أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعد شاكر شبلي - حوار علمي هادف في قضايا دينية.. عرض وتحليل















المزيد.....

حوار علمي هادف في قضايا دينية.. عرض وتحليل


سعد شاكر شبلي

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 12:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


وصلنا من أحد الأصدقاء الأعزاء رد جميل شيق وتعليق راقٍ محترم، تضمن مجموعة من الأسئلة والاستفسارات تعليقاً على التهنئة الأسبوعية التي نرفعها كل يوم جمعة للأخوات والأخوة من الأهل والأصدقاء، يدل هذا الرد على فكر ناقد ورغبة صادقة في الوصول إلى الحقيقة. وهذا هو جوهر الحوار العلمي الهادف.
نسعى هنا لتقسيم الإجابات على النقاط التي تم إثارتها من قبل الصديق الكريم، عبر توضيح بعض المفاهيم التي قد تحتاج إلى تأمل أعمق في سياقها المعرفي (القرآني والتشريعي).
أولاً: حول مفهوم "المساواة" و"العدل" في القرآن الكريم
من المهم جداً أن نفرق بين "المساواة الرياضية" (وهي أن يأخذ الجميع نفس الشيء بغض النظر عن ظروفهم) و"العدالة" (وهي أن يعطى كل ذي حق حقه، مع مراعاة الاختلافات الطبيعية والوظيفية بين البشر). وذلك فيما جاء بالقرآن الكريم من أحكام جلية ومتشابهات ليست بالعصية، فالقرآن لا يدعو إلى المساواة المطلقة والمتشابهة تجاه عدد من القضايا والمشكلات وما يرتبط بها من مسائل، لأنه يتعامل مع واقع خلