ابراهيم ازروال
الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 02:54
المحور:
قضايا ثقافية
بقلم: إبراهيم أزروال
تحفل الكتابات الفكرية والفلسفية الغربية المعاصرة، بانتقادات حادة للفكر التنويري، ومساءلات قوية لقدراته وكفاءاته التنظيرية والتفسيرية. صار نقد العقلانية الأداتية ، بما هي الميسم الفكري المميز للإبدال التنويري ،القاسم المشترك بين نقاد الأنوار (مدرسة فرانكفورت وفكر الاختلاف ).لكن هل كان التنوير الفرنسي ، تنويرا نفعيا وأداتيا فقط ؟ وهل كانت عقلانية التنوير، عقلانية أداتية تقنية ، ووثوقية ؟ وهل كان التنوير الفرنسي، أحادي الرؤية ونمطي التفكير؟
يمكن، في الواقع، التمييز بين ثلاثة تيارات رئيسية في التنوير الفرنسي؛ وهي:
-التيار المحافظ:1
يتميز التنوير المحافظ ، بالميل إلى التحوط في مقاربة حصائل العقلانية والتجريبية والثورة العلمية والإنجازات الحضارية .من الطبيعي ،أن ينتقد رواد هذا التيار ،التقدم التقني وتبعاته النفسية والاجتماعية والثقافية ، وأن يعترضوا، استنادا إلى نماذج وإبدالات بديلة ،على منجزات الحضارة الحديثة .فكلما كان الإنسان قريبا من الطبيعة وبعيدا عن الترف ، كان أقدر على مفارقة الاعتلالات اللازمة للتمدن والتحضر .كان روسو ، هو الممثل الأبرز ، في الواقع ، للتنوير المحافظ ، والمنافح عن فكر يحفل بالنزعات الروحية و الأخلاقية للإنسان ، وعن ممارسة اجتماعية أصيلة ،بعيدة عن التصنع الحضاري المؤذن بالانحطاط في نظره .واجه روسو طموحات وتوقعات وترقبات فلاسفة التنوير ، بكثير من التنسيب و التشكك والارتياب ، استنادا إلى التاريخ والواقع المعاين وإلى الحدود النظرية والمنهجية لكثير من الأفكار التقدمية .
(دعا إلى التقشف والتعفف، إلى ضبط طموح العقل البشري، إلى تفضيل القناعة وطمأنينة النفس على المغامرة والقلق، إلى مسايرة الطبيعة لا معاكستها، معالجتها لا استنفادها ..) -1-
لا يخلو فكر روسو من سمات طوباوية، على المستوى السياسي والاجتماعي، بخاصة؛ وبينما يفرط في نقد إرادوية فلاسفة التنوير ،فإنه يغلب أنثرلولوجيا افتراضية على ممارسة إمبريقية و خبرة تاريخية و استحضار حصيف لأنثروبولوجيا مشبعة بنفس تاريخي وفلسفي كما هو الحال عند مونتسكيو و فولتير وكانط .
(روسو: القاعدة المبنية على العاطفة، الطبيعة كمصدر للعدالة، إثبات أن الإنسان يتسلق مدراج الكمال كلما اقترب من الطبيعة (وحسب فولتير، كلما ابتعد عنها). نفس العصور ينظر إليها أحدهما على أنها عصور تقدم الإنسانية، والآخر على أنها عصور تفاقم الظلم وعدم المساواة.) -2-
يقرظ روسو قيما ومعايير وقواعد سلوكية واجتماعية، ويرفض تراكمات التمدن الغربي، من منظور يحفل بالحرية والعدالة والبساطة والزهادة. ومهما تمسك بالواقعية، فإن فكره يحفل بنزعات طوباوية ومثالية، مختلفة عن منظورات فلسفة التنوير التقدمي، الناهضة على أنثروبولوجيا مركبة.
كان من الطبيعي، أن يوجه نيتشه المنحاز إلى التنوير التقدمي، وإلى فكر فولتير، انتقادات حادة لروسو.
(إنني أكره روسو حتى في الثورة: فهي تعبير في التاريخ العالمي عن ذلك الطبع المزدوج الذي يجمع بين المثالي والوغد.) -3-
تميز التيار المحافظ بخصائص نجملها فيما يلي:
-نقد التقدم والرفاه والترف: كان روسو مفكرا تنويريا ومضادا للتنوير في ذات الآن. كان تنويريا، في تأكيده على قابلية الإنسان للاكتمال، وفي تشبثه بديمقراطية مثالية، وكان مضادا للتنوير، في رفضه للتمدن والترف والرفاه والتقدم التقني.
والواقع أن نقده للتقدم والعلوم والمادية والرفاه والترف، يقربه من التيارات المضادة للحداثة، خاصة باسكال.
كان روسو منشغلا، حسب إدغار موران ، برصد أمارات التقهقر الأنثروبولوجي ،في التقدم التاريخي .
(إن الولع بالعلوم والفنون ينشأ لدى شعب ما من رذيلة داخلية سرعان ما تتفاقم بدورها؛ وإذا كان صحيحاً أن كل تقدم بشري ضار بالجنس البشري، فإن التقدم في العقل والمعارف، الذي يزيد من كبريائنا ويضاعف أخطاءنا، سرعان ما يسرع من مصائبنا.)-4-
والواقع، أن روسو، رصد اعتلالات التنوير، علما أن التنوير كان، في الواقع، مجرد مشاريع فكرية، برسم الإنشاء والوضع والصياغة والتداول. لم يكن التنوير الفرنسي، كما أسسه رواد "دائرة المعارف " ،أنساقا مغلقة أو منظومة من الأيديولوجيات الدوغمائية ،الموضوعة للتنزيل والأجرأة والتنفيذ ،بل إضمامة من النظريات و الأفكار والمفاهيم و الصيغ المقترحة ،لمواصلة الترقي وتجاوز اعتلالات النسق اللاهوتي القديم و الأنساق الفلسفية الوثوقية العقلانية أو التجريبية .
الجمع بين القدامة والحداثة: من المحقق أن فكر روسو مشبع بتصورات تمت بصلات طورا إلى القدامة وطورا آخر إلى الحداثة. من البين، أن فكره، موصول بالقدامة ومنطقها المحافظ، الناقد للتقدم العلمي والتقني والحضاري، ومرتبط بحداثة قلقة، فكريا وسياسيا وأخلاقيا. من الطبيعي، أن يطبع القلق والالتباس والتوتر تفكيره، وأن يلهم التيارات والتوجهات الفكرية والتاريخية الناقدة للحداثة (الرومانسية وفلسفات الاختلاف والتفكيك).
-الاستناد إلى أنثروبولوجيا مثالية: يستند روسو، في الواقع، إلى أنثروبولوجيا افتراضية، بدلالة تحليله وتناوله لحالة الطبيعة وما يحف بها من وضعيات وحقائق وتفاعلات. وقد حملته هذه الأنثروبولوجيا على تقريظ الطبيعة وذم المجتمع وآليات تطبيعه وتكييفه للأفراد. ثمة بون كبير بين نظرته إلى الشر ونظرة فولتير وديدرو له؛ فالإنسان مسؤول حسب روسو، عن الشر وما يحسبه الإنسان تقدما وترقيا وتطورا ليس، في نظره، إلا تقهقرا وترديا في مهاوي المعاناة والمقاساة والشرور.
(أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر، فاعله أنت لا أحد سواك. لا شر في الكون إلا مما تفعل أو ما تتحمل، هذا وذاك صادر عنك. شر عام ينشأ حتما عن فوضى شاملة، ولا أرى في الكون سوى النظام. شر خاص هو الذي يشعر به كائن يتألم ، وهذا شعور لم يتسلمه الإنسان من الطبيعة ،بل جره الإنسان على نفسه .قليل التفكير لا يستشعر الألم إذ لا يتذكر الماضي ولا يرتقب المستقبل .لنغفل ما ابتدعه الإنسان ، ظنا منه أنه تقدم ورقي ، لنغفل أخطاءه ورذائله وكل مبادراته الخادعة ،عندها لن نرى في الكون سوى الخير .) -5-
وعليه فكلما تخفف الإنسان من أعبائه وأشواقه ووعود المدنية والحضارة واستلهم الطبيعة ونأى عن الرفاه والتنعم والتفنن في الصناعات، كان أقدر على التنعم بالخير.
