أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ازهر عبدالله طوالبه - هجرَة النبيّ: ميلاد جديد لمفهوم السيادة.














المزيد.....

هجرَة النبيّ: ميلاد جديد لمفهوم السيادة.


ازهر عبدالله طوالبه

الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 16:16
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بداية عامٍ هجريٍّ جديد ليست، في قراءتي الذاتيّة لها، ذكرى دينية تُروى بالغيب، وإنّما هي محطةٌ لاستعراض أبرع عمليّات "إعادة التموضُع السياسي" في التاريخ القديم. فحين هاجَرَ نبيّنا، محمد بن عبد المطلب، مكة، لم يكن يُهاجِر بدافعِ الاضطهادِ فقط، بل كانَ يُنفِّذ خطةً ذكيّةً لإعادةِ بناء السُّلطة من الصفر، مُدرِكًا أنَّ مكةَ، بقبليَّتِها ونُخبَتها التجارية، قد استنفذت كُلّ إمكانيّاتها كمسرحٍ لتطبيقِ ما يُصطَلح عليه اليوم " الرؤية الإدارية". فكانت يثرب (المدينة) بمثابة الورقة البيضاء التي تُتيح لهُ كتابَة دستورَ دولةٍ جديدة، بعيدًا عن جُمود التقاليد القُرشيّة.

وعند وصولِه إلى المدينة، لم يتعامَل نبيّنا محمد مع الأنصار كمؤمنين مُتحمّسينَ فقط، بل كحُلفاءٍ سياسيينَ يمتلكونَ العصبيّة والنُّفوذ، وهُنا تكمُن عبقريّته التنظيمية. لقد أدركَ أنَّ التفوُّقَ العسكريّ والمَنعة لا يمنحها إّلّا التّحالُفَ مع القوّة الأكثر نُفوذًا في المدينة. فكان خياره المُباشر هو "سعد بن عبادة"، زعيمُ الخزرج، ذلك الرَّجُل الّذي لم يكن مُجرّدَ تابع، بل شريكًا استراتيجيًّا، يملك جاهًا وقبيلةً وجيشًا. هذا التحالف المُزدوَج بين "المُهاجر" الوافِد و"الأنصاريّ" المكين، هو، عمليًّا، أوّل حزبٍ سياسيٍّ مُنظَّم في شبهِ الجزيرة، حيث جمع بين المال والجاه المحليّ (سعد) والخبرة الدبلوماسية والرؤية الخارجيّة نبيّنا (محمد)، وتمكّنَ، عبر هذه الثُنائيّة، من فرضِ هيبة الدَّولة الناشئة على جميع القبائلِ المُتفرِّقة.

لم يكتفِ نبيّنا مُحمّد بهذا التَّحالُف، إذ حوّلهُ إلى مشروعٍ إمبراطوريٍّ مُصغّر من خلال "وثيقة المدينة"، التي كانت بمثابة العقد التأسيسيّ لحكومةٍ شبيهٍ بالحُكومة الّتي تُُسمّى اليوم ب "حكومة كونفدرالية". ولقد ضمَّ هذا النشروع اليهودَ والمُشركينَ تحت مِظلَّة "الأمة" ككيانٍ سياسيٍّ موحّد. هذه الخطوة لم تكن وليدة قُدسيّة، بل نتاجَ حسٍّ واقعيٍّ صارم، إذ أدركَ أنَّ استمرارَ الدولة يتطلَّب تحييدَ الخُصوم الداخليينَ عبر منحهم حقوقًا مدنيّة في مُقابل انصياعهم للسيادة الجديدة، وفي الوقت ذاته، استخدمَ هذا الدّستور لتقييد حركة القبائل المُستقلّة وتحويل ولائها من العصبيّة القبليّة إلى عصبيّة الدّولة، ممّا غيّر جذريًّا مفهوم الحكم من "الشيخَة والقبيلة" إلى "سيادة المؤسّسة".

والأكثر إثارة للإعجاب أنَّ هذا الصُّعود السياسيّ لم يمرّ دونَ أن يقرّ به ألدّ أعدائه. فقُريش الّتي حاربته عسكريًّا، بمالِه وعِرضه، اعترَفت به سياسيًّا في صُلحِ الحديبية حين تعاملَت معهُ ك"قائد دولة" لا ك"زعيم دين"، وذلك قبل أن تُصبح الهيمنة الإسلاميّة أمرًا واقعًا.

وإذا ما أردنا أن نعرفَ أكثَر عن حجمِ الذّكاء العمليّاتي لنبيّنا مُحمّد، فإنّهُ ليسَ هناكَ أفضَل مِن التوقُّف عند القدَر الذي قُدِّرهُ من قبلِ خُصومه، الّذينَ وصفوهُ، في أوّل الأمر، ب "الجنون". لكن، بعدما رأوا كيفَ كانَ يُحوِّل الهزيمة العسكريّة في بعضِ المعارِك إلى فُرصٍ دبلوماسيّة، وكيفَ كانَت إدارَته، فائقة الذّكاء، لملفّات الحَرب والسّلام، وكيفَ أنّهُ كانَ قائدًا يحرِصُ، كُلّ الحِرص، على توازُن القِوى، لا على تقديسه، ولا تعظيمه كفَرد، أقرّوا لهُ بهذا الذّكاء، وأنّهُ قائدٌ مُختَلف عن كُلّ القيادات الّتي عرفوها في ذاكَ الزمان. فبدأوا يشيدونَ به، ويتحدّثونَ عنه، ويحذّرونَ من دهائه وفطنَته، ويحرصونَ على إسقاطِ ما كانوا قد اتّهموهُ به.


لو نظرنا اليوم إلى ذكرى الهجرة بعيونٍ مُحلّلة، بعيدًا، كُلّ البُعد، عن أكاذيب التقديس، التي نبيّنا بريء منها، لرأينا فيها نموذجًا فريدًا لرجُلٍ استطاعَ، بذكاءٍ سياسيٍّ بحت، أن ينتقلَ من موقع "داعية مُضطهَد" إلى "رئيس دولة مُتحالِفة" في أقلّ من عقد. إنّ استغلال نبيّنا مُحمّد للفراغ المؤسسيّ في المدينة، وتفوُّقه في حياكة التحالُفات، وتوقيته الدّقيق لكُلِّ خطوةٍ عسكريّة أو سياسيّة، هي التي جعلتهُ أبرز قياديٍّ مرّ على هذه المنطَقة، ليس لأنَّه نبيّ، بل لأنّهُ كان، قبل كُلّ شيء، مُهندسًا للسُّلطة، مُتقنًا لعبة التوازنات كمن يُحرِّك قطعَ الشطرنج، تاركًا لنا إرثًا سياسيًّا لا يزال يُدرّيس حتى اليوم، بغض النَّظر عن أيّ عباءةٍ دينيّة قد تُلفّ حوله.



#ازهر_عبدالله_طوالبه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل نجحَت إيران في ترسيخ معادلة -الجنوب اللبنانيّ مقابل إسرائ ...
- الحجّ المُميّز جرّد الإستِطاعة من مفهومها..
- غزة لم تصنَع القطيعة، وإنّما كشفتها
- المُختطفات ومُصطلح دار الأخوات..
- المُختطفات ومصطلح دار الأخوات..
- هل هناك حاجة لاتفاق عربي_إيراني يتبلور على ضوء الاتفاق الأمي ...
- ضرورة التحرُّك من أجل مشروعٍ عربيّ
- لماذا تخفي إسرائيل الخسائر في تل أبيب وحيفا وتكشف عنها في دي ...
- بين وعيد أميركا وصبر إيران...هل الحرب مُقبلة على نهاية أم اس ...
- أيّهما الأخطر على سوريا: إسرائيل المتوسّعة أم حزب الله المتل ...
- أنحنُ أمامَ جنونٍ ترامبيّ أميركي في التعاطي مع العالم؟!
- بتولي -مجتبئ خامنئي-.. هل تحوّل المشروع الإيرانيّ من ولاية ا ...
- وقفةٌ مَع آية..
- إشكاليّة بدء شهر رمضان..
- الضفة الغربيّة ومصالح الأُردن فبها..
- مفاوضات مسقط وزيارة نتنياهو: وجهان لمسارٍ واحد.
- مفاوضات مسقط وزيارة نتنياهو: وجهان لمسارٍ واحد
- لدكتور محمد الحمّوري: غياب الصوت القانونيّ المُستقِل.
- تغيّر كُلّ شيء في سوريا، إلّا أنّها ما زالَت -ساحة نفوذ-...
- دافوس هذا العام أعلن تفكّك الكُتلة الغربية.


المزيد.....




- 60 ألفا يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى رغم قيود الاحتلال ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: تؤكد المقاومة أن العدو لم يلتزم ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: العدو أمعن في خروقاته لوقف إطلا ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استمر بالاعتداءات البرية عبر مح ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: يلجأ العدو تعويضاً عن عجزه في م ...
- سوريا.. مجلس الإفتاء يذكر بالفتوى المتعلقة بحكم الثأر والإنت ...
- التردد الجديد لقناة طيور الجنة 2026.. لمشاهدة ممتعة بدون تق ...
- حرس الثورة في رسالة لقائد الثورة الإسلامية: نحمد الله الذي س ...
- حرس الثورة في رسالة لقائد الثورة الإسلامية: إنها رسالة حكيمة ...
- حرس الثورة الإسلامية: العدو تراجع يائساً عن شعاراته الرامية ...


المزيد.....

- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ازهر عبدالله طوالبه - هجرَة النبيّ: ميلاد جديد لمفهوم السيادة.