أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - أرواح في مهب الحياد















المزيد.....


أرواح في مهب الحياد


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 16:17
المحور: الادب والفن
    


أقف في طابور الانتظار، لا كجائع يقتات فتات الأمل، بل كمنفي يراقب عقارب الساعة وهي تجز خيوط عمري على مذبح روتين لا يرحم، يدي الغائصة في جيبي لا تبحث عن دفء، تقبض على جمرة صبر تأبى الانطفاء. فجأة، تهشم الصمت الرقيق، كقطعة زجاج سقطت من عل، تحت وطأة صرخة مزقت سكون الظهيرة، لتنطلق بعدها الحناجر كأنها سياط تلهب ظهر المكان.
استحالت ساحة المطعم الجامعي بمراكش إلى ميدان للمناوشات، اختلطت التكبيرات بشعارات الحداثة الصارمة. تتصادم الكلمات في الفضاء كأنها شظايا مرايا مكسورة، تنهش هواء الظهيرة لا لتقنع أحدا، لتمارس طقوس القتل في العقول، حتى استحال المشهد إلى لوحة مشوهة من ضجيج موحش، يمزق قميص السكينة عن وجه الحرم الجامعي. تراجعت خطوات إلى الوراء، لذت بظل الجدار القريب، أراقب المشهد كعرض سريالي مفجع. الوجوه التي ألفتها بالأمس ملامح وادعة، استحالت أقنعة ملتهبة، وعيونا تتقافز فيها شرارات الغضب، وكأنما سكنت أرواح المتاريس في أجساد الطلاب.
أضحت اللافتات الورقية سيوفا مشرعة في معركة وجودية، وكل هتاف يغتال شيئا من قدسية المكان. نظرت إلى عقارب الساعة الواحدة بعد الظهر، تمضي لا مبالية بضياع أحلامي التي علقتها على حبل الغداء، بينما كان زي الأمن ينسدل على ساحة المعركة كستار أسود يحجب الأفق. بدأت سحب الغاز الخانق تنسج كفنا للمكان، والهراوات تجش الرؤوس وتكسر العظام. لم يكن انسحابي انكسارا أمام غبار المعركة، انما تعففا عن أن يطال قميصي رذاذ الحبر العابر. في الساحة التي تمزق أثواب السكينة، آثرت جوعا في أحشائي على حلم يسحل في دهاليز الأيديولوجيا، فجوفي، الذي استعصى على شعارات الرفاق، لم يكن يتوق إلا إلى مساحة لا يدنسها سوق الرماد.
أدرت ظهري للضجيج، متماهيا مع الممرات الصامتة كطيف يرفض الاحتراق في نيران لا تعنيه، تاركا خلفي قبلة الجياع والمناضلين، لأبحث في عزلة الكتب عن فصيل وحيد، أنا.. قبل أن تلتهمه صراعات الفصائل. وبينما كنت أبحث عن عزلة المكتبة كمن يفر من طوفان إلى محراب، كان القدر يخبئ لي اصطداما لم يكن في الحسبان. في تلك الزاوية المنسية، حيث يعانق ظل المطعم برودة الممر الكئيب، تلاقت مساراتنا كعاصفتين. لم يكن اصطداما بجسد، ارتطاما بقطار يفر من سكة الزمن. ظهر سفيان عاشور أمامي، لم يكن طالبا، انه خيال لأمر انطفأ قبل لحظة. شحوب وجهه صرخة صامتة، وقميصه الممزق عند الكتف مجرد خرق في نسيج رخيص، فتق في نسيج الحقيقة التي نعيش:

-عمر الهواري! لا وقت للشرح.. اسمعني جيدا، خذ هذه. لا تفتحها هنا، ولا تفتحها أبدا في الجامعة. إذا سألوك.. لا تعرفني، لم ترني. فيها دمارنا.. أو نجاتنا.

سألته بذهول وجبهتي تتفصد عرقا:
-سفيان، ما هذا؟ أنت ترتجف.. ماذا فعلت...؟
-لا تسأل يا عمر.. خذها لبعيد. إذا سقطت، اجعلها تستمر.

