أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة















المزيد.....


الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 20:16
المحور: الادب والفن
    


قبل ان تغزل الشمس خيوطها الأولى، كان علال ضريسة يلملم بقايا حياته في صمت. حقيبته الجلدية القديمة، التي أكلت السنين أطرافها وتشبعت برائحة التراب وعرق الأيام، لم تكن مجرد حقيبة؛ كانت مقبرة متحركة. في جوفها يربض ملقط حديدي غليظ، صقلته كثرة السواعد حتى صار يلمع كخنجر غدر، بجانبه صرة قماش ملطخة بالبقع، تخبئ في أحشائها عشرات الأسنان والأضراس الآدمية. كان يمرر أصابعه الخشنة فوق تلك العظام الصغيرة، يسترجع مع كل ضرس واديا قطعه، ووجها قرويا غارقا في العوز، انطفأ وجعه واختنق صراخه في قاع هذه الصرة.
حين يرمي بجسده المثقل في سوق شعبي، ينفض غبار الطريق عن عباءته الممزقة، ويفترش التراب العاري تحت خيمة مهترئة أو شجرة سدر يابسة. لا يحتاج علال الى طبل او زمار، ولا الى بهرجة الاعلانات؛ فقعقعة الحديد في يده وصوت الأسنان وهي تصطدم ببعضها داخل الصرة كافيان لإيقاظ الاوجاع النائمة في الرؤوس الحامية.
سرعان ما يتحلق حوله البشر. وجوه حفرت الأيام في جنباتها أخاديد من الشقاء، وعيون تائهة ترجف بين الم ينهش الدماغ وخوف مرعب من كلابة "الدكتور ضريسة". لم تكن تلك الأجساد المنهكة تعرف رفاهية الأمصال، ولم يسمعوا يوما بمعجزة المخدر؛ فالألم عندهم قدر محتوم يواجهونه بصدور عارية، والشفاء لا يأتي ألا بانتزاع عنيف للوجع من جذوره الغائرة في اللحم.
يجلس الزبون على الأرض، تلتصق ركبتاه بركبتي علال في التحام خشن يشبه حلبة الموت. تمتد يد علال التي لوحتها شمس الصيف إلى ذقن المريض، ترفع وجهه المنكسر نحو الأعلى، وتجبره على النظر إلى السماء، مشيرة إليه دون كلمات ليتأمل حركة الغيم ويسهو عن الكارثة القادمة.
يسحب الملقط ببطء واستعراض كأنه يستل سيفا وسط الساحة. تلتقي نظراته بنظرات الضحية؛ نظرة طبيب بلا رداء ابيض ولا رحمة مصطنعة، يرى في الفم المفتوح بئرا من العذاب نزل إليه ليردمه بالحديد. يدخل المعدن البارد بين الشفتين المرتعشة، يقبض علال على الضرس العاصي، يثبت قدميه المتشققتين في التراب، ويضغط بكل ما أوتي من قوة اختزلت سنين العيش الخشن والخبز اليابس.
في تلك اللحظة الخاطفة، يتوقف النبض. تسمع طقطقة الجذور وهي تتشقق وتفارق لحمها الحي، يمتزج الدم الحار باللعاب، وتتسع حدقتا المريض في ذهول صامت، كأن الروح تنخلع من الجسد مع السن. يسحب علال يده بحركة خاطفة ومحترفة، يلوح بالضرس الدامي في الهواء كأنه هزم شيطانا، ثم يرميه في الصرة لتنضم إلى أخواتها.
لا يترك علال زبونه يتخبط في سكرته؛ يمد يده الاخرى بسرعة الى حزمة من النعناع الاخضر وملعقة ، يقتلع ورقات منها، ويحشرها في فم الرجل النازف ويمد له ملعقة ملح وكاس ماء ويطلب منه مضمضة المحلول بقوة ، مشيرا إليه بعينيه الحادتين ليمضغ ، ويستعيض بنكهتها العطرية عن مرارة الدم العابر في حلقه.
يسري خدر غريب من الرضا في جسد الزبون. ينهض بتثاقل، يمسح فمه بظاهر كفه المليء بالتراب، ويترك دراهم معدودات في حجر علال، ثم يمضي وهو يشعر ان جزءا من عذابه اليومي قد دفن في تلك الحقيبة الجلدية، التي ستغادر السوق مع غروب الشمس نحو قرية أخرى، بحثا عن الم جديد يداويه الحديد والنعناع.
لم يكن فضاء الساحة مشهدا عاديا لخلع ضرس، بل كان مقامرة علنية تحبس لها الأنفاس، وطقسا وثنيا تشرئب له الأعناق. وقف علال كأنه مايسترو يقود جوقة من الفضوليين، يلوح بكلابته في الهواء، مستمدا سطوته من هتافات المتفرجين وحماسهم الملتهب. وفي لحظة خاطفة، وتحت وطأة ذلك الإغواء الجماعي، انقض بحديده داخل الفم المستسلم.
فرقعة جافة هزت أرجاء المكان، كغصن يابس يرتد في الصدور. لكن الفرحة ولدت ميتة؛ فبدلا من ان يرفع الضرس المسوس الذي كان يؤرق صاحبه، رفعت الكلابة ضرسا ناصع البياض، سليما من كل عيب، يلمع تحت أشعة الشمس كفضة عارية، وشاهدا على طعنة الخطأ.
توقفت الأنفاس لثانية واحدة، كأن الزمن تجمد في حلق الساحة، قبل ان يدرك الزبون حجم الكارثة ويرى ينبوع دمه يتدفق بغزارة. تحولت ملامح الذهول المستكينة الى ثورة عارمة من الغضب الأسود. صرخ صرخة روعت الطيور المحلقة في السماء، وبدون مقدمات، اندفع نحو علال يوجه إليه لكمة قوية أطاحت بنظارته السميكة، محولة المكان الهادئ في غضون ثوان إلى حلبة صراع مفتوحة.
اختلط الحابل بالنابل، وتشابكت الأيدي والأرجل في عراك عنيف كعاصفة هوجاء. تعالت أصوات الضرب والرفس، وتطايرت الكراسي الخشبية وصناديق الخضار المجاورة، كأن الساحة تنتقم لنفسها. سقط علال أرضا، يتكور على نفسه محاولا حماية رأسه بيديه، بينما كانت الأقدام المجهولة تنهال عليه من كل حدب وصوب، وسط غبار كثيف ملأ الأجواء وصراخ الباعة المتجولين.
شق صرير صافرات الدرك الحاد صفوف الحشود، ليفض الاشتباك بالقوة ويوجه صفعة للواقع البدائي. تقدم قائد الدورية وسط الفوضى، ليرى علال ممددا على الارض، ممزق الثياب كطير جريح، يئن من الألم والخوف، والى جانبه الزبون الذي كان ينزف ويصرخ مطالبا بالعدالة والمخزن.
أمر القائد برفع علال فورا وتأمينه داخل سيارة الدورية لحمايته من بطش الحشد الهائج، واقتيد الجميع نحو المخفر. خلت الساحة تدريجيا من صخبها، تاركة وراءها بقع الدم القاتم والضرس السليم ملقى على التراب. تأمل المتفرجون الفراغ الذي خلفته عربة الدرك، ثم تفرقوا في صمت، بينما بقيت نظارة علال المهشمة ملقاة فوق الغبار، تغطيها أقدام المارة الذين كانوا قبل قليل يهتفون باسمه.
داخل المخفر، حيث تفوح رائحة الورق الرسمي والحبر الجاف البيروقراطي، كان علال يجلس منزويا، مطأطأ الرأس كطائر بلله المطر، يرمق يديه المقيدتين بذهول مرير، مسجونا في فراغ روحه بعد ان تلاشت هيبته تحت وطأة شعوره الداخلي بالصغر والانكسار. لقد غاب صخب السوق ليحل محله صمت مطبق بارد، وصورة الضرس السليم تلمع في الهواء كخطيئة لا تغتفر. لأول مرة، شعر ان يده ليست أداة شفاء إنما أداة غدر، وان النعناع فقد عبيره. صار المخفر قصرا من جليد يجمد روحه، وكان كل ما يتمناه هو أن يعود إلى تراب الأسواق، لان روحه في انتزاع الألم والوجع من الأجساد كانت وقوده في الحياة.
وفي الخارج، تحت شمس العصر التي بدأت تميل للغروب، كان نبأ احتجاز مستأصل الأوجاع يسري في عروق القبيلة مسرى النار في الهشيم. لم يكن علال بالنسبة لأعيان المنطقة مجرد حرفي عابر، بل كان جزءا من ذاكرتهم الجماعية، ورمزا لزمن التضامن البدوي الذي لم تدنسه القوانين المكتوبة. التقى وجهاء المداشر عند مشارف السوق، وتحركوا كجسد واحد نحو بيت الشاب النازف، يتقدمهم الحاج بلقاسم، رجل سبعيني يزن كلماته بميزان الذهب.
دخل الشيوخ الغرفة بخطوات وئيدة، تاركين عباءاتهم الثقيلة تتنفس وقار السنين في الصمت الناشئ. كان الفتى متكئا، يضع خرقة مبللة على فمه المتورم، وعيناه ترميان الحاضرين بنظرات حادة يملؤها العناد. ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صوت انفاس متعبة. تنحنح الحاج بلقاسم، وعدل عمامته ببطء، ثم نظر إلى والد الفتى وقال بصوت منخفض:
• مساء الخير يا ابا محمد.. كيف حال الولد اليوم؟
اجاب الاب بحرج بدوي وهو يطأطئ رأسه:
• الحمد لله على كل حال يا حاج.. لكن كما ترى، لولا اللطف لطار الفك كله. خطأ مثل هذا لا يمر هكذا.
التفت الحاج بلقاسم نحو الشاب المصاب، ورمقه بنظرة أبوية هادئة، ثم قال:
• الخطأ راكبنا جميعا يا بني، والحديد أعمى لا يرى. لكن علال عاش بيننا اربعين سنة ولم يشتك منه احد. يده هي التي رفعت العذاب عن نصف رجال هذه القبيلة.
تدخل شيخ آخر من الجالسين، موجها حديثه للأب مباشرة بنبرة هادئة:
• اتذكر يا ابا محمد.. في تلك السنة الشهيرة بالجفاف، حين كان الليل ينخر رأسك ولم تجد طبيبا ولا دواء؟ من الذي قصدته في الفجر وفتح لك بابه دون مقابل...؟
اطرق الأب رأسه إلى الأرض، عاجزا عن الرد، فالذاكرة كانت أقوى من أن تنكر. لاحظ الشاب تلك السكتة التي أصابت والده، وبدأت حدة نظراته تتراجع أمام مهابة الوجوه الشيباء المحيطة به. التفت إلى أبيه مسترشدا، فالتقط منه إيماءة خفيفة بالعين تلخص إرثا كبيرا من احترام الكبار والعرف.
تنهد الشاب تنهيدة طويلة أخرجت معها ضيق الصدر، ثم ازاح الخرقة المبللة عن فمه، وقال بصوت متهدج:
• لو كان غيره لما تنازلت.. لكن لأجل هذه الوجوه، ولأجل والدي.. اذهبوا للمخفر، الأمر منته.
في تلك اللحظة، وقع الشاب على صك غفران بدوي. وبعد شرب كؤوس الشاي المنعنع وإطلاق العنان لذكريات بعيدة، تخللتها ضحكات و حمدلات وبسملات، حين رفع الآذان في مسجد قريب تحرك الأعيان بوقارهم عينه نحو المخفر، ودفعوا بالتنازل الشفهي والمكتوب إلى قائد الدورية الذي هز رأسه أمام إصرار القبيلة على حماية ابنها.
حين فتح باب الزنزانة الحديدي، خرج علال يترنح، يلملم أسماله الممزقة. لم يجد أمامه سلطة تعاقبه، وإنما وجد طوقا من العباءات البيضاء تحيط به ، و أيد خشنة تمتد لتنفض الغبار عن كتفيه. لم ينطق علال بكلمة، ولم يشكر أحدا، فالبدو لا يشكرون على الواجب. لكنه نظر إلى الأعيان نظرة طويلة، غائرة، عرف فيها أن أصداء الصراخ المكتوم الذي خبأه في حقيبته طيلة عقود، قد ردت إليه اليوم حبا وصيانة لكبريائه الجريح.
بعد انقشاع عاصفة المخفر وعودته إلى فضاء الأسواق، كانت شمس الصباح لم تخلع بعد ثوبها البارد حين جلس علال في زاوية من سوق آخر في منطقة ابعد بكثير، منحنيا على براد شاي يرسل خيوط البخار، وبجواره قطعة مخبوز (سفنج) دافئة تقطر زيتا.
