|
|
ضفائر الطين وكحل الغياب
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 16:14
المحور:
الادب والفن
شمس الظهيرة تصهر الإسفلت، وغبار السوق الشعبي يملأ الحناجر بملوحة خانقة. هناك، عند زاوية الرصيف التي يلتقي فيها زحام الأقدام بضجيج عربات الخضار، تجلس «يامنة» فوق قطعة كرتون مهترئة. لم تكن تبيع مجرد سلع، كانت تبيع رغبة مؤجلة في الفرح. أمامها صينية دائرية من النحاس الذي انطفأ بريقه، رتبت فوقها بضاعتها بكثير من الألفة وقليل من النظام: كومات صغيرة من مسحوق الحناء الأخضر الذي يفوح برائحة الأرض بعد المطر، حزم من أعواد السواك الجافة التي تذكر بجذوع شجر الجوز، ومكاحل نحاسية صغيرة تسكنها عتمة سحرية، تجاورها قوارير زجاجية صغيرة كانت تحمل أمصالا طبية، فطهرتها يد يامنة بالماء والنار لتهبها حياة جديدة. تمر النساء والفتيات. منهن من تجر أطفالا يبكون، ومنهن من تحمل هم غداء لم تكتمل مقاديره بعد. تلمح إحداهن صينية يامنة، تقف مأخوذة ببريق الكحل. تقول المرأة بصوت خفيض، وهي تقلب قطعة سواك: ـ بكم هذا العود يا خالة؟ ـ بخمسة دراهم فقط. وخذي معه لحسة حناء للبركة. وضعت في جيبها دراهم قليلة لا تكفي لشراء رغيف كامل. ومضت المرأة المتعبة تقبض على عود السواك، كمن يعود إلى بيته بمرآة قديمة، وممحاة لشقوق الكفين، لم تكن يامنة تبتسم بوجه بشوش مصطنع، بل كانت ملامحها تشبه تفاصيل السوق؛ حادة، قاسية، ومحفورة بالخيبات. يدها المصبوغة باللون البني الداكن بفعل الحناء الأزلية، تلتقط عود السواك وتدفعه ليد المشترية. تأخذ القروش القليلة وتلقيها في جيب ثوبها الفضفاض دون أن تعدها. تعرف أن بركة هذه التجارة ليست في الربح، بل في البقاء على قيد الرصيف ليوم آخر. تمر فتاة صغيرة تتأمل كيس الكحل بنظرة حالمة، تمد يامنة إصبعها السبابة، تطبعه في مسحوق الكحل الأسود، وتمسح به طرف عين الفتاة بحركة سريعة ومجانية. تبتسم الصغيرة وتمضي، بينما تعود يامنة لتسوية كومات الحناء بيدها، منتظرة زبونة أخرى تبحث عن زينة رخيصة تستر بها عري الأيام الطاحنة. كل يوم سوق، تعود يامنة إلى نفس الزاوية، فوق نفس قطعة الكرتون التي حفظت تقاسيم جلستها. لكن الرصيف تغير، والوجوه تولد كل يوم بملامح أكثر استعجالا. وفي الأيام العادية، حين يفرغ السوق الشعبي من صخبه، تجر صينيتها النحاسية نحو الرصيف المحاذي للشارع الكبير، حيث واجهات المحلات تلمع بالزجاج والأنوار المسلطة بدقة. هناك، تقف يامنة في برزخ بين زمنين. كانت عيناها الغائرتان ترصدان، بوجع صامت، فتيات العصر الجديد يمررن أمامها بأصابع ناصعة البياض، تخلو من حمرة الحناء الدافئة، ووجوه بملامح متطابقة ومصقولة بعناية خلف طبقات المساحيق. تلمح فتاة قروية، من تلك اللواتي كن يقطعن المسافات في الماضي طلبا لسواكها الحار؛ تقف الآن خلف واجهة زجاجية، تفتح حقيبتها وتسحب منها أنبوبا بلاستيكيا ملونا، تمرره بلمسة واحدة خاطفة فوق شفتيها أمام انعكاس زجاج المحل، ثم تمضي تاركة وراءها نتاج رشة عطر حادة وباردة، سرعان ما تتبخر في هواء الشارع دون أن تترك أثرا. صار الزجاج خلف يامنة يعرض أنابيب كحل سائلة تجف في ثوان، وعلب ظلال تبرق تحت الأضواء النيونية. زينة سريعة، لا تحتاج إلى عناء غلي، ولا تترك بقعا بنية تعاند الأيام فوق الأصابع. تحولت يامنة على ذلك الرصيف إلى ما يشبه النصب التذكاري المنسي، غريبة وسط الصخب الحديث. صارت كومات الحناء الخضراء والمكاحل النحاسية في صينيتها تبدو كأشياء خرجت لتوها من متحف للعادات الراحلة، تفقد بريقها أمام سيل البلاستيك والماركات المعروضة بكثافة. لم يعد الوقوف أمام الصينية النحاسية طلبا لزينة عابرة؛ كانت الأصابع وهي تقلب حزم السواك والحناء تحاول الإمساك بقطعة من أثر زمن راحل، قبل أن تطويه الأيام. زبونات سابقات، غزا الشيب مفارقهن، يقتربن بخطوات ثقيلة، يقلبن أعواد السواك بأصابع لم تعد ناعمة، ويدفعن ثمن الحناء دون أن يأخذنها في كثير من الأحيان.. كأنهن يدفعن ضريبة الحنين. وبصمت يقطر وجعا، تتناول يامنة الدراهم القليلة وتلقيها في جيب ثوبها الفضفاض، صمت طويل لا يكسره سوى حفيف الحناء الجافة وقطع السواك المتروكة على الصينية، مودعة خطاهما الثقيلة بنظرة حارسة لأثر يتلاشى. أغلقت يامنة الباب الخشبي المتآكل خلفها، فارتطم بوهن مألوف. الحجرة الضيقة ترشح برطوبة قديمة، وتكاد تضيق بظلها الممتد على الجدران العارية. رمت بجسدها المثقل بغبار الشارع الكبير على طرف الحصير، يلفها إرهاق حاد، كأن أرصفة المدينة كلها تجمعت في عظامها. من عتمة الزاوية، انسل مواء حاد، متكرر ومستجد. كانت القطة الصغيرة تحك فروها الجاف بساق يامنة، ترفع عينيها اللامعتين بطلب لا يخطئه حدس الأمهات. تنهدت يامنة، وضعت كفيها المصبوغتين بالحناء على ركبتيها، ونهضت تدفعها غريزة الإطعام التي لم تمت فيها يوما، القطة المرقطة جلبها الابن حمان لكي تطارد الفئران، كان يملأ عليها البيت لكنه منذ أن تزوج فضل السكن بعيدا ولا يزورها إلا قليلا. أشعلت «المجمر» الطيني، فنفض الفحم وهجه الأول متطايرا كشرارات صغيرة تموت في الهواء. وضعت فوقه طنجرة من الألمنيوم الذي خدشه الزمن، ثم التفتت إلى صرتها الصغيرة. غسلت قطعة اللحم الوحيدة بماء بارد، وكان صوت قطرات الماء في الطست البلاستيكي يكسر صمت الغرفة الطويل. على لوح خشبي صغير، بدأت يدها تتحرك بآلية خبيرة، تهاوى البصل تحت سكينها قطرات صغيرة، ثم لحق به القزبر والبقدونس، فتصاعدت في الحجرة الضيقة رائحة خضراء طازجة، طردت مؤقتا رائحة الرطوبة والنسيان. نثرت التوابل؛ مشط من الكركم الأصفر، رشة من الفلفل الأسود، وقليل من الملح الذي يذوب في تفاصيل اليوم الطويل. سكبت الزيت فوق اللحم والخضار، وبمجرد أن بدأت الطنجرة تهمس فوق نار الفحم وتطلق أولى أنفاس الطهي، جلست يامنة على الأرض، وسحبت القطة إلى حضنها. الرائحة المتصاعدة من الطنجرة العزاء الوحيد في تلك الغرفة، دفء فقير يغالب برودة التهميش، وإعلان صغير جدا، لكنه عنيد، بأن الحياة ما زالت مستمرة خلف هذا الباب الموصد. قبل أن تتنفس سماء الفجر أول زفير رمادي، كانت يامنة قد غادرت الدفء الشحيح لحصيرها. الغرفة ما زالت غارقة في عتمة زرقاء، والبرودة تتسلل من شقوق الباب الخشبي. لم تكن بحاجة لضوء لتتحرك، فأصابعها تحفظ أماكن الأشياء كما تحفظ خطوط كفيها المصبوغتين بالحناء. في الحوش الصغير، كان الحمار ينتظر بصمت منحنيا تحت وطأة النعاس. ربتت على عنقه بكفها الخشنة، وهمست له بكلمات مبهمة تشبه التعاويذ، ثم رفعت البرذعة المتهالكة وأسرجته بحركات بطيئة لكنها حاسمة. رفعت جراب الدوم الثقيل، ووضعته فوق ظهره بعناية فائقة ،في داخله تنام الصينية النحاسية المنطفئة، وتحتها تتردد أصوات صفائح الحناء الجافة، وقوارير الكحل، وحزم السواك التي تفوح برائحة برية لا تنتمي للمدينة. سحبت الباب نحوها، وبحركة جافة ألقت الضبة الحديدية في مجراها، أدارت المفتاح الضخم دورة كاملة، صوته المعدني كان بمثابة إعلان رسمي عن بدء يوم آخر من التيه. الطريق الطويلة الممتدة نحو الأفق خالية تماما من الراجلين، كأن المدينة لم تستيقظ بعد، أو كأنها تلفظ هذا الفجر الخفيف. المركبات قليلة ومتباعدة، تظهر بين الفينة والأخرى كمخلوقات معدنية غريبة، تشق العتمة بأضوائها الصفراء العالية ثم تختفي، تاركة وراءها صمت الليل المترسب فوق الإسفلت. هذه المرة، لم تكن يامنة قاصدة الشارع الكبير بوجهاته الزجاجية الخادعة، تيمم وجهها شطر سوق قاصي، سوق شعبي بعيد ينبض عند أطراف القرى. هناك ما زالت الأرض تفرض شروطها، هناك، حيث ما زالت الأصابع تقلب أعواد السواك الخشنة بلهفة، وتتزاحم الأيدي لغمس الأكف في مسحوق الأرض الأخضر، بحثا عن حمرة حارة تطبع الشفاه بطعم الصبر، وعن كحل داكن يعاند غسيل الوجوه وعرق الأيام الطويلة، ما زالت الفتيات والنساء العجائز يعرفن القيمة الحقيقية للزينة التي تولد من الصخر والشجر، ويبحثن عن لمعة الكحل الذي لا يزول بمسحة منديل، وعن حمرة السواك الحار الذي يصبغ الشفاه بطعم الصبر والبركة. طرقت يامنة الأرض بحذائها البلاستيكي، ومشت خلف حمارها تقفو أثر الفرح القديم. حين يثقب رصاص الشتاء غيوم المدينة، وتتحول الأرصفة إلى برك من الماء البارد تلسع الأقدام، تنكفئ يامنة على ذاتها. تسحب صينيتها النحاسية إلى أعمق زاوية في الغرفة، وتغلق بابها الخشبي. لم يعد الصمت يطول خلف الباب. مع أولى زخات المطر، ينفتح القفل بضربات خفيفة ومستأذنة. تدخل فاطمة حاملة في حضنها حزمة من أعشاب البراري الطازجة، وتتبعها خديجة تدفع بوعاء طيني كبير يغلي بمرق الدجاج البلدي الساخن. تتحرك المرأتان في أنحاء الغرفة الضيقة كمن يحفظ تضاريس المكان. تمتد يد خديجة لتدثر أطراف يامنة الباردة بزربية زمورية صوفية ثقيلة، بينما تنشغل فاطمة بتهييج الجمر الخامد في المجمر الطيني، نافخة فيه من روحها حتى تتطاير الشرارات الأولى وتملأ المكان برائحة الحطب والزيتون. تجلس الثلاث على الحصير العتيق، تلتف الأجساد حول قوام الطبق الدسم. تقشر خديجة البصل، وتقطع فاطمة اللحم الخشن بآلية خبيرة، والحديث يدور بينهن كخيط صوف ينسج حكايات قديمة. يتذكرن مواسم الحصاد البعيدة، وأعراس الحي التي طالما خضبتها كف يامنة بالحناء الأزلية، ووجوها رحلت وتركت ظلالها على الحيطان العارية. ومع تصاعد بخار المرق ونضوج الخضار في الطنجرة، يرتفع صوت خديجة بنبرة دافئة، تتبعها فاطمة بآهة خفيفة، لتنطلق من حنجرتيهما أغنية أمازيغية قديمة. تتدفق الكلمات بإيقاع بطيء، تنبض بالحب والجمال، حاملة رائحة الجبال البعيدة وشجر الأرز. كانت الأغنية تدور في فضاء الحجرة، تمسح الغبار عن الزوايا المعتمة، وتذيب صقيع التهميش المترسب في العظام. تستمع يامنة في صمت، تلمع عيناها