أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي جاسم ياسين - ماذا يبدو الكثير من الوعاظ وكأنهم يتغوطون علينا بلا خجل؟














المزيد.....

ماذا يبدو الكثير من الوعاظ وكأنهم يتغوطون علينا بلا خجل؟


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 18:37
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ليست المشكلة في الوعظ نفسه، فالناس احتاجوا دائمًا إلى من يذكّرهم بالقيم، بل في ذلك الواعظ الذي يعتلي المنبر وكأنه صعد إلى برج مراقبة يطل منه على البشرية جمعاء. وما إن يبدأ الحديث حتى يخيل إليك أن جميع الحاضرين مشاريع خطاة، بينما يقف هو في منطقة معفاة من كل نقص، يوزع الأحكام كما يوزع موظف البريد الرسائل، بثقة لا تهتز وبلا أدنى شعور بالخجل.
لهذا يبدو الأمر أحيانًا وكأن بعض الوعاظ يتغوطون علينا بلا خجل. ليس لأنهم يستخدمون ألفاظًا بذيئة، بل لأنهم يفرغون فوق رؤوس الناس كميات هائلة من الاستعلاء والاتهامات والشعور بالذنب، ثم يتوقعون منا أن نشكرهم على هذه الخدمة المجانية.
المثير للدهشة أن هذا النموذج لا يكتفي بإبداء رأيه، بل يقدمه باعتباره الحقيقة النهائية التي انتهى إليها الكون بعد ملايين السنين من التجربة. فإن وافقته فأنت عاقل، وإن ناقشته فأنت متكبر، وإن سألته فأنت مشكك، وإن تجاهلته فأنت ضحية للهوى. في النهاية ينجح في تحويل أي اختلاف طبيعي إلى قضية أخلاقية، وكأن الفضيلة لا تكتمل إلا بالتصفيق له.
ويتحدث عن التواضع بلهجة لا تعرف التواضع، وعن الرحمة بملامح لا تعرف اللين، وعن الأخلاق وكأنها ملكية خاصة مسجلة باسمه. يطالب الناس بخفض أصواتهم، بينما يرتفع صوته فوق الجميع. يدعو إلى كسر الأنا، لكنك لا ترى في المشهد إلا أنا ضخمة ترتدي عباءة الواعظ.
وإذا أخطأ شخص عادي، انطلقت الخطب والمحاضرات، وكثرت التحذيرات، وتحول الخطأ إلى دليل على انهيار المجتمع واقتراب النهاية. أما إذا أخطأ الواعظ نفسه، فإن اللغة تتغير فجأة. يصبح الخطأ اجتهادًا، والسقطة زلة عابرة، والنقد مؤامرة، والمحاسبة سوء أدب. فجأة تكتشف أن المبادئ التي كانت صارمة مع الجميع أصبحت قابلة للاستثناء عندما اقتربت من صاحب المنبر.
ومن أعجب مواهب هذا النوع قدرته على صناعة الذنب. تدخل المجلس وأنت شخص طبيعي، فتخرج معتذرًا عن أشياء لم تخطر ببالك أصلًا. تشعر بأنك مسؤول عن كل خلل في هذا العالم، بينما يغادر الواعظ مقتنعًا بأنه أدى رسالته على أكمل وجه، لأنه نجح في تحميل الآخرين أوزارًا إضافية، لا في تخفيفها عنهم.
ولا يكاد يحتمل سؤالًا خارج النص الذي أعده مسبقًا. فالأسئلة عنده ليست وسيلة للفهم، بل تهديدًا لسلطته. ولذلك يفضل جمهورًا يحفظ أكثر مما يفكر، ويكرر أكثر مما يناقش. فالعقل المطيع أسهل إدارة من العقل الفضولي، حتى لو كان الثاني أكثر إخلاصًا للحقيقة.
المفارقة أن أكثر ما يرهق الناس ليس النصيحة، بل النبرة. فالكلمة نفسها قد تكون رحيمة إذا خرجت من إنسان يرى نفسه واحدًا من الناس، وقد تصبح مهينة إذا خرجت من شخص يتعامل مع الآخرين كأنهم طلاب فاشلون في مدرسة الفضيلة، وهو المدير الوحيد الذي يملك حق النجاح والرسوب.
ولو تأملت المشهد بهدوء، لوجدت أن المشكلة ليست في الوعظ، وإنما في تضخم الذات حين ترتدي ثوب القداسة. فعندما يصبح المنبر وسيلة لتعظيم النفس بدل تهذيبها، تتحول الموعظة إلى استعراض، ويتحول الإصلاح إلى استعلاء، ويصبح احترام الناس تفصيلًا لا يستحق الانتباه.
وربما لهذا السبب يخرج كثيرون من بعض المجالس وهم لا يتذكرون فكرة نافعة واحدة، لكنهم يتذكرون ذلك الإحساس الثقيل بأن أحدًا أمضى ساعة كاملة ينظر إليهم من أعلى. وعندما يصبح الاحتقار أسلوبًا، والتعالي عادة، والتوبيخ هواية، فلا عجب أن يبدو بعض الوعاظ وكأنهم يتغوطون علينا بلا خجل، ثم ينتظرون منا أن نصفق لهم لأنهم سموا ذلك نصيحة.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذباب الإكتروني
- أقدام وأفواه
- إبراهيم فريحات... حضور الباحث حين يتحدث العقل قبل الصوت
- النهر الذي نسيه الماء
- متحف الشمع
- 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقه ...
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم
- ما لا يُقال للصغار
- هل التاريخ سجل مغلق؟
- خصخصة الانسان العراقي: بداية النهاية
- توبيخ العقل الشرقي: قراءة في أزمة التفكير والتغيير
- أعلى ما فيهم من البقاء
- ابن رشد والعقل: درس في التفكير المستقل
- كل شيء يتغير إلا قانون التغيير
- كوخ أنابيري
- دولة اللصوص


المزيد.....




- حسابات داعمة لإسرائيل تروج لفيديو مضلل يزعم -استعباد المسيحي ...
- شيخ الأزهر يحذر من مستقبل مجهول دون ضبط الذكاء الاصطناعي
- بعد دقائق؛ سينشر آية الله السيد مجتبى خامنئي، قائد الثورة ال ...
- قائد الثورة الاسلامية: للانتفاضة الحسينية واقامة الحق واصلاح ...
- السيد مجتبى الخامنئي: الثورة الإسلامية والحركة الإسلامية في ...
- السيد مجتبى الخامنئي: شرف القضاء في نظام الجمهورية الإسلامية ...
- قائد الثورة الاسلامية: متابعة حقوق الشعب الإيراني أولوية قضا ...
- الرئيس الفلسطيني يحذر قادة دول وبابا الفاتيكان من إجراءات إس ...
- حرس الثورة الاسلامية يعلن استهداف مواقع للجيش الأميركي في ال ...
- لبنان.. الجماعة الاسلامية تعلق على توقيع الاتفاق الإطاري مع ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي جاسم ياسين - ماذا يبدو الكثير من الوعاظ وكأنهم يتغوطون علينا بلا خجل؟