كانت تلك لحظة هدنة مقدسة يقتنصها من صخب النهار. لم يكد يرتشف جرعته الأولى حتى وقف عليه شاب تشي ملامحه بالإجهاد التام، وعيناه غائرتان بفعل السهر والركض. اعتقد علال، بحكم العادة، إن أوجاع الأسنان هي التي تطارد الفتى وتدفعه للبحث عن ملقطه في الوقت المبكر. لكن الشاب، بإشارات يده المرتبكة، أوضح أمر جدته البالغة من العمر ثمانين سنة، والتي ترقد في الفراش وتئن منذ أيام من وجع ضرس قاتل.
حين سمع علال علامات سن المرأة، انزعج بشدة وتغيرت ملامحه. وضع كأس الشاي جانبا، ونظر الى يديه المرتعشتين، ثم تمتم بصوت مخنوق:
• ثمانون سنة!.. الدم في هذا العمر يا بني يتدفق كنبع لا ينقطع، وحديدي لا يرحم العظام الهشة. فكر بصوت مسموع ان اقتلاع ضرس للعجزة في تلك السن المتأخرة مخاطرة قد تودي بحياة صاحبها بسبب خطورة النزيف.
لكن الشاب لم يتراجع، ظل يشرح بمرارة عينيه وعبر رجاء كفيه ان العائلة استسلمت لقدرها ولم يعد يخيفها فقدان الجدة بقدر ما يمزقها رؤيتها تتلوى. تحت إلحاح الفتى، قبل علال الامر على مضض، مغادرا السوق بجواره في مقدمة سيارة بيكوب متهالكة انطلقت تنهب الارض، وقطعا كيلومترات طويلة وسط خلاء موحش، حتى وصلا إلى مزرعة نائية.
في غرفة مظلمة تفوح منها رائحة الأعشاب والشيخوخة، كانت العجوز ممددة فوق حصير كجثة فارقت الحياة منذ مدة. حين طلب منها فتح فمها، غاصت نظراته في تجويف معتم؛ لم يكن هناك ضرس واضح، إنما مجرد بقايا عظمية متآكلة تسبح في لحم منتفخ وشديد الاحمرار.
توجس علال خيفة، لكنه لم يعد يملك حق التراجع. شمر عن ساعديه ودفع بملقطه الحديدي في ذلك الفراغ الغائر، وقبض على البقايا المتهشمة بكل ما يملك من عزم. قاومت العجوز بصلابة بدوية مذهلة؛ لم تصرخ، بل تشنج جسدها النحيل وضغطت على يدي حفيدها بقوة توازي قوة الملقط.
مع الضغطة الأخيرة والملتوية، انخلعت البقايا العفنة. وفي اللحظة نفسها، تفجر من الجرح شلال من الدم القاني، وارتخت أطراف العجوز، وانكفأ رأسها إلى الخلف، وغابت عن الوعي تماما.
في تلك اللحظة الرهيبة، تجمد الدم في عروق علال. تسلق الخوف الشديد جدران قلبه، وبدأ يلتفت حوله كالمحاصر، متخيلا قضبان السجون وظلمة الحساب الجاف. وقف هناك، والملقط الدامي يرتجف في يده، ينتظر بين نبضة وأخرى أن تحدد الأقدار مصيره. بعد برهة، عاد التنفس البطيء للمرأة العجوز، واندفعت الحياة في عروقها مجددا بعد جرعة ماء. رمقت علال بنظرة خاطفة، ثم خرجت متشبثة بيد الشاب لتستظل تحت شجرة رمان، بينما جمع أدواته والوعي بثقل مهنته ينهش صدره.
أربعون عاما والرياح تدور في الفجاج، وعلال قائم في مكانه كالنخلة النابتة في سباخ الأرض، يقتلع الوجع بحديدة صماء ويمضي. لم يغير فيها شروطه مع الحياة؛ سماء تظلله، وتراب يفترشه، وصراخ ينتهي بحفنة نعناع ورضا بدوي خالص.
في ذلك اليوم، كان علال منحنيا على زبون، يثبت ركبتيه في الأرض ويوجه ملقطه نحو عتمة الفم المفتوح، حين انشق الصخب المعتاد للسوق عن حركة غير مألوفة. غابت الوجوه الشاحبة والمحفورة بالتراب، وظهرت وجوه أخرى مكبلة بأقمصة بيضاء، ياقات ناصعة، وأحذية صقيلة لا تشبه طين الممرات؛ لجنة مختلطة من وزارة الصحة ونقابة أطباء الأسنان، يحيط بهم جند السلطة.
لم يلتفت علال إلى جلبة خطواتهم رغم أن الرعدة ضربت أطرافه، وظل ملقطه قابعا في فم الزبون، يضغط بالهدوء الأبدي نفسه الذي مارسه طيلة عقود. انخلع الضرس، فرماه في صرته، ومسح جرح الرجل بورق النعناع وملعقة ملح، وعيناه مسمرتان في الفراغ، كأن هؤلاء الغرباء ليسوا سوى أشباح عبرت في نهار مشمس.
تقدم الموظف وبدأ يجمع العدة البدائية. صادروا الملقط الحديدي المصقول بالعرق والدم، وصرة الأسنان والأضراس التي كانت لعلال بمثابة كتاب عمره. وضعوا تلك الغنائم الآدمية في أكياس بلاستيكية مرقمة، وكتبوا في محاضرهم الباردة اسطرا طويلة بلغة الورق والحبر والقوانين التي وضعت خلف الجدران الإسمنتية.
وعلال واقف بينهم، لا يحرك ساكنا ولا يبدي فهما لثرثرة أوراقهم. لم يشرح، لم يبرر، ولم يتوسل. لأول مرة يجد نفسه مجردا من سلاحه الوحيد، لكنه لم يتأجج غضبا. نظر إلى يديه الفارغتين، ثم إلى أعضاء اللجنة وهم يغلقون حقيبته الجلدية العتيقة، ويحملونها ببرود كمن يحمل لفافة ورق، في حين كانت عينا علال تلاحقان قاع الحقيبة المتأرجح، كأنه يستمع إلى خشخشة الأسنان الأخيرة وهي تساق إلى الأسر.
داخل القاعة الشاهقة، كانت رطوبة المكيفات تقرص جلد علال. جدران أربعة مطلية بلون رمادي محايد، كفن من الإسمنت المصقول، لا نافذة فيها توارب أفقا، ولا اثر فيها لغبار او شمس.
خلف مكتب عريض من الخشب الداكن الذي يلمع كمرآة سوداء، كان المسؤول الشاب يجلس بثبات. بذلته كحلية داكنة، ذات ياقات حادة مستقيمة كالمساطر، لا تجاعيد فيها ولا حكايات. أمام أصابعه النظيفة، رتبت أوراق بيضاء ناصعة، وسمت في أسفلها بأختام دائرية حمراء تشبه بقع دم باردة. بنبرة هادئة، رتيبة، تخلو من الارتعاش، بدأ الشاب يتلو نصوصا مرقمة؛ كلمات من قبيل:
-المادة.. البند.. السلامة الصحية.. الممارسة غير القانونية
الحروف تخرج من فمه جافة ومستقيمة، كأنها قصت بمقصات حديدية داخل مكاتب مغلقة. كان علال واقفا، كجذع نخلة نقلت عنوة من فج قاحل إلى بهو قصر. ثبت قدميه المتشققتين داخل حذائه القديم فوق البلاط اللامع، شاعرا بالبرودة تتسلل إلى ركبتيه. عيناه العسليتان، اللتان اعتادتا ملاحقة العتمة في تجاويف الأفواه المنسية، دارتا ببطء فوق الوجوه المسترخية خلف المقاعد الجلدية الوثيرة؛ وجوه ناعمة لم تلفحها سموم الصيف في الأسواق الأسبوعية، ولم تعرف كيف ينخر الوجع عظام الفقراء.
لم يتكلم علال. لكن ملامحه المحفورة بخطوط عميقة كأخاديد الأرض، كانت تقول كل شيء. اخذ نفسا عميقا، فامتص هواء الغرفة البارد الممزوج برائحة المنظفات الكيماوية، محاولا العثور على اثر لرائحة الخيل أو الشاي بالقرنفل، فلم يجد سوى الصمت البيروقراطي.
حين صمت المسؤول الشاب منتظرا دفاعا او توسلا، مد علال بصره نحو النافذة البعيدة، حيث كان ضوء العصر الشاحب يمر عبر الزجاج السميك. لم ينحن، ولم تبرق في عينيه ذلة المتهم. كان صمته ثقيلا، كصخرة هبطت فجأة في مجرى ماء راكد، حتى إن الأقلام تجمدت للحظات فوق الدفاتر، وتبادل أعضاء اللجنة نظرات عابرة، مشوبة بارتباك خفي؛ كأنهم، ولأول مرة، لم يعودوا يرون امامهم بندا قانونيا يحتاج إلى إغلاق، بل كائنا آتيا من زمن آخر، يوشك أن يغيب.