ولتحقيق الهناءة المرجوة، لا مناص في نظره، من الاحتكام الدائم، إلى الشفقة والرفق بالآخرين وتقوية التوافقات الجماعية. ولما كانت الشفقة، ضرورية للحد من غلواء، حب الذات والانهمام الكلي، بأشواق النفس، فإنها تقلص من مفعول الأنانية والتمحور النرجسي حول الذات ومكتسباتها واهتياماتها. ولا يتردد نيتشه في نقد الشفقة، وربطها بالانحطاط.
(الشفقةMitleiden لا تمثل فضيلة إلا بالنسبة للمنحطين، وما آخذه على المشفقين هو سهولة تخليهم عن الحياة والاحترام ورهافة الحس، وعدم التمسك بالمسافة الضرورية لحفظ اللياقة؛ كما أن الشفقة سرعان ما تفوح برائحة الرعاع وتغدو شبيهة حد التماهي بالسلوكيات الهجينة ...)-6-
-الإقرار بالحرية وإنكار الحتميات: أقر روسو بالحرية، والقابلية للاكتمال، و أنكر الحتميات، خلافا لمفكري التنوير التقدمي. فقد أكد ديدرو ، إمكان الحرية ،إلا أنه أثبت مفاعيل الضرورات والحتميات و المواضعات الاجتماعية و الثقافية .إن الإنسان حر وقابل للاكتمال و الترقي حسب ديدرو ، كلما امتلك الجهد والقوة و المراس ،للتفاعل الناجع و الفعال مع الضرورات والحتميات المتكاثرة .
2-التيار التقدمي :
توخى التيار التقدمي ، تعميم أفكار و نظريات ومفاهيم التجريبية ، بعد تخصيبها عقلانيا ،وتحرير العقل والخيال والمخيال والذاكرة ، من مثالات النظم و الأنساق ، اللاهوتية ،و البرهنة معرفيا و نظريا و تاريخيا عن إمكان التقدم و تعزيز الرصيد الحضاري للإنسانية .لا يحفل التيار التقدمي ،إلا بالإنجاز ،المعرفي أو النظري أو التقني أو العلمي أو التربوي .تقاس الأفكار ،في منظوره ، بقدرتها على تحسين الحيوات والمسارات الاجتماعية و المسالك الحضارية .وبما أنه يؤمن بالحرية و التقدم و قابلية الإنسان للتطور والاكتمال و قابلية المدنيات للترقي ،فإنه يرفض وثوقية وقطعية وانغلاق الأنساق الفكرية المثالية و اللاهوتية ،و ينأى عن التنظير المجرد أو الصياغة الصورية أو النسقية للأفكار. إن المفكر التنويري التقدمي، مدرك لحدود العقل والتربية والتقدم، ولذلك فإنه ينأى عن الفكر المثالي الطوباوي، وعن الإرادوية الثورية الموغلة في التفاؤل الطوباوي (رواية "كنديد أو التفاؤل " لفولتير وتذكيرات وتحوطات ديدرو في حواراته الفكرية).
لا جدوى من الارتباط بالأنساق المغلقة المحكمة، ولا بالتفاؤل الفلسفي الخالي من الحس الواقعي؛ ولذلك يراعي المفكر التنويري، قاعدة التدرج ومعايير التثقيف والتهذيب والتربية، ويقوم الأفكار أو الإبدالات بناء على فائدتها العملية.
ويراعي فيلسوف التنوير التقدمي، حب الذات، وضرورة مراعاة المصالح والرغبات الذاتية، وتلافي التعاطف اللاعقلاني، المستند الى إيثار عاطفي غير مسنود، نفسيا وفكريا.
(إن حب الذات هو ما ينمي حب الآخرين؛ ومن خلال احتياجاتنا المتبادلة نكون نافعين للبشرية؛ وهو أساس كل تعامل وتجارة؛ وهو الرابط الأبدي للبشرية. لولاه، لما وُجد فن، ولا تشكل مجتمع من عشرة أفراد. هذا الحب للذات، الذي ورثه كل حيوان من الطبيعة، هو ما ينبهنا إلى ضرورة احترام حب الآخرين لذواتهم. القانون يُوجه هذا الحب، والدين يكمله.)-7-
يحتفظ الفكر التنويري التقدمي، بسمات جوهرية، نحصرها فيما يلي:
-رفض الأنساق المغلقة: رفض مفكرو التنوير الفرنسي عقلية النسق وتمسكوا بالعقلية النسقية .إن النسق المحكم ،مغلق ووثوقي ،و مسارات المعرفة ، من منظور تنويري ، متشعبة ومتموجة .
