أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - مجنون طائر الحسون















المزيد.....



مجنون طائر الحسون


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 18:50
المحور: الادب والفن
    


يغادر الفتى زنزانة البيت قبل استيقاظ الضجيج. لا يحمل زادا، يحمل حسونا يغرق في الوانة زاهية في قفص صدئ، يقف وسط القفص ويطلق تغريدات اكثر روعة، وشباكا حاكها من خيوط أكياس الإسمنت البالية، تذكره كلما لمسها برائحة العرق الممزوج بالغبار في ورشات البناء. في رأسه تضطرب معادلات الاحتمالات والمتتاليات اللانهائية، في يده بقايا أحلام يطارد بها طيورا لا تطلب أكثر من قطرة ماء. يهرب من الواقع لا إلى الخيال، إلى الخلاء والضيعات ليست مرتعا للرفاهية، بل مقابر موحشة للأشجار الذابلة التي تئن تحت وطأة الشمس العمودية. يغرس الأغصان في الأرض الصلبة كمن يغرس خنجرا في جسد عدو. يراقب انعكاس السماء على وجه الجدول الراكد، يرى فيه وجه المدينة المشوه؛ الجميع يغوي الجميع بالارتواء، الجميع يتربصون ببعضهم لانتزاع الأنفاس. يصمت الفتى، صمتا لا يشبه هدوء الطبيعة، يشبه صمت الحسابات قبل انفجار النتيجة. لا يصطاد العصافير، يمارس تمرينه اليومي في كيفية الإيقاع بالجمال وسط خرائب هذا العالم. هبط السرب كغيمة من ريش وأصوات خافتة تتهجى العطش. لم تدرك الطيور أن الماء في الجدول فخ مرسوم بدقة عالم رياضيات، انعكاس السماء على صفحته فخ بصري يمهد للسقوط.
تشنجت أصابع الفتى المشدودة إلى حبل الشباك. نبضة واحدة، حركة مباغتة من يده، انطبق القفص الهوائي على الأجنحة المرتجفة. انطلق كسهم أفلت من قوس قدر أعمى، ركض فوق الأرض القاحلة قبل استيعاب العصافير حقيقة سجنها الجديد. بأصابع متمرسة باردة كحسابات الجبر، كبل الأجنحة، أودع الناجين في كيس مشبك يتنفس ريحا قاسية، العصافير التي لم يسعفها الحظ لتغريد يطرب أذنيه، تحولت في لحظة إلى مجرد مادة للذبح.
تحت ضوء الشمس الذي يغلي كزيت في مقلاة، نظف الفتى صيده بمهارة جراح يقتلع ورما. أشعل نارا صغيرة من أغصان يابسة، رص اللحم الطري فوق الجمر المتوهج. استل سيجارة شقراء أشعلها، راقب الدخان يتصاعد ليمتزج برائحة الشواء تملأ المكان بعبق وحشي.
راقب قطرات الدسم تفر من بين الألياف المحترقة، تسقط فوق النار فتطلق أنينا صغيرا ودخانا كثيفا. لم يكن الفتى طالبا أو صائدا، الحياة تختصر في لذة عابرة بين طعم الشحم المتساقط ونكهة التبغ المر.
داخل القفص الصدئ، يقف الحسون ككاهن مرتد، يمارس طقس الخيانة ببراعة تفوق قدرة البشر. ريشه الباهت يخفي حنجرة هي الأداة الأشد فتكا في ترسانة الفتى. يلمح الحسون ظلا محلقا في كبد السماء، يتردد في الأفق صوت غريب، ينتفض جسده الصغير، يطلق نغمات متفجرة، تغريدا يحمل وعودا كاذبة بالأمان والماء.
تلك الألحان ليست موسيقى، نداء استدراج متواطئ. الصدى يفتن الأسراب البعيدة، يسحبها من شاهق الفضاء إلى حافة الفخ. تقترب عصافير الدوري بجناحين مضطربين، يحط الورشان بوقار مخدوع، تلوح في الأفق نظرة العوسق المتربص يراقب الوليمة من عل، يخرج الشحرور من مخابئه الضيقة بين أغصان التين وأشواك الصبار، مسحورا بنداء يعده بالرفقة في أرض لا تعرف الرحمة.
يراقب الفتى المشهد من خلف ستار الغبار، يرى في عين حسونه شريكا يدرك اللعبة جيدا. كلما اشتد توتر التغريد، زاد توتر الحبل في يد الصياد. الفتى والحسون كيان واحد، أحدهما يملك الحيلة في أصابعه، الآخر يملك السحر في حنجرته. في هذه الرقعة المنسية من الأرض، يتحول الجمال إلى طعم، تتحول العذوبة إلى سلاح يسقط الغرباء في قبضة العدم، يظل الحسون مغردا، غير مبال بأن التغريدة القادمة قد تكون مرثية لمن سيحط ليلقى حتفه.
تغيرت ملامح الوادي. الأشهر الأولى كانت عزلة بضعة أنفار، كل صياد يمتلك رقعته الخاصة على جنبات الضيعات، يمارس صمته وطقوسه. بدأت تلوح في الطرقات أفواج، صيادون يظهرون مثنى وثلاث ورباع. أصبح الحسون عملة نادرة في المدن الكبرى، نشأت له سوق وعشاق يتمددون في الأحياء والشوارع، تنمو شهيتهم لالتهام الجمال المحبوس خلف القضبان.
