أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فاطمة الزهراء المسفيوي بونسيف - اغتراب اللذة وسيزيفية الإشباع: المأزق الفينومينولوجي والسيكودينامي لتعددية العلاقات العابرة لدى الذات المدمنة














المزيد.....

اغتراب اللذة وسيزيفية الإشباع: المأزق الفينومينولوجي والسيكودينامي لتعددية العلاقات العابرة لدى الذات المدمنة


فاطمة الزهراء المسفيوي بونسيف

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 21:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا يمكن مقاربة ظاهرة تعدد العلاقات الجنسية العابرة لدى الذات المدمنة بوصفها مجرد انحراف سلوكي أو سعي وراء المتعة الحظر، بل هي في عمقها تجلٍّ لأزمة وجودية حادة ومحاولة يائسة لترميم هوية متصدعة. من منظور الفينومينولوجيا (علم ظواهر الوعي)، يعيش هذا النمط من الذوات اغتراباً مزدوجاً: اغتراباً عن "الآن والهنالك"، واغتراباً عن الجسد بوصفه فضاءً للوعي.
إن الذات المدمنة، بطبيعتها البنيوية، تعاني من هشاشة أنطولوجية (وجودية) تجعلها عاجزة عن تحمل وطأة القلق الوجودي الزائد والتأزم الداخلي. حين تلجأ هذه الذات إلى العلاقات العابرة المتكررة، فإنها لا تبحث عن الآخر كـ "ذات مستقلة" (Subject) يُعترف بها ويُتبادل معها التواصل الإنساني، بل تحيله إلى مجرد "موضوع إشباع خارجي" (Object) أو أداة وظيفية لتسكين الألم. إن الآخر هنا يقع ضحية عملية "تشييء" (Reification)، حيث يُجرد من كينونته ليصبح مجرد وسيط في تجربة إفراغ توتري عابرة.
في هذا السياق، يسقط الوعي الخاص بالذات المدروسة في "المأزق السيزيفي" (العبثية التكرارية)، حيث يغدو الفعل الجنسي العابر محكوماً بـ "قهرية التكرار" وفق الطرح السيكودينامي. إن المفارقة الفلسفية الكامنة في العلاقة العابرة هي أن اللذة تُشترط بموتها لحظة ولادتها؛ فالإشباع المبتور لا يؤدي إلى الامتلاء الوجودي، بل يعيد إنتاج الفراغ بنسب أعمق.
تحاول الذات المدروسة تعويض هذا الفراغ الكيفي (غياب المعنى والأمان) عبر التكثيف الكمي (تعدد الشركاء وتكرار التجارب). هذا التكرار القهري ليس دليلاً على فائض الحيوية، بل هو تعبير عن "نكوص دفاعي" نحو اللذة البدائية للهروب من قلق الخصاء النفسي، أو الخوف من الفناء والعدم. إن السلوك هنا يتحول إلى حلقة مفرغة: يبدأ بقلق داخلي حاد، يليه تفريغ عبر علاقة عابرة، يعقبه هبوط حاد في تقدير الذات وشعور عارم بالخزي والعدمية، وهو ما يمثل بدوره الوقود النفسي الذي يدفع الذات للبحث عن التجربة التالية لتسكين هذا الألم الجديد المستحدث.
على الصعيد البيولوجي النفسي، يتطابق هذا الاغتراب الفلسفي تماماً مع الاضطرابات الوظيفية التي تحدث في البنية الدماغية للذات المدروسة. إن نظام المكافأة في الدماغ (Reward System) محكوم بديناميكية الدوبامين والسيروتونين. عند دمج سلوك الإدمان (سواء كان إدماناً على مواد كيميائية أو إدماناً سلوكياً) مع الإثارة الفائقة وغير المستقرة الناتجة عن تعدد العلاقات العابرة، يتعرض هذا النظام إلى "تأثير هيدوني جارف" يتجاوز قدرة المشابك العصبية على التحمل.
ومع استمرار هذا التحفيز العنيف والمبتور، تحدث ظاهرتان علميتان دقيقتان:
