أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - 90 دقيقة من الأمل… والهدف الرابع














المزيد.....

90 دقيقة من الأمل… والهدف الرابع


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 11:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial

لا ينبغي الاستخفاف بكرة القدم. فهي واحدة من آخر اللغات المشتركة التي ما زالت قادرة على جمع الناس حول معنى. نختلف في السياسة والفكر والأذواق، لكن، حين يدخل الملعبَ "علمُ مصر"، يعلو الانتماءُ فوق كل التفاصيل والاختلافات. لم تكن المواجهة بين مصر ونيوزيلندا مجرد مباراة كرة قدم. فالمباريات تنتهي مع صافرة الحكم، لكن بعضها يظل تمورُ داخل الناس آمادًا. تسعون دقيقة أخرجت ملايين المصريين من بيوتهم وهموهم إلى مساحة أرحب من الحياة. مساحة تسمح بالترقّب الممزوج بالأمل، والهتاف المجدول بالقلق، والشعور الواثق بأن الفرح ما زال ممكنًا.
في تلك الليلة، لم تكن الكرة تتواثبُ فوق عُشب الملعب، بل تخفقُ في قلوب ملايين المصريين. من مقهى صغير في قرية، إلى شرفة تُطل على النيل، إلى عائلات التفّت حول الشاشات في المدن المزدحمة، وكان خيطٌ خفي يربط الجميع: الرغبة في انتزاع الفرح.
لا أفهم كثيرًا في خُطط اللعب والمدارس الكروية، وتحليل التسلل والركنيات، لكنني أفهم جيدًا ذلك الشعور الإنساني الماسّ الذي يتسلل إلى القلوب حين تفرح أمةٌ بأكملها في اللحظة نفسها. في تلك الليلة، لم تكن مصر تشاهد مباراة، بل كانت تتأمل صورتها منعكسة على صفحة خضراء شاسعة، تتواثب فوقها أحلامُ الانتصار والرجاء. وفاز المنتخب المصري على نيوزيلندا بثلاثة أهداف مقابل هدف. هكذا تقول النتيجة المجردة. لكن الأرقام، على دقّتها، تعجز عن رواية الحكاية كاملة. فما حدث لم يكن مجرد ثلاثة أهداف سكنت شِباك المنافس، بل ثلاث لحظات شعر فيها المصريون بأنهم يقفون معًا في صف واحد، وينظرون إلى الاتجاه نفسه.
خطر لي وأنا أتابع المباراة بيت "المتنبي”: "ولم أرَ في عيوبِ الناس شيئًا/ كنقص القادرين على التمام". فالأممُ، مثل الأفراد، تحتاجُ بين الحين والآخر إلى من يذكّرها بقدرتها. تحتاج إلى لحظة ترى فيها تلألؤَ أجمل ما لديها على وجه الحياة. وحين رأى "المتنبي" في مصر ما جعله يقول: "ومصرُ الرجالُ وشتى الرجال”؛ لم يكن يتحدث عن مباراة كرة قدم، بل عن طاقة بشرية هائلة تختزنها هذه البلد، تظهر كلما أُتيحت لها الفرصة.
ثلاثة أهداف سجلها اللاعبون في شِباك نيوزيلندا. وأما الهدف الرابع، فقد سجله المصريون في شِباك العزلة التي تُفرّق، وفي شِباك القلق الذي يُثقل الأيام، وفي شِباك الاستهانة بالذات، وفي شِباك ذلك الشعور القاسي بأن الفرحَ صار ترفًا. ذاك هو الهدف الذي لا يظهر في الإحصاءات، ولا تحتسبه الفيفا، ولا يذكره المعلقون. لكنه، في ظني، كان أجمل أهداف المباراة. لأنه الهدفُ الذي يهزم ذلك الصوت الخافت الذي يهمس للشعوب أحيانًا: "لا تستطيعون. لقد تأخرتم كثيرًا، وسبقكم الآخرون”. لكن التاريخ الإنساني ليس سوى سلسلة من الانتصارات الصغيرة على هذا الصوت الكئيب. وما من شعب نهض إلا بعدما قرر أن يتوقف عن الإصغاء إليه. لذلك تبدو لحظات الانتصار الجماعي ضرورية للحياة مثل الأكسجين؛ إذْ تُذكرنا بأن الطريق لم يُغلق بعد، وأن الغد لم يكتب كلمته الأخيرة.
الأمم لا تُبنى بالمباريات وحدها، هذا صحيح. لكنها تُبنى بالثقة التي تولدها الإنجازات، كبيرة كانت أم صغيرة. فالنجاح مُعدٍ، مثل الفرح تمامًا. وحين يرى الطفلُ المصري علم بلاده يرتفع، يشعر بالفخر والانتماء. وحين يرى الشاب منتخب بلاده يقاتل حتى النهاية، يتعلم أن الإصرار ليس كلمة جميلة في كتب التنمية البشرية، بل سلوك عملي يصنع الفرح.
ولا يجوز أن يمرّ هذا الانتصار من دون تحية للكابتن "حسام حسن"، الذي تحمّل سهام النقد والشكوك، لكنه ظل واقفًا على خط التماس ممسكًا بخيط الحُلم. لهذا طالب لاعبيه بين الشوطين بأن يعودوا إلى الملعب بعقلية "المنتصر"، فكان التحول الكبير في الأداء والنتيجة. وتحية للاعبين الذين لعبوا باسم بلد عريق ثقيل الاسم غزير المجد اسمه: “مصر”. “مصطفى زيكو” الذي وضع هدف التعادل، "محمد صلاح"، الذي قاد العودة التاريخية بهدف، "محمود حسن تريزيجيه"، الذي وضع بصمته في اللحظة المناسبة فرسم هدف الأمان، و"مصطفى شوبير"، الذي حرس مرمانا كأسد غيور على مملكته. سُجلت الأهداف بأسماء أصحابها، لكن الفوز كُتب باسم فريق كامل؛ رجال تفرقت أدوارهم بين من أحرز، ومن صنع، ومن دافع، ومن وجّه، لينسجوا معًا تلك اللحظة النادرة التي تجعل شعبًا بأكمله يهتف في الوقت نفسه. وهذا هو الهدّافُ الرابع، الجمهور، الذي حمل وطنًا كاملًا إلى المدرجات.
غدًا تُطفأ الشاشات، ويعود الناسُ إلى مشاغلهم، لكن شيئًا سيبقى، لا يُقاس بالأهداف وبالنقاط: ذلك الإحساس الدافئ بأن الأمل عصيٌّ على الموات. وأن كرة صغيرة تدحرجت فوق عشب بعيد، سجلت هدفًا تاريخيًّا في مرمى الاستهانة بالنفس، وأن الأمل، مثل الكرة، يغيّر اتجاهه في لحظة ليجد طريقه إلى الشِباك.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذي أورثني قلبًا عاطلا عن البغضاء
- الاختلافُ… وفنُّ بناء الجسور (3)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (2)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (1)
- في مقام : -علي الحجار-
- ماما… لم أعد بِحاجةٍ إليكِ!
- علمانيون… حين تموتُ الثقافةُ كمدًا!
- الأضحى… أكبرُ من الخوف
- قشور … سيدة البحار
- -طبلة الستّ-… حلويات مصر… صانعاتُ الفرح
- -توفيق الدقن-… الشريرُ الظريف
- عبدُ الرحمن أبو زهرة
- السَدَنَة!
- كرامةُ الفنّ… وداعًا -هاني شاكر-
- شهاداتٌ عُليا… على رفِّ الانتظار
- “رادار- CIC يرصدُ جرائمَ بلا وجوه
- ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق
- نخلةٌ … وجَرّةُ ماء
- هل للذكاء الصناعي مشاعرُ؟!
- -اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!


المزيد.....




- حسابات داعمة لإسرائيل تروج لفيديو مضلل يزعم -استعباد المسيحي ...
- شيخ الأزهر يحذر من مستقبل مجهول دون ضبط الذكاء الاصطناعي
- بعد دقائق؛ سينشر آية الله السيد مجتبى خامنئي، قائد الثورة ال ...
- قائد الثورة الاسلامية: للانتفاضة الحسينية واقامة الحق واصلاح ...
- السيد مجتبى الخامنئي: الثورة الإسلامية والحركة الإسلامية في ...
- السيد مجتبى الخامنئي: شرف القضاء في نظام الجمهورية الإسلامية ...
- قائد الثورة الاسلامية: متابعة حقوق الشعب الإيراني أولوية قضا ...
- الرئيس الفلسطيني يحذر قادة دول وبابا الفاتيكان من إجراءات إس ...
- حرس الثورة الاسلامية يعلن استهداف مواقع للجيش الأميركي في ال ...
- لبنان.. الجماعة الاسلامية تعلق على توقيع الاتفاق الإطاري مع ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - 90 دقيقة من الأمل… والهدف الرابع