أصبح الصيد شحيحا مع توالي الفصول، خاصة في قيظ الصيف. انتهت عملية التفريخ، توارت صغار الحسون في أحراش النباتات الوحشية الشائكة. هناك، بين الأشواك والديدان، تنمو أفراخ جديدة بعيدا عن أيدي المتربصين. انحسرت الغنيمة، ساد توتر صامت بين الصيادين، بات كل واحد يراقب الآخر بعيون ذئاب جائعة، يتحينون لحظة ظهور ريش جديد في الأفق، لحظة انبعاث صرخة طائر من بين أغصان الصبار واشجار السرو والكاليبتوس العالية. أصبح المكان ساحة صراع على ما تبقى من طرائد، صراع مرير يمزق هدوء الضيعات، يحول الغابة إلى مسرح للمطاردة المحمومة، حيث الجوع البشري لا يشبع، والجمال يغدو ضحية لمطالب أسواق المدن المتعطشة.
مروان سرور، لا يبحث عن الربح. يرى في العزلة، الفرار من ضجيج المدينة، حرية مشتهاة. توطدت علاقته بشباب اخرين من احياء اخرى من المدينة، جمعهم الولع، حب التغريدات. الألوان الحمراء، البنية، الصفراء، السوداء على ريش الحسون، أعظم متعة.
حين تقترب الدراسة، يطوي الصفحة، يغرق في المعادلات الرياضية. يعلق أقفاصا على سور المنزل، يشتري الحبوب، يوفر الطعام، الماء. يغسل الأقفاص من البزاق، يطرد الحشرات، يمنع تعفن المكان. الهواية، المتعة، عالم خاص ينسجه بعيدا عن صخب العالم، يجد في صمت الحسون، في ألوانه، في إيقاع تغريده، توازنا يضاهي صرامة الأرقام في دفاتره. لا يملك طيورا، يملك أرواحا صغيرة، يعتني بها كمن يعتني بقطعة من قلبه، يحميها من قسوة الأيام، يغمرها بعناية تحول بيته إلى واحة حية من الريش الملون واللحن الصافي. غاب الحسون، تلاشت معه الموسيقى. تحول السور إلى ذاكرة حزينة، فراغ يتسع ليضم غربة مروان. في زاوية الغرفة المعتمة، لم يعد يرى العالم كمعادلات رياضية، صار يراه كخسارة مستمرة. الأب، ذلك السد المنيع، ظن أنه يقطع دابر التضييع، قطع في الحقيقة أوتار الروح.
في درج المنزل المهجور في الزقاق على مقربة من المنزل، حيث رائحة الغبار تمتزج بعبق الخمر الرخيص، الوقت يسيل لزجا. الشاب ذو المعطف الطويل، رفيق الشتات، يتحدث عن أزقة الحي كأنها سراديب تبتلع الأرواح. الكأس الأول مسح حدة الذاكرة، الكأس الثاني ذوب الحواجز بينهما. صار الحديث عن بنات الحي وعن دور الدعارة ليس مجرد ثرثرة، صرخة ضد هذا الوجود المشوه. كانا يتقاسمان ضياعا مشتركا، أحدهما هدم عالمه من الداخل بفقده لطيوره، والآخر هدم العالم ثقته بكل شيء. المدينة تمتد كوحش يتربص بالناجين، بينما في الداخل، كان مروان يغوص أكثر في لزوجة الخمر، يراقب دخان سيجارة الشاب وهو ينسج دوائر ضبابية في هواء المكان الكئيب. لم يعد مروان يحلم بتغريد، صار يحلم بالنسيان. وتحول التلميذ النجيب إلى رجل يحمل في صدره ثقلا لا تدركه الجداول الرياضية، والجمال في الزقاق ليس سوى طعم، وأن الهروب ليس إلى العصافير، بل إلى غيبوبة تستر عري الواقع.
لم يعد البيت زنزانة، صار قاعا بئريا تتردد فيه أصداء طيور لم تعد موجودة. في غرفة مروان، لم تعد الجداول الرياضية تحكم العالم، صار يحكمه سائل لا يرحم. الخمر هنا ليس للمتعة، لمذيب للأرواح الصلبة، المحلول الذي يحاول به إذابة تمثال الأب الذي يسكن صدره.
لم يكن انحراف مروان حدثاً عابراً في سجلات الحي؛ كان زلزالاً هز أعمدة الأسطورة التي بناها الأب لسنوات. في ذاكرة الجيران والطلاب، كان مروان هو المهندس المنتظر، الفتى الذي يمشط شعره بدقة زوايا المثلثات، والذي كان صمته هيبةً، ونجاحه حجةً على تقصير الآخرين. لكن، حين بدأت العدوى تنهش كيانه، انقلبت تلك الصورة إلى نقيضها المرعب.
في أروقة المدرسة، لم يعد مروان ذلك الطالب الذي يسبق أستاذه بخطوة في حل المعضلات. صار طيفا هزيلا، يقتحم قاعات الدرس متأخرا، عيناه الغائرتان في محجريهما تفضحان ليال لم تعرف النوم إلا في أحضان السكر أو في زوايا الزقاق المعتمة. كان حضوره يشيع رائحة مزعجة، مزيجا من تبغ رخيص، وعرق بارد، ورائحة غريبة تشبه احتراق شيء لا يخص هذا العالم.

الطلاب الذين كانوا يهرعون إليه لطلب المساعدة في دروس الجبر، أصبحوا الآن يتجنبون نظراته، ليس خوفا، بل شفقة ممزوجة بقرف لا يخفى. كانت تلك النظرات السريعة التي يلقونها عليه، وهي محملة بالخيبة، هي الأكثر إيلاما. كان مروان يلمح في أعينهم مرايا مشوهة، يرى فيها صورته كسقوط حر لذكاء كان يوما موضع حسد.

أما الجيران، فقد تحولوا من مشجعين إلى حراس أخلاق. في كل مرة يعبر فيها مروان الزقاق، مترنحا بجسده الذي فقد استقامته، كانت الستائر تتحرك في حذر، والهمسات تلاحقه كأنها سياط خفية: أرأيت؟ هذا هو ابن المهندس الصارم.. لقد انكسرت المسطرة. لم تكن نظراتهم تحمل سوى التشفي المبطن بالصدمة، إذ كان سقوط مروان يمنحهم شعورا زائفا بالأمان، ففي سقوط النابغ عزاء لكل الفاشلين.
الأدهى من ذلك كان تكرار استدعاءات الإدارة. في البداية، كان مدير المؤسسة يواجه الأب بلغة العتاب التربوي، لكن مع تكرار مشاهد مروان وهو يغفو فوق طاولة الامتحان، أو يتفوه بكلمات نابية لا تليق بتلميذ النخبة، تحولت اللغة إلى إنذارات نهائية. كان الأب يدخل مكتب المدير بخطوات متصلبة، يرتدي قناعا من الجمود، يرفض الاعتراف بأن بناءه يتهاوى.
في تلك الاجتماعات، كان مروان يقف أمام أبيه والمدير، لا مباليا، يحدق في الفراغ، بينما كان الأب يحاول ترميمه بالكلمات: سيعود، إنه يمر بوعكة عابرة، سأجبره على الاستقامة. كان الأب يحاول معالجته بذات الطريقة التي كان يربي بها الحساسين: الضغط، الحزم، الإكراه. كان يظن أن جادة الطريق هي مجرد خط مستقيم يمكن للفتى العودة إليه إذا ضرب على يده بما يكفي.
لكن المحاولات كلها باءت بالفشل الذريع. كلما حاول الأب إجبار مروان على الدراسة، مروان يزداد هروبا نحو الهاوية. كلما زاد الأب من حراسته، تفنن مروان في ابتكار طرق جديدة للغياب، ليس عن المدرسة فحسب، بل عن الوعي. كان فشل عملية العودة ليس نقصا في الإرادة، انما تمردا جذريا على النموذج الذي أعده الأب له. لم يعد مروان يريد أن يكون ناجحا في نظر مجتمع يراقب سقطاته، بل أراد أن يكون محطما بشكل لا يمكن لأحد أن يرممه.
في تلك المرحلة، أصبح مروان هو الخطيئة الحية في قلب البيت. كان الصمت بينه وبين أبيه في ممرات المنزل ينبض بمرارة لا توصف؛ الأب يراقب بناءه وهو ينهار بفعل إرادته هو، والابن يراقب جلاده وهو يعجز عن فعل أي شيء. لم تكن المسألة مجرد دراسة أو سكر، كانت حربا باردة، فيها مروان يغرق ليعلن أن طريق الأب لم يعد له أي وجهة.
يجلس مروان مع رفيقه، الغرفة خانقة، تنبعث منها رائحة عفونة محببة، رائحة الخمر الرخيص الممزوج بتبغ يحرق الحناجر. الزجاجة على الطاولة ليست مجرد وعاء، إنها ساعة رملية لقياس سرعة تآكل الذات. في كل جرعة، يشعر مروان بأنه يفكك المعادلة التي رسمها الأب، فهو الآن يكسر قواعده الخاصة، يسكر ليغسل بقايا البراءة التي كان يعتني بها في الأقفاص. الضحكات التي ترتفع في الغرفة ليست إلا تكسيرا لزجاج العقل، صرخة مكتومة ضد الانضباط الذي قتله.