ظاهرة التحمل (Tolerance): حيث تضطر المستقبِلات العصبية إلى تقليل حساسيتها (Downregulation) لحماية الدماغ من فرط التدفق الكيميائي، مما يفرض على الذات المدروسة رفع وتيرة السلوك وتغيير الوجوه باستمرار للحصول على نفس المنسوب من المتعة اللحظية.
الأنيدونيا (Anhedonia): وهي حالة البلادة العاطفية أو العجز الوظيفي عن اختبار اللذة في سياقاتها الطبيعية (كالعمل، العلاقات الإنسانية المستقرة، أو الإنتاج الإبداعي). تصبح النشاطات الاعتيادية تافهة وبلا معنى مقارنة بالصدمات الدوبامينية الفائقة الناتجة عن العلاقات العابرة، مما يكرس عزلة الذات واغترابها عن مجتمعها وحياتها اليومية.
إن الإفراط في هذا النمط من العيش يقود الذات المدروسة حتماً إلى مرحلة "تفكك الأنا" أو الانشطار الأنطولوجي. يحدث شرخ عميق بين الرغبة الدفينة للذات في الحصول على الأمان والاعتراف الوجودي، وبين السلوك الفعلي القائم على العبور والنفي المستمر.
هذا التناقض المعرفي والوجودي يولد نوعاً من "الارتياب النفسي" (Paranoia) والقلق البين-شخصي؛ فالذات التي اعتادت استهلاك الأجساد والتخلي عنها بسرعة، تبدأ في إسقاط هذا النمط على العالم الخارجي، وتصبح عاجزة بنيوياً عن بناء "علاقة موضوعية صحية" (Healthy Object Relations)؛ إذ يتولد لديها خوف مرضي من الارتباط (Commitment Phobia)، مدفوعاً بآليات دفاعية ترفض الاستثمار العاطفي في الآخر خوفاً من الهجر أو الانكشاف النفسي
في المحصلة، تنتهي الذات المدروسة إلى ما يمكن تسميته بـ "تشييء الذات التبادلي" (Mutual Self-Reification). إنها لا تستهلك الآخرين فحسب، بل تستهلك كينونتها الخاصة؛ إذ يتحول الجسد من كونه فضاءً للحرية والتعبير عن الوجود والاتصال الإنساني الرفيع، إلى مجرد آلة بيولوجية محكومة بنبضات قهرية مفرغة من أي شحنة ميتافيزيقية أو عاطفية.
إن هذا التمفصل بين الذات المدمنة وتعددية العلاقات العابرة ينزع السحر عن الجسد ويحرم اللذة من وظيفتها التكاملية في الشخصية، محولاً إياها إلى "مخدر موضعي" يتلف النفس بقدر ما يمنحها وهماً مؤقتاً بالنجاة. وتظل هذه الذات، ما لم تخضع لعلاج نفسي تحليلي وسلوكي عميق يعيد تفكيك هذه الآليات الدفاعية، رازحة تحت وطأة اغترابها، باحثة في الأجساد العابرة عن "كلٍّ" لن تجده أبداً في شظايا وتجارب مبتورة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- أمريكا.. المحكمة العليا تؤيد احتساب بطاقات الاقتراع البريدية ...
- مصر: المؤشر الرئيسي للبورصة يغلق دون 50 ألف نقطة وخبراء يوضح ...
- لأول مرة.. جرس افتتاح بورصة نيويورك يقرع من المكتب البيضاوي ...
- بين النفي الإيراني والتأكيد الأمريكي.. هل تشهد الدوحة جولة ت ...
- نبيل بنعبد الله يعزي الرفيق محمد الحناوي عضو اللجنة المركزية ...
- ترامب يعلّق على قرار تاريخي وغير مسبوق في القضاء الأمريكي
- مشجعو أسود الأطلس واثقون بالفوز
- نتنياهو: طلبوا مني قبول مطالب حماس والانسحاب من غزة ولكني رف ...
- رفض لإجراءات إسرائيل بالحرم الإبراهيمي
- مصر: انسحاب إسرائيل أساس نجاح الاتفاق


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فاطمة الزهراء المسفيوي بونسيف - اغتراب اللذة وسيزيفية الإشباع: المأزق الفينومينولوجي والسيكودينامي لتعددية العلاقات العابرة لدى الذات المدمنة