توقفت أقلام الكتبة فجأة عن النقر فوق الدفاتر وساد صمت ثقيل رصين. تصفح المسؤول الشاب المحاضر البيضاء الخالية من أي شكوى مكتوبة، تأمل الفراغ الممتد بين السطور ثم رفع بصره نحو وجه علال المحفور والمطرز بتجاعيد تسبح في الوجه. كانت عينا علال تبحثان عن كسر في جدار الإسمنت الصقيل لا عن صك غفران او استعطاف.
بإيماءة هادئة من رأسه أشار المسؤول الشاب إلى الموظف القابع في الزاوية. تقدم الموظف وحمل الحقيبة الجلدية العتيقة بوقار مفاجئ ثم وضعها على سطح المكتب الخشبي اللامع. انزلقت الحقيبة ببطء محدثة صريرا خفيفا قطع برودة القاعة. قال المسؤول بصوت منخفض حاسم تخلو نبرته من جفاف البنود القانونية:
• القانون يمنعك ونقابة أطباء الأسنان تدافع عن حقها.. خذ أرشيفك يا علال لكن الأسواق لم تعد تتسع لهذا الحديد... مرة أخرى سيكون السجن مصيرك.
امتدت أصابع علال المرتجفة نحو جلد الحقيبة اليابس، ما إن لامستها حتى بدت عروق يديه كأنها تسترد مجرى مائيا قديما. انحنى عليها هناك فوق الخشب المصقول، فتح قفلها النحاسي المتآكل فتنهدت الحقيبة برائحة السنين والتراب ومسحوق النعناع الجاف. ادخل يده الى جوفها المعتم، تلمس الملقط الحديدي البارد ثم مرر سبابته فوق صرة القماش، فتحركت الاسنان في داخلها محدثة قعقعة أليفة؛ نقرات صغيرة متلاحقة لم تكن صوتا لعظام نخرة بل اصداء حكايات وراحت غائرة، استرد أرشيفه وشواهد مشقته.
أغلق الحقيبة ورفعها تحت إبطه بحركة حاسمة، لم ينظر خلفه ولم ينتظر كلمة ثناء. خرج وصوت قعقعة الحديد والأسنان يتردد في الممر الإسمنتي الطويل، تاركا وراءه لغة الورق والتحذيرات تموت خلف الباب الزجاجي الصقيل.
خرج علال من بوابة الإدارة الباردة كمن ينفض عن كفنيه تراب القبر. خلف ظهره، كانت تحذيرات الموظف الشاب واللوائح القانونية تتلاشى في الهواء، لتفسح المجال لأصوات الرياح الفسيحة.
شمس العصر تصبغ وجه المدينة بلون نحاسي باهت، لكنها شمس بلا دفء، إسمنتية لا تشبه تلك التي ألفها في فجاج البوادي. خطى خطواته الأولى في شوارعها، وتحت إبطه يربض الكيس القماشي الثقيل؛ ثقيل لا بوزن الحديد والأسنان، إنما بوزن أربعين عاما من الصراخ الذي تحول على يديه إلى عافية ونوم هادئ.
طاف في أرجاء تلك المدينة التي بدت أكثر غلظة وغرابة. تاهت عيناه في وجوه المارة المستعجلين؛ وجوه ملساء، باردة، لا اثر فيها لغبار المداشر أو طين الممرات. لا احد هنا يعرف الدكتور ضريسة ، ولا احد يلتفت إلى عباءته المثقلة بالخيبة. في الأسواق البعيدة، كانت الأرض تعرف خطوته، وكان الناس يفسحون له مجالسهم كأنه سلطان غير متوج، أما هنا، فالجميع يركض خلف ظله، والصخب اصم لا ميزة فيه.
أحس علال بتعب مفاجئ ينخر ركبتيه، فجلس على رصيف مهجور عند منعطف شارع فرعي. وضع الكيس بين فخذيه، وفتحه بأصابع مرتعشة. امتدت يده إلى الملقط الحديدي، رفعه نحو ضوء الشمس الشاحب، فتأمله بملامح منكسرة. لأول مرة، بدا له هذا الحديد خفيفا، باردا، ومهزوما؛ لم يعد يملك تلك الحرارة التي كانت تتدفق فيه حين تلامس ركبتاه ركبتي قروي يلوذ به في هجير السوق.