انتقل مروان من ممارسة الصيد بالطيور إلى الصيد بالرغبة. صار يرى أجساد النساء اللواتي يتردد عليهن في تلك الدور المنسية، كأنها أقفاص بشرية. في تلك الأماكن، تحت أضواء خافتة تستر قبح الجدران، كان مروان يمارس بروده المعتاد، يحلل حركة الأجساد كما كان يحلل طيران الدوري، لكن بلا رحمة.
إن الغرق في الجنس لم يكن بحثا عن اللذة، كان بحثا عن العدم. في عيون النساء، يبحث عن انعكاس لصورته المشوهة التي صنعها الأب. كل علاقة عملية جراحية أخرى، يحاول فيها استئصال ألم الفقد، لكنه يكتشف أن الخمر والجنس ليسا سوى تمويه للخراب، لا دواء له.
اطبقت عليه ايادي حديدية، مترنحا وسط الشارع، يتعارك مع اشباح، يسب، يشتم، يسقط، ينهض، سيارة الشرطة معدن بارد يشق سكون الليل، نعش متحرك يبتلع ما تبقى من مروان، السكر في دمه سائل سريالي، يجعل أضواء المدينة المارة عبر النافذة خيوط ألم متراقص، مروان يترنح لا من الخمر وحده بل من ثقل السماء التي قررت أخيرا السقوط فوق كتفيه. توقفت السيارة أمام المخفر، مروان لا يخرج كمتهم، انما كغريب تائه يبحث عن مأوى في الجحيم، محاولة الأيدي الغليظة توجيهه، انتفاض في داخله لكل الأجنحة التي كسرت يوما، تحول العراك مع رجالات الأمن الى رقصة عبثية، ضرباته لا دفاع عن جسده، محاولة يائسة لتحطيم قواعد العالم الذي لا يفهم لغة التغريد، صرخ في وجوههم، صوت مأخوذ من حناجر الحساسين المذبوحة، نغمات مشروخة، كلمات تطالب بالعدالة، لجمال اغتيل في مهد الغرف المعتمة. تحت ضوء النيون الأبيض الشاحب، رؤية مروان انعكاسه في عيون الشرطي، شاب يمزق ثوبه الخاص، يمزق المهندس الذي سكنه قسرا، يحرر الوحش الذي صنعته التربية الصارمة، لا أمن ولا خارج عن القانون، مروان يواجه صورته في المرآة المحطمة للحياة، كل لكمة توجه لصوره، لا لرجالات الأمن، عراك الظلال، عراك صورة أبيه التي تسكنه تمنعه من التنفس.
سقوط مروان على بلاط المخفر البارد، لا هزيمة بل استسلام للقدر، في السكون الذي أعقب العاصفة، اختلاط صوت أنفاسه برائحة التبغ والزنزانة، حدوث الانبثاق ورؤية في السقف المتشقق خريطة لحياته، الأب في أقصى الزاوية، الأم تبكي بلا صوت، الحسون يغرد في قلبه رغم تعفن الروح.
ليلة القبض عليه ليست ليلة إهانة، انها ليلة تعري، نزع قناع التلميذ النجيب، نزع قناع السكير، لا يتبقى إلا الجرح، برد شديد، لا برد الزنزانة انما برد الحقيقة. صرخ بصوت مخنوق.

- أنا لا أحاربهم أنا أحارب الخواء الذي خلفوه في صدري.

انفتاح باب الزنزانة لاحقا، خروج مروان لا ليعود إلى الزقاق، انما ليعود إلى البيت، ليس البيت الذي جدرانه مسطرة، البيت الذي تتسرب إليه الشمس عبر ثقوب الأقفاص المكسورة، علم في عمق أعماقه، أن عودته ليست انكسارا، انها بداية الصلح الكبير مع الذات، تجربة قاع الكأس، وقاع الزنزانة، إدراك أن الجمال مهما كسر، يظل البوصلة الوحيدة التي تهديه ذات يوم إلى طريق العودة نحو حضن العائلة، ليس كابن مطيع انما كإنسان شفي أخيرا من قسوة المهندس. في تلك الليالي، حين يتصاعد بخار الأنفاس وتختلط رائحة الجلد برائحة العرق والمسكر، كان مروان يغلق عينيه. يرى في مخيلته الحسون الأعمى، يراه يحترق فوق الجمر، تماما كما يحترق هو الآن. أدرك مروان حقيقة قاسية، ورث مهنة أبيه دون أن يدرك. الأب ذبح هوايته، وهو يذبح روحه. صارت حياته عبارة عن مسلخ للملذات. لم تعد هناك مسافة بينه وبين الحسون، كلاهما يغرد سواء بالتغريد أو بالعلاقات العابرة لجذب الفريسة، وكلاهما انتهى به المطاف في قفص أكبر، زنزانة لا باب لها، زنزانة الرغبات التي لا تشبع. يمسح مروان وجهه بيده التي اعتادت أن تحكم قبضة الشبكة، وينظر إلى زجاجة الخمر المفرغة، يراها الآن كالقفص الصدئ، فارغة، ميتة، شاهدة على أن الجمال إذا كسر، لا يترك خلفه إلا سوادا يليق بليالي المدينة الغارقة في صمتها. انتهى الوقت. لم تعد الجدران قادرة على احتواء مروان، فخرج يترنح، يجر ذيول سكره كأثواب جنازة بالية. الليل يزحف نحو الفجر حين وصل إلى البيت، الباب لم يكن مغلقا، كان ينتظره ببرود يسبق العاصفة.
في الصالون الأب يجلس، ظهره مستقيم كخط مسطرة، يقرأ كتابا لا يراه، محاطا بهدوئه المقدس. حين دخل مروان، تفوح منه رائحة الخمر الممزوجة بتبغ الزقاق الرخيص، توقف الزمن. لم يلتفت الأب في البداية، لكن رائحة الخطيئة التي يحملها الابن أقوى من أن يتجاهلها.
توقف مروان، ارتجفت يده التي امسكت أقفاص الروح، ودت لو تخفي شيئا، لكنه قد تعرى تماما. حين رفع الأب رأسه، لم يكن في عينيه غضب عادي، هناك نظرة جراح، يرى ورما خبيثا في جسد ظن أنه أحكم تربيته. توقف في منتصف الصالون. الأب أغلق الكتاب بهدوء، ورفع نظره. الصمت في الغرفة كان خانقا. قال الأب بصوت جاف.
- تأخرت يا مروان.
ضحك مروان ضحكة قصيرة، خاوية، ثم ألقى بظهره على الحائط.
- كنت أتعلم دروسي.. في الخارج، حيث لا مساطر ولا معادلات.

رفع الأب رأسه ببطء، كانت عيناه تلمعان بغضب محبوس، لكن صوته ظل هادئا بشكل مستفز.
- هذه رائحة خيبة، لا رائحة علم. هذا حال من يضيع مستقبله في أزقة لا تؤدي إلى شيء.
اقترب مروان منه، تمايل قليلا ثم استند بكل ثقله على الطاولة، محدقا في عيني أبيه مباشرة.
-مستقبلي؟ كنت تريدني مهندسا يضع خطوطا مستقيمة، أليس كذلك؟ ها أنا ذا.. مستقيم تماما، لكنني ميت من الداخل. المسطرة التي استخدمتها لحساب زوايا مستقبلي، هي نفسها التي هشمت أجنحة طيوري. والآن تسألني لماذا لا أطير.
تنهد الأب، ولم يحرك ساكنا، وكأنه يراقب خللا في هيكل مبني، نظر إلى الأقفاص القديمة المهشمة في الزاوية، ثم إلى يد ابنه الملطخة برائحة الخمر، صمت طويلا قبل أن يهمس.
- كانت طيورا فقط يا مروان.. لم أكن أريد أن أصل بك إلى هنا.
هنا، فقد مروان توازنه، ليس جسديا فحسب، بل في نبرة صوته التي تحولت إلى عويل مكتوم.
-ليست طيورا! كانت الشيء الوحيد الذي يجعلني أرى العالم بشكل مختلف. عندما قتلتها، قتلت كل ما كان جميلا في داخلي.. وأنا اليوم لا أبحث عن السكر، أنا أبحث فقط عن شيء ينسيني أنك كنت السبب.
صمت الأب، وانكمشت ملامحه للحظة قبل أن يستعيد قناعه الصارم.
-أنت تفسد حياتك بيدك، وتلقي باللوم علي. هذه هي سهولة الضعفاء.

أخرج مروان زجاجة فارغة من جيبه، وضعها على الطاولة بقوة، لم تنكسر لكن صوت اصطدامها بالخشب بدا كطلقة في سكون الغرفة.
- الضعفاء؟ أنت من جعلني هكذا. أردتني نسخة منك، ونسيت أن النسخ لا تملك روحا. هذه الزجاجة ليست خمرة.. هذا هو كل ما تبقى من مروان الذي كان يعتني بالأقفاص.
نهض الأب، وقف طويلا في مواجهة ابنه. لم يكن غاضبا كما ظن مروان، بل بدا منكسرا، كمن يرى بناءه ينهار ولا يملك أدوات الإصلاح.
-لم أكن أريد أن أصل بك إلى هنا..
قاطعه مروان بصوت مخنوق، وهو يتراجع نحو الباب.
- لكن هذا ما فعلته.. قتلت شيئا في.
- لم أكن أحسب أن المسطرة التي تبني البيوت، قادرة على تهشيم الروح.
نهض الأب ببطء، ظهره لا يزال مستقيما، لكن نبرته اهتزت.
-لقد كانت طيورا، مجرد طيور.. هل هذا يستحق أن تضيع حياتك؟
صرخ مروان، وقد فقد السيطرة.
- كانت هي الروح! حين قتلت الحسون، قتلت الطريقة التي أرى بها العالم..
ساد صمت طويل. الأب تراجع خطوة، وكأن كلمة (أرى بها العالم) أصابت مقتلا. قال الأب بصوت خافت، وبدأ صموده يتفتت.

- أنت لا تفهم…
قاطعه مروان.- افهم ماذا ...؟

نطقها مروان بصوت متهدج، مشحون بمرارة السنين. اقترب من أبيه، وتلك الأقدام الثقيلة كانت تترك أثرا في السجاد، أثرا من العفن. انحنى مروان، وضع يده المرتجفة على الطاولة متجنبا السقوط، أسقط زجاجة فارغة كانت في جيبه، تدحرجت الزجاجة على الأرض، صدى اصطدامها بالبلاط كان كصوت انكسار قلبه حين كسر الأب قفصه. نظر إليه الأب، نظرة فارغة من العاطفة، نظرة مهندس يراقب مبنى ينهار بفعل خلل في الأساسات. قال الأب بصوت جاف كصحراء قاحلة.
-لقد أفسدت المعادلة يا مروان. لم تكن الطيور إلا تضييعا للوقت، والآن أنت تضيع الحياة نفسها.
ضحك مروان ضحكة مريرة، ضحكة تشبه نحيبا في قاع بئر.
- لا يا أبي.. لم أفسدها. أنا فقط طبقت قانونك ببراعة وها أنا ذا أذبح مروان الذي أردته.
رأى الأب في عيني ابنه انعكاسا لصرامة انقلبت وحشية. مروان لم يعد ابنا عاصيا، كان نسخة مشوهة من أبيه، نسخة أدركت أن العالم لا يستحق الصدق. لم يصرخ الأب، وضع كتابه بهدوء، كأنما يضع ملفا انتهت صلاحيته. نهض، مر بجانب مروان، ولم يلمسه، وكأن مروان لم يعد بشرا، مجرد خطأ حسابي لا يمكن إصلاحه.
وقف مروان في منتصف الغرفة، يراقب ظل أبيه وهو يبتعد نحو غرفته. لقد انتصر مروان في المواجهة، لكنه اكتشف أن الانتصار كان خسارة مطلقة، لم يعد يبحث عن الخمر ليغيب عن الوعي، ليبكي على الرجل الذي كانه، وعلى الأب الذي لم يعد موجودا، وعلى القفص الصدئ الذي أصبح الآن صدرا لا ينبض إلا بالخيبة. ساد صمت ثقيل في الغرفة، صمت لا تكسره إلا أنفاس مروان المتقطعة، التي بدت في عتمة الليل كأنها تغريد طائر مذبوح، يلفظ أنفاسه الأخيرة في زنزانة اسمها البيت. عاد الاب مرة اخرى الى الغرفة. ظل واقفا، صنميا، بانتظار أن يفرغ مروان سمه. استشعر مروان هذا الثبات، فاندفع كمن يفتح جرحا قديما بمشرط صدئ، صوته يترنح بين النحيب والتهكم.
-أتذكر يا أبي تلك الليلة؟ حين دخلت غرفتي، وطيوري تترنح؟ لم تكن تقطع خيطا في قفص، كنت تقطع شريان التواصل بيني وبين الحرية.
اقترب مروان خطوة أخرى، عيناه المحمرتان تلمعان في ضوء المصباح الشاحب.
- هل تعلم لماذا أغرق في الخمر؟ لأرى انعكاسا مشوها لصرامتك. الجمال الذي احتقرته، أنا لا أمارس الجنس واشرب الخمر، انا أمارس الانتقام من طهارتك الزائفة.
صمت مروان للحظة، صمت كان أثقل من رعد قادم، ثم أكمل بصوت منخفض، كأنه يهمس لسراديب روحه.
-أنت يا أبي لم تحمني، أنت فقط صقلت سيفا وجعلتني أطعن به نفسي.
تغير وجه الأب، لم يعد صامدا كما كان. رأى في عين ابنه خريطة لما صنعه به. كانت لحظة مكاشفة مرعبة، الأب يرى منتج تربيته، والابن يرى جلاده يتفتت. اقترب الأب، محاولا لمس كتف مروان، لكن مروان تراجع كمن يلمس جمرة.
- لا تلمسني بيد قتلت ألحاني.

صرخ مروان، وصوته يتردد في أرجاء البيت كصرخة طائر محبوس. تراجع الأب، واهتزت قامته للمرة الأولى. لم يجد ما يقوله، لأن منطق الرياضيات الذي عاش به حياته، لم يعد يملك حلا لهذه المعادلة البشرية المتمزقة. ترك مروان الغرفة، تاركا خلفه ثقلا لم يستطع الأب حمله. في تلك الليلة، لم يكن هناك فائز. فقط رجلان يتواجهان في غابة من الخيبات، أحدهما هدم المعبد، والآخر صار يسكن في أنقاضه، يغني بلحن لا يفهمه إلا الموتى.
كان مروان يهم بالخروج في تلك الليلة، خطواته المتعثرة توشك أن تبتلعها عتمة الممر، حين انفتح باب الغرفة الأخرى. لم تكن الأم تصرخ، كانت تقف هناك، يداها المرتجفتان تضغطان على وشاحها، وكأنها تمسك بقطع متناثرة من عائلة على وشك التلاشي، كمن يمسك بجمر لا يريد له أن يخمد. تقدمت، لا كمن يرجو، بل كمن يقضي حكما عرفيا في بيت سكنه الخراب. توقفت بينهما، وأدارت وجهها نحو الأب، وكانت نظراتها تحمل ثقل السنين التي قتلت فيها صمتها. قالت، وصوتها لم يكن استغاثة، بل كان رعدا مكتوما يغسل زيف المهندس.
- انظر إليه يا رجل.. هذا الذي تراه سكرانا، ملوثا بالخيبة، هو ذاته الصبي الذي كان يخبئ ريش العصافير في دفاتره ليحميها من جفاف قلبه الذي ورثه عنك.
ساد صمت أثقل من حجر، صمت لم يقطعه إلا شهيق الأب المكسور. تابعت الأم، وعيناها تغرفان من بئر الوجع الذي لا يقرأه المهندسون.
-الهواية ليست طيشا يا زوجي، إنها الرئة التي نتنفس بها حين يضيق العالم بكل حساباتك.
تراجعت خطوة، وتركت كلماتها معلقة في الهواء كخناجر تصيب جوهر الحقيقة، ثم أضافت بنبرة حازمة لم يعهدها الأب فيها قط.
-إما أن تبدأ ببناء جسر من الرحمة فوق هذا الخراب، أو تكف عن ادعاء الأبوة.
قف يا مروان.
لم يكن صوتا للأمر، كان صوتا للاستغاثة. التفت مروان، وفي عينيه انطفأت نيران التحدي، وبقي رماد الانكسار. تقدمت الأم، لم تنظر إلى الأب، بل وقفت بينهما، حاجزا من لحم ودم ووجع قديم. ثم التفتت إلى الأب، الذي كان لا يزال يقف تحت ضوء المصباح الشاحب، وجسده يبدو كقاعدة هندسية متينة، بدأ يهتز كبناء تصدعت أركانه. صمت الأب، لكنه رفع عينيه ليرى ابنه. لأول مرة، لم ير طالبا متفوقا أو خطأ حسابيا، رأى مروان، الصبي الذي كان يخبئ ريش العصافير في دفاتره. تابعت الأم، وعيناها تغرفان من بئر الحزن.
- الهواية ليست عدوا للدراسة، إنها رئتها التي تتنفس بها.

ساد صمت طويل، ثقيل، مشبع برائحة الخمر التي بدت في تلك اللحظة كرائحة عذرية مفقودة. تحرك الأب، خطوة بطيئة، كمن يسير فوق زجاج مكسور. وقف أمام مروان، لم تكن عيناه باردتين الآن، كان فيهما انكسار يضاهي انكسار الابن. همس الأب، وصوته المبحوح فقد صرامة المهندس:

- لم أكن أريد.. أن أراك هكذا...

تدخلت الأم، وضعت يدها على كتف مروان، ويدها الأخرى على ذراع الأب، وكأنها تضفر خيوط الروح الممزقة.
- الجمال ليس تضييعا للوقت، انه تجميل للزمن.
لم تنته العاصفة بكلمات، ولم يرمم الحوار شيئا مما انكسر. وقف الأب في وسط الصالون، لا كمهندس يخطط، بل كبناء أصابه الزلزال، تتساقط أحجاره في صمت. نظر إلى مروان، ليس كابن عاق، بل كمرآة عاكسة لكل الفراغ الذي خلفه في البيت. لم يمد الأب يده، ولم يغفر مروان. الصمت بينهما مساحة شاسعة من الندم، مساحة لا تملؤها الاعتذارات. اقتربت الأم، لم تقف بينهما هذه المرة، بل وقفت في الزاوية، تراقب الخراب الذي صار عائلا. دخل مروان إلى غرفته، الغرفة التي كانت يوما معبدا للأقفاص. أضاء المصباح الخافت، ونظر إلى الزاوية الفارغة حيث كان الحسون يغرد. لم يشرب مروان تلك الليلة، ولم يصرخ. جلس على الأرض، وبدأ يلملم بقايا ريش قديم كان قد اختبأ بين ثنايا السجاد، ريش باهت تآكلت ألوانه كما تآكلت روحه. سمع خطوات أبيه تقف خلف الباب. لم يطرق الباب، ولم يناد. وقف المهندس، بظهره المنحني أخيرا، يسترق السمع لأنفاس ابنه في الداخل. كان الأب يدرك الآن أن ابنه لم يكن "خطأ حسابيا"، بل كان "قصيدة" حاول هو جاهدا تحويلها إلى معادلة، فقتلها. في تلك اللحظة، وفي غمرة الظلام، أطلق مروان صفيرا خافتا، صفيرا يشبه نداء الحسون المذبوح، صفيرا يفتش عن صدى في جدران الغرفة. ومن خلف الباب، جاء الرد؛ صمت الأب الذي تهجى الحزن لأول مرة، صمت كان يشبه اعترافا بأنه هو أيضا، في أعماقه، كان يوما طائرا قصت أجنحته بالمسطرة والقلم. لم يخرج مروان، ولم يدخل الأب. نام كلاهما على جانبي الجدار. يفصل بينهما البناء الذي شيده الأب، ويجمعهما الخواء الذي يسكن روح الابن. كان الفجر يزحف ببطء، يحمل ضوءا شاحبا يضيء الغبار المتطاير في الغرفة، غبارا يشبه أرواح الحساسين التي لن تعود، لكنها تترك خلفها، في زوايا هذا البيت الكئيب، نغمة سرية لا يسمعها إلا من كسر قفصه وأبى أن يطير. انحنى الأب، وضع يده المرتجفة على وجه ابنه، في حركة بدت كأنها تصالح مع الزمن. لم يكن هناك اعتذار بالكلمات، كان اعتذارا بالحضور. مروان، الذي كان منذ لحظات يشعر بالعدم، أحس لأول مرة بثقل بشري يربطه بالأرض، لا كثقل السكر، بل كثقل الحقيقة. لم تكن الكلمات هي التي أغلقت ملف الصراع، بل كان وقع خطوات ثقيلة في الصباح الباكر، متبوعا بصوت معدني مألوف لصفائح الأقفاص وهي توضع بعناية فائقة على شرفة غرفته. نهض مروان، جسده لا يزال يحمل ثقل ليلته الأخيرة، وفتح الباب. لم يجد أبا يخطب في الحكمة، بل وجد صفا من ستة أقفاص أنيقة، تفوح منها رائحة القصب الطازج والحبوب النظيفة. كان الأب قد أتقن في اختيار الطيور ما كان يتقنه في حساباته؛ انتقى أنواعا لا تكتفي بالتغريد، بل تتسابق في صب الموسيقى في أذني الصباح.
وقف الأب عند زاوية الممر، يراقب ابنه من بعيد. لم يقل "سامحني"، ولم يقل "لقد أخطأت". كانت عيناه، الغائرتان في تعب السنين، تقولان كل شيء:
-لقد أعدت لك الهواء الذي خنقته، فهل تستطيع التنفس؟
لم يلمس مروان الأقفاص فورا. وقف يتأمل الطيور، يرى في أعينها الصغيرة بريقا لا يشبه أوهام المدينة، ولا صرامة دفاتر الأرقام. الطيور تغرد بجنون وكأنها تعيد ترتيب الفوضى التي خلفتها خيبات مروان. أدرك مروان في تلك اللحظة أن الأب لم يقتن العصافير ليمتلكها، انما ليغلق بها المسافة التي تضخمت بينهما. لم يعد البيت زنزانة، صار بئرا للصدى، صدى تغريد يتسلل إلى غرفته، يغسل رائحة الخمر من رئتيه، ويذيب برد الحقيقة الذي نهش عظامه. أغلق مروان بابه، تاركا نافذة الغرفة مشرعة للطيور. جلس على مكتبه، وحين مد يده ليفتح دفترا قديما، لم تعد المعادلات تبدو له وحوشا خرساء، بل موسيقى جامدة تنتظر من يمنحها الروح.
خارج الغرفة، كان الأب يجلس في الصالون، يقرأ كتابه، لكنه لم يعد يقرأ. كان ينصت باهتمام بالغ إلى سيمفونية الأقفاص الستة، يضبط إيقاع عمره على نغمات الطيور، وكأنه لأول مرة في حياته، يترك المهندس الذي بداخله ليرحل، ويسمح للإنسان أن يغرد أخيرا، في بيت لم يعد يحسب الوقت بالثواني، بل بعدد النغمات التي تنجو من مخالب الصمت. في تلك الليلة، لم تتغير المدينة، ولم تنته الخيبات، لكن البيت الذي كان زنزانة، صار فجأة مساحة للتنفس. جلس الثلاثة في غرفة واحدة، صمتهم كان يحمل رغبة في التغيير. لم يعد مروان صيادا يتربص بالجمال، ولم يعد الأب سدا يمنع تدفق الحياة. استوعب الأب أخيرا، أن الهواية ليست عائقا أمام الطموح، هي وقوده، وأن الحسون الذي قتله الأب، في الحقيقة صوته هو الذي صمت منذ زمن طويل، ليفسح المجال لصرامة لم تجلب لهم سوى الخراب. بينما كان الليل ينسحب، بدأ مروان يشعر بأن القفص الصدئ في صدره قد بدأ يصدأ حقا، وأن الريح القادمة من النافذة المفتوحة ليست ريحا قاسية، بل نداء لصباح جديد، حيث العلم والجمال لا يتصارعان، بل يتعانقان في سيمفونية الحياة.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عرش من زجاج تحت أقدام الظل
- أرواح في مهب الحياد
- في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
- حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
- صرخة في وجه المستحيل
- ولائم الموت البارد في الظلام
- بائع الوجبات وانكسار الصمت
- الهارب من المدينة إلى المغارة
- الحاج الخازوق وكبش العيد
- غيبوبة الكلمات والدم
- الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
- رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
- المرتشي والرقم الاخضر
- رواية( زقوم كرة القدم )
- زرقاء اليمامة سجينة الفضاء الازرق
- الحداد والاحمق والصورة
- الفقيه والطاهية والجارة
- ظهور السيدة قطام وروتيني اليومي( الحلقة3)
- الافعى ذات السبعة رؤوس
- ظهور السيدة قطام وطلاق الأخت ( الحلقة2)


المزيد.....




- الموساد يكشف سر -البروفة النهائية- لاقتحام الأرشيف النووي ال ...
- لافروف يستنكر إلغاء العروض الفنية الروسية في إيطاليا
- الرباط: توقيع اتفاقية لتكوين وتدريب طلبة فلسطينيين من القدس ...
- انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني في الشتات: مدخل إلى تجديد الش ...
- محاكمة فنانة مصرية شهيرة بتهمة السرقة بالإكراه
- بوتين يشيد بالتوظيف الرقمي المبتكر في معرض -الإرميتاج الباهر ...
- انطلاق معرض -الإرميتاج الباهر- الرقمي في موسكو
- مهرجان -فونتانكا ساب- يطلق فئة -أسرار الشرق- للأزياء التنكري ...
- فرع غاليري تريتياكوف في سامارا يفتتح معرض المسابقة الدولية - ...
- الأسبوع المقبل.. استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - مجنون طائر الحسون