أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي حياوي المؤذن - الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنولوجيا وأزمة المناخ















المزيد.....



الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنولوجيا وأزمة المناخ


حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي

(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)


الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 07:15
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


يأتي الكربون، الذي يحمل الرمز C والعدد الذري 6، سادس العناصر في الجدول الدوري، وأهم عنصر على الإطلاق لفهم الكيمياء والحياة والكون. الكربون هو عنصر لا فلزي، رباعي التكافؤ، مما يعني أن لديه أربعة إلكترونات في غلافه الخارجي يمكنها تكوين روابط تساهمية مع ذرات أخرى، وهذه الخاصية هي مفتاح سحره الكيميائي. إن قدرة الكربون على الارتباط مع نفسه ومع ما يقرب من عشرين عنصراً آخر لتكوين سلاسل وحلقات وهياكل ثلاثية الأبعاد طويلة ومعقدة هي أساس الكيمياء العضوية بأكملها، وبالتالي أساس الحياة نفسها. أكثر من عشرة ملايين مركب كيميائي مختلف معروف يحتوي على الكربون، والعديد منها لا يمكن استبداله بأي عنصر آخر. لكن الكربون هو أيضاً عنصر المفاجآت: فهو في صورة الألماس أصلب مادة طبيعية معروفة، وفي صورة الجرافيت واحد من ألين المواد وأكثرها انزلاقاً، وفي صورة الجرافين مادة ذات موصلية كهربائية فائقة ومرونة غير مسبوقة، وفي صورة الفحم الحجري وقوداً قذراً يلوث الهواء، وفي صورة ثاني أكسيد الكربون غازاً يهدد بتدمير مناخ كوكبنا. هذه الثنائية المتأصلة في الكربون - بين كونه شريان الحياة وسبباً في كارثة المناخ، وبين كونه أصلب المواد وألينها - تجعله العنصر الأكثر إثارة للدهشة في الجدول الدوري بأكمله.

قصة اكتشاف الكربون وعزلته وتطور فهم البشرية له هي قصة تمتد عبر آلاف السنين، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بصعود الحضارة الإنسانية نفسها. عرف الإنسان الكربون في أبسط صوره منذ عصور ما قبل التاريخ: الفحم النباتي الذي يتبقى بعد حرق الأخشاب، والسخام الأسود الذي يعلق على جدران الكهوف من نيران الطهي، والجرافيت الذي كان يستخدم في كتابة الرموز على الصخور. لكن لم يدرك أحد أن هذه المواد المتعددة هي في الحقيقة أشكال مختلفة لعنصر واحد. في العصور القديمة، كان الفلاسفة اليونانيون يعتبرون الفحم النباتي مادة أولية لا يمكن تجزئتها، لكن لم يصنفوه كعنصر. في القرن السابع عشر، قام الكيميائي الألماني يوهان يونكر بوضع أول مخطط لتصنيف المواد، ووضع الكربون (في صورة فحم) ضمن الأملاح الأرضية. في عام 1722، أظهر الكيميائي الفرنسي رينيه أنطوان فيرشو دي ريومور أن الفولاذ يمكن تحضيره بتسخين الحديد مع الفحم، مما يشير إلى أن الفحم يحتوي على مادة تخترق الحديد وتغير خواصه. في عام 1772، أجرى الكيميائي السويدي كارل فلهلم شيله سلسلة من التجارب على الفحم، ولاحظ أنه عندما يسخن الفحم مع النترات، ينتج غازاً يطفئ اللهب (ثاني أكسيد الكربون)، لكنه لم يميز بين الكربون والمواد الأخرى. لكن الاكتشاف الحقيقي للكربون كعنصر جاء على يد أنطوان لافوازييه في عام 1789، الذي أدرك أن الماس والجرافيت والفحم النباتي كلها تتكون من مادة أساسية واحدة، وأن هذه المادة يمكن أن تتحد مع الأكسجين لتشكل "حمض الكربونيك" (ثاني أكسيد الكربون). أدرج لافوازييه الكربون في قائمته الأولى للعناصر الكيميائية في كتابه "الرسالة الأولية في الكيمياء"، وأطلق عليه اسم "carbone" من الكلمة اللاتينية "carbo" التي تعني فحم. لكن ما زال هناك ارتباك حول علاقة الماس بالجرافيت. في عام 1772، أظهر الكيميائي الفرنسي أنطوان لافوازييه (مرة أخرى) أنه عندما يحترق الماس في الهواء، فإنه ينتج نفس كمية ثاني أكسيد الكربون لكل غرام مثل الفحم النباتي، مما يثبت أن الماس هو أيضاً كربون نقي. لكن التحول الحقيقي في فهم البنية حدث في عام 1796 عندما قام الكيميائي الإنجليزي سميثسون تينانت، بعد أن اشترى ماسة كبيرة وأحرقها في وعاء مغلق من الذهب (لمنع وصول الهواء)، فوجد أنها تتحول بالكامل إلى غاز ثاني أكسيد الكربون دون أن يتبقى أي رماد، مما أكد بشكل قاطع أن الماس هو كربون نقي. تينانت هو نفسه الذي اكتشف لاحقاً عنصري الإيريديوم والأوزميوم. في عام 1855، تمكن الكيميائي الفرنسي هنري سانت كلير ديفيل من تحويل الجرافيت إلى الماس لأول مرة في المختبر بتسخين الجرافيت مع الكبريت في بوتقة من الحديد تحت ضغط عالٍ، مما فتح الباب أمام إنتاج الماس الاصطناعي، الذي نجح تجارياً في عام 1950 بواسطة شركة جنرال إلكتريك الأمريكية باستخدام الحديد كمذيب للكربون عند ضغوط تزيد عن 50 ألف ضغط جوي ودرجات حرارة تزيد عن 1400 درجة مئوية. لكن الصورة الكاملة للكربون لم تكتمل إلا في أواخر القرن العشرين، عندما اكتشف العلماء أشكالاً جديدة ومدهشة: في عام 1985 اكتشف هارولد كروتو وروبرت كيرل وريتشارد سمالي الفوليرينات (جزيئات كروية من الكربون تشبه كرة القدم)، وحصلوا على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1996، وفي عام 1991 اكتشف سوميو إيجيما أنابيب الكربون النانوية، وفي عام 2004 اكتشف أندريه غيم وكونستانتين نوفوسيلوف الجرافين (طبقة واحدة من ذرات الكربون بسمك ذرة واحدة)، وحصلا على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2010. الكربون، الذي عرفته البشرية منذ آلاف السنين، لا يزال يفاجئنا.

أما من ناحية الوفرة الطبيعية، فالكربون هو العنصر الخامس عشر من حيث الوفرة في القشرة الأرضية (حوالي 0.032 بالمئة بالوزن)، والرابع من حيث الوفرة في الكون بعد الهيدروجين والهيليوم والأكسجين. لكن القصة الحقيقية للكربون على الأرض ليست في وفرته النسبية، بل في توزيعه الديناميكي بين خزانات مختلفة تشكل ما يُعرف بدورة الكربون البيوجيوكيميائية. الغلاف الجوي يحتوي على حوالي 590 غيغاطن من الكربون في صورة ثاني أكسيد الكربون (CO₂) والميثان (CH₄) ومركبات غازية أخرى، وهذا الرقم كان حوالي 280 غيغاطن قبل الثورة الصناعية، أي أن البشرية أضافت أكثر من الضعف في 250 سنة فقط بفعل حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات. المحيطات تحتوي على أكبر خزان كربوني نشط بالقرب من سطح الأرض، حيث يقدر بحوالي 38,000 إلى 40,000 غيغاطن من الكربون المذاب في صورة أيونات بيكربونات HCO₃⁻، وأيونات كربونات CO₃²⁻، وغاز CO₂ المذاب. المحيطات تمتص حوالي 30٪ من ثاني أكسيد الكربون الذي يطلقه البشر سنوياً، لكن هذه العملية تسبب تحمض المحيطات، إذ يتفاعل CO₂ مع الماء ليشكل حمض الكربونيك H₂CO₃ الذي يخفض درجة الحموضة pH، مما يهدد الكائنات البحرية التي تبني أصدافها من كربونات الكالسيوم (CaCO₃)، مثل المرجان والعوالق الجيرية والمحاريات والرخويات. أما الصخور الرسوبية الكربونية، مثل الحجر الجيري (CaCO₃) والدولوميت (CaMg(CO₃)₂)، فتحتوي على أكبر كمية من الكربون على الأرض على المدى الطويل (حوالي 60,000,000 غيغاطن، أي 1000 ضعف الغلاف الجوي)، لكن هذا الكربون محصور في المعادن ولا يشارك بسهولة في الدورة القصيرة. التربة والنباتات الحية والكتلة الحيوية الميتة تحتوي على حوالي 2,000 إلى 3,000 غيغاطن من الكربون، وتلعب دوراً رئيسياً في امتصاص ثاني أكسيد الكربون من خلال البناء الضوئي. الغابات المدارية المطيرة، رغم أنها تغطي 6٪ فقط من سطح الأرض، تخزن حوالي 25٪ من الكربون الحيوي الأرضي. أما الوقود الأحفوري (الفحم الحجري، النفط، الغاز الطبيعي) فيحتوي على حوالي 5,000 غيغاطن من الكربون، لكن البشر استخرجوا وحرقوا حوالي 500 غيغاطن منذ بدء الثورة الصناعية، مما زاد تركيز CO₂ الجوي من 280 جزء في المليون إلى أكثر من 420 جزءاً في المليون في عام 2025، وهو أعلى تركيز منذ 3 ملايين سنة على الأقل. المصدر الكوني للكربون هو عملية نووية تحدث في قلوب النجوم العملاقة، وتسمى عملية ألفا الثلاثية (Triple-Alpha Process). يبدأ النجم حياته بدمج الهيدروجين إلى هيليوم في قلبه. عندما يستهلك الهيدروجين، يبدأ في دمج الهيليوم. عملية دمج الهيليوم إلى كربون تمر عبر حالة وسيطة غير مستقرة، هي نواة البريليوم-8 (⁸Be)، التي تتفكك فوراً إلى هيليومين بعمر نصف يقدر بـ 6.7×10⁻¹⁷ ثانية (أقل من واحد على 10 آلاف من تريليون جزء من الثانية). من المعجز تقريباً أن أي كربون يتشكل على الإطلاق، لكن النجم الضخم، تحت تأثير درجات حرارة عالية جداً (أكثر من 100 مليون درجة مئوية) وكثافة عالية، يخلق حالة من "الرنين" حيث تندمج نواتا هيليوم لتشكل ⁸Be، ثم وبسرعة فائقة، قبل أن تتفكك، تندمج ⁸Be مع نواة هيليوم ثالثة لتشكل الكربون-12. هذه العملية هي المصدر الوحيد للكربون في الكون، وكل ذرة كربون في جسمك، في كل خلية حية، وفي كل قطعة فحم أو ماسة على الأرض، تشكلت في قلب نجم عملاق كان أكبر بكثير من شمسنا، ثم انفجر النجم في هيولى مستعر أعظم (Supernova) وقذف بالكربون إلى الفضاء، حيث برد وتكثف لاحقاً ضمن سديم بين نجمي تشكلت منه الشمس والكواكب، بما فيها الأرض. أنت، فعلاً، مصنوع من غبار النجوم.

بالانتقال إلى الخواص الفيزيائية والذرية للكربون، نجد عنصراً فريداً في كل شيء تقريباً. ترتيبه الإلكتروني هو 1s² 2s² 2p²، أي أن لديه ستة إلكترونات، أربعة منها في غلاف التكافؤ (اثنان في 2s واثنان في 2p). نصف القطر الذري للكربون صغير جداً (حوالي 70 بيكومتر)، طاقة التأين الأولى للكربون هي 1086.5 كيلوجول لكل مول، طاقة التأين الثانية عالية (2352 كيلوجول لكل مول)، الثالثة (4619 كيلوجول لكل مول)، والرابعة (6222 كيلوجول لكل مول)، ولذلك لا يشكل الكربون أيون C⁴⁺ أو C⁴⁻ بسهولة، بل يميل إلى تكوين روابط تساهمية بنسبة 100٪ تقريباً. السالبية الكهربية للكربون على مقياس بولنغ هي 2.55، وهي متوسطة، أعلى من البورون (2.04) وأقل من النيتروجين (3.04) والأكسجين (3.44) والفلور (3.98). هذه السالبية المتوسطة تسمح للكربون بأن يكون إما طرفاً موجباً جزئياً (مع العناصر الأكثر سالبية) أو سالباً جزئياً (مع العناصر الأقل سالبية) في الروابط، مما يمنحه مرونة كيميائية هائلة.

التآصل (Allotropy) هو الخاصية الأكثر إثارة في الكربون، أي قدرته على الوجود في عدة ترتيبات مكانية مختلفة لنفس الذرات، مع خواص فيزيائية وكيميائية مختلفة تماماً. يمكن تقسيم تآصلات الكربون إلى مجموعات وفقاً لتهجين المدارات الإلكترونية (sp³، sp²، sp) وأبعادها: صفرية البعد (0D)، أحادية البعد (1D)، ثنائية البعد (2D)، ثلاثية الأبعاد (3D). لنبدأ بالأشكال ثلاثية الأبعاد: الماس (Diamond) هو التآصل الذي تكون فيه ذرات الكربون في حالة تهجين sp³، أي أن كل ذرة كربون ترتبط تساهمياً بأربع ذرات كربون أخرى في شبكة بلورية رباعية السطوح (رباعية الأوجه) مستمرة ثلاثية الأبعاد. هذه الشبكة قوية جداً، فجميع الروابط متساوية في الطول (154 بيكومتر) والقوة، مما يعطي الماس صلادة استثنائية تجعله أصلب مادة طبيعية معروفة (10 على مقياس موس). معامل مرونته (معامل يونغ) حوالي 1050-1200 جيجاباسكال، وهو الأعلى بين المواد الطبيعية. كثافة الماس 3.51 غرام لكل سنتيمتر مكعب، وهو شفاف في الطيف المرئي، وعازل كهربائي ممتاز (فجوة طاقة 5.5 إلكترون فولت)، وموصل حراري ممتاز جداً (2200 واط لكل متر لكل كلفن، أعلى بخمس مرات من النحاس)، مما يجعله مفيداً في تبديد الحرارة في الإلكترونيات عالية الطاقة. الماس يتشكل في أعماق الأرض (على عمق 150 إلى 200 كيلومتر تحت سطح الأرض) تحت ضغوط هائلة (50,000 إلى 70,000 ضغط جوي) ودرجات حرارة عالية (900 إلى 1300 درجة مئوية)، ثم يصعد إلى السطح بواسطة أنابيب بركانية (أنابيب الكمبرلايت). الماس الخام عادة ما يكون له لون أصفر أو بني بسبب شوائب النيتروجين، ولكن الماس النقي تماماً (بدون نيتروجين) يكون شفافاً. الألماس الملون (الأزرق، الأحمر، الوردي، الأخضر) ينتج عن شوائب مختلفة (البورون يعطي اللون الأزرق، عيوب بلورية معينة تعطي الوردي، التشعيع الطبيعي يعطي الأخضر). الماس الاصطناعي يتم إنتاجه بأحجام وكثرة متزايدة منذ خمسينيات القرن العشرين، ويستخدم في أدوات القطع والطحن، وفي الإلكترونيات، وفي المجوهرات منخفضة التكلفة. الجرافيت (Graphite) هو التآصل الآخر ثلاثي الأبعاد، لكن فيه ذرات الكربون في حالة تهجين sp²، أي أن كل ذرة كربون ترتبط بثلاث ذرات كربون أخرى في مستوى واحد (طبقة) بروابط تساهمية قوية جداً، وتترك إلكترون p واحد غير مهجن يشكل روابط π لامركزية عبر الطبقة بأكملها. هذه الروابط π تمنح الجرافيت موصلية كهربائية عالية (في اتجاه موازٍ للطبقات) وموصلية حرارية عالية. أما بين الطبقات، فقوى فان دير فالس الضعيفة تربط الطبقات ببعضها، مما يسمح بانزلاق الطبقات بسهولة، وهذا هو سبب استخدام الجرافيت كزيت تشحيم جاف (في الأقفال والمحامل والآلات التي لا يمكن استخدام الزيوت السائلة فيها). الجرافيت هو الشكل الأكثر استقراراً للكربون في الظروف القياسية (25 درجة مئوية، ضغط جوي واحد)، بينما الماس أقل استقراراً ديناميكياً حرارياً عند هذه الظروف (يتحول إلى جرافيت ببطء شديد جداً يستغرق مليارات السنين). كثافة الجرافيت 2.26 غرام لكل سنتيمتر مكعب، وهو موصل جيد للتيار الكهربائي، أسود اللون، ويمكن تشكيله بسهولة. يستخدم الجرافيت في أقلام الرصاص (عند مزجه بالطين بنسب مختلفة يعطي درجات صلادة مختلفة من 9H إلى 9B)، في أقطاب كهربائية في أفران صهر الصلب، في بطاريات الليثيوم-أيون كمادة مصعد (لإدخال أيونات الليثيوم بين طبقاته)، في أقنعة واقية من الإشعاع، وفي مفاعلات نووية كمهدئ للنيوترونات.

