أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - -البوق-: عندما يبتلع المرء صوته














المزيد.....

-البوق-: عندما يبتلع المرء صوته


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 08:59
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


"البوق": حين يبتلع الإنسان صوته

تُعدّ قصة "البوق" القصيرة، التي كتبتها ميسون حنا، قصة رمزية رائعة، موجزة لكنها غنية بالمعاني العميقة. فهي تُجسّد إحدى أكثر العلاقات تعقيدًا بين الإنسان ومن حوله، ألا وهي علاقة صاحب الرسالة بالجمهور، والذات الحقيقية بانعكاسها الذي يُشكّله الجمهور. إنها قصة التحوّل التدريجي من صاحب رسالة يُنير حياة الآخرين إلى كائن فقد هويته في سعيه وراء التصفيق.

منذ الجملة الأولى، ترسم الكاتبة صورة شعرية بديعة لشخصية مميزة: "كان يغزل من خيوط الشمس قنديلاً يضيء به عتمة البائسين"، أي "نسج مصباحًا من أشعة الشمس ليُنير ظلام البائسين". يتضح منذ البداية أن الشخصية الموصوفة ليست مجرد بطل عادي، بل هي شخصية ذات طبيعة مُخلّصة، تخدم الآخرين وترغب في إنارة حياتهم. ويزيد تدفق المال في يديه وتبرعه الفوري من سخائه.

لكن لهذه القصة أبعادٌ أعمق بكثير من معناها الأخلاقي الظاهر. فالحب الذي يختبره البطل يتحول من مجرد مصدرٍ للطف الإنساني إلى مصدرٍ للإدمان النفسي. وهنا يكمن التحول الفني والأيديولوجي في النص قيد الدراسة. فبعد أن رأى الامتنان في عيونهم من قبل، بات يرى انعكاس صورته فيها الآن. لم يعد الأمر متعلقًا بالآخرين، بل بنفسه، بصاحب الرسالة لا بالرسالة، بالفعل وانعكاسه.

يُظهر البناء الرمزي البارع الذي استخدمته الكاتبة هذا التحول بوضوح. يختبئ البطل عمدًا ليشعر بحفاوة الاستقبال عند عودته. وكلما ازدادت حاجته إلى التقدير، ابتعد عن ذاته.

في هذه القصة القصيرة، يُمثل البوق رمزًا محوريًا، وهو رمزٌ دقيقٌ للغاية. فالبوق ليس أداةً لصنع المعنى، بل هو تكرارٌ للأصوات، يُضفي عليها صدىً. بتحوله إلى بوق، يتوقف البطل عن كونه خالقًا للنور، إذ يفقد قدرته على الإبداع ويتحول إلى آلة موسيقية تُردد ألحانًا كتبها آخرون. وهنا تكمن المفارقة: من كان يُبدع نوره أصبح أداةً للضجيج. أما المتملقون المحيطون بالبطل، فهم رمزٌ لأولئك الذين يتغذون على خلق هالة حول بعض الأفراد، فهم لا يُقدّرون إلا المظهر لا الجوهر. ولذلك يُهجر البطل حالما يكف عن كونه ناطقًا باسمهم.

أبرز ما في النص هو أن فقدان الهوية يسبق النهاية نفسها. فالجملة التي يُدرك فيها البطل أنه "أصبح بلا ملامح" تُمثل ذروة القصة الفكرية. من المستحيل أن يصبح المرء لا أحد (لا شيء) بين ليلة وضحاها، بل يحدث ذلك تدريجيًا أثناء سعيه وراء صورته أمام الآخرين. وعندما يُحاول استعادة هويته المفقودة بالعزف على البوق، يختار الوسيلة نفسها التي جعلته بلا هوية. لذلك يستحيل عليه ذلك، ولا يفعل شيء سوى البكاء.

من الناحية اللغوية، تستخدم القصة لغة أدبية راقية، تجمع بين البلاغة والأسلوب السردي الموجز. النص شديد الإيجاز، ومع ذلك يبدو متكاملاً ومتسقاً بدلاً من أن يكون متقطعاً. يتحول إلى ما يشبه "أبجدية القصص" أو ما يعرف بـ "القصة-الرمز"، حيث يُروى كل شيء بالإيحاء لا بالحبكة. من المصباح إلى البوق - إنها أيضاً رحلة من النور إلى الصوت، رحلة زاخرة بالمعاني الجمالية والفكرية.

في الختام، تُعدّ "البوق" نقداً لاذعاً للشهرة والمديح وإغراء الصورة. إنها قصة نرى فيها كيف يفقد المرء ذاته الحقيقية عندما يُقيّم نفسه بناءً على آراء الآخرين، وكيف أن الجماهير التي تُثني عليه ستتركه يوماً ما بلا شيء سوى صدى صوته. ولهذا السبب يمكن اعتبار النهاية المأساوية للبطل ليست فقط لأنها تُظهر سقوطه، ولكن لأنها تُسلط الضوء على الثمن الباهظ الذي دفعه مقابل فقدان إنسانيته.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البوق والطبّالين || أغنية
- العائلة في مواجهة المؤسسة: خطأ طبي كرمز للفساد المجتمعي
- حقّ الغلابة ما يموتش || أغنية
- وجع الحكيم ونقص المعرفة: تفسير لقصة -وجع أمسناو-
- وجع الحكيم || أغنية
- هموم عشية مغادرة المنزل: تفسير للعنف الصامت في قصة أمينة شرا ...
- تعب طول النهار || أغنية
- صرخة كرامة باسم الخداع: تحليل لقصة -صرخة في وجه المستحيل-
- ما انكسرش ضهري || أغنية
- الغبار بوصفه قدراً وجودياً: تأملات في التلاشي والهوية في قصة ...
- كلّه غبار || أغنية
- المدينة التي تأكل أبناءها: قراءة نقدية في قصة -ولائم الموت ا ...
- الدنيا بتبدّل الحراس || أغنية
- وجوه تاهت في أعماق الذات: تحليل نقدي لقصة -وجه بلا جهة- لصال ...
- مين فينا أنا؟ || أغنية
- كشك الحكاية... الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في م ...
- كُشك الحكايات || أغنية
- بائع الطعام بين الخيانة والخطيئة: مأساة الحياة البشرية في لح ...
- وجع الزميط || أغنية
- الغابة أم الهروب الذاتي؟|| دراسة نقدية لقصة -الهارب من المدي ...


المزيد.....




- أمريكا.. المحكمة العليا تؤيد احتساب بطاقات الاقتراع البريدية ...
- مصر: المؤشر الرئيسي للبورصة يغلق دون 50 ألف نقطة وخبراء يوضح ...
- لأول مرة.. جرس افتتاح بورصة نيويورك يقرع من المكتب البيضاوي ...
- بين النفي الإيراني والتأكيد الأمريكي.. هل تشهد الدوحة جولة ت ...
- نبيل بنعبد الله يعزي الرفيق محمد الحناوي عضو اللجنة المركزية ...
- ترامب يعلّق على قرار تاريخي وغير مسبوق في القضاء الأمريكي
- مشجعو أسود الأطلس واثقون بالفوز
- نتنياهو: طلبوا مني قبول مطالب حماس والانسحاب من غزة ولكني رف ...
- رفض لإجراءات إسرائيل بالحرم الإبراهيمي
- مصر: انسحاب إسرائيل أساس نجاح الاتفاق


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - -البوق-: عندما يبتلع المرء صوته