أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حميد كوره جي - الثورة والدولة: تفكيك -العقلانية الأيديولوجية- في إيران من الميتافيزيقا إلى البيروقراطية- الجزء 1















المزيد.....

الثورة والدولة: تفكيك -العقلانية الأيديولوجية- في إيران من الميتافيزيقا إلى البيروقراطية- الجزء 1


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 03:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


«عندما يقترب الزمن من نهايته، سيظهر سوشيانت (المنقذ الموعود)، ومعه ينهض الموتى، وتتحقق العدالة الكاملة.. سينتصر النور على الظلمة، ويُهزم أهريمن (الشيطان) إلى الأبد، ويتجدد العالم في طهارة مطلقة.»
— نصوص الزند (تفسير الأفيستا)

تتحرك الفلسفة السياسية المعاصرة غالباً في مساحات مرسومة سلفاً، لكن النموذج الإيراني المعاصر لنظام "ولاية الفقيه" يظل عصياً على القوالب الجاهزة. إن اختزال هذا النظام في مصطلحات تبسيطية مثل "حكم العسكر" أو "الثيوقراطية الكلاسيكية" يعكس قصوراً في القراءة؛ فنحن لسنا أمام امتداد تقليدي للمؤسسة الدينية، بل أمام "عقلانية أيديولوجية" شديدة التعقيد، نجحت في تسييس الميتافيزيقا، وحوّلت الإيمان الغيبي إلى وقود لبناء مؤسسات حديثة. ما حدث في إيران عام 1979 لم يكن مجرد حركة احتجاجية، بل كان "ثورة لاهوتية وفلسفية" من داخل الفقه الشيعي نفسه، قلبت موازين قرون من الانتظار السلبي إلى فعل ثوري راديكالي.
الارتداد الكبير: من "تقية" الانتظار إلى "ثورة" الفقيه
في العمق التاريخي للسياق الشيعي، تجاوزت "الإمامة" حدود المنصب السياسي لتصبح محوراً كونياً يربط السماء بالأرض. ومع وقوع "الغيبة الكبرى" عام 941م، دخل الفكر السياسي الشيعي في بيات شتوي طويل محكوم بعقيدة "الانتظار". ساد العرف الفقهي بأن كل راية تُرفع قبل ظهور الإمام المهدي هي راية ضلال، مما جعل العلاقة مع السلطات الزمنية تتأرجح بين الرفض الضمني والمهادنة عبر "التقية".
لكن المنعطف البنيوي الحاسم جاء مع آية الله الخميني، مستنداً إلى أرضية فكرية مهدت لها أطروحات مفكرين مثل علي شريعتي ومرتضى مطهري. قاد الخميني ما يمكن تسميته بـ "علمنة المفاهيم التراثية وتسييسها"، حيث نُقلت الإمامة من فضاء الغيب اللاهوتي إلى مشروع سياسي واكبه صياغة خطاب يرفض تعطيل "العدالة الإلهية" في عصر الغيبة. وبدلاً من الانتظار، طُرح "الفقيه" نائباً بدت سلطته مستعارة من كاريزما الإمام المعصوم.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى تطعيم هذا المفهوم بأدبيات حركات التحرر العالمية والأنظمة الشمولية للقرن العشرين، ليتحول "المرجع" من رمز فقهي تقليدي إلى قائد ثوري يدير دولة عقائدية حديثة.
الجيولوجيا الثقافية: دمج التناقضات الثلاثة
تكمن عبقرية النظام الإيراني (وخطورته في آن واحد) في قدرته الفائقة على صهر ثلاثة عناصر يبدو في الظاهر أنها لا تلتقي:
التراث الشيعي العاطفي: توظيف مظلومية كربلاء وفكرة "الشهادة" للتعبئة الشعبية الفورية، وهو ما تجلى في الحرب الإيرانية العراقية، ويتكرر اليوم في عقيدة الحرس الثوري الإقليمية.
الإرث الإمبراطوري الإيراني: الاستناد إلى المركزية التاريخية الإيرانية والشعور بالتفوق الجغرافي (إيرانشهر)، مما أتاح للنظام دمج الدفاع عن المذهب بحماية الأمن القومي، وهو ما يفسر تقاطع بعض القوى القومية المعارضة مع سياسات الدولة في ملفات استراتيجية كالبرنامج النووي.
أدوات الحداثة السياسية: استيعاب الهياكل الحديثة (دستور مكتوب، برلمان، انتخابات دورية، جهاز تكنوقراطي) لا لترسيخ الليبرالية، بل لإدارة الدولة بآليات مضبوطة تخضع في النهاية لسلطة "فوق-دستورية" يمثلها الولي الفقيه.
صراع السيادتين: معضلة "الهبوطي" و"الصعودي"
تتجلى الأزمة الفلسفية العميقة للجمهورية الإسلامية في الصدام الحتمي بين منطقين متعارضين تماماً للسيادة:
منطق الدولة الحديثة (صعودي): الشعب ──> العقد الاجتماعي ──> شرعية الحاكم
منطق الإمامة المعاصرة (هبوطي): التفويض الإلهي ──> الولي الفقيه ──> مجتمع الرعايا