قبل أن أستوعب ذهولي، اندفع سفيان نحو السياج الحديدي وقفز فوقه كطائر كسرت جناحاه. وفي تلك اللحظة، مزق سكون ساحة المطعم صراخ مذعور، وطرقت أقدام أفراد الأمن الأسفلت كوقع مطارق تدق مسمارا في نعش الأمان. ظللت مسمرا في مكاني كتمثال من ملح جمدته رهبة اللحظة، والحقيبة في يدي المرتعشة تحولت فجأة إلى بوصلة لمصير مجهول. وعلى الضفة المقابلة من الممر المؤدي إلى كليتي الحقوق والآداب، الضابط يزحف نحوي بملامح صخرية، الهراوة تلمع تحت الشمس كنصل حية رقطاء. ارتفعت نبضات قلبي، لم يعد نبضا، صار عقارب ساعة موقوتة تمضغ ثواني حياتي الوادعة. وقعت في فخ نصب لغيري، وفي طرفة عين تحولت من طالب يقتفي أثر أحلامه على مقاعد الدراسة، إلى خزان لأسرار قد تبتلعها عتمة أقبية التحقيق إلى الأبد. ومن خلف جدران الخوف الثقيل، تساءلت في حيرة مغلفة بالذهول:
-أتحمل هذه الحقيبة صكوك إدانة لعروش متهاوية؟ أم نزيف جراح وطن يأبى الضماد...؟

لم اعد استوعب كنه الحقيقة، وتساوى في عيني الوجود والعدم. حاولت أن ادس الحقيبة بمعطفي، كمن يستر جحيم الشمس بخرقة بالية. عين الضابط الثاقبة التقطت ارتباكي، وفضحت رجفة أناملي التي خذلت صمودي. تجمد الزمن في المفاصل، وأحسست بأن مستقبلي الذي شيدته قطعة قطعة على مدى سنين، على وشك التبخر كدخان في مهب عاصفة. لم تعد معركتي مع ضيق ذات اليد، حياتي خيط أوهن من نسيج العنكبوت، مشدودا بين حافة هاوية سحيقة، وقدر لا يقبل التأويل ولا الرأفة. جمدت في مكاني. لم يكن ارتعاش أطرافي استجابة لخوف عابر من نظرات الشاهد، كان زلزالا أصاب تكويني الأول. شعرت بروحي تتشظى، نصف يلتصق ببرودة الأرض كجذر مقطوع، ونصف آخر ينسلخ، معلقا في سقف الصدمة، يراقب بذهول الغريب الذي كنته قبل لحظات.
لم تعد المسافة بيني وبين الأمان قابلة للقياس، تلاشت تحت وطأة الحقيبة التي بدت كجمرة موقوتة، بينما تحولت نبضاتي إلى مطارق تدق في صدري إعلان نهاية لم أستعد لها. أدركت حينها أنني لست طالبا يحمل كتبا، انما خزان أسرار يبتلعه عتمة قدر يكتب سطره الأخير بالدم لا بالورق. اقترب الشاهد الملتحي عبد الغفور كلشان بخطوات منتظمة كأنها نذير موت. الحقيبة تحت معطفي جمرة لا تحرق قميصي فحسب، تمحو في طريقها الطالب الصالح التي بنيتها لسنوات من كدح الكتب ومسح الجبين، تهاوت فجأة أمام ثقل سر لم افتحه، لكنه تلطخ بدمائي قبل أن المسه.

تلاطمت دقات قلبي في أذني، ضربات طبل تعلن جنازة الطالب الذي كنته قبل لحظات. وفي عيني الطالب الملتحي المحدقتين، رأيت عينين لم اعرفهما، تشبهان مرآة مكسورة في زقاق مهجور. لم يصرخ، اكتفى بابتسامة باردة.. الملتحي مات في مخيلتي قبل دقيقة. لم ابصر سوى انعكاس لذات مذعورة، تبحث عن مهرب في متاهة لا ضوء في آخرها. في لحظة انتزعت مني البراءة كما تنتزع الروح من الجسد، توقف الزمن. تداخلت أناي التي ترغب في الحياة الآمنة، مع ضمير يهمس بأن الحقيبة الخيط الأخير لما تبقى من شرف في عالم مهترئ. لم يعد الخوف من الاعتقال، إنه الخوف من ضياع المعنى، تحولت من متفرج على الحياة إلى قلب العاصفة، احمل ريحا لا يمكن ردها. اندفعت نحو الممر الخلفي، قلبي يقرع صدري طبولا من هلع. ممرات الجامعة التي عرفت شبرا شبرا، أراها سراديب للمطاردة. في زاوية موحشة، تخلصت من ثقل الحقيبة الخشنة التي تفوح منها رائحة الورق الرخيص والحبر الطازج. وفجأة، ترددت في أذني همسة خفيفة:

-يا عمر! أنقذها.. إنها كلمات يحذرها الحرس. لا تدعهم يمزقونها.. فيها صرخة الآلاف.

في حركتي المضطربة ارتطمت الحقيبة بطرف مقعد حديدي، فانفرط سحابها، تناثرت وريقات صفراء مطوية بعناية. توقفت خلف سور المكتبة الهث كطائر جريح، ومددت يدا ترتجف، التقطت ورقة وبدأت اقرأ سطورها. لم تكن تقارير أو أسرارا، انه نبض بشري، خطوط يدوية تحمل نداءات للعدالة، وتدعو إلى التغيير في أحياء ضاقت بأهلها ذرعا. حاولت حشر الأوراق في الحقيبة، شعرت أن الورق بين أصابعي بات أثقل من الحديد. لم تعد أوراقا، جمرات تنهش كفي. في تلك الزاوية الميتة من ممرات الجامعة، أدركت أنني لا أحمل حقيبة، أنني أحمل صاعقا، وأن المسافة بيني وبين الرصيف الآمن تلاشت. لم يعد بإمكاني العودة إلى طالب الظل الذي كنته، فكل حرف في تلك الأوراق الملطخة بالحبر يكتب نهاية حياتي الهادئة، ويبدأ تدوين اسمي في سجلات لا تعرف الرحمة. داعبت أصابعي حواف المنشورات المخبأة، كأنما المس جمرا يغلي. راودتني فكرة التخلص منها لأتطهر من ذنب لم ارتكبه، سرعان ما تراجعت، الورق المحظور دقات إضافية يضخها قلبي. اعلم أن الحبر أقوى من الهراوات، وأن موقفي ليس مجرد امتحان عابر في كلية الحقوق، انه لحظة ميلاد لرجل سيواجه الغد، فإما أن أبقى شبحا خائفا يتوارى في الزوايا، أو أغدو شعلة تحفر في ذاكرة الأحرار.
سرت قشعريرة باردة في أوصالي، هواء المدينة نفد فجأة، المطاردات والهرولات والكر والفر نشط ت بشكل مرعب، رأيت طالبا يتلقى ضربة قوية على الرأس، الفروة تنسلخ عن العظم، طالبات يركضن بدون اتجاه، الجميع متساوي في الضرب والرفس. في تلك اللحظة، أحسست بيد غليظة تستقر على كتفي. لم تكن يدا ودودة، إنما نذير عاصفة. التفت لأرى رجل أمن، عينان جاحظتان كالصقور تنهشان وجهي بحثا عن ذرة ارتباك، وعصا خشبية ترتفع في الأفق كأنها إعلان عن نهاية وشيكة. سألني الضابط بنبرة باردة كشفرة سكين:

-هل أنت في عجلة من أمرك..؟

تجمدت الكلمات في حلقي حين أشار الضابط بيده الأخرى نحو عمال البلدية الذين رفعوا حقيبة قماشية من الأرض، اختفت المنشورات. ارتبكت، بلعت ريقي بصعوبة، أردت أن صرخ بأني لا اعرف شيئا، وأني مجرد عابر سبيل، فكرت أن الحقيقة في حضرة البطش تبدو كذبة باهتة لا يصدقها أحد. لمحت بطرف عيني الطالب الملتحي الذي مررت به قبل قليل، مصفد اليدين إلى الوراء. انتقلت الرحلة إلى غرفة التحقيق، زنزانة خانقة. الضوء الباهت يتسلل من نافذة عالية كأنه مشرط جراح، يكشف عن الغبار الراقص في الفراغ، وعن وجل يمزق روحي. وفي الزاوية يقف الشاهد مرتعدا، ويشير بإصبعه المرتجف:

-هذا هو.. هو من كان يحمل المنشورات!
-متأكد؟
-نعم.. هو! ر.. ر.. رأيته.. يخبئها تحت معطفه كأنه يخبئ سرا غاليا.

جلست على الكرسي الخشبي القاسي في غرفة التحقيق، لم يعد للوقت إيقاع. صمت الضابط أشد وطأة من هدير الهراوات في الخارج. تناهى إلى مسامعي طنين مكتوم، وجهه النحيل بملامح تفتقر إلى أي ذرة تعاطف، ينحني فوق الحقيبة المغلقة، كل حركة منه بمثابة نبش في جثة مستقبلي الذي ينمو على مهل، ليحوله في ثوان إلى ركام من أوراق صفراء. الضوء خافت، يقطع بياض الغرفة كخنجر. الضابط لا يصرخ، يكتفي بتقليب قلم معدني بين أصابعه، إيقاع القلم على المكتب يشبه دقات قلبي.

جلس الضابط، لم ينظر إلي. يمرر طرف قلمه المعدني على وجه الحقيبة ببطء مستفز، وكأنه يداعب ذبيحة. الغرفة لم تعد مكانا للأسئلة، إنما مكانا للمحو. فجأة، غرس القلم في الورقة الفارغة. نظراته الآن لم تعد تبحث عن إجابات، تعريني من كل ذرة كرامة. بصوت منخفض، رخيم، يقطر سما:

-أتعرف يا عمر.. الرائحة التي تفوح منك الآن؟ ليست رائحة الخوف، إنها رائحة العجز. أنت لا تحب رائحتك هذه، أليس كذلك؟

ارتجفت يداي تحت الطاولة، حاول الضابط التقاط الارتجافة بنظرة صقر. انحنى نحوي حتى شممت رائحة التبغ الرخيص التي تخرج من مسام جلده.

-كلشان؟ أخبرني بكل شيء. أخبرني كيف باعك، وكيف بعته، وكيف ستنتهي أنت في زاوية النسيان هذه.

-أنا.. أنا لا أعرف شيئا. الحقيبة ليست لي. أنا طالب.. فقط طالب...

لم يضحك. بل تنهد بملل، ثم سحب درج المكتب ببطء وخرج بصوت معدني صرير. وضع أمامي صورة فوتوغرافية لي وأنا أسير في الممر، كان التقاط الصورة دقيقا، كأنهم يراقبونني من خلف جدران الكلية.

-الطالب الصالح؟ هذا الوهم الذي بنيته لسنوات؟ لقد محوناه في عشر ثوان. الآن، أنت مجرد ملف. الملفات لا تحلم، لا تدرس، ولا تخرج من هنا إلا إذا قررنا نحن ذلك.

وضع يده الثقيلة على كفي المرتجف، ضغط عليها بقوة جعلت العظام تئن.

-اسمعني جيدا. أنا لا أهتم بما في الحقيبة. أنا أهتم بكسر العمود الفقري لليقين في رأسك. سأتركك هنا في هذا الصمت. ستسمع صرخات الآخرين، ستسمع وقع الأحذية في الممر، وستتساءل: هل هم قادمون لي؟ أم أنهم نسوك تماما؟
ابتسم ابتسامة شاحبة، خالية من أي بشرية، وأضاف:

-الخوف ليس ما أفعله بك الآن. الخوف هو أن تخرج من هذه الغرفة يوما، وتكتشف أنك لم تعد تعرف كيف تمشي بين الناس دون أن تبحث عن عين أمنية تراقبك. لقد دخلت إلى هنا إنسانا، وستخرج مشروع لا شيء. الآن.. ابدأ بالكتابة، لا لأنك تملك شيئا لتقوله، بل لأنك لا تملك خيارا آخر غير أن تكون بيدقا في لعبتي.

شعرت بالدوار. الكلمات لم تكن تهديدا، إنما إغواء بالخيانة. نظرت إلى يدي الضابط المرتخيتين على الطاولة، ثم إلى وجهه الذي بدا الآن كمرآة تعكس خيبة أمله هو نفسه. راقبت زميلي الملتحي الذي تقاسمت معه يوما رغيف الخبز وطموحات التخرج، أراه اليوم يبيع ذمته بتقرير أمني. ابتلع غصته، يعرف أن الكلام في هذا المكان ليس إلا تهمة إضافية.
في اليوم التالي تحولت قاعة التحقيق إلى مسرح للمذلة. دخل الشاهد كمن يحمل كفنه، وجه شاحب وخطوات ثقيلة بفعل الخزي. حين نطق، لم تكن الكلمات سوى اعترافات محطمة، صوته يرتجف، لا خوفا من المحقق، إنما رعبا من نظرات زملائه التي تلاحقه كطيف خائن في أروقة الجامعة. طأطأ رأسه بعيدا عن عيني عمر وقال:

-كنت تحت تأثير الخوف.. لم أر شيئا. الممر كان مكتظا، والحقيبة كانت مجرد وهم.

ساد صمت خانق. نظر إليه الضابط باحتقار، كمن يزدري أداة استهلكت، ثم ألقى الملف على الطاولة ببرود:

-تراجعت خوفا من أصحابك لا من القانون. لم تعد شاهدا، أصبحت رمادا لا قيمة له.

شاهدت السقوط دون أن اشعر بانتصار، شفقة على رجل اقتلع جذوره ليحمي نفسه من العاصفة، فبقي بلا ظل ولا مأوى. خرج الشاهد من الغرفة منكسرا، يحمل ندمه، مطاردا بشبح الخيانة التي فقد بسببها ثقة الجميع، فلا أصحابه يثقون بضعفه، ولا الطلبة يغفرون صنيعه. لم يعد الضابط يبحث عن إدانة، إنما عن كسر روحي. همس في أذني بخبث:

-تركك وحدك. خذله خوفه، وتركتك الحقيقة في منتصف الطريق. قل لي يا عمر.. من أنت الآن؟

خرجت من بوابة الأمن في عاصمة النخيل مشوش التفكير، كمن نبذ من عالمه القديم. خلفي، تركت الطالب، لم اعد ارتجف من هراوة الضابط، إنما من فراغ العدم الذي رأيته في عيني صديقي الذي باع نفسه. تسلل الصمت إلى الساحة كأنه ضباب مسموم، يمحو ملامح المكان الذي لم يعد يتسع لخطواتي. وقفت في قلب الفراغ، حيث الهتافات التي مزقت الجدران بالأمس، لم تعد إلا طنينا في الأذن، عواء بعيد لذئب جريح يلفظ أنفاسه في زوايا الجامعة. نظرت إلى كفي، لم أرهما من قبل بهذا العري، لم يكن خلوهما من ثقل الورق تحررا، إنما كشفا لزيف البراءة التي تلطخت بها أصابعي طويلا. خمنت بمرارة تخدش الحلق، أن الحقيبة التي تخلصت منها في القمامة لم تكن مجرد وعاء للمنشورات، إنها مرآة سوداء عرت قبح وجودي كمتفرج في مسرحية دامية، لم يعد يهمني من افرغ الحقيبة من المنشورات، فالطلبة في كل مكان.
لم اعد ذاك الطالب الهامشي الذي يعبر كطيف شاحب بين القاعات. شطرتني الشائعات، في عيون الحشود صرت كائنا غريبا، الرجل الذي نجا من فك الأسد. تلاحقني العيون كخيوط العنكبوت اللزجة، الهمسات تخترق جلدي بفضول يقطر سما. في المطعم الجامعي، حيث ولدت شرارة الفوضى، جلست أراقب وجهي في زجاج نافذة غبراء، لم المح طالب الأمس بآماله الواهنة، لمحت غريبا يقف وراء الزجاج، غريبا يحدق بي ببرود الموتى. اقترب الرفيق سعيد هرهور الذي ذبل بصره تحت وطأة الخوف وهمس بالسؤال الذي يفتش عن دمه، تلعثم اكثر من مرة والتفت إلى الجهات الأربع كأنما ينتظر شخصا ما.

- عمر.. الناس يتحدثون كثيرا. هل صحيح أنك.. لا أعرف كيف أقولها، لكن الكل يهمس باسمك. هل كنت معهم حقا؟ سفيان كان مندفعا، أليس كذلك؟ نحن هنا لنكمل الدراسة فقط، أليس هذا ما اتفقنا عليه؟

لم اشعر بغضب السؤال المقتحم والملغز. شعرت ببركان يهمد ليتحول إلى رماد بارد. أغلقت كتابي كأنما اغلق تابوتا. قلت بصوت يشبه حشرجة الأبواب العتيقة:

-أنت تبحث عن بطل في مسرحية خاوية، الحقيبة ضاعت، سفيان ابتلعه اللاشيء، وأنا... أنا لست سوى رماد يرفض الاحتراق من أجل وهم لا تملكون ثمنه.

لم تكن المواجهة بين شخصين، لكن بين وهم الجماعة ووحشة الحقيقة. رأيت في عيني زميل الدراسة انعكاسا لارتجافي الخاص، فصرخت، ليس دفاعا عن براءتي، إنما تحطيما لزجاج الأوهام التي تحيط بهم:

-في هذا المكان، يطالبونني بالانحياز لنارهم، بينما كل ما أطلبه هو مساحة لا يدنسها رماد أيديولوجيتكم. سفيان يقفز من فوق الأسوار، والضابط يقفز فوق رقابنا، وأنا.. أنا مجرد مراقب يرى شظايا أحلامه تتبعثر.

استعيد في المخيلة قفزة سفيان فوق الأسلاك الشائكة واعتبره انتحارا للمقولات الكبرى، حين ارتطم جسده بالأرض، لم يسمع طنين الرصاص، سمع صمت العظام تنكسر. في تلك اللحظة العصيبة انسلخ عن جلده القديم، تحول في نظري من قائد يحمل عبء التاريخ، إلى فكرة تائهة تذوب في الازقة العتيقة لمدينة مراكش. لم يعد سفيان عاشور يركض، صار يذوب. عرفت من بعض الطلبة المقربين انه يومها دخل غرفته، اغلق الباب لا على نفسه، إنما على ضجيج العالم الذي لم يعد يعنيه. على طاولته، لم يكتب أسطورة أو خطة للثأر، ترك قلمه ينهش بياض الورق، محاولا انتزاع حقيقة ما من حطام يومه. فهم أن الحقيقة ليست تلك المنشورات التي تاهت في أزقة المدينة، إنما في النداء الخفي في صدره. لم يعد يحلم بتغيير العالم، فالعالم أكبر من أن تكسره قبضة، اكتشف أن أسمى انتصاراته ألا ينكسر. وبينما مدينة مراكش تتنفس ضجيجها خلف النوافذ، خمنت بان سفيان في الزاوية المظلمة من الغرفة يهتف بصوت مسموع:

-سقطت الأقنعة، وبقيت روحي عارية تماما. إنه النصر الوحيد الذي لا تدركه الزنازين. فليبحثوا عن الطيف في أقفاصهم، أما أنا، فقد سكنت أخيرا... في الكلمة التي لا تموت.

لم تعد أخبار سفيان عاشور تصلني كحقائق، مجرد شظايا زجاج في مهب ريح، يلتقطها الزملاء في زوايا المطعم الجامعي أو في الممرات الباردة التي تفوح منها رائحة القلق. صرت أترصد سعيد هرهور ليس لأنني أبحث عن مناضل، لأنني أبحث عن خيط رفيع يربطني بقراري الذي اتخذته في تلك اللحظة القاتلة. ذات يوم، تحت مصباح يئن في ردهة الكلية، استوقفني سعيد. ملامحه منهكة، وكأن سنوات قد مرت على آخر لقاء بيننا. حين سألته، لم يبادر بالجواب مباشرة، أشاح ببصره نحو النافذة حيث الضباب يلتهم أفق المدينة، وقال بصوت بدا وكأنه صادر من بئر سحيقة:
يقولون إنه لم يعد يكتب البيانات، يا عمر. سفيان لم يعد يغادر غرفته، صار يقضي وقته في نحت صمته على الجدران. يحكي لي من يسكنون على مقربة من الغرفة التي يكتريها، أنه لم يعد يضيء مصباحه إلا حين يقرر تدوين شيء ما في دفاتر لا يراها أحد. توقفت، وشعرت بأن الكلمات تعد السوط الذي يجلده ضميري. سألته بلهجة حاولت أن أجعلها محايدة:

-وهل ما يكتبه هو ذات الهذيان الذي كان يوزعه على الأرصفة؟
التفت إلي سعيد بنظرة مكسورة، وأضاف ملقيا نظرات ثاقبة إلى الطريق اكثر من مرة:

-لا يا عمر. يقولون إن كتاباته باتت أعمق.

شعرت لحظتها أن سفيان ليس مجرد طالب ملاحق، صار مرآتي الكبيرة. كل تفصيلة ينقلها سعيد عن عزلة سفيان، تعيد تشكيل صورتي عن نفسي. هل سفيان يكتب لي؟ هل عزلة ذاك الرفيق هي الصدى الوحيد لما لم أجرؤ على قوله...؟ خرجت من اللقاء مثقلا بحكايات لا أملك التحقق منها، لكنني أصدقها. صرت أطوف في أروقة الكلية كطيف يطارد طيفا، أراقب الوجوه الملتحية وغير الملتحية، وأسأل نفسي: هل نحن جميعا، في صمتنا المطبق، نكتب في دفاتر سفيان الخفية...؟
لم يعد سفيان عاشور إنسانا من لحم ودم، تحول إلى فكرة تتضخم في غيابه. وفي كل مرة أسمع فيها نبأ جديدا عنه، انه شوهد في مقهى قديم وحيدا، أو أنه شوهد يحدق في جدار لساعات، قلبي يضطرب، ليس خوفا من الاعتقال هذه المرة، إنما خوفا من أن أدرك يوما أن سفيان قد وجد طريقه، بينما ما زلت عالقا في الحياد، ذلك الحياد الذي اكتشفت، من خلال أخبار سعيد هرهور، أنه ليس إلا قبرا مريحا للروح. حين تلاشت خيوط الضوء الشاحبة عن عتبة الجامعة، فهمت أن الحقيقة ليست في البيان الذي يوزع في الحلقيات، ولا في المجد الذي ننتظره في الحياة العملية، إنه في الجمر الخفي الذي يتركه الفشل في أعماقنا، فيصهر معادننا الضعيفة ليصنع منها وعيا لا يقبل الكسر.
توقفت تحت مصباح شارخ في الأحياء القديمة، وبدا لي الزمن وكأنه قاعدة تنظيمية انحلت روابطها، فلم يعد هناك قيادة ولا قاعدة، أصبح كل واحد منهم حزبا قائما بذاته، معزولا، لكنه متصل بـ الخيط غير المرئي الذي يربط القلوب المنهكة. لم تعد السماء فوق رأسي فضاء للوعود، أصبحت أرشيفا كبيرا يحفظ أشباحهم التي تاهت بين جدران الكليات والبيوت المستأجرة. وفي صدري، نبضت الندبة التي تركها سفيان عاشور، لم تكن مجرد ذكرى رفيق تشاركنا النقاشات العابرة للوقت في المطعم الجامعي والمقاهي والشارع، إنما وصية صامتة لزمن قرر أن يدفن نفسه تحت ركام الرتابة. أغمضت عيني، أطلقت زفيرا طويلا، افرغ من رئتي ما تراكم من شعارات وأوهام. لم اعد مناضلا في نظر المؤسسة لأنني لم اكن أبدا، ولم اعد مشروعا في سجلات الفصائل المتناحرة. صرت أخف من ريشة، وأعمق من جرح. فالقوة الحقيقية التي ترهبهم ليست في التجمع الذي يسهل رصده، انه في التيه الذي لا عنوان له، في تلك العزلة التي هي أقصى درجات العصيان. سرت مبتعدا، أتلاشى في عتمة الزقاق خلف مسجد الكتبية، أراقب الوجوه المرحة تركب الدراجات الهوائية، ليس كمن ينهزم أمام غول المدينة، كمن يغرس بذرة في أرض قاحلة. ويعلم يقين العارفين، أن الكلمات التي تركت في بطون الكتب، والصرخات التي كتمت في الصدور، ستظل سرية أبدية، تنتظر يوما يقرأ فيه طالب حالم، بعد عقود قصاصة صفراء بين دفتي كتاب قديم، فتنفجر في صدره شرارة الرفض، ويعود الاستعصاء ليولد من جديد.
لم اغرق في متاهة الحياة إنما ذبت في نسيج البلاد. صرت القصيدة التي لا يقرأها أحد، والبيان الذي يضمه صمت الجدران. وفي تلك الليلة من ماي 1991 حين أطبق الصمت على المدينة العتيقة، في تلك اللحظة، لم تعد الوجوه من حولي سوى مرايا مهشمة، تعكس انكساراتنا التي أبت أن تكتمل. نظرت إلى كلشان لم أر فيه رجعي باع خيبته، رأيت في ارتجاف يديه نداء خافتا لم يجد له صدى في أروقة الصمت. أما سعيد فلم يكن تائها في أزقة الكلية فحسب، انه يغرق في بركة من الضباب الذي خلقه هو بنفسه، حين أضاع بوصلة الانتماء. وعلى الطرف الآخر، كان الضابط يراقبنا من علياء طاولته المعدنية، لا كبشر يتقاسمون هواء الوجود، إنما كأرقام في سجل لا يقرأ إلا لغة الخسارات. لم يكن يهمه اسمي أو طموحي، كان يزن أرواحنا بميزان الجلاد، يرى فينا صفرا كبيرا ينتظر أن يشطب بمداد من قمع. حينها فقط، أدركت أننا لم نكن أبطالا في رواية نبيلة، كنا تفاصيل عابرة في دفتر حسابات لا يعرف الرحمة، وأن الخوف الذي سكن صدورنا، لم يكن سوى الجدار الذي بنيناه بأيدينا، لنحمي به فراغا سرعان ما ابتلعنا جميعا.

انتهت بتاريخ : 17-05-1991



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
- حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
- صرخة في وجه المستحيل
- ولائم الموت البارد في الظلام
- بائع الوجبات وانكسار الصمت
- الهارب من المدينة إلى المغارة
- الحاج الخازوق وكبش العيد
- غيبوبة الكلمات والدم
- الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
- رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
- المرتشي والرقم الاخضر
- رواية( زقوم كرة القدم )
- زرقاء اليمامة سجينة الفضاء الازرق
- الحداد والاحمق والصورة
- الفقيه والطاهية والجارة
- ظهور السيدة قطام وروتيني اليومي( الحلقة3)
- الافعى ذات السبعة رؤوس
- ظهور السيدة قطام وطلاق الأخت ( الحلقة2)
- البداية : ظهور السيدة قطام
- احاور جنازتي من فوق المحمل


المزيد.....




- -حكاية لعبة 5-: أكثر فيلم كارتون صادم للآباء هذا العام
- مخرج عالمي وطاقم دولي.. تركي آل الشيخ يعلن انتهاء تصوير -مفا ...
- فيودور دوستويفسكي.. مضطرب في الحب كما في الحياة
- دبي تحتفي بصناع التغيير بحضور سوري لافت
- في المكسيك.. عشق غريب للثقافة الكورية حتى لحظة مواجهة كأس ال ...
- العلاقة بين اللغة والثقافة وأثرها في تشكيل الهوية وبناء المج ...
- أبرز 5 خلاصات.. كأس العالم 2026 يفتح ملفات السياسة والاقتصاد ...
- تشوهات نفسية وجسدية في -أصل الأنواع- تكشف معاناة الإنسان الع ...
- اكتشاف آثار فريدة في المكسيك تعود إلى ما قبل الحقبة الاستعما ...
- من -حرب النجوم- إلى -ساحر أوز-... بعض دعائم هذه الأفلام الشه ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - أرواح في مهب الحياد