أما الأشكال ثنائية الأبعاد، فيأتي في مقدمتها الجرافين (Graphene)، وهو طبقة واحدة من ذرات الكربون مرتبة في شبكة سداسية (على شكل قرص العسل)، يعتبر الوحدة البنائية الأساسية للجرافيت وأنابيب الكربون النانوية والفوليرينات. الجرافين تم اكتشافه فعلياً في عام 2004 من قبل أندريه غيم وكونستانتين نوفوسيلوف في جامعة مانشستر، باستخدام شريط لاصق بسيط لتقشير طبقات الجرافيت المتتالية حتى الحصول على طبقة واحدة. كان العلماء يعتقدون سابقاً أن الطبقة ثنائية الأبعاد من الكربون غير مستقرة حرارياً ولا يمكن أن توجد، لكن غيم ونوفوسيلوف أثبتا العكس وحصلا على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2010. الجرافين له خواص مدهشة: فهو شبه فلز (zero-gap semiconductor) أو معدني في بعض الاتجاهات، مع ناقلية كهربائية فائقة (حركة الإلكترونات تصل إلى 200,000 سنتيمتر مربع لكل فولت في الثانية، وهي أعلى من السيليكون بأكثر من 100 مرة). موصليته الحرارية عالية جداً (حوالي 5000 واط لكل متر لكل كلفن، أعلى من الماس والنحاس). صلابته هائلة (معامل يونغ 1 تيراباسكال، أي نفس معامل الماس تقريباً)، وهو مرن جداً بحيث يمكن شده بنسبة 20٪ قبل أن يتشقق. شفاف جداً (يمتص 2.3٪ فقط من الضوء المرئي، أي أنه يكاد يكون غير مرئي). كثافته منخفضة جداً 0.77 مليغرام لكل متر مربع للطبقة الواحدة (وزن ملعقة صغيرة من الجرافين يمكن أن يغطي ملعب كرة قدم). الجرافين مبشر كبديل للسيليكون في الإلكترونيات المستقبلية (ترانزستورات فائقة السرعة)، وفي شاشات اللمس المرنة والشفافة، وفي أجهزة الاستشعار الكيميائية فائقة الحساسية (يمكنه اكتشاف جزيء واحد من الغاز السام)، وفي بطاريات فائقة السرعة (تخزين شحنات أكبر)، وفي أغشية تنقية المياه (مسام نانوية تسمح بمرور الماء فقط)، وفي المواد المركبة فائقة القوة (خلط كمية صغيرة منه في البلاستيك يزيد قوته 100 مرة). لكن الإنتاج الضخم للجرافين عالي الجودة لا يزال مكلفاً، والجرافين المنتج تجارياً غالباً ما يكون متعدد البلورات أو يحتوي على عيوب، مما يقلل من خواصه الفائقة. هناك عدة طرق لتحضير الجرافين: التقشير الميكانيكي (للاستخدام المخبري فقط)، الترسيب الكيميائي من الطور البخاري (CVD) على رقائق النحاس أو النيكل (ينتج جرافين بأحجام سنتيمترات بنقاوة عالية، مناسب للإلكترونيات)، اختزال أكسيد الجرافين (مناسب للإنتاج الكمي بكميات كبيرة ولكن بجودة أقل)، والتقشير السائل (تشتيت الجرافيت في مذيبات). الجرافين أكسيد (Graphene Oxide) هو شكل معدل من الجرافين يحتوي على مجموعات أكسجينية وهيدروكسيلية وكربوكسيلية، مما يجعله قابلاً للتشتت في الماء والمذيبات القطبية، ويمكن إعادة اختزاله إلى جرافين مختزل (rGO) بموصلية أقل من الجرافين النقي. للجرافين أكسيد تطبيقات في الأغشية النانوية والمواد الطبية الحيوية (ناقلات الأدوية) ومواد التعبئة.

أما الأشكال أحادية البعد، فتشمل أنابيب الكربون النانوية (Carbon Nanotubes). هذه الأسطوانات المجوفة المكونة من طبقة واحدة أو عدة طبقات من الجرافين ملفوفة على نفسها بشكل محكم. هناك نوعان رئيسيان: أنابيب الكربون أحادية الجدار (SWCNT) التي تتكون من طبقة واحدة من الجرافين ملفوفة، وقطرها من 0.7 إلى 2 نانومتر. وأنابيب الكربون متعددة الجدران (MWCNT) التي تتكون من عدة طبقات متحدة المركز، قطرها من 2 إلى 100 نانومتر. خواص الأنابيب تعتمد بشدة على كيفية لف طبقة الجرافين، ما يعرف بـ "متجه اللف" (chirality). اعتماداً على الزاوية، يمكن أن تكون الأنابيب معدنية (توصيل كهربائي عالٍ) أو شبه موصلة (فجوة طاقة قابلة للضبط)، وهو أمر في غاية الأهمية لتطبيقات الإلكترونيات. القوة الميكانيكية للأنابيب فائقة: معامل يونغ للأنابيب أحادية الجدار يصل إلى 1 تيراباسكال (أقوى بـ 100 مرة من الفولاذ بالنسبة للوزن)، وقوة الشد تصل إلى 100 جيجاباسكال، أي ما يعادل 50 ضعف قوة الفولاذ مع سدس كثافته. المرونة: يمكن ثني الأنابيب دون أن تنكسر. الموصلية الحرارية لأنابيب الكربون أحادية الجدار عالية جداً (أكثر من 3500 واط لكل متر لكل كلفن). تستخدم أنابيب الكربون النانوية في المواد المركبة فائقة القوة (مضارب التنس، أجزاء الطائرات، سيارات السباق)، في الإلكترونيات النانوية (ترانزستورات، موصلات، شاشات عرض)، في أجهزة استشعار الغازات والجزيئات الحيوية، في تخزين الهيدروجين في خلايا الوقود، وفي الأجهزة الطبية الحيوية (موصلات للأنسجة العصبية، ناقلات أدوية، سقالات لأنسجة العظام). لكن التوحد الكبير لتطبيقات أنابيب الكربون هو صعوبة تصنيعها بشكل انتقائي بأنواع معينة من الالتفاف (معدنية أو شبه موصلة)، حيث أن طرق التخليق الحالية (ترسيب البخار الكيميائي من غاز الميثان أو الإيثيلين باستخدام محفزات من الحديد أو الكوبالت أو النيكل) تنتج خليطاً من النوعين، وفصلها مكلف وغير فعال، ويحد من الاستخدام في الإلكترونيات الدقيقة. أنابيب الكربون تمتلك أيضاً خواصاً كهربائية ميكانيكية حرارية فريدة تجعلها من أكثر المواد المدروسة في القرن الحادي والعشرين، وتم استخدامها في أبحاث متنوعة من تقوية المواد إلى تطوير أجهزة الاستشعار الإلكترونية الحيوية المرنة.

الأشكال صفرية البعد تشمل الفوليرينات (Fullerenes)، وهي جزيئات كروية أو بيضاوية من الكربون النقي، تتكون من 20، 24، 28، 32، 36، 50، 60، 70، 84، 96 ذرة كربون، وأشهرها فوليرين C₆₀ (باكمنستر فوليرين) الذي له شكل كرة قدم مكونة من 20 سداسي الأضلاع و12 خماسي الأضلاع، وأطلق عليه اسم باكمنستر فوليرين نسبة إلى المهندس المعماري باكمنستر فولر، الذي صمم القباب الجيوديسية المشابهة في شكلها. تم اكتشاف الفوليرينات في عام 1985 بواسطة هارولد كروتو، روبرت كيرل، وريتشارد سمالي، الذين كانوا يحاولون محاكاة ظروف الغلاف الجوي للنجار العملاقة (red giant stars) باستخدام ليزر لتسخين الجرافيت، ووجدوا قمة في مطياف الكتلة تقابل 60 ذرة كربون، فافترضوا وجود جزيء كروي. حصلوا على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1996. الفوليرينات لها خواص فريدة: يمكنها احتجاز ذرات أو جزيئات صغيرة داخل قفصها الكروي (Endohedral fullerenes)، مثل احتجاز ذرة لانثانوم La@C₆₀، أو جزيء الماء H₂O@C₆₀. لها موصلية كهربائية قابلة للتعديل، خواص بصرية فائقة في الأشعة فوق البنفسجية والمرئية، وهي قابلة للذوبان في المذيبات العضوية، مما يسهل التعامل معها كيميائياً. تستخدم الفوليرينات في الخلايا الشمسية العضوية (OPVs)، كمضادات أكسدة (scavenger of free radicals)، في مواد التشحيم عالية الأداء، في الأدوية النانوية (ناقلات للأدوية ومضادات للفيروسات)، وفي المواد البصرية والطلاءات. كما أن هناك فوليرينات أقل شيوعاً مثل C₇₀ (أكثر استطالة شكل كرة الرغبي)، C₈₄ (أكثر تعقيداً)، ونيتريد البورون فوليرين (BN Fullerene) الذي له خواص عزل كهربائي عالية.

أشكال كربونية أخرى أقل شهرة تشمل الكربون الزجاجي (Glassy Carbon)، وهو مادة صلبة غير مسامية ذات خواص زجاجية (بريق زجاجي أسود)، موصل كهربائي، مقاوم للتآكل الكيميائي، ولا يسمح بمرور الغازات، يستخدم في أقطاب التحليل الكهربائي (في أجهزة فولتامتري)، وفي مواد طبية (مفاصل اصطناعية)، وفي أفران المعالجة الحرارية. الكربون المتوسط الترتيب (Carbon Mesophase) هو وسيط بين الجرافيت والكربون غير المتبلور، يستخدم في صناعة ألياف الكربون والمواد المركبة. الكربون المنشط (Activated Carbon) هو كربون مسامي للغاية مصنوع من قشور جوز الهند أو الخشب أو الفحم، بمساحة سطحية تصل إلى 3000 متر مربع لكل غرام، يستخدم في تنقية المياه والهواء وإزالة الروائح والغازات السامة، وفي إزالة المواد العضوية المتطايرة من المياه، وفي أقنعة الغاز. الكربون الأسود (Carbon Black) هو كربون جسيمي دقيق الحبيبات ينتج من الاحتراق غير الكامل للهيدروكربونات، يستخدم كمادة مقوية في إطارات السيارات (يزيد من مقاومة التآكل والصلابة)، وكصبغة سوداء في الأحبار والبلاستيك والطلاءات. الفحم الحيوي (Biochar) هو كربون ينتج من تسخين الكتلة الحيوية في غياب الأكسجين (التحلل الحراري)، يستخدم كتعديل للتربة (يزيد خصوبتها ويحتفظ بالمغذيات)، وكوسيلة لعزل الكربون (إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي ودفنه في التربة). الكربون النانوي المتعدد الأشكال (Nanoporous Carbon) له تطبيقات في تخزين الطاقة، والتحفيز، وفصل الغازات.

الخواص الكيميائية للكربون هي الأكثر غنى وتنوعاً بين جميع العناصر، فقد كونت مركبات الكربون مع الهيدروجين والأكسجين والنيتروجين والكبريت والفوسفور والهالوجينات والعديد من العناصر الأخرى مجال الكيمياء العضوية بأكمله، الذي يضم أكثر من 10 ملايين مركب معروف (والعدد في تزايد يومي). على النقيض من ذلك، فإن الكيمياء غير العضوية للكربون تشمل مجموعة أصغر بكثير ولكنها لا تقل أهمية: أكاسيد الكربون (CO و CO₂)، الكربيدات (بما فيها كربيد الكالسيوم CaC₂، وكربيد السيليكون SiC، كربيد التنغستن WC)، والكربونات (Na₂CO₃، CaCO₃، MgCO₃)، والسيانات (NaOCN)، والثيوسيانات (NaSCN)، وسخام الكربون، والفولجينات، وحمض الكربونيك H₂CO₃ (في المحاليل المائية) ومشتقاته. أول أكسيد الكربون (CO) هو غاز سام عديم اللون والطعم والرائحة، ينتج من الاحتراق غير الكامل للوقود (مثل محركات السيارات، والمدافئ، وسخانات المياه بالغاز). CO يسبب الاختناق بالارتباط بالهيموغلوبين في الدم بقوة أكبر بـ 250 ضعفاً من الأكسجين، وتشكيل كربوكسي هيموغلوبين (COHb) الذي يمنع نقل الأكسجين إلى الأنسجة. أعراض التسمم بـ CO تشمل الصداع والدوخة والغثيان وفقدان الوعي، وتؤدي الجرعة العالية إلى الموت في دقائق. CO يستخدم صناعياً في إنتاج الميثانول (بتفاعل مع H₂ على محفز من النحاس والزنك والألومنيوم)، وفي انتاج حمض الأسيتيك (في عملية مونسانتو)، وفي استخلاص الحديد في الفرن العالي (يختزل أكاسيد الحديد)، وفي صناعة الكيماويات البترولية. ثاني أكسيد الكربون (CO₂) هو غاز عديم اللون، له طعم حامضي بسيط، غير سام نسبياً ولكن تركيزه العالي يسبب اختناقاً بتحلبه محل الأكسجين في الهواء. CO₂ يذوب في الماء ليشكل حمض الكربونيك H₂CO₃، الذي يتفكك إلى H⁺ و HCO₃⁻ و CO₃²⁻، وهو مسؤول عن الحموضة في المياه الغازية والمطر الحمضي الخفيف. CO₂ يلعب دوراً حيوياً في التنفس الخلوي لعكس عملية البناء الضوئي: النباتات تمتص CO₂ وتطلقه في الليل (في الظلام)، والحيوانات والإنسان تتنفس O₂ وتخرج CO₂. تركيز CO₂ في الغلاف الجوي ارتفع من حوالي 280 جزء في المليون في عصر ما قبل الصناعة إلى أكثر من 420 جزءاً في المليون اليوم، مما سبب تغير المناخ العالمي وارتفاع حرارة الأرض بما يقارب 1.2 درجة مئوية منذ عام 1880، ويستمر بالارتفاع. الثلوج والجليد القطبي يذوبان، وارتفاع مستوى سطح البحر يهدد المدن الساحلية، والظواهر الجوية المتطرفة تزداد تواتراً (الأعاصير، الفيضانات، الجفاف، حرائق الغابات). استخدام CO₂ في الصناعة: يضغط ليصبح "ثلج جاف" (Dry Ice) يستخدم في التبريد، وفي إنتاج المشروبات الغازية، وفي إطفاء الحرائق (مطفأة حريق CO₂)، وفي استخلاص الكافيين من البن، وفي عمليات احتجاز الكربون وعزله (CCS). الكربيدات هي مركبات الكربون مع عناصر أقل سالبية كهربية (أو أقل كثيراً). الكربيدات الأيونية (مثل كربيد الكالسيوم CaC₂) تتفاعل مع الماء لإنتاج الأسيتيلين C₂H₂، وهو غاز قابل للاشتعال يستخدم في اللحام وقطع المعادن في المشاعل الأكسجين-أسيتيلين. كربيد الكالسيوم يصنع من تفاعل فحم الكوك مع الجير CaO في فرن كهربائي عند درجة حرارة 2000 درجة مئوية. كربيدات التساهمية (مثل كربيد السيليكون SiC) هي مواد صلبة شديدة الصلابة (صلابة 9.5 على موس)، مقاومة للتآكل، وتستخدم كمادة سحج (أحجار سن وتجليخ)، وفي أشباه الموصلات عالية الحرارة (كربيد السيليكون له فجوة طاقة 3.0 إلكترون فولت، ومناسب للأجهزة الإلكترونية التي تعمل عند 600 درجة مئوية وفي البيئات المشعة، مثل سيارات الكهرباء ومحولات الطاقة والفضاء). كربيد التنغستن WC هو من أصلب المواد (صلابة 9-9.5 موس)، يستخدم في أدوات القطع (البتات والمثاقب)، وفي قوالب السحب السلكية، وفي المجوهرات، وفي الدروع. الكربونات هي أملاح حمض الكربونيك، تشمل كربونات الصوديوم Na₂CO₃ (رماد الصودا، يستخدم في صناعة الزجاج والصابون والمنظفات)، وكربونات الكالسيوم CaCO₃ (الحجر الجيري، الطباشير، الرخام، يستخدم في البناء، وفي معاجين الأسنان، وفي إنتاج الجير الحي CaO)، وكربونات المغنيسيوم MgCO₃ (التلك، يستخدم في مزيلات العرق والبودرة). كربونات الكالسيوم تشكل الكهوف والأعمدة الصخرية في المناطق الكارستية: عندما يتفاعل CO₂ المذاب في ماء المطر مع CaCO₃ الصخري ليشكل بيكربونات الكالسيوم Ca(HCO₃)₂ الذائبة، ثم عندما يتبخر الماء أو يفقد CO₂، تترسب كربونات الكالسيوم مرة أخرى لتشكل الصواعد (stalagmites) والهوابط (stalactites). الكربون له القدرة على تكوين سلاسل طويلة جداً من ذرات الكربون، وحلقات، وهياكل ثلاثية الأبعاد متفرعة، مع روابط أحادية (C–C) وثنائية (C=C) وثلاثية (C≡C). هذه القدرة تسمى "ترابط الكربون" وهي أساس الكيمياء العضوية. أكبر جزيء كربوني تم تصنيعه هو DNA البشري، الذي يحتوي على حوالي 3 مليارات قاعدة نيتروجينية (زوج قواعد)، وعدد ذرات الكربون فيه يصل إلى 30 مليار ذرة كربون. أطول سلسلة كربونية اصطناعية تم تصنيعها هي بوليمرات مثل البولي إيثيلين (PE)، الذي يمكن أن يحتوي على مئات الآلاف من ذرات الكربون في سلسلة واحدة. الهيدروكربونات هي أبسط المركبات العضوية، وتتكون فقط من الكربون والهيدروجين. يمكن تقسيم الهيدروكربونات إلى ألكانات (روابط أحادية C–C)، ألكينات (تحتوي على رابطة ثنائية C=C)، ألكاينات (تحتوي على رابطة ثلاثية C≡C)، وهيدروكربونات أروماتية (تحتوي على حلقات سداسية مع روابط π لامركزية، مثل البنزين C₆H₆). البوليمرات الحيوية (البروتينات، عديدات السكاريد، الأحماض النووية) هي أيضاً مركبات كربونية عملاقة، حيث تعمل كدعامات للحياة (DNA يحمل الشفرة الوراثية، RNA يشارك في تخليق البروتين، البروتينات محفزات وبنى خلوية، متعددات السكاريد تخزن الطاقة مثل النشا والغليكوجين والسليلوز). السليلوز هو أشد المركبات الكربونية وفرة على الأرض، ويشكل جدران الخلايا في النباتات، ويعتبر مصدراً متجدداً للمواد الكيميائية والوقود الحيوي (الإيثانول السليولوزي).

من ناحية النظائر، الكربون الطبيعي يتكون من نظيرين مستقرين: كربون-12 (¹²C) بنسبة 98.93 بالمئة تقريباً، وكربون-13 (¹³C) بنسبة 1.07 بالمئة. النسبة بينهما ليست ثابتة تماماً، وتستخدم في تحليل نظائر الكربون الثابتة (Stable Carbon Isotope Analysis) في علم الجيولوجيا والآثار والبيئة والطب الشرعي لتحديد المصادر (مثلاً، التمييز بين الكربون من المصادر الجيولوجية (الوقود الأحفوري) والكربون من المصادر الحيوية (النباتات)، وكذلك تحديد نوع المسار الضوئي الذي تستخدمه النباتات (C3 مقابل C4). نباتات C3 (القمح، الأرز، فول الصويا) تميل إلى امتصاص ¹²C أكثر قليلاً من ¹³C، بينما نباتات C4 (الذرة، قصب السكر، الدخن) لها تفضيل أقل للتمييز، مما يترك بصمة نظائرية مختلفة. نظير الكربون المشع كربون-14 (¹⁴C) هو نظير مشع ينتج في الغلاف الجوي العلوي من تفاعل النيوترونات الكونية مع النيتروجين الجوي: ¹⁴N + n → ¹⁴C + p. عمر نصف ¹⁴C هو 5730 سنة، ويستخدم في التأريخ بالكربون المشع (Radiocarbon Dating) لتحديد عمر المواد العضوية التي يصل عمرها إلى حوالي 60,000 سنة. هذه التقنية، التي طورها الكيميائي الأمريكي ويلارد ليبي في عام 1949 وحصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1960 عنها، أحدثت ثورة في علم الآثار، الجيولوجيا، الأنثروبولوجيا، والجيولوجيا الرباعية. المبدأ: عندما يكون الكائن الحي على قيد الحياة، فهو يتبادل الكربون مع الغلاف الجوي (من خلال الأكل والتنفس أو البناء الضوئي)، وتكون نسبة ¹⁴C إلى ¹²C فيه هي نفس نسبة الغلاف الجوي في ذلك الوقت (تقريباً 1.3×10⁻¹²). عندما يموت الكائن الحي، يتوقف تبادل الكربون، ويبدأ ¹⁴C يتحلل بمعدل معروف (عمر النصف 5730 سنة). بقياس كمية ¹⁴C المتبقية في العينة (باستخدام مطياف الكتلة بالتسريع AMS أو العد الإشعاعي التقليدي)، يمكن حساب الوقت المنقضي منذ موت الكائن الحي بدقة تصل إلى ± 20 سنة لعينات عمرها بضعة آلاف من السنين. مثال: مخطوطات البحر الميت (Dead Sea Scrolls) تم تأريخها إلى حوالي 2000 سنة، مما يؤكد صحتها التاريخية. قناع توت عنخ آمون الذهبي لا يمكن تأريخه بالكربون 14 (لأن الذهب لا يحتوي على كربون)، لكن الخشب والنسيج المصاحب له تم تأريخهما إلى 3300 سنة مضت. المشاكل والمحدوديات: التأريخ بالكربون المشع يفترض أن نسبة ¹⁴C في الغلاف الجوي كانت ثابتة على مر الزمن، لكنها في الواقع تتغير بسبب التغيرات في النشاط الشمسي (الذي يغير إنتاج ¹⁴C) والثورات البركانية (التي تطلق كميات كبيرة من CO₂ الخالي من ¹⁴C). تم معايرة المنحنى باستخدام حلقات الأشجار (Dendrochronology) التي تعطي عمراً دقيقاً يصل إلى 14,000 سنة، وبيئات بحرية، ورواسب كهفية، وتواريخ علمية معروفة أخرى، لإنشاء منحنى المعايرة IntCal الذي يصحح هذه التغيرات. الكربون-14 يستخدم أيضاً في الطب كمتتبع نظائري في الأبحاث الأيضية (دراسة مسار الأدوية في جسم الإنسان)، وفي الجيولوجيا لتأريخ الرواسب الحديثة، وفي علم المحيطات لدراسة دوران المحيطات. النظائر المشعة قصيرة العمر مثل كربون-11 (¹¹C، عمر نصف 20.34 دقيقة) تستخدم في التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني PET (Positron Emission Tomography) في الطب النووي، حيث يتم دمجه في جزيئات عضوية مثل الجلوكوز (فلوديوكسي جلوكوز ¹⁸F-FDG مشهور أكثر، لكن ¹¹C-غلوكوز ممكن أيضاً)، ليتم تعقب استهلاك الخلايا للطاقة، وتشخيص الأورام السرطانية (الخلايا السرطانية تستهلك جلوكوز أكثر من الخلايا السليمة). كربون-11 ينتج في مسرع الجسيمات (سيكلوترون) من تفاعل ¹¹B(p,n)¹¹C أو ¹⁴N(p,α)¹¹C.

طرق تحضير الكربون النقي تختلف حسب الشكل المطلوب (ماس، جرافيت، جرافين، فوليرين، أنابيب). للحصول على الجرافيت الصناعي، الطريقة التقليدية هي تسخين فحم الكوك البترولي (مادة صلبة كربونية تتبقى بعد تكرير النفط) مع مادة رابطة (قطران الفحم) في أفران كهربائية عند درجة حرارة 2500-3000 درجة مئوية في غياب الأكسجين. يتحول الكربون غير المتبلور إلى جرافيت متعدد البلورات (polycrystalline graphite). للحصول على جرافيت عالي النقاوة (أكثر من 99.999٪ كربون)، تُعالج المادة بغاز الكلور عند 2000 درجة مئوية لتطاير الشوائب المعدنية ككلوريدات. الجرافيت الطبيعي المستخرج من المناجم (في الصين، الهند، البرازيل، أوكرانيا) يحتوي على شوائب ويستخدم في التطبيقات الأقل حساسية مثل أقلام الرصاص وطلاءات المسبك. للحصول على الماس الاصطناعي، الطرق الرئيسية: الضغط العالي والحرارة العالية (HPHT)، حيث يُوضع الجرافيت النقي في مفاعل من نوع "قفص التمساح" (Belt apparatus) أو "الأسطوانة المتعددة" (Multi-anvil press)، ويُعرض لضغط 60,000-100,000 ضغط جوي ودرجة حرارة 1500-2000 درجة مئوية، مع وجود مذيب معدني (الحديد، النيكل، الكوبالت) يذيب الجرافيت ويسمح للكربون بالتبلور على شكل ماس نواة (seed). هذه الطريقة تنتج الماس الصناعي بأحجام تصل إلى 10-15 قيراط، يستخدم في أدوات القطع والطحن وفي المجوهرات. الطريقة الثانية هي ترسيب البخار الكيميائي (CVD)، حيث يُمرر غاز الميثان (CH₄) مع الهيدروجين في مفاعل ساخن عند 800-1000 درجة مئوية، ويُحلل الميثان ببلازما الميكروويف أو بسلك ساخن، فيترسب الكربون على ركيزة من السيليكون أو التنغستن أو الماس النواة، مكوناً طبقة من الماس متعدد البلورات أو أحادي البلورة (اعتماداً على الظروف). CVD تنتج أغشية رقيقة من الماس تستخدم في الإلكترونيات (الماس هو شبه موصل عريض الفجوة) وفي الطلاءات الصلبة وفي النوافذ المقاومة للخدش. أنابيب الكربون النانوية تُصنع عادةً بواسطة CVD عند 600-1000 درجة مئوية من غاز الميثان أو الإيثيلين أو الأسيتيلين مع غاز الهيدروجين، وبوجود محفزات معدنية نانوية (الحديد، الكوبالت، النيكل) على ركيزة من السيليكون أو الألومينا. تتحكم الظروف (درجة حرارة، تدفق، وقت) في قطر الأنابيب وعدد جدرانها. الفوليرينات تنتج بكميات محدودة من القوس الكهربائي بين قطبين من الجرافيت في جو من الهيليوم عند ضغط منخفض، فيتشكل السخام (soot) الذي يحتوي على خليط من C₆₀ و C₇₀ وأنابيب كربونية، ثم يُستخلص C₆₀ و C₇₀ من السخام باستخدام المذيبات العضوية (التولوين، البنزين) ثم الفصل بالكروماتوغرافيا. جرافين CVD على النحاس أو النيكل هو الآن صناعي، ويباع جرافين عالي الجودة بأسعار مرتفعة (100-1000 دولار للسنتيمتر المربع). الجرافين المنتج بكميات كبيرة وبتكلفة منخفضة هو جرافين أكسيد المختزل (rGO)، الذي يمكن إنتاجه من الجرافيت عبر أكسدته بحمض الكبريتيك وحمض النتريك وبرمنغنات البوتاسيوم (طريقة هامرز)، ثم تقشيره بالموجات فوق الصوتية، ثم اختزاله كيميائياً أو حرارياً. هذا الجرافين منخفض الجودة يستخدم في الحبر المطبوع، المركبات البلاستيكية، البطاريات الرخيصة.

الدور البيولوجي للكربون هو الدور الأهم على الإطلاق، فهو أساس الحياة كما نعرفها على الأرض. يشكل الكربون حوالي 18٪ من كتلة جسم الإنسان، وكل جزيء حيوي رئيسي - البروتينات والدهون والكربوهيدرات والأحماض النووية - يحتوي على الكربون. بدون الكربون، لا توجد حياة. البروتينات هي سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية (كل حمض أميني يحتوي على الكربون)، وتعمل كإنزيمات (محفزات حيوية)، وهياكل خلوية (الكولاجين في الجلد والعظام، الكيراتين في الشعر)، وناقلات للأوكسجين (الهيموغلوبين في الدم)، ومستقبلات للهرمونات والنواقل العصبية. توجد 20 حمضاً أمينياً قياسياً في البروتينات البشرية، وكلها تحتوي على الكربون. الدهون (الليبيدات) هي جزيئات كربونية طويلة السلسلة تستخدم لتخزين الطاقة (الدهون الثلاثية في الخلايا الدهنية)، لبناء أغشية الخلايا (الفسفوليبيدات التي تشكل طبقة مزدوجة حول الخلية)، ولتنظيم الهرمونات (الهرمونات الستيرويدية مثل التستوستيرون والإستروجين والكورتيزول). الكربوهيدرات (السكريات) هي جزيئات كربونية تستخدم كمصدر فوري للطاقة (الجلوكوز في الدم، الجليكوجين في الكبد والعضلات)، وكجزء من جدران الخلايا النباتية (السليلوز، وهو أكثر البوليمرات الحيوية وفرة على الأرض)، وكجزء من الأغشية المخاطية (الهيالورونان). الأحماض النووية (DNA و RNA) هي جزيئات كربونية تحمل الشفرة الوراثية: DNA يتكون من سلسلتين طويلتين من النيوكليوتيدات، كل نيوكليوتيد يحتوي على سكر ديوكسي ريبوز (C₅H₁₀O₄) وقاعدة نيتروجينية (تحتوي على الكربون) ومجموعة فوسفات. RNA يحتوي على سكر ريبوز (C₅H₁₀O₅). في الكيمياء الحيوية، جزيء ATP (أدينوسين ثلاثي الفوسفات) هو "عملة الطاقة" للخلية، ويحتوي على سكر ريبوز وقاعدة أدينين (كلاهما يحتوي على الكربون). فيتامينات B و C و E و K والسكريات والدهون والبروتينات كلها مركبات كربونية. نقص الكربون في النظام الغذائي لا يحدث (لأن الكربون موجود في جميع الأطعمة العضوية)، لكن نقص بعض مركبات الكربون مثل الألياف (السليلوز) يمكن أن يسبب الإمساك وزيادة خطر سرطان القولون. النباتات تمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتثبته في صورة جلوكوز عن طريق البناء الضوئي، وهي أولى خطوات إدخال الكربون إلى السلسلة الغذائية. ثم تأكل الحيوانات النباتات، وتحصل على الكربون، وتطلق CO₂ أثناء التنفس. هذا هو دورة الكربون البيولوجي. الكائنات اللاهوائية (البكتيريا والعتائق) تطلق الميثان (CH₄) كمنتج ثانوي، وهو غاز دفيء أقوى بـ 25 مرة من CO₂ على مدى 100 سنة. بعض الكائنات، مثل الفطريات، تقوم بتحلل الكربون العضوي الميت وإطلاق CO₂ مرة أخرى إلى الغلاف الجوي. الكربون في صورته الأولية (مسحوق كربون أو فحم نباتي) ليس ساماً (يمكن ابتلاع بعض الفحم المنشط طبياً لامتصاص السموم في حالات التسمم الحاد، ولكن بوصفة طبية فقط)، لكن جزيئات الكربون النانوية (أنابيب الكربون، جرافين، فوليرين) عند استنشاقها قد تسبب أضراراً في الرئتين مشابهة لتلك التي يسببها الأسبستوس (التهاب، تليف، أورام)، وذلك بسبب شكلها الإبري ومقاومتها للتحلل. الأبحاث حول سمية المواد الكربونية النانوية لا تزال في مراحلها المبكرة، وتوصي باستخدام إجراءات السلامة في المختبرات الصناعية (أقنعة HEPA، شفط موضعي). بالنسبة لصحة الإنسان، الكربون العضوي ليس ساماً (باستثناء بعض الجزيئات العضوية السامة مثل السيانيد والميثانول والبنزين والفورمالدهيد، التي تحتوي على الكربون)، بل ضروري للحياة. لكن الإفراط في استهلاك السكريات والدهون المشبعة (الكربونية) يؤدي إلى السمنة والسكري وأمراض القلب.

التطبيقات الصناعية للكربون هائلة ومتنوعة وتتجاوز بكثير أي عنصر آخر في الجدول الدوري. معظم إنتاج الكربون الأولي (حوالي 15 مليار طن سنوياً) لا يستخدم ككربون فلزي، بل كوقود أحفوري يُحرق لتوليد الطاقة (الفحم الحجري، النفط، الغاز الطبيعي)، وهذا الإحراق هو السبب الرئيسي لزيادة CO₂ الجوي وتغير المناخ. لكن ما تبقى من الكربون (حوالي 100-200 مليون طن) يستخدم في تطبيقات لا حصر لها. أكبر استخدام هو في صناعة الصلب: في الفرن العالي، يُختزل خام الحديد (أكاسيد الحديد) بواسطة فحم الكوك (كربون نقي تقريباً، ينتج من تسخين الفحم الحجري في أفران خاصة لإزالة المواد المتطايرة) والفحم البترولي. كربون الكوك يعمل كعامل مختزل وكوقود (يوفر الحرارة اللازمة)، وينتج عن ذلك صلب (حديد يحتوي على 1-2٪ كربون) وغاز ثاني أكسيد الكربون. كل طن من الصلب ينتج حوالي 1.5 طن من CO₂. العالم ينتج حوالي 2 مليار طن من الصلب سنوياً، مسؤولاً عن 7-9٪ من انبعاثات CO₂ العالمية. يحاول العلماء تطوير تقنيات "الصلب الأخضر" باستخدام الهيدروجين بدلاً من الكربون لاختزال الخام، والكهرباء المتجددة بدلاً من الفحم. تطبيق آخر كبير هو ألياف الكربون (Carbon Fiber)، وهي ألياف رفيعة يبلغ قطرها 5-10 ميكرومتر، مصنوعة من البوليمرات العضوية (مادة مقدمة، مثل البان (polyacrylonitrile) أو القطران (pitch)) التي تُسخن إلى 1500-3000 درجة مئوية في غياب الأكسجين (عملية تسمى الكربنة). ألياف الكربون الناتجة تتكون من 93-95٪ كربون، ولها قوة شد عالية (3-7 جيجاباسكال)، ومعامل مرونة عالي (200-500 جيجاباسكال)، وكثافة منخفضة (1.75-2.0 غ/سم³)، مما يجعلها أقوى من الفولاذ وأخف من الألومنيوم بالنسبة للوزن. تستخدم ألياف الكربون في: هياكل الطائرات (بورينغ 787 دريملاينر وأيرباص A350 تحتوي على 50٪ من وزنها كمركبات كربونية)، وسيارات السباق (فورمولا 1)، والقوارب الفاخرة، والمعدات الرياضية (مضارب التنس، عصي الجولف، قضبان الصيد، الدراجات الهوائية)، وفي الأطراف الصناعية (خفيفة ومتينة)، وفي المعدات الطبية (أسرة المستشفيات المحمولة، كراسي متحركة)، وفي توربينات الرياح (شفرات طويلة خفيفة). الإنتاج العالمي من ألياف الكربون حوالي 150,000 طن سنوياً، ومن المتوقع أن يصل إلى 500,000 طن بحلول 2030. الكربون المنشط (Activated Carbon) له مساحة سطحية داخلية ضخمة (500-3000 متر مربع للغرام الواحد)، تستخدم بشكل أساسي في تنقية المياه (إزالة الكلور، المبيدات، الأدوية، المركبات العضوية المتطايرة، النكهات والروائح الكريهة)، في معالجة الهواء (إزالة المركبات العضوية المتطايرة، ثاني أكسيد الكبريت، الزئبق)، في أقنعة الغاز العسكرية والصناعية، وفي تكرير الذهب (لاختزال الذهب من سيانيد الذهب)، وفي صناعة المشروبات الروحية (لإزالة النكهات غير المرغوب فيها)، وفي إعادة تدوير المذيبات. الكربون الأسود (Carbon Black) هو شكل من الكربون الجسيمي فائق النعومة (حجم الجسيمات 10-500 نانومتر)، ينتج من الاحتراق غير الكامل للهيدروكربونات (الغاز الطبيعي، الزيت الثقيل). يستخدم أساساً كمادة مقوية في إطارات السيارات: إضافة 20-30٪ كربون أسود إلى المطاط (المطاط الصناعي أو الطبيعي) يزيد مقاومة الإطار للتآكل بـ 5-10 مرات، ويحسن الصلادة والمتانة ومقاومة التمزق. كما يستخدم الكربون الأسود كصبغة في الأحبار (حبر الطباعة، حبر الطابعات)، والدهانات (الطلاءات السوداء)، والبلاستيك (تلوين أسود)، ومستحضرات التجميل (الماسكارا، ظلال العيون). الإنتاج العالمي من الكربون الأسود حوالي 15 مليون طن سنوياً. الجرافيت الطبيعي والاصطناعي يستخدم في أقلام الرصاص (حوالي 70,000 طن سنوياً)، وفي بطاريات الليثيوم-أيون (حوالي 500,000 طن سنوياً من الجرافيت للبطاريات)، وفي أقطاب فرن الصلب الكهربائي (حوالي 1 مليون طن سنوياً)، وفي مواد تشحيم (في البيئات التي لا يمكن استخدام الزيوت)، وفي المفاعلات النووية كمهدئ للنيوترونات. الفحم النباتي (Charcoal) يستخدم كوقود للطهي (خاصة في الدول النامية)، وفي الشيشة، وفي الفلاتر، وفي الكيمياء كعامل مختزل. ثاني أكسيد الكربون يستخدم في المشروبات الغازية، في إطفاء الحرائق، في التبريد (الثلج الجاف)، في استخلاص الكافيين من البن، وفي إنتاج الوقود الاصطناعي (تحويل CO₂ و H₂ إلى ميثانول باستخدام محفز). في علم الطب، الكربون المنشط يُعطى فموياً في حالات التسمم الحاد ببعض الأدوية والسموم (بشرط أن يكون السم غير ممتص جيداً، وفي غضون ساعة أو ساعتين من تناوله)، ويعمل على امتصاص السم في الأمعاء ومنع دخوله إلى الدم. لا يستخدم في التسمم بالمعادن الثقيلة أو الكحوليات أو الأحماض القوية. في مستحضرات التجميل، الكربون الأسود والجرافيت يستخدمان في أقنعة الوجه "للتنظيف العميق" (بسعر مبالغ فيه، وفعاليته مشكوك فيها). في الصيدلة، مركبات الكربون تدخل في تركيب معظم الأدوية: الأسبرين (حمض أسيتيل الساليسيليك C₉H₈O₄)، الباراسيتامول (C₈H₉NO₂)، الأيبوبروفين (C₁₃H₁₈O₂)، والمضادات الحيوية (البنسلين والتتراسيكلين). في الزراعة، تستخدم مركبات الكربون كأسمدة (يوريا CO(NH₂)₂، نترات الأمونيوم)، ومبيدات حشرية، ومبيدات أعشاب. في الصناعات العسكرية، يستخدم الكربون في صناعة الدروع المركبة (ألياف الكربون مع البوليمرات، والسيراميك (كربيد السيليكون SiC))، في الخوذات، وفي المركبات العسكرية المدرعة. في الصناعات الفضائية، يستخدم الكربون في المرايا (مرايا تلسكوب جيمس ويب من البيريليوم وليس الكربون، لكن بعض المرايا الصغيرة تستخدم ألياف الكربون)، وفي المقاعد الحرارية، وفي جسم الصاروخ.

أما بالنسبة لكيمياء التنسيق وحالات الأكسدة، فالكربون يظهر حالات أكسدة من -4 (في الميثان CH₄، وكربيدات الأيونية) إلى +4 (في CO₂، رباعي كلوريد الكربون CCl₄). حالات أكسدة أخرى: -3 في الإيثان C₂H₆، +2 في أول أكسيد الكربون CO، -2 في الفورمالدهيد H₂CO، 0 في الجلوكوز C₆H₁₂O₆ (أيضاً في الكربون العنصري نفسه). الكربون في معقدات التنسيق مع المعادن الانتقالية يشكل الكربونيلات المعدنية (Metal carbonyls)، مثل Ni(CO)₄ (رباعي كربونيل النيكل)، Fe(CO)₅ (بنتاكربونيل الحديد)، Cr(CO)₆ (سداسي كربونيل الكروم). في هذه المعقدات، تكون الرابطة بين الكربون والمعدن من النوع σπ الخلفي (backbonding)، حيث يساهم المعدن بالإلكترونات في مدار π* للـ CO، مما يقوي الرابطة ويجعل هذه المعقدات أكثر استقراراً. تستخدم الكربونيلات في التخليق العضوي المعدني، وفي تحضير جسيمات النانو المعدنية، وفي عمليات الهدرجة والكربونلة. كما توجد معقدات مع رابطة كربين (Carbene)، حيث يرتبط الكربون ثنائي التكافؤ بالمعدن (مثل معقدات غروبس للتخليق العضوي)، وقد حصل روبرت غروبس على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2005 لاكتشافه وتحضيره محفزات الألكين الميتاتيز (alkene metathesis) التي تعتمد على رابطة كربين-المعدن. الكربيدات التساهمية مثل كربيد السيليكون (SiC) وكربيد البورون (B₄C) تعتبر شبكات مترابطة ثلاثية الأبعاد مع روابط تساهمية قوية، وهي أصلب المركبات بعد الألماس. في جسم الإنسان، الكربون ليس له حالة أكسدة محررة بل هو مرتبط تساهمياً في جزيئات عضوية معقدة.

من ناحية التحديات والاتجاهات المستقبلية، يواجه الكربون مفارقة مذهلة. من جهة، الكربون في صورته الأحفورية (الفحم، النفط، الغاز) هو سبب أزمة المناخ العالمية التي تهدد وجود الحياة البشرية كما نعرفها. ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 1.2 درجة مئوية منذ عصور ما قبل الصناعة، مع توقعات بارتفاع يصل إلى 2.5-4 درجات مئوية بحلول 2100 إذا استمرت الانبعاثات بمعدلاتها الحالية. الاحترار العالمي يسبب ذوبان الأنهار الجليدية والجليد القطبي، مما يرفع مستوى سطح البحر (متوقع ارتفاع 0.5-1 متر بحلول 2100، مع استمراره لقرون)، وغمر المدن الساحلية (ميامي، شنغهاي، البندقية، الإسكندرية)، وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة (الأعاصير، الفيضانات، الجفاف، موجات الحر، حرائق الغابات). لذلك، فإن التحدي الأكبر للبشرية هو "إزالة الكربون" من الاقتصاد العالمي. تقنيات احتجاز وتخزين الكربون (Carbon Capture and Storage, CCS) تعمل على محطات الطاقة ومصانع الأسمنت ومصانع الصلب: يتم امتصاص CO₂ من غازات المداخن بواسطة مذيبات أمينية (مثل مونوإيثانول أمين MEA)، ثم يتم تسخين المذيب لتحرير CO₂ النقي، ثم يتم ضغط CO₂ ونقله عبر خطوط أنابيب وحقنه في طبقات جيولوجية عميقة (خزانات ملحية مهجورة، حقول نفط وغاز مستنفدة، طبقات الفحم غير القابلة للتعدين) لتخزينه طويل الأمد (آلاف السنين). حالياً هناك 77 مشروع CCS قيد التشغيل في العالم، و47 قيد الإنشاء، ويمكنها تخزين حوالي 50 مليون طن من CO₂ سنوياً، لكن هذا يمثل أقل من 0.1٪ من الانبعاثات العالمية (حوالي 40 مليار طن سنوياً). لذلك نحتاج إلى زيادة هائلة في CCS. تقنية احتجاز الكربون واستخدامه (CCUS) تتضمن استخدام CO₂ المجمع كمواد خام لإنتاج مواد ذات قيمة: حقنه في حقول النفط لتعزيز استخلاص النفط (EOR)، وتحويله مع الهيدروجين إلى ميثانول (CH₃OH) (يمكن استخدامه كوقود أو مادة أولية للكيماويات)، وتحويله مع الماء إلى غاز اصطناعي (CO + H₂) ثم إلى وقود سائل، وتحويله إلى بوليمرات (كربونات البولي بروبلين، بولي يوريثان)، وإلى مواد كيميائية مثل اليوريا وحمض الساليسيليك. لكن الكمية المستخدمة حالياً لا تذكر مقارنة بالانبعاثات. من ناحية أخرى، هناك تقنيات الإزالة السلبية للكربون (Negative Emission Technologies): زراعة الأشجار (التشجير)، إدارة التربة (زراعة الكربون العضوي في التربة)، إنتاج الفحم الحيوي (biochar) من بقايا المحاصيل وحرقه في أفران خاصة لإنتاج الطاقة والحصول على الفحم الحيوي الذي يُدفن في التربة لقرون، وتحسين التجوية (طحن الصخور الغنية بالسيليكات ونشرها على الشواطئ والحقول لزيادة امتصاص CO₂)، وتثبيت الكربون في المحيطات (إضافة الحديد لتحفيز الطحالب لامتصاص CO₂)، وامتصاص الهواء مباشرة (-dir-ect Air Capture) بواسطة مراوح ضخمة تمتص الهواء وتمتص CO₂ باستخدام مذيبات أو مواد صلبة. لكن كل هذه التقنيات لا تزال باهظة الثمن وتتطلب طاقة كبيرة، ولا يمكنها تعويض استمرار حرق الوقود الأحفوري بدون تخفيضات ضخمة في المصدر.

من جهة أخرى، الكربون في أشكاله النانوية (الجرافين، الأنابيب، الفوليرين) هو الأمل في تقنيات المستقبل لمواجهة التحديات البيئية والطبية: البطاريات عالية الأداء لتخزين الطاقة المتجددة (طاقة الرياح والطاقة الشمسية)، والمواد الخارقة خفيفة الوزن للنقل (سيارات كهربائية أخف وزنًا وتستهلك طاقة أقل)، والمواد الحفازة لتحويل CO₂ إلى وقود، وأغشية تنقية المياه وتصفية الغازات، ومركبات تخزين الهيدروجين، والأجهزة الإلكترونية القابلة للتحلل الحيوي، والسقالات الطبية الحيوية لعلاج إصابات الحبل الشوكي والعظام والأوعية الدموية، وحساسات ذكية للرصد البيئي، والطلاءات الذكية المضادة للتآكل، والمركبات الحرارية والكهربائية للالكترونيات. ولكن يجب أن نكون واقعيين: المواد النانوية الكربونية لا تزال بعيدة عن الإنتاج الضخم والتكامل في المنتجات التجارية بأعداد كبيرة، بسبب التكلفة العالية، وصعوبة تحضيرها بخصائص موحدة على نطاق واسع، ومخاوف السمية التي تعيق الموافقة التنظيمية، وعدم قدرة معظم المصانع الحالية على التعامل مع المواد النانوية بأمان. لكن التوقعات متفائلة: من المتوقع أن يصل سوق الجرافين إلى 1-2 مليار دولار بحلول 2030، وسوق أنابيب الكربون إلى 5-10 مليار دولار، وسوق المركبات الكربونية المقواة إلى 30-50 مليار دولار.

ختاماً، الكربون هو "العنصر العجيب" في الجدول الدوري، الذي جمع بين البساطة الكونية (ثلاثة جسيمات فقط تكوّن ذرته: 6 بروتونات، 6 نيوترونات، 6 إلكترونات) والتعقيد اللانهائي في كيميائه، بين جمال الماس الفاتن وفتنة الجرافين الناشئ، بين ضرورته المطلقة للحياة ومسؤوليته عن تهديد استمرار الحياة على الأرض بسبب انبعاثات الكربون الأحفوري. الكربون هو الخيط الذي يربط بين أعمق أسرار الفيزياء الفلكية (تكوين الكربون في النجوم عبر عملية ألفا الثلاثية التي تكاد تكون معجزة كمومية) وأكثر أزمات عصرنا إلحاحاً (التغير المناخي الناتج عن اختلال دورة الكربون بسبب حرق الوقود الأحفوري). الكربون هو العنصر الذي، إذا أحسن البشر تسخيره، يمكن أن يقودنا إلى مستقبل من الطاقة النظيفة والمواد المتقدمة والطب التجديدي، وإذا أسأنا استخدامه، فسيظل يدفعنا نحو كارثة بيئية وانسانية لا رجعة فيها. في النهاية، كما قال الفيزيائي كارل ساجان، "نحن مصنوعون من مادة النجوم"، وهذه المادة هي الكربون. كل ذرة كربون في أجسادنا كانت يوماً ما داخل قلب نجم عملاق، وهو الذي قذف بها إلى الفضاء لتستقر في نهاية المطاف في كواكب جديدة، ومنها الأرض، ثم في نباتات، ثم في حيوانات، ثم فينا. فهم الكربون هو فهم أصولنا وحاضرنا ومستقبلنا، وهو المفتاح لصياغة حضارة إنسانية مستدامة على هذا الكوكب الجميل الذي نسميه وطناً.


أ. حسين علي حياوي المؤذن



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)       Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البيريليوم | الفلز الغامض بين الخفة والقوة - من الزمرد إلى ا ...
- الليثيوم | الفلز الخفيف الذي شحن العالم - من معادن البغماتيت ...
- الهيليوم | غاز الكون العزيز - من أطياف الشمس إلى موارد الأرض ...
- الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى ...
- السيد السيستاني آخر العظماء
- بين ركام التردد وإرادة الشباب : قصة قانون حماية المسعف التطو ...
- الضربة الإيرانية لمركز الاستمطار السري في الإمارات – الحرب ا ...
- هرمز : الممر الذي كاد أن يشعل العالم
- أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية
- بين ملمحة خرمشهر الموسيقية وخرمشهر الصاروخية : سقطت أسطورة إ ...
- العقل والتاريخ في مواجهة الأسطرة اللاهوتية
- معجزة المسيح السياسية
- أنطولوجيا النجاة
- الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
- الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
- الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
- دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني - ...
- دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعر ...
- الإطارات المعدنية العضوية: الجيل الجديد من المواد الذكية في ...
- حياة علم الكيمياء | الصادق مؤسسها الأَول


المزيد.....




- الإمارات تعلق على اتفاق إيران وأمريكا: يجب احترام سيادة الدو ...
- تحليل لـCNN: كيف يضع اتفاق ترامب مع إيران نتنياهو في مأزق؟
- بين دير -كييف-بيتشيرسك لافرا- ومجزرة ستاروبيلسك.. زاخاروفا ت ...
- رئيس صوماليلاند في إسرائيل لأول مرة منذ الاعتراف باستقلال ا ...
- هجوم روسي يشعل النار في دير مدرج على قائمة اليونسكو في كييف ...
- بينيت ينتقد حكومة نتنياهو: عاجزة عن تحويل الأداء العسكري إلى ...
- ناريشكين: مشاركة صربيا الأولى في مناورات -الناتو- -لا تبعث ا ...
- فارس: إعفاء مؤقت 60 يوما لعبور السفن قبل بدء نظام الرسوم في ...
- الجيش اللبناني يحذر الأهالي من العودة إلى القرى الحدودية ويش ...
- وانغ يي: -شنغهاي للتعاون- لم تستنفد دورها كعامل استقرار في ا ...


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي حياوي المؤذن - الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنولوجيا وأزمة المناخ