أدخل يده عميقا في صرة القماش، فخشخشت الأسنان بين أصابعه. تلمسها واحدا تلو الآخر كمن يقرأ شواهد القبور؛ هذا ضرس فلاح مات في جفاف السنين الغابرة، وتلك سن امرأة عجوز تركت خلفها ذرية يصارعون حياة قاسية في أعالي الجبال. هذا الكيس لم يكن حطاما، كان ديوان دموع البادية ورسائل الشكر الصامتة التي لم تكتب على ورق.
وقف علال، وشعر بغصة تذبح حنجرته، لكن كبرياء البدو منعه من البكاء. نظر إلى حاوية الازبال الكبيرة القابعة في زاوية الشارع. لم يلق بالكيس فورا؛ بل تقدم نحوها بخطوات وئيدة، وثقيلة، كمن يقود جنازة عمره.
أمسك الكيس بكلتا يديه، ورفعه إلى مستوى صدره في حنو أخير، غمر وجهه في قماش الحقيبة للحظة واحدة، مستنشقا بقايا رائحة النعناع الجاف وتراب الأسواق الأسبوعية.. كانت تلك قبلة الوداع لأربعين عاما من المجد المنسي على حواف الرصيف.
ثم، وبعزم مفاجئ يختزل حسم الحكماء، أرخى قبضتيه بتثاقل كبير. سقط الكيس في جوف الحاوية العميقة. أحدث الحديد قعقعة أخيرة حادة ومريرة، تلتها خشخشة الأسنان التي بددت صمت الزقاق، كأنها تنهيدة جماعية لأولئك المقهورين الذين داواهم علال يوما ورحلوا. لقد دفن الأرشيف في مقبرة الغرباء.
التفت علال وسار في الزقاق الضيق. لم ينظر وراءه أبدا. أرخى كتفيه المشدودتين، وأخذ نفسا طويلا وعميقا امتد لصدوره الخاوي، ثم أرسل نظرة نحو الأفق البعيد المفتوح وراء البنايات العالية. تلاشت الرعدة من كفيه الفارغتين، وخطا خطوته التالية بخفة رجل ألقى عن كاهله حملا ثقيلا وسار وحيدا نحو الشمس. غاب جسده النحيل بين ظلال البنايات العالية، تاركا خلفه في سلة المهملات آلاف الحكايات والآلام التي شفيت، ليمضي نحو المجهول كأنه لم يمر بهذه الأرض يوما، وكأنه كان مجرد فكرة جميلة خطها الزمن.. ثم محاها.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سكاكين في ميزان الضمير
- خوارزمية الجشع في سيرة معلم
- البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
- مجنون طائر الحسون
- عرش من زجاج تحت أقدام الظل
- أرواح في مهب الحياد
- في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
- حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
- صرخة في وجه المستحيل
- ولائم الموت البارد في الظلام
- بائع الوجبات وانكسار الصمت
- الهارب من المدينة إلى المغارة
- الحاج الخازوق وكبش العيد
- غيبوبة الكلمات والدم
- الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
- رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
- المرتشي والرقم الاخضر
- رواية( زقوم كرة القدم )
- زرقاء اليمامة سجينة الفضاء الازرق
- الحداد والاحمق والصورة


المزيد.....




- نادي السرد في اتحاد الأدباء يضيّف الروائي أمير رأفت
- شغف الكتاب الموصليين يتجه نحو الرواية.. واتحاد الأدباء يقيم ...
- جدران غيّرت وجه القصيدة العربية.. كيف يبعث العراق دار السياب ...
- مسؤول أمريكي يكشف لـCNN وضع المحادثات الفنية بين واشنطن وطهر ...
- عمر خيرت يكشف سر المكالمة التي غيرت حياته.. ما علاقة فاتن حم ...
- فلسطين والسينما المصرية.. من الخلفية الرومانسية إلى هاجس الأ ...
- -بروفة يوم الحساب-... المسرح السوري يختبر الذاكرة قبل أن يطا ...
- من -الأوديسة- إلى -سبايدر مان-.. أبرز الأفلام المنتظرة في صي ...
- وزير الثقافة اللبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب
- لماذا يثير فيلم -الأوديسة- كل هذا الجدل؟


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة