أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - طبيعة المرأة ؟














المزيد.....

طبيعة المرأة ؟


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 02:35
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تقول سيمون دو بوفوار في عبارتها الشهيرة: «On ne naît pas femme : on le devient»، أي: «لا نولد امرأة، بل نصير كذلك.» ولعل هذه العبارة من أكثر العبارات الفلسفية التي أسيء فهمها، إذ ظن كثيرون أنها تنكر الحقيقة البيولوجية للأنوثة، بينما لم يكن قصد دو بوفوار ذلك إطلاقًا. فهي لا تنفي أن الإنسان قد يولد بجسد أنثوي، وإنما تميز بين الأنوثة بوصفها معطى بيولوجيًا، وبين «المرأة» بوصفها هوية اجتماعية وثقافية تتشكل تدريجيًا داخل المجتمع. فالبيولوجيا تمنح الإنسان جسدًا، أما المجتمع فهو الذي يضفي على هذا الجسد معانيه وأدواره وقيمه.
تنطلق دو بوفوار في ذلك من الفلسفة الوجودية، ولا سيما من الفكرة التي بلورها جان بول سارتر حين قال إن «الوجود يسبق الماهية». فليس الإنسان، في نظر الوجوديين، كائنًا يولد مزودًا بجوهر ثابت يحدد ماهيته أو طبيعة ما سيكون عليه، بل إنه يصنع ذاته من خلال أفعاله واختياراته وعلاقته بالعالم. وتطبق دو بوفوار هذا المبدأ على المرأة، فترى أنه لا يوجد «جوهر أنثوي» يجعل المرأة بطبيعتها رقيقة أو مطيعة أو أمومية أو عاطفية أو مهيأة لأدوار معينة، بل إن هذه الصفات تُغرس فيها عبر التربية والعادات والتعليم والدين واللغة والصور الثقافية السائدة، حتى تبدو مع مرور الزمن وكأنها صفات طبيعية، مع أنها في الأصل نتاج بناء اجتماعي طويل ومعقد.
ومنذ الطفولة يبدأ المجتمع في ترويض ونحت وتكوين الأطفال في قالب محدد وتعلم ما ينتظره المجتمع منهم؛ فتُربى الطفاة على طريقة معينة في الجلوس والكلام واللباس، وتُشجع على الاهتمام بالمطبخ وتنظيف البيت والإهتمام بإخوتها أكثر من اهتمامها باستقلالها، ويُرسخ في ذهنها أن قيمتها تكمن في أن تكون زوجة صالحة مطيعة وصامتة أو أمًا مثالية أو موضوعًا لنظرة الآخرين. وهكذا لا تصبح المرأة امرأة بفعل الطبيعة، وإنما عبر سلسلة من الممارسات اليومية التي تشكل شخصيتها وتحدد لها المكان الذي ينبغي أن تشغله داخل المجتمع. وما يبدو للناس فطريًا ليس في حقيقة الأمر سوى نتيجة للتكرار المستمر والتنشئة الاجتماعية والتدريب والتربية والتقويم والتهذيب والتشذيب والقهر.
ومن هنا ترتبط هذه الفكرة بمفهوم الحرية، وهو المفهوم المركزي في الفلسفة الوجودية. فالإنسان، في نظر دو بوفوار، يولد حرًا من حيث الإمكان، لكنه قد يُحاصر بمنظومة من التصورات التي تمنعه من تحقيق هذه الحرية. لذلك ترى أن المرأة كثيرًا ما تُعامل لا بوصفها ذاتًا مستقلة، بل بوصفها «الآخر»؛ أي إنها تُعرَّف دائمًا بالنسبة إلى الرجل: فهي زوجته أو ابنته أو أمه أو حبيبته، بينما يُنظر إلى الرجل باعتباره الإنسان المعياري الذي لا يحتاج إلى تعريف إضافي. ولهذا كتبت في كتابها الجنس الآخر أن الرجل يمثل «الذات»، في حين تُدفع المرأة إلى موقع «الآخر»، وهو وضع يحرمها من أن تكون فاعلة في تعريف نفسها بنفسها.
ولا تعني عبارة «نصبح كذلك» أن هناك لحظة واحدة تتحول فيها الأنثى البيولوجية إلى امرأة، بل تشير إلى عملية مستمرة تتغير بتغير الأزمنة والمجتمعات. فما يعتبره مجتمع ما صفة أنثوية قد لا يكون كذلك في مجتمع آخر، وما كان يعد واجبًا طبيعيًا للمرأة في عصر معين قد يفقد معناه في عصر آخر. وهذا يدل، في نظر دو بوفوار، على أن مفهوم «المرأة» ليس حقيقة أزلية، بل بناء تاريخي وثقافي قابل للتغيير.
ولذلك فإن نقدها لا يتجه إلى الاختلاف البيولوجي بين الذكر والأنثى، وإنما إلى تحويل هذا الاختلاف إلى مبرر لإنتاج أحكام اجتماعية نهائية. فكون المرأة قادرة على الإنجاب لا يعني بالضرورة أن مكانها الطبيعي هو البيت والمطبخ وتربية الأطفال، وكونها تختلف عن الرجل في بعض الخصائص الجسدية لا يستلزم أنها أقل قدرة على التفكير أو القيادة أو الإبداع أو أنها لا تساوي سوى نصف الرجل. إن هذه الاستنتاجات، ليست قوانين فرضتها الطبيعة، بل تأويلات صنعها المجتمع ثم قدمها كما لو كانت حقائق لا تقبل النقاش، وبالذات حين تصبح حقائق مختومة بالقداسة ومحاصرة بترسانة الإرهاب الديني.
وفي النهاية تختزل هذه المقولة تصورًا فلسفيًا عميقًا للإنسان؛ فالجسد يمنحنا نقطة البداية، لكن المجتمع يحدد كثيرًا من الأدوار التي نؤديها، ويبقى للفرد، رغم كل الضغوط، هامش من الحرية يستطيع من خلاله أن يعيد تعريف ذاته. ولهذا لم تكن عبارة دو بوفوار دعوة إلى إنكار الطبيعة، بل كانت دعوة إلى التمييز بين ما تفرضه البيولوجيا وما يصنعه المجتمع، وإلى الاعتراف بأن الهوية الإنسانية ليست قدرًا مغلقًا، وإنما مشروع يتشكل باستمرار، ويظل مفتوحًا أمام إمكانات الحرية والاختيار.



#سعود_سالم (هاشتاغ)       Saoud_Salem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنسان كمشروع
- الإرشيف
- بقايا
- الزمن المثقوب
- الإعلام والدعاية الصهيونية
- إسرائيل والبحث العلمي
- دولة الموساد
- إسرائيل : جيش له دولة
- وغرق البحر
- البحث عن المعنى الضائع
- الحرب والصراع الطبقي
- محاولة يائسة لمواجهة الحرب
- الدولة: العدو الأول للمواطن
- منطق الحرب « نحن - و - هم-
- إسرائيل وعقدة إيران
- الأشياء الصغيرة
- فشل التمرد
- ثورة ديسمبر
- الإعداد لتمرد ديسمبر
- الرؤيا


المزيد.....




- أمريكا.. المحكمة العليا تؤيد احتساب بطاقات الاقتراع البريدية ...
- مصر: المؤشر الرئيسي للبورصة يغلق دون 50 ألف نقطة وخبراء يوضح ...
- لأول مرة.. جرس افتتاح بورصة نيويورك يقرع من المكتب البيضاوي ...
- بين النفي الإيراني والتأكيد الأمريكي.. هل تشهد الدوحة جولة ت ...
- نبيل بنعبد الله يعزي الرفيق محمد الحناوي عضو اللجنة المركزية ...
- ترامب يعلّق على قرار تاريخي وغير مسبوق في القضاء الأمريكي
- مشجعو أسود الأطلس واثقون بالفوز
- نتنياهو: طلبوا مني قبول مطالب حماس والانسحاب من غزة ولكني رف ...
- رفض لإجراءات إسرائيل بالحرم الإبراهيمي
- مصر: انسحاب إسرائيل أساس نجاح الاتفاق


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - طبيعة المرأة ؟