هذا التناقض البنيوي بين المنطق "الهبوطي" (الشرعية الإلهية) والمنطق "الصعودي" (الشرعية الشعبية) يتبلور في ثلاث مآزق رئيسية:
1. "فوق-قانونية" الفقيه المطلقة
في الدولة الحديثة، تخضع كل السلطات لسيادة القانون. أما في العقلانية الأيديولوجية للنظام الإيراني، فإن الفقيه يقف فوق الدستور. وقد رسخ الخميني ذلك عبر مفهوم "الولاية المطلقة"، معتبراً أن مصلحة حفظ النظام الإسلامي تتقدم حتى على الأحكام الشرعية الأولية (كالصلاة والصوم).
2. هجانة "الجمهورية" و"الإسلامية"
أدى دمج الإمامة بالجمهورية إلى نظام يعيش صراعاً داخلياً مستداماً. فصندوق الاقتراع هنا لا يمثل أداة للمحاسبة أو التداول، بل هو آلية لتجديد "البيعة" للمشروع الإلهي. ويقوم "مجلس صيانة الدستور" بهندسة هذه العملية مسبقاً عبر فلترة المرشحين لضمان عدم خروج الإرادة الشعبية عن سكّة الرؤية اللاهوتية.
3. معضلة "مأسسة الكاريزما" في عصر الغيبة
في الأدبيات الكلاسيكية، يُعين الإمام بنص إلهي مباشر. أما اليوم، فيتم اختيار الفقيه عبر آلية بشرية بروتوكولية ("مجلس خبراء القيادة"). هذا التحول حوّل بالضرورة "الكرامة اللاهوتية" من منبعها الروحي والفقهي التقليدي إلى سلطة ترتكز على الهيمنة المؤسساتية والأمنية العميقة.
الآركيولوجيا العميقة: "الكاريزما الإلهية" في جُبّة الفقيه
إذا حفرنا في الطبقات الأنثروبولوجية العميقة للثقافة السياسية الإيرانية، سنشهد تداخلاً مدهشاً بين اللاهوت الشيعي والكاريزما الزرادشتية القديمة. يتمحور هذا التداخل حول مفهوم "الفرّ الإلهي" (Khvarenah)؛ وهو النور السماوي القدسي الذي يمنح الحاكم العادل مشروعيته في تقاليد (إيرانشهر) القديمة، فإذا ظلم الحاكم، انحجب عنه النور وزالت شرعيته.
إن الثقافات العميقة لا تموت، بل تعيد إنتاج نفسها عبر آلية "الإزاحة والحلول"، وهو ما نراه متمثلاً في مستويات ثلاثة:
من "الشرعية الملكية" إلى "العصمة الإمامية": لم يكن التحول التاريخي لبلاد فارس نحو التشيع مجرد تبدل في العقيدة، بل استجابة أنثروبولوجية للبحث عن نموذج "الحاكم المتسامي" ذي الصبغة القدسية. سهّل هذا التراث الثوري القديم قبول فكرة "الإمام الغائب المستور" كبديل لـ "الشاه الغائب".
المرشد الأعلى كنسخة محدثة من "شاه إيرانشهر": رغم أن المرشد لا يملك صفة العصمة اللاهوتية نظرياً، إلا أن النظام أضفى عليه هالة قدسية بوصفه "حكيم الأمة" الذي يمتلك بصيرة لادُنّية (وهي الصياغة الحديثة للفرّ الإلهي). وكما كان الشاه الساساني قمة الهرم الديني والدنيوي، يتربع المرشد اليوم فوق كل السلطات عبر "الأوامر الولائية" واجبة النفاذ ديناً وقانوناً.
مأزق الحداثة ونزع السحر عن السلطة
رغم أن هذا المزج بين أساطير التراث وهياكل الدولة الحديثة منح النظام استقراراً طويلاً، إلا أنه يقف اليوم أمام مأزق "نزع السحر عن السلطة" (Disenchantment).
تتعامل العقلانية الأيديولوجية في طهران مع السياسة لا باعتبارها مساحة للمساومات البراغماتية أو التفاوض على المصالح، بل كـ "حرب وجودية كوزمولوجية" مستلهمة من الثنائية الكونّية الزرادشتية القديمة (الصراع الأبدي بين أهورا مزدا إله النور، وأهريمن قوة الظلام). وضمن هذا المنظور، تحولت الأزمات الاقتصادية الناتجة عن العقوبات أو سوء الإدارة إلى "محن مقدسة" واختبارات لاهوتية تسبق النصر الموعود في معركة الخير والشر.
مفارقة البيروقراطية والقداسة:
حين يجري إنزال الميتافيزيقا المجرّدة إلى أرض الواقع البيروقراطي لتبرير أزمات يومية ملموسة (كتضخم الأسعار، الفساد الإداري، أو انقطاع التيار الكهربائي)، تفقد القداسة بريقها تدريجياً.
إن الأجيال الإيرانية الجديدة، المتصلة بروح العصر، بدأت تتجاوز ثنائية "الشاه والمرشد" معاً. لم يعد هؤلاء الشباب ينظرون إلى الحاكم كـ "ظل الله على الأرض" أو "نائب للمهدي الموعود"، بل كشخصية وظيفية خاضعة للمساءلة والمحاسبة. وهنا يكمن التحدي الأكبر: إن نموذج "الإمامة السياسية"، الذي كان يوماً ما صمام الأمان ومصدر القوة المطلقة للنظام، يتحول اليوم ببطء إلى العبء الأكبر الذي يهدد استمراريته في مستقبله البعيد.

يتبع



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حول مشاركة الشيوعيين كتنظيم وأفراد في الطقوس الدينية والمجتم ...
- من فخ الأوهام إلى غرناطة الحديثة
- في محراب العبث
- هل الإنسان ذئبٌ لأخيه؟
- قراءة في الاقتصاد السياسي لليبيا القذافي مقارنة بالنموذج الس ...
- عقارب في موجة مشلولة
- كريم كابان يغنّي وصية العاشق الهائم
- عن التنمّر الثقافي ومحاولات التجهيل الجبانة
- أعيدوا للماركسية جوهرها الجدلي!
- المادة بين -قبضة- لينين و-سيولة- الفيزياء الحديثة
- بشتآشان: مأساة التحالفات وحسابات الجبل المعقدة
- سادنُ النّارِ والرماد
- من -المقص- إلى -الخوارزمية-
- قمة غوادلوب 1979
- إيران بين -سراب- الماضي و-واقعية- التحول الصامت
- قراءة في -جيوبوليتيك الرعب- وتزييف التاريخ
- سقوط العقاب: كيف قادت -الأخطاء المركبة- إلى انهيار عرش الشاه ...
- في حضرة التراب
- من -خداع الزهد- إلى -إمبراطوريات النهب-
- مفارقة الحصار والتحول


المزيد.....




- حماس: قانون منع وتقييد الآذان تصعيد خطير في الحرب الدينية ال ...
- ايران تستعد لمراسم مليونية لتشييع جثمان قائد الثورة الإسلامي ...
- حركة حماس: مصادقة -الكنيست- على مشروع منع رفع الأذان في مساج ...
- حماس: مشروع القانون تصعيد جديد في حرب الاحتلال الدينية على ا ...
- حماس: الاحتلال يواصل مخططات التهويد لطمس الهوية العربية والإ ...
- حماس: لن تفلح قوانين الاحتلال وإجراءاته القمعية في إسكات صوت ...
- الهيئة العامة لـ-الكنيست- الصهيوني تُصادق على قانون يمهّد لح ...
- بملايين الدولارات.. مسلمو أمريكا يدشنون وقفا لحماية المساجد ...
- السفير الأميركي لدى الاحتلال مايك هاكابي: أمريكا لا تعترف فق ...
- بزشكيان: القائد الشهيد شخصية إسلامية جامعة تجاوز تأثيرها حدو ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حميد كوره جي - الثورة والدولة: تفكيك -العقلانية الأيديولوجية- في إيران من الميتافيزيقا إلى البيروقراطية- الجزء 1