الغائرتان تحت ضوء الفحم الخافت. تمتد كفا الجارتين لتمسيد أصابعها المصبوغة باللون البني، ويتحول الحصير إلى برزخ دافئ يعزل عاصفة الزمن وأرصفة الإسفلت الباردة في الخارج. بعد أيام من العطالة بسبب الأمطار الغزيرة والبرد القارس، انفرجت السماء وظهرت شمس دافئة في الأفق البعيد، استقرت الصينية النحاسية تحت شجرة كاليبتوس ضخمة عند حافة السوق. كانت أوراق الشجرة الرمادية الطويلة تغازل الريح الساخنة، وتلقي ظلا منقطا بالضوء فوق كومات الحناء ومكاحل النحاس. ربطت حمارها إلى الجذع المقشر، وجلست. القيظ شديد، والمسافة الطويلة التي قطعتها منذ الفجر تركت ثقلا رصاصيا على جفنيها. تدريجيا، بدأ ضجيج السوق البعيد يتلاشى، وامتزجت رائحة السواك الحار برائحة الكاليبتوس النفاذة. انسحبت يامنة من جسدها المنهك، وغابت في غفوة خاطفة. لم تكن غيبوبتها سوى دقائق، لكن شيئا ما في الهواء قد تغير. التفتت نحو الجذع، الحبل مرخى على الأرض كأفعى ميتة، والوتد فارغ. الحمار اختفى. لم تصرخ يامنة. حاولت النهوض، غير أن ركبتيها الخشبيتين خانتاها هذه المرة تماما ، والتصقتا بالأرض كجذور قديمة. شعرت بالخدر والوجع ينهش مفاصلها، ممتدا من أسفل قدميها المتعبتين ليتوزع في عظامها كصقيع مفاجئ في قلب القيظ. تطلعت إلى المدى الممتد نحو الأسواق البعيدة، ثم إلى الصينية النحاسية الرابضة أمامها، كانت أثقل من أن ترفعها يد واحدة، وأبعد من أن تنقلها خطوة عاجزة. نظرت إلى الحناء الخضراء التي بدأت الريح تذرو حوافها، وإلى قوارير الكحل الأسود الساكن في عتمته. سحبت الصينية ببطء شديد حتى استقرت تماما بين فخذيها، وحضنتها بكفيها المصبوغتين، واضعة جبهتها على حافتها الباردة. لم تكن تبكي ولا تلعن الزمن العجيف، فكرت أن الحمار اختفى على مقربة من الحي، كانت تتنفس رائحة الأرض المنبعثة من صرتها الأخيرة، مستسلمة لظل الكاليبتوس الذي بدأ يتسع، ويطوي خلفه تفاصيل الطريق الصاخب. الظلال التي انسحبت من تحت شجرة الكاليبتوس العالية لم تترك وراءها سوى الغسق. لم تكن يد يامنة هي التي رفعت الصينية النحاسية هذه المرة، انما رفعتها عظامها التي تحولت إلى ما يشبه الحطب الجاف. كل خطوة نحو الحي كانت قيدا يسحب فوق الإسفلت، صرير النحاس في جراب الدوم المترنح على كتفها كان الإيقاع الوحيد الذي يربطها بالأرض، بعد أن أفلت الحبل المخملي من يدها واستحال الفراغ دابة هائمة في الزحام. المدينة في أول المساء تبدو من بعيد كأضواء غارقة تحت الماء. البيوت الطينية للحي تتراءى لها كنقاط دافئة تعاند هذا الشتات المعدني. لم تكن تشعر ببرد الرصيف الذي بدأ يتكاثف، بل برائحة الحناء الجافة العالقة بمسام ثوبها، الرائحة التي ظلت تفوح مع كل لثغة ريح، كأنها أثر خبز قديم يدلّها على العتبة. حين ارتطم كتفها بالباب الخشبي المتآكل لغرفتها، لم يكن هناك ضوء لتشعله. رمت بالجراب الثقيل، فاستيقظ النحاس بداخله رنينا خافتا يشبه زفير الغرقى. ارتمت فوق الحصير، في العتمة الزرقاء التي بدأت ترشح من الشقوق. القطة الصغيرة لم تمؤ هذه المرة بطلب؛ دنت بوجل، واستدارت حول يد يامنة الممدودة كغصن مقطوع، تلعق طين الخيبات الجاف عن أصابعها بلسانها الخشن الدافئ. في تلك الساعات الممتدة بين الليل والفجر، لم تنم يامنة. تستمع إلى نبض جسدها وهو يتخلى عن تعبه لصالح الحصير، وإلى صمت الحجرة الذي بدأ يضيق، حتى شعرت بأن أرصفة المدى كلها قد تجمعت لتسد أنفاس الباب الموصد. العتمة المخيفة تجلس معها، تنتظر انكسارها الأخير، وتتحداها أن تفتح كفا خاوية مع تباشير الصباح. لكن تحت ذلك الجلد المحفور بالخيبات، كان ثمة عناد قديم، عناد يشبه جذور الجوز التي لا تموت بمجرد أن ريحا سحبت وريقاتها. ومع أول زفير رمادي للسماء، كان صمت الحجرة يتهيأ لشيء آخر.. كأن الأرض في الخارج بدأت تمشي نحو العتبة. مع تباشير الفجر التالي، انفتح قفل الباب الخشبي لغرفة يامنة، ولم يكن وراءه صمت؛ بل دخلت نساء الحي والفتيات الشابات، الواحدة تلو الأخرى، كأن خطاهن امتداد لأغنية فاطمة وخديجة الأمازيغية. لم تكن حركتهن نحو بيتها مجرد فعل إحسان، إنما زحفا جماعيا لرفض الهزيمة الشاملة، وإعلانا بأن لحمة الطين والدم لا تزال أقوى من صقيع الإسفلت. تقدمت الشابات اللواتي كن يمررن بالشارع الكبير، يمسكن بأيد لم تعد تبحث عن زجاج الماركات المزيفة، ووضعن على الحصير صررا جديدة من الحناء الخضراء قطفنها بأصابعهن من الحقول القريبة، وسكبن مسحوق الكحل في المكاحل النحاسية المنطفئة حتى سال على النحاس وفاضت العتمة السحرية من فوهاتها. وسط زحام الرؤوس والأنفاس، رن صرير صينية الشاي، قفزت الرغوة الساخنة فوق الكؤوس، وارتفعت يد فاطمة بالإبريق عاليا لتهبط خيوطه مصحوبة بابتسامة متعبة. مدت فاطمة الكأس غامزة. ـ اشربي يا خالة يامنة، اشربي وهو ساخن.. ما بك ما زلت واجمة؟ تذهب دابة وتأتي عشر! الضجة التي أثيرت في الحي اليوم بسببك، تجعل الحمار نفسه يعود نادما لو علم بها! ضحكت خديجة بصوت مكتوم وهي تقشر بصلة بظفرها. - يعود...؟ والله لن يعود! رأى التعب والشقاء وقال سلاما، أراح نفسه وهرب إلى الشارع الكبير! ارتشفت يامنة رشفة طويلة، ثم مسحت فمها بظهر كفها المصبوغة وقالت بسخرية حادة. ـ اضحكن.. اضحكن علي! هذا الزمان لم يعد فيه ما يعجب. البارحة قضيت نصف الليل أتشاجر مع حمان، يريد أن يترك الأرض ويهاجر إلى المدينة ليعيش في شقة.. شقة؟ علبة سردين تلك وليست سكنى! هزت خديجة كتفيها ملوحة بالبصلة. ـ أولاد هذا الجيل يعميهم بريق الشوارع. يظنون أن الأموال تقطف من الأشجار هناك، ولا يعرفون أن البركة في هذا الطين ولمتنا هذه. لا تقلقي، حمان ولد بار وسيعود لوعيه. عدلت يامنة شالها الخشن وعلقت. - بار...؟ هيهات.. يكون بارا ما دامت الطنجرة ممتلئة والبطن شبعان! لكن جربن أن أطبخ له "البيصارة" ليومين أو ثلاثة متتالية، وسترين هذا الولد البار كيف يتحول.. سيصرخ كالحمار الذي هرب! تنهدت زهرة وهي تخفي ضحكتها وراء كم ثوبها. ـ ههههه، والله صدقت يا خالة يامنة، الرجال كلهم متشابهون. زوجي هذا الصباح يريد شراء مستلزمات الأسبوع كله بعشرين درهما، والبائع يصرخ في وجهه من الغلاء والجفاف! وضعت يامنة الكأس بقوة فوق الصينية، وضاقت عيناها الغائرتان. ـ عشرين درهما...؟! هذا يريد أن يشتري ربطة نعناع وكيس دقيق، ويريد طاجينا باللحم! الغلاء أصبح يركب قطارا سريعا، والقلوب هي التي ضاقت قبل أن تقحط السماء. صبت فاطمة كأسا ثانيا وقالت. ـ هذا هو الحال.. حتى جارتنا الجديدة، البارحة حملت إليها طبقا من "الرفيسة" بمناسبة العقيقة، شكرتني من وراء الباب وأغلقته! لم تفتح حتى لنرى وجهها.. البركة طارت مع قلة النية. غمزت يامنة بعينها الذكية. ـ اتركنها للأيام.. الأيام تدور. غدا تنفد منها الخميرة البلدية أو تحتاج قليلا من الملح، وتأتي لتطرق الباب ورأسها في الأرض. وقتها ستعرف قيمة اللقمة. انكسر الحديث فجأة. إذ اقتربت الطفلة الصغيرة، تلك التي مسحت يامنة عينها ذات يوم بسبابتها. تقدمت بوجل ولم تكن تحمل دراهم، بل مدت وعاء صغيرا من الفخار يفوح منه ماء الزهر الدافئ، وغسلت به كفي يامنة المصبوغتين، فذاب طين الخيبات وسال على الحصير، وكأنها تطهر عظامها من صقيع الرصيف الطويل. أمسكت خديجة وفاطمة الصينية النحاسية من جوانبها، فلم تعد ثقيلة بعد أن تقاسمت حملها أيدي الشابات؛ رفعنها عاليا وثبتنها عند العتبة، لا كبضاعة معروضة للبيع، بل كراية لحي يرفض أن يموت مجازه ويتحدى صقيع الطريق. التفتت يامنة حولها؛ لم تجد حمارها، لكنها وجدت الرصيف والحي قد جاء إليها بكامل ناسه وأصواته. امتدت يدها المرتجفة، لا لتستجدي بقاء ليوم آخر، لتطبع سبابتها بالكحل وتمسح به جبين الطفلة بقوة وعناد. في تلك اللحظة، وسط جلبة النساء الطيبة ورائحة الأرض الطازجة التي ملأت الغرفة، تراجعت الشيخوخة خطوة إلى الوراء، وعادت الحياة تدب في عروق يامنة، ليس لأن الدابة عادت، بل لأن الطين الذي عجنت منه تفاصيلها، تحول إلى ضفائر دافئة تلوي عنق الغياب وتحميها من غدر الزمن.
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
-
سكاكين في ميزان الضمير
-
خوارزمية الجشع في سيرة معلم
-
البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
-
مجنون طائر الحسون
-
عرش من زجاج تحت أقدام الظل
-
أرواح في مهب الحياد
-
في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
-
حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
-
صرخة في وجه المستحيل
-
ولائم الموت البارد في الظلام
-
بائع الوجبات وانكسار الصمت
-
الهارب من المدينة إلى المغارة
-
الحاج الخازوق وكبش العيد
-
غيبوبة الكلمات والدم
-
الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
-
رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
-
المرتشي والرقم الاخضر
-
رواية( زقوم كرة القدم )
-
زرقاء اليمامة سجينة الفضاء الازرق
المزيد.....
-
اتهامات في مصر لـ-أم كلثوم- بالمثلية الجنسية واستغلالها عبر
...
-
رئيس قطاع الإعلام بالجامعة العربية يؤكد أهمية الأفلام الوثائ
...
-
بطرسبورغ.. انطلاق فعاليات -مدرسة إينوبراكتيكا- بمشاركة مبدعي
...
-
-جغرافية السينما- تتصدر الدورة الـ25 لمهرجان -روح النار- الد
...
-
لأول مرة .. نجم الراب الأمريكي الشهير ليل بامب يقيم حفلا كبي
...
-
لحمايتها من المنافسة الخارجية.. توجه برلماني لفرض حصة إلزامي
...
-
RT.Doc الوثائقية تحتفل بمرور 15 عاما على بدء بثها
-
دار نشر إيطالية تطلق سلسلة -عمالقة الثقافة الروسية-
-
من الإعلانات التجارية إلى الدعاية السوفيتية.. متحف موسكو يوث
...
-
دراسة: -ثقافة الرجولة- هي السبب وراء قصر عمر الرجال
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|