. وعلى مقربة منها، المقاعد الخشبية التي نخرها الزمن، لا تزال تحمل على أسطحها المحفورة بالسكاكين أو أقلام الرصاص، توقيعات غامضة لأجيال مرت من هنا، تركت أسماءها وهربت نحو المستقبل. في زاوية القسم، ثمة ركن تجمعت فيه الغبار حيث كان ينعكس ضوء شمس مائل من نافذة عالية، كاشفا عن رقصة ذرات الغبار في الهواء الساكن. هناك، وسط هذا الصمت المطبق، تشعر بثقل الغياب. الأقسام المتفرقة في الجانب الأيسر، رغم تقادمها، لا تزال تحتفظ بروح المكان، وكأنها تنتظر جرس الحصة الذي توقف عن الرنين منذ دهور. لا يكسر هذا السكون سوى حفيف الأشجار بالخارج، حين يلامس اغصانها جدار القسم، معيدة إلى الذاكرة رائحة ذلك السمغ الأبيض الذي كان يلتصق بأيدينا حين نحاول قطفه، كأنه جزء من تلك الأرض التي لم تغادر المكان، حتى حين غادرناه نحن جميعا. المدرسة من الداخل ليست مجرد حجرات، بل هي مستودع لزمن توقف، حيث كل زاوية هي شاهد على بداية، وكل شق في الجدار هو ذكرى لمحاولة لتعلم حرف او كلمة، او ربما هروب من حصة طويلة كانت لا تنتهي. في ذاكرتي التي انحسرت عنها تضاريس الوجوه، وظلت تكنس الأسماء كأوراق خريف ذابلة، نجا اسمان فقط من عاصفة النسيان: سي السيوطي وسي معفف. لم يكونا مجرد معلمين يمارسان طقس التلقين، بل كانا نحاتين أزليين، حفرا في جدار روحي أخاديد لم تندمل. أما البقية، فلقد تلاشت ملامحهم كما يتلاشى صدى خطى غريب في ممر موحش. كانوا أطيافا عابرة، لم تترك في جداري الداخلي ندبة، ولم تشعل في عتمة خيالي فتيلة. مروا فوق أيامي بخفة الظل، دون ان يتركوا خيطا واحدا يمسك به، فصاروا في سجلات وعيي مجرد فراغ ممتد، صمت لا يقطعه شيء. وحدهما السيوطي ومعفف، ظلا متشبثين بحافة الوعي، كأنهما حارسا الغرفة السرية في قلبي، حيث تكدست الحروف الأولى كأحجار كريمة. أتساءل اي سحر كان في جبتهما، واي كيمياء سكباها في لغتنا حتى استعصيا على المحو؟ لقد نجيا من تجريف السنين، بينما ذاب الآخرون في ضباب الأيام العشر العجاف. لم يكونا معلمين فحسب، بل كانا هما النص في أبهى تجلياته. حين كانا يتحدثان، كانا يسكبان أرواحهما في اللغة، فصارت كلماتهما هي الدرس، وهي الرحلة، وهي كل ما تبقى من ذلك العالم الذي بدا خلف البوابة الصدئة، وانتهى في غياهب الذاكرة التي لم تترك لي في نهاية المطاف- سوى طيفيهما، يضيئان عتمة ما مضى.
لم تكن اللغة مع سي "معفف" مجرد أداة لتبادل المعاني، كانت كائنا هلاميا يغري بالقبض عليه؛ كان الرجل يزرع المفردات في تربة عقولنا العطشى بوقار فلاح يلقي بذوره في ارض تنتظر المطر، فصار غموض كلماته لا حاجزا انما بوصلة تشد خيالنا نحو فضاءات رحبة لم تطأها أقدام الكتب المدرسية. كنت حينها أعيش في فقر معرفي مطبق، جيوب خاوية من الورق، ومكتبات ترفع في وجهي أقفال الاستحالة، فصار الأدب يستقى من الهوامش، التهم ما تجود به أوراق التغليف البالية، تلك القصاصات التي تفوح برائحة القرفة والكمون، وتنبض بتفاصيل السوق الصاخب. كانت تلك الأوراق الملوثة بالتوابل قصائدي الأولى، وأبجديتي المرتجلة التي علمتني كيف أشيد جسورا من الجمل فوق هوة العدم. وحين كان الصمت يطبق على روحي، كنت أجد في البياض ملاذا، فارسم وجوها لا تنتمي لهذا الطين، ملامح تولد من خلف الجفون وتكبر بين أصابعي كأنها معجزات صغيرة. سرعان ما انزلق قلمي نحو الكاريكاتير، تلك السخرية الصامتة التي كانت صرختي الوحيدة في وجه واقع ثقيل، ريشتي التي آبت أن تكون خادما للمقررات الجافة. لكن ذلك الضوء السري انطفأ في لحظة اصطدام عنيفة، حين مزق صوت أبي جدران عالمي، محولا شغفي إلى خطيئة تستوجب العقاب. لم ينهني عن الرسم فحسب، انما أطفا في داخلي شعلة لم أكن اعرف أنني احتمل وهجها. في تلك اللحظة، لم يكسر قلمي فحسب، انما كسر أجنحتي، تاركا إياي عالقا في ممر ضيق، ممزقا بين طاعة مفروضة كالقيد، وشغف لا يزال يغلي في دمي كحمم تأبي أن تبرد.
الذكريات الصغيرة والعميقة تضغط علي بقوة ، تحاول الخروج وفي غمرة الاسترجاع. اقتحم ذاكرتي طيف معلم الفرنسية في السنة الثالثة، ذلك الكائن الذي لم يكن يعلم، كان يفرغ خيباته في التلاميذ الضغار. لم يدخل القسم كمعلم، انما كغاصب يجر خلفه صمتا مرعبا لا يقطعه إلا هدير صراخه المباغت. كان يقتحم الحرم المدرسي، يزيح طاولاتنا بعنف يثير الرعب، ثم يفترش الأرض بقطع من الكرتون المتسخ، ليسقط في نوم ثقيل، غارقا في هذيان غيابه، تاركا إيانا أطفالا مرتجفين في حضرة طاغية نائم. لم يكن يخشى مديرا ولا يبالي بدرس، كان يفرض قانون الصمت بقوة التهديد، لا يريد أن يسمع طنين ذبابة، اللعين حول القسم إلى زنزانة معتمة حيث لا يتنفس احد. كانت عيناه، بجمرهما المتقد، ترصدان أي حركة كأنها استهداف لغيبوبته. أمام المشهد العبثي، انكسر في داخلي شيء عميق، كيف يمكن لجسد يملك كل سلطة الترهيب أن يغرق في هذا القاع من الاستسلام...؟ انه النقيض الفج لشغفي، يمثل العدم بكل ضراوته، في الوقت الذي كنت فيه أحاول بكل ما أوتيت من براءة أن ارسم لنفسي مسارا نحو الوجود. وبينما كنت امشي اليوم في الساحة، مثقلا بهذا التدفق العنيف للذكريات، تلاشت وجوه الحاضر، بينما كنت أحاول في انكساري أن ارسم ملامح الوجود. تحول العالم من حولي ببطء، من صخب الساحة المكتظ بالركض والزعيق، إلى سكون مقدس داخل الصفحات. لم اعد أجد نفسي في مطاردات التلاميذ أو صراخهم العبثي، انما صرت ابحث عن عزلة تشبه في عمقها دهشة الاكتشاف. كنت اقتفي اثر المجتهدين، لا طمعا في لقب متفوق، لانهم كانوا البوابة الوحيدة نحو عالم أخر، عالم ترسلني إليه القصص التي كنت التهمها بشغف يتجاوز حدود الفصول. لم أكن نابغة، ولم أكن فاشلا، كنت فقط تلميذا يحرص على إلا يغادر مقعده قبل أن يستقر الدرس في وعيه كحقيقة لا تقبل التأويل. ذلك الزمن الجميل كان يترصده ظل كئيب. معلم السنة الخامسة لم يكن يدرس، كان يروضنا بقسوة الفولاذ. كان يمتلك عصا، قضيبا حديديا يرتدي قشرة خشبية، لا هدف لها سوى كسر التردد في الحفظ. في يوم لا يغادره الوجع، وجدت نفسي في وسط الحلقة. حملني تلميذ اكبر، ونزع حذائي، وانهالت علي عشرون ضربة، صبت نارها على أخمص قدمي. حين وضعت قدمي على الأرض، تهاويت. لم تكن الساق تحتمل ثقل الجسد، فبدأت أعرج وسط ذهول المكان. لم يشفق الوجع على كبريائي، فمن ورائي، ارتفع صوته حادا كالمشرط، يأمرني بالركض. وحين تباطأت، جاءت الضربة الأخيرة على ظهري، ثقيلة كصخرة سقطت من السماء. لم يكن الألم في تلك اللحظة مجرد جلد لجسد صغير، كان انكسارا لأولى بذور الحرية في روحي، تركتني اجر خلفي عرج لا يراه احد، ونظرة للتعليم لم تعد يوما كالسابق. بين جدران مدرسة ابن تاشفين التي تقع في شارع محمد الخامس، تعلمت أن الألم قد يكون نحاتا غاشما، لكنه يترك أثرا. فعصا المعلم تزرع فينا خوفا مقدسا من التقصير، وفي المقابل، كان معلم الفرنسية يمارس قسوته بطريقة أكثر دهاء، يغمرني بتكرار جملة واحدة ألف مرة، حتى تترسخ في مفاصل يدي ولغة لساني. أوراقي تنفد، وحبري يغور في مسام الورق، لكنني، ودون أن ادري، كنت أطوع حروفي واصقل أسلوبي، حتى صار ذلك العقاب جسرا اعبر عليه نحو إتقان اللغة.
أطوف بعيني امسح حائط المسجد الكبير، كنا نجلس في انتظار ان يرن الجرس نتلهى بعد المركبات التي تمر من الشارع المؤدي إلى العاصمة الاقتصادية، أقف اليوم أمام البوابة المدرسة، المس صداها البارد، فيتداعى إلي شريط طويل من المشاعر. يغمرني حنين يفوح برائحة الطين المبلل حين كان المطر يباغتني في طريق العودة. أتذكر تلك اللحظات الجميلة والقاسية، الشوارع والأزقة تغدو انهارا صغيرة، والبرد ينهش جسدي النحيل، وحذائي تغمره المياه، وشعري الناعم مبلل يتحول إلى مسارب على جبهتي، ولا ملاذ يضمني سوى البيت البعيد. كنت أصل والماء يقطر من ثيابي، وجهي محتقن من البرد، لكن في صدري كانت تطمئن روحي، فمحفظتي البلاستيكية تحمي كراساتي وكتبي من الغرق، وكأنني كنت أدرك حينها أن العالم قد يغسلنا بفقره وقسوته، لكن العلم وحده ما يجب أن يظل جافا، سليما، وبعيدا عن متناول الأذى. تلك الأيام لم تكن مجرد طفولة، كانت تمرينات على الصمود.
استنشق الآن هواء المدينة، مختلطا بذكريات المطر وصوت وقع أقدامي تحاول الحفاظ على توازنها فوق ارض زلقة، بينما كانت عيناي ترنو دائما إلى شيء ابعد من بوابات المدرسة، وأسمى من مجرد جملة تكتب ألف مرة. اقتربت من الحارس، وبصوت تملؤه رهبة الغريب عن وطنه، طلبت نظرة خاطفة إلى الداخل. في عينيه تساؤل صامت، فأسعفته بكلمات لم تكن مجرد تعريف بهوية، انما مفتاحا لزمن غابر، كنت تلميذا هنا، قبل عقود، أتعلم كيف أتنفس في هذه الساحة. اختفى خلف الباب الحديدي، تاركا إياي مع دقات قلبي، ثم عاد بابتسامة تفتح الأبواب. استقبلني المدير بترحيب دافئ، فسرنا في الممرات التي صارت غريبة علي. هناك، حيث كانت السبورات الخشبية السوداء تتربع كأنها عروش للملكوت، لم أجد سوى شاشات الكترونية صامتة، تبتلع ضجيج الطباشير وتغتال غبار المعرفة القديم. الأقسام لم تعد تشبه أحلامي، والمطعم الذي كان يضخ في عروقي الحياة عبر ذلك الخبز المغموس في المرق، تحول إلى قاعات معقمة، تفتقر لدفء الفقر ولذيذ الانتظار. حتى الأشجار التي كانت تبصق سمغها الأبيض، وتستدرج النحل في طقوس صيفية مذهلة، اقتلعت من جذورها، واستبدلت بشجيرات صغيرة تترنح في رتابة منظمة. غصت حنجرتي بحزن نبيل، فقد شعرت أن جزءا من ذاكرتي قد أزيل معها، وكأنهم رمموا المكان ولكنهم بتروا روحه. جلست على مقعد في الساحة، متأملا صمت المكان الذي كان يوما يضج بالحياة. وفجأة، عبرت رؤاي، طفل صغير، يرتدي وزرة زرقاء، يقف في طابور لا ينتهي، يتأرجح بين الرهبة والحماس. سمعت صدى صوته يرتفع مع الفجر، يغني النشيد الوطني بصدق يمزق الحنين، والكلمات التي كان ينطقها آنذاك لم تكن مجرد حروف، كانت وطنا صغيرا، يحاول تشييده داخل جدران مدرسة لم تعد تعرفه، ولا هو عاد يعرفها. أغمضت عيني، الطفل لا يزال ثابتا في طابوره، يرفع يده للنشيد، بينما كنت الرجل الذي عاد من غربة السنوات، مجرد طيف يحاول استعادة ملامحه من بين الأنقاض.
خرجت من بوابة المدرسة مثقلا بندوب الحجرات، لا بكتبها. كانت مخيلتي تقودني بفعل ذاكرة عضلية نحو الزقاق الذي شهد طفولتي الأولى. اكتشفت في تلك اللحظة أن المسافة بين المدرسة وبيتنا ليست كيلومترا يقاس بالخطوات، انما دورة كاملة للروح، فكما كانت المدرسة مصنعا للأبجدية والرهبة، فالبيت المختبر الصغير الذي كنت أعيد فيه تأويل ما تعلمته.
توقف محرك السيارة أمام البيت القديم، الصمت هنا ثقيل كصمت الأرواح. طرقت الباب بحذر، استقبلني شاب في العقد الثالث، وحين عرف أنني ساكن قديم، تلاشت الغربة. في زاوية الفناء، رأيت بقايا أخاديد صغيرة، آثار ألعاب الركض التي لم تكن تنتهي إلا بهبوط الشمس. تذكرت رائحة الخبز، وصيحات التحدي تحت شجرة عتيقة من فصيلة النبقيات، حيث كان النصر يقاس بانتزاع الأغلفة المذهبة للحلوى التي نحولها إلى أوسمة على صدورنا.
سألت الشاب عن الجيران، فأخبرني بأسى أن الأغلبية رحلوا أو ماتوا. تأوهت، وبينما كنت أودعه، سقط خيط رفيع من ضوء الغروب على بقايا منديل مهترئ في زاوية الحائط، أو ربما على طرف غلاف مذهب فقد بريقه لكنه احتفظ بلمعة التحدي القديم. لقد اكتشفت، ان جدار البيت المتهالك لم يكن مجرد طينٍ وحجر، انما كان سبورة أخرى، كنت أرسم عليها أحلامي المجهضة بالفحم، تماما كما كنت أخبئ فيها خيباتي من عصا المعلم.
لقد أدركت حينها أن المدرسة والبيت توأمانِ يسكنانِ في رئة ذاكرتي الواحدة؛ المدرسة تعلمت فيها كيف أواجه العالم بجبنٍ أو شجاعة، فالبيت كنت أعود إليه لألملمَ شتات المواجهة. وما الرحلة بينهما اليوم، إلا سعي حثيث لردم الهوة بين طفل خائف من وحشة وغربة الأزقة ويركض بين فضائين غريبين ، ورجل يحاول وبكلِ رفق، أن يمسك بخيط الدخانِ الذي خلفته تلك الأيام خلفها. وقفت أخيرا أمام باب بيتنا القديم وغصة قوية في الحلق ، وكأنني أفتح كتابا لم أكمل قراءته منذ زمن او رسما كاريكاتيريا ظل عالقا في زوايا الذاكرة ، لا لأجد الطفولة الهاربة إنما لأعترف بأنني ما زلت ذلك الطفل الذي ينتظر قرع الجرس في عالم لا يقرع فيه أحد أبواب الماض .
جلست على مقعد إسمنتي في الحديقة الكبيرة التي شطرها الشارع الكبير إلى شطرين ، أغمضت عيني، فرأيت ذلك الطفل بوزرة زرقاء يتحرك بخفة يحمل محفظة فوق الظهر، يقف في طابور لا ينتهي من الوجوه الباسمة والنائمة، يرفع صوته عاليا لترديد النشيد الوطني بصدق يمزق الحنين وعيناه تراقب رفرفة العلم الوطني الذي يرفع بتثاقل مدروس ، واستحضر بقوة السيدة التي اسكنت عصافير بطني .



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
- ضفائر الطين وكحل الغياب
- الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
- سكاكين في ميزان الضمير
- خوارزمية الجشع في سيرة معلم
- البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
- مجنون طائر الحسون
- عرش من زجاج تحت أقدام الظل
- أرواح في مهب الحياد
- في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
- حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
- صرخة في وجه المستحيل
- ولائم الموت البارد في الظلام
- بائع الوجبات وانكسار الصمت
- الهارب من المدينة إلى المغارة
- الحاج الخازوق وكبش العيد
- غيبوبة الكلمات والدم
- الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
- رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
- المرتشي والرقم الاخضر


المزيد.....




- إيران.. عراقجي يكشف في تدوينة عدد الدول الممثلة في جنازة خام ...
- رسام الكاريكاتير اليمني كمال شرف: جئنا إلى طهران للمشاركة في ...
- تقرير: تدهور مفاجئ في صحة الفنان فضل شاكر وأنباء عن إخلاء سب ...
- صبا مبارك على رأس القائمة.. نقابة الفنانين الأردنيين تطرد 21 ...
- إسرائيل تدمر الحياة الثقافية والفكرية في لبنان
- ديزني تكشف عن كواليس دوبلاج فيلم -Toy Story- للهجة المصرية
- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين