أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟















المزيد.....

هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 07:32
المحور: قضايا ثقافية
    


تعدد السرديات ونسج الواقع في ضوء علم النفس الاجتماعي

1. المقدمة: سؤال هاورد الوجودي

في إحدى حلقات البحث في كورس الماجستير في الدراما بعنوان "المسرح والتغيير الاجتماعي"، وجّه إلينا رئيس القسم والكاتب المسرحي الذي يتمتع بسمعة أكاديمية رائعة روجر هاورد (Roger Howard) سؤالاً بدا بسيطاً في ظاهره، لكنه هزّ أعماقنا جميعاً: "هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟ هل حين يسرد نفس القصة التي أبطالها شخصان، ستكون نفس الحكاية ونفس الأيديولوجيا في سرديات كل منهما؟"

هذا السؤال ليس مجرد فضول أكاديمي، بل هو جوهر الإشكالية
التي يعيشها الإنسان المعاصر. نحن نعيش في عالم يتضخم فيه عدد الروايات، وتتناحر
فيه الأيديولوجيات، ويُعاد فيه كتابة التاريخ كل يوم من منظور جديد. في هذا
المقال، سأحاول الاقتراب من إجابة هذا السؤال مستعين بعلم النفس الاجتماعي،
ونظريات السرد، وتحليل نماذج فنية وأدبية تتناول تعدد وجهات النظر، مثل فيلم
"لولا تجري" (Run Lola
Run) للمخرج توم تيكوير، ورواية "ميرامار" لنجيب
محفوظ، لنفهم كيف نبني واقعنا، ولماذا تكون الموضوعية حلماً جميلاً لكنه مستحيل
التحقق.

2. السرد والهوية: كيف نبني واقعنا؟
في
علم النفس الاجتماعي، ثمّة تحول كبير من فكرة أننا "نكتشف" الواقع إلى فكرة أننا نبني الواقع. هذا هو جوهر البنائية
الاجتماعية
(Social Constructionism) التي طرحها بيتر بيرغر وتوماس
لوكمان في كتابهما المؤثر "البناء الاجتماعي للواقع" (The Social
Construction of Reality). يرى بيرغر ولوكمان أن الواقع ليس كياناً ثابتاً خارجياً، بل هو
نتاج عمليات اجتماعية ونفسية مستمرة .

هنا
يأتي دور السرد
(Narrative). نحن لا نعيش حياتنا كمجموعة من
الأحداث المتفرقة، بل ننسجها في حكايات. هذه الحكايات هي التي تمنح حياتنا معنى
وهدفاً. دان ماكآدامز (Dan McAdams)، أحد أبرز علماء نفس
السرد، يرى أن هويتنا الشخصية ليست أكثر من "قصة" نرويها لأنفسنا عن أنفسنا (narrative
identity) . لكن المشكلة أن كل إنسان يروي قصته من زاويته الخاصة، ومن مكانه
الاجتماعي، ومن تجاربه الفريدة، ومن أدواته الثقافية المحدودة. هذا لا يعني أننا
نكذب، بل يعني أننا نختار، ونرتب، ونؤكد، ونهمش وفقاً لخريطتنا الذهنية.

لذا،
إذا روى شخصان نفس الحادثة، فإنهما يرويان روايتين مختلفتين، ليس لأن أحدهما صادق
والآخر كاذب بالضرورة، بل لأن كل واحد منهما يمرر الحادثة عبر مرشح هويته وخبراته
السابقة وتوقعاته.

3. تأثير
الفراشة النفسي: من الفيزياء إلى العلاقات الإنسانية
فيلم "لولا تجري" ليس مجرد تجربة سينمائية مثيرة، بل
هو مختبر فلسفي ونفسي حول نظرية الفوضى (Chaos Theory) وتأثير الفراشة (Butterfly Effect) في العلاقات الإنسانية. الفيلم يعرض ثلاثة سيناريوهات مختلفة لنفس
العشرين دقيقة، تبدأ من نفس النقطة تقريباً، لكن تغيرات طفيفة جداً في البداية
(مثل من تصادفه لولا في الطريق، أو كيف ترد على شخص ما، أو تأخير بضع ثوانٍ) تقود
إلى نهايات مختلفة تماماً .

من
منظور علم النفس الاجتماعي، هذا الفيلم يصور حقيقة عميقة: علاقاتنا الاجتماعية
ليست جامدة، بل هي حساسة جداً للسياق واللحظة والمزاج. الشخص الذي تصادفه في
الشارع في السيناريو الأول قد يكون سبباً في موتك، وفي السيناريو الثالث قد يكون
سبباً في خلاصك، وذلك دون أن تتغير نواياه هو نفسه! التغيير الحقيقي يحدث في كيفية
تفاعلك أنت معه، وكيف يقرأ هو تفاعلك.

هذا
يذكرنا بنظرية التفاعل الرمزي (Symbolic Interactionism) التي
وضعها جورج هربرت ميد (George Herbert Mead)، والتي ترى أن الذات
البشرية تتشكل من خلال التفاعل الاجتماعي، وأن المعاني ليست ثابتة في الأشياء، بل
تُنتج وتُعاد إنتاجها في التفاعل بين الناس . المعنى، إذاً، ليس في الحدث نفسه، بل
في طريقة تفسيرنا له، وهذه التفسيرات تتغير بتغير السياق، كما يتغير مصير لولا
بتغير أفعالها البسيطة.

4. تعدد السرديات في "ميرامار": الرواية كمرآة متكسرة
إذا
كان فيلم لولا يعيد تشغيل الزمن لاستكشاف احتمالات مختلفة، فإن رواية نجيب محفوظ "ميرامار" تفعل شيئاً مشابهاً لكن من زاوية
مختلفة. الرواية تحكي قصة ناديا، الخادمة الجميلة، التي تدور حولها الأحداث في Pension Miramar بالإسكندرية، لكنها تُروى على لسان أربعة رواة مختلفين: سرحان،
عامر، منصور، وحسن .

كل راوٍ يقدم روايته للأحداث
والحوارات وفقاً لخلفيته السياسية والاجتماعية والنفسية:

كيف
يرى ناديا والأحداث

خلفيته

الراوي

يرى
في ناديا رمزاً للطبقة المقهورة، وفي الأحداث صراعاً طبقيّاً.

شيوعي
ثوري

سرحان

يرى
في ناديا جسداً للتسلية، وفي الأحداث تأكيداً لمكانته الاجتماعية.

إقطاعي
متعجرف

عامر

يرى
في ناديا تهديداً للأخلاق، وفي الأحداث فتنة يجب كبتها.

موظف
حكومي تقليدي

منصور

يحاول
أن يكون موضوعياً، لكن روايته تتأثر بافتتانه بناديا وبمنظوره المتنور.

صحفي
ليبرالي

حسن

محفوظ، ببراعته الأدبية، لا
يمنحنا رواية واحدة "صحيحة"، بل يمنحنا
أربع روايات متداخلة ومتناقضة. القارئ هو الذي يُشكل الصورة النهائية في ذهنه.
وهذا هو بالضبط ما يحدث في الحياة الاجتماعية اليومية. كل فرد في أي موقف اجتماعي
يحمله معه
"أيديولوجيته" الخاصة، التي هي ليست
بالضرورة سياسية، بل هي إطار تفسيري (Interpretive Framework) يحدد
ما يراه وما يتذكره وما يهمه.



5.الإجابة على سؤال هاورد: لماذا الموضوعية مستحيلة (ولماذا هذا جيد؟)

والآن، لنعد إلى سؤال روجر هاورد: "هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟"

الإجابة، من منظور علم النفس الاجتماعي، هي لا. ليس لأن
الإنسان شرير أو متحيز، بل لأن الموضوعية، بمعنى الرؤية من "لا مكان" (view from nowhere)، هي خرافة. كل رؤية تأتي من مكان اجتماعي
ونفسي وتاريخي معين. هذا هو جوهر نظرية المنظور (Standpoint Theory) التي تطورت في علم الاجتماع النسوي، والتي تؤكد أن المعرفة
تُنتج من مواقع اجتماعية محددة، وأنه لا توجد معرفة محايدة تماماً
.



وهنا أتذكر حادثة شخصية بليغة، حدثت مع إمرأة عربية متزوجة
من رجل ألماني. اختلفت مع زوجها في يوم من الأيام، فذهبت إلى حماتها (أم زوجها)
تشكو لها وتطلب منها الإنصاف. فنظرت إليها الحماة الألمانية بهدوئها المعهود،
وقالت لها بكل صدق وجرأة:

"لا تشتكي لي، لأنني لن أكون موضوعية أبداً. إنه ابني."

("Ich werde niemals unparteiisch sein, er ist
mein Sohn.")

في هذه الجملة البسيطة، اختصرت الحماة الحكمة كلها. هي لم
تنكر محبتها لزوجة ابنها، ولم تقل إن زوجها على حق، لكنها اعترفت بحدود قدرتها على
رؤية الحقيقة. فهي، بكل وعي، أقرت بأن موقعها العاطفي والنفسي كـ"أم" يجعل من المستحيل عليها أن تنظر إلى الموقف بموضوعية. هذا
الاعتراف بالذاتية، وهذا الصدق في الإقرار بالتحيز، هو في الحقيقة قمة الموضوعية،
لأنه اعتراف بالحدود.



لكن المفارقة أن استحالة الموضوعية ليست مشكلة، بل هي فرصة.
فكما يوضح لنا الفيلم والرواية، تعدد الروايات يمنحنا عمقاً وغنىً للواقع. إنه
يمنعنا من الوقوع في فخ الرؤية الأحادية، ويدفعنا إلى التسامح مع الآخر المختلف،
وإلى التشكيك في يقينياتنا المطلقة. كما يقول الفيلسوف هانس غيورغ غادامير في
نظريته التأويلية، فإن الفهم الحقيقي لا يحدث حين نفرض رؤيتنا على النص، بل حين
ندخل في حوار معه، ونسمح له بأن يغيرنا نحن أيضاً.



السؤال، إذاً، ليس "كيف نكون موضوعيين؟" بل "كيف نتعامل مع ذاتيتنا بوعي؟" أي كيف نعترف بحدود منظورنا، وننصت للروايات الأخرى، ونبني، من خلال هذا التعدد، صورة أكثر اكتمالاً للواقع، وإن كانت غير كاملة أبداً؟

6. الخلاصة: نحو أخلاقيات السرد المتعدد
من لولا إلى ميرامار، ومن شوارع برلين إلى Pension Miramar في الإسكندرية، يظل الدرس
نفسه: الواقع ليس حكاية واحدة، بل هو مجموعة من الحكايات التي تتصارع وتتعانق. علم
النفس الاجتماعي يعلمنا أننا نعيش في عوالم سردية، وأن خيارنا ليس بين "الرواية الصحيحة" و"الرواية
الخاطئة"، بل بين الرواية التي توسع مداركنا، والرواية التي تغلقها.

سؤال
هاورد سيبقى معنا دائماً. وفي كل مرة نروي فيها حكاية، أو نسمع حكاية أخرى، أو
نختار أياً من سيناريوهات لولا، إنما نعيد تعريف ما نعنيه بـ "الحقيقة" و"العدالة" و"الإنسانية". الشجاعة الحقيقية، إذاً، ليست في الإصرار على أننا نملك الحقيقة
المطلقة، بل في القدرة على تحمل غموض تعدد الحكايات، والانفتاح على احتمال أننا قد
نكون مخطئين، وأن الآخر قد يكون محقاً، ولو جزئياً.

قائمة
المراجع الأولية:
1.
Berger, P. L.,
& Luckmann, T. (1966). The Social Construction of
Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge. Anchor Books.

2.
McAdams, D. P. (1993). The Stories We Live By: Personal Myths and the
Making of the Self. Guilford
Press.

3.
Mead, G. H. (1934). Mind, Self, and Society from the Standpoint of a
Social Behaviourist. University
of Chicago Press.

4.
Tykwer, T. (-dir-ector). (1998). Run Lola Run [Film]. Sony Pictures Classics.

5.
Mahfouz, N. (1967). Miramar.


6.
Gadamer, H. G. (1960). Truth and Method. Continuum.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
- ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
- عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
- غاتسبي يحمل الدكتوراه*
- نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن ...
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح


المزيد.....




- -لا نستطيع بناء مثلها-.. ترامب يشيد بطائرة رئاسية هدية من قط ...
- يُتوقع إقامته في -ماديسون سكوير غاردن-.. إليك ما نعرفه عن حف ...
- كنا متأخرين عشرات السنين.. رئيس الحكومة المصرية يرد على شكاو ...
- الشرع يعيّن 70 عضواً في البرلمان الانتقالي تمهيداً لانعقاد أ ...
- كيف جنى ترامب ثروة من العملات الرقمية؟
- ألمانيا قد تسحب سفينتين من جيبوتي كانتا تستعدان لمهة في مضيق ...
- -فشل- جديد لترامب .. القضاء يحمي الجنسية بالميلاد!
- فيفا: تضاعف الإساءات الرقمية ضد لاعبي كأس 2026 العالم 13 مرة ...
- على خلفية تصريح فوتشيتش.. موسكو: نتابع التطورات في صربيا ونؤ ...
- -مجلس سلام ترامب- يعلنها صراحة: لا مكان للأونروا في غزة الجد ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