رفض مفكرو التنوير الانغلاق الوثوقي لفكر ديكارت وسبينوزا ،إلا أنهم استوعبوا أفكارهما واستدلالاتهما و استوحوا كثيرا من أفكارهما .إن الحقول المعرفية من الاتساع والتعقيد و التركيب ، ما يقتضي ،الاستمرار في التنقير والاستكشاف .لا يعتني المفكر التنويري، بإحكام البرهنة وبناء النسق وخلق حقل مفهومي وشخصيات مفهومية محددة الصفات والمعالم ، وإتقان الصياغة الفلسفية مثل سبينوزا ،بل باستكشاف خفايا الطبيعة و التاريخ والإنسان والحضارة ،واستجلاء علائق الأنا بالآخر والأنثروبولوجيا بالتاريخ ، ،و تنوير الجموع وترقية مداركها ونوازعها .
-رفض التفاؤل الفلسفي: يقر مفكرو التنوير بإمكان الترقي، دون أن يسلموا بالتفاؤل الفلسفي على غرار تفاؤل فولف (نقد فولتير للتفاؤل الفلسفي في "كنديد أو التفاؤل"). فكما يستشكل مفكرو التنوير الجبرية اللاهوتية وبؤس الإنسان (نقد فولتير "لخواطر" باسكال في "رسائل فلسفية "مثلا)، فإنه ينفي جدارة التفاؤل الطوباوي، أو التطلعات الإنسانية الملازمة للتنوير الجذري.
-إدراك قدرات وحدود العقل: لا تميل الأنوار التقدمية إلى المبالغة في تقدير قدرات العقل والحرية والتقدم والحضارة خلافا للرأي الشائع؛ فالواقع، أن فكر التنوير، يرصد شروط إمكان المعرفة، وضرورة المزاوجة بين الاستكشاف المعرفي ومراعاة المردود العملي للأفكار .لا يميل التنوير التقدمي ،إلى الآراء القطعية ،والجذرية ،لتشككه المعرفي والمنهجي في النظريات الأنثروبولوجية المهيمنة ، وتحيزه إلى فكر تاريخي منقوع في أنثروبولوجيا متزنة ،تدرك حدود الخيرية الإنسانية والتعقيد الكبير الملازم للفعل التاريخي .وعلى حين يسلم روسو بالخيرية الأصلية ،ويذهب التنوير الجذري ،إلى إمكان تحرير الرغبات والإرادات و القدرات والشهوات ،فإن التنوير التقدمي ،يدرك حدود الفكر المجرد ، المنفصل عن إكراهات التاريخ ومستلزمات وصعوبات التمدن والتحضر .وقد عبر مفكرو التنوير التقدمي ، عن البعد المركب والمعقد للأشياء والواقعات و الأحداث ، في النصوص الحوارية والرسائل والكتابات السردية ( رواية "كنديد أو التفاؤل" لفولتير و " جاك الجبري وسيده " و"ابن أخي رامو " لديدرو ).
-التسليم بنسبية وتاريخية المعرفية: يسلم مفكرو التنوير التقدمي، بنسبية وتاريخية المعارف وإمكان تحسين المدارك، بازدياد الخبرات العلمية والتقنية.
(وهكذا يرتبط النقد بقيمة عملية هي قيمة السعادة، ولا ينظر إليها كمطلق بل كقيمة نسبية. ويكون للعقل دور الريادة في تحقيق تقديم البشرية من خلال نشر المعرفة.) -8-
لا مجال للحنين أو الشفقة أو التعاطف، بل للاشتغال النقدي على الذات، والانكباب على تحقيق الترقي عبر رصد الإمكانات الارتقائية أو الإنمائية المتاحة في ظل جدلية الضرورة والحرية، أو جدلية التاريخ المفتوح والأنثروبولوجيا المغلقة.
(ضد روسو. -الحالة البدائية للطبيعة مرعبة، الإنسان حيوان ضار، وحضارتنا تفوق خارق على طبع هذا الحيوان الضاري؛ -هذه الخلاصة هي التي خرج بها فولتير. لقد كان يشعر بتلطيفات التحضر وتهذيباته ومتعه الفكرية؛ كان يحتقر العقل الضيق الأفق، حتى وإن كان تحت ستار الفضيلة.) 9—
ولئن عملت الأنوار ، في اعتقاد إدغار موران ، على تكريس عقلانية غير مدركة لحدودها ،فإنها خلقت ،أسطورة التحكم في الطبيعة والمجتمع ، من خلال الاكتفاء بالعقلنة .لقد أسطر التنوير ، في منظوره ، العقل ،والتقدم والتقنية ، وتجاهل الأبعاد الرمزية والخيالية و الطوباوية للوجود الإنساني .والواقع ، أن كتابات مفكري "دائرة المعارف " حافلة بالتحوطات و التحذيرات و التشكيكات ، في الرؤى الأحادية والتصورات الإطلاقية .والحقيقة أن العقلانية التنويرية ، في غرارها الفرنسية ، أكثر تعقيدا ، مما ينسب إليها في الكتابات الماركسية و الاختلافية .ويمكن القول أن نقاد التنوير ، قد أسطروا العقلانية الأداتية ، وأغفلوا ، قصدا ،مؤدى النصوص الفكرية والحوارية و السردية التنويرية ، الدالة على التعدد والتركيب والتشكك و البحث الدائم عن التراكيب والمعادلات الفكرية المطابقة والملائمة والناجعة .
(لقد انغمست [العقلانية ] في العقلنة ، أي في الهذيان المجرد لعقل غير مدرك لحدود العقل ونقائصه. ومع ذلك، فقد صاغت بدورها أسطورة: أسطورة كون عقلاني تمامًا، وطبيعة يمكن التحكم فيها بالكامل بواسطة التقنيات ( ...) وإنسانية يقودها العقل نحو التقدم، وهو تقدم تصوره كوندورسيه كقانون حتمي للتاريخ...) -10-
تأكيد كونية الحرية:
تمثلت النقلة الجوهرية، في عصر الأنوار، في ترسيخه كونية الحرية، حسب دانيل روش.
(تمثل التقدم الحاسم، في عصر التنوير، في الاعتراف بكونية الحرية، والانتقال من الحريات إلى الحرية. وقد تبلورت الفكرة الأساسية القائلة بأن جميع الناس أحرار ومتساوون في الحقوق من خلال الفكر السياسي لفولتير، وروسو، وديدرو، وغيرهم الكثير.).-11-
ساعد هذا الانتقال من الحريات المرتبطة بالنظام الفكري والاجتماعي القديم، إلى الحرية باعتبارها مبدأ كونيا، على تغيير جوهري في الإبدال السياسي، وتوفير الشروط الممهدة لتبلور حقوق الإنسان.
-التيار الجذري: 3
خلافا للتنوير التقدمي، المدرك للتعقيدات الملازمة للتمدن والحضارة وللعقلانية، تميز التنوير الجذري، بسعيه إلى تفكيك الأنساق والإبدالات والنظريات، اللاهوتية أو البورجوازية. لا ينشغل التنوير الجذري، بالتفكير مليا وعمقيا ، بشروط إنتاج الحقيقة و المعنى والفعل الناجع تاريخيا و حضاريا ، بقدر ما ينشغل بتفكيك الأنساق اللاهوتية المهيمنة ،والدعوة إلى تكريس سلطة الإرادة الحرة والعقل المتحرر من شرائط ومعايير اللاهوت من جهة وسلطة النسق المغلق من جهة أخرى.
تميز هذا التيار بالسمات الأربع التالية حسب ميشيل أونفري :
-النفاتية :كان مفكرو التنوير التقدمي ،ربوبيين أو تأليهيين ،أما مفكرو التنوير الجذري ، فقد كانوا نفاتيين .دافع التنوير الجذري ،عن المحايثة الجذرية ، ضد المحايثة الشاحبة ، لمفكري" دائرة المعارف" ،لا سيما ديدرو وفولتير .يترتب على التنصيص على المحايثة الجذرية ،نفي"المفارقة" المسيحية ، وتأكيد الحقائق الأرضية ،والقيم الدهرانية .ويترتب على اطراح اليقينيات التداولية اللاهوتية ،اطراح ما يرتبط بها ،وتحرير الجسد والمخيلة وتكريس محبة المرأة و تأجيج إرادة الحياة.
-المادية: لقد بلور مفكرو التنوير الجذري، مادية فرنسية أصيلة ومستقلة حسب ميشيل أونفري .تتحكم في العالم ، من هذا المنظور ، علل مرتبطة ناتجة عن سيرورات مادية .تتحكم في الكون والإنسان ،ضرورة مادية، حسب هذا التصور .ولما كانت الضرورة المادية حاكمة ومهيمنة ،صارت المفاهيم اللاهوتية بلا سند ولا دعامة متماسكين .لا معنى ،بناء على ما سبق ، لتأكيد حرية الإرادة والمسؤولية .
-الهيدونية أو المتعية :
لا ينفصل تفكيك الفكر اللاهوتي عن تفكيك أخلاق التزهد أو أخلاق المفارقة، في فكر جان ميلييه .
وبما أنه ينفي صلاحية المفاهيم اللاهوتية (الخطيئة الأصلية وحرية الإرادة و المسؤولية) ، فإنه يقترح تاريخا طبيعيا للشر ،أو ما سماه أونفري ،بجينيالوجيا أيثولوجية للشر .وهذه الجينيالوجيا المفارقة للأنطولوجيا التقليدية ، أنسب لاختياره الفكري المادي .
من الضروري ، في نظر مفكري التنوير الجذري ، الإنصات للطبيعة ،واستلهام دروسها .إن الأفعال والتصرفات محكومة بحركتين طبيعيتين رئيسيتين : اللذة والألم .يحتفي مفكرو هذا التيار ،بالجسد المادي ،ضد الجسد الشيزوفريني الأفلاطوني ،ويعيدون الاعتبار للذات والمتع والمباهج الحسية ضد المثال الزهدي المسيحي .تنطوي نظرات جان ميلييه و ساد وهيلفيتيوس ولا متري ، على أخلاق هيدونية ،أو أخلاق للسعادة .لا معنى من هذا المنظور ، للإحساس بالذنب أو بالخطيئة ،أو التقشف والزهد ، بل لا بد من تحرير الرغبات و التمتع باللذات والمباهج المتاحة.
تنطوي أفكار التنوير الجذري، كما هو واضح من تأكيداته، على نزوع طوباوي ومثالي وميل إلى الوثوقية ،لا تعضده معرفة تاريخية و أنثروبولوجية و حضارية متينة و سديدة .
الثورة:لا مراء في أن نفي جدارة المثال الزهدي والنظيمة اللاهوتية والقيم المثالية ،والتأكيد على المحايثة الجذرية و الهيدونية ،يفضيان إلى نتائج ميتافزيقية و أنطولوجية وفلسفية وثقافية جوهرية .وبما أن المحايثة والعالم المحسوس والهيدونية ،هي المتحكمة في المسارات والحيوات ،من اللازم حسب مفكري هذا التيار ،اطراح الترضيات المعتادة لدى أقطاب "دائرة المعارف" ،وتحرير الأفراد من الإبدالات الأخلاقية القديمة.
رغم انحياز نيتشه لفولتير ونقد الحاد لروسو وللتنوير المحافظ، فإنه لم يتردد في التنصيص على نواقص عصر الأنوار وحدوده.
(القرن الثامن عشر تسوده المرأة، إنه متحمس، روحي وسطحي، مع شيء من العقل في خدمة الطموحات والقلب، إنه فاجر في الاستمتاع بكل ما هو فكري، ملغما كل السلطات، طافح بالنشوة والهدوء، واضح، إنساني واجتماعي، مزيف في نظر نفسه، وغد إلى حد كبير في الحقيقة ...) -12-
أوروبا والتنوير الفرنسي: -4
لقد هيمن التنوير التقدمي، الفولتيري تخصيصا، وفرض معاييره ونظمه، فرنسيا وأوروبيا. صارت النظرة التنويرية التقدمية، للعقل والحرية والكونية والتاريخ والحضارة، جزءا من الموروث الثقافي لفرنسا وأوروبا، بعد الثورة الفرنسية والحروب النابليونية.
ولئن هيمن التنوير التقدمي، الفولتيري ، على الصعيد الثقافي والاجتماعي والمعرفي ، فإن التنوير المحافظ ثقافيا والثوري سياسيا ، سيهمن ،على الصعيد السياسي ، في المقام الأول.
ومن مفارقات التنوير المحافظ، الناقد للتمدن واللامساواة والتفاوتات الاجتماعية والفن والرفاهية، هو ميله إلى أفكار جذرية في السياسة وتدبير علائق المجتمع المدني بالسلطة.
أما التنوير الجذري، فقد أثر بعمق في التيارات الفكرية (الاشتراكيات الطوباوية والماركسية والتيارات النفاتية أو الهرطوقية ) والأدبية ( الرومانسية والرمزية و السوريالية ) والجمالية .
وأيا كان تأثير هذه التيارات، فإنها عرفت تراجعا، بعد ظهور حساسيات فكرية مناهضة للعقلنة والتحديث (الرومانسية وفلسفات الاختلاف)، وبعد توالي الاعتلالات نتيجة الحروب (الحروب القومية والحروب الكولونيالية ) وتفاقم الاختلالات الاجتماعية نتيجة السياسات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
(كان يمكن لفلسفة التنوير أن تكون هي فلسفة الوعي الأوروبي، وأن تكون أساسا نظريا لسلوكه، وأن تكون تصورا للعالم، ولكن لسوء الحظ تركها الوعي الأوروبي كعادته دائما في البحث المستمر، والانتقال من الشيء إلى نقضيه دون أن يثبت على شيء وكأنه قد فقد إلى الأبد بؤرة الشعور ومركز العالم ومحور الكون، ولم يعد قادرا على الاتزان.) -13-
لم يكن فكر التنوير الفرنسي، بالفكر الدوغمائي أو الوثوقي ،الساعي إلى بث مقررات فلسفية مادية أو تجريبية ، أو تصييرها حقائق تداولية ، بديلة للحقائق التداولية اللاهوتية أو العقلانية ( أفكار ديكارت أو سبينوزا )،بل كان فكرا استكشافيا في المقام الأول .
الهوامش:
-1جان-جاك روسو ،دين الفطرة ، ترجمة : عبد الله العروي ، المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء ، بيروت ،الطبعة الثانية 2012،ص،21.
-2فريدريك نيتشه ،إرادة القوة ، محاولة لقلبي كل القيم ، ترجمة وتقديم : محمد الناجي ، أفريقيا الشرق ، الدار البيضاء ، المغرب ،2011،ص،37.
-3فريدريك نيتشه ، أفول الأصنام ، ترجمة : حسان بورقية ومحمد الناجي ، أفريقيا الشرق ، الدار البيضاء ، المغرب ،الطبعة الثانية ، 2008،ص،103.
4- Jean -Jacques Rousseau, Lettres philosophiques, Librairie Générale Française, 2003, page : 74.
-5جان-جاك روسو ،دين الفطرة ، ترجمة : عبد الله العروي ، ،الطبعة الثانية 2012،ص،58-59.
-6فريدريش نيتشه ، هذا هو الإنسان ، ترجمة علي مصباح ، منشورات الجمل ، كولونيا -ألمانيا ، بغداد ،الطبعة الثانية 2006،ص،26-27.
7- Voltaire, Lettres philosophiques, Garnier –Flammarion, Paris, 1964, page : 168.
8- محمود بن جماعة، النقد عند فلاسفة الأنوار في فرنسا، الفكر العربي المعاصر، العدد 78-79، ص،98.
9-فريدريك نيتشه ،إرادة القوة ، محاولة لقلب كل القيم ، ترجمة وتقديم : محمد الناجي ،ص،39.
10- Edgar Morin, Mes philosophes, Fayard /Pluriel, 2014, page :69-70.
11- Daniel Roche, Une révolution totale, L’Histoire, N° 307, Mars 2006, page : 35 .,
12-فريدريك نيتشه ،إرادة القوة ، محاولة لقلب كل القيم ، ترجمة وتقديم : محمد الناجي ، ،ص،34.
13--لسنج ، تربية الجنس البشري ، ترجمة وتقديم وتعليق : حسن حنفي ، دار التنوير ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى 1981،ص،109.
إبراهيم أزروال
أكادير –المغرب
#ابراهيم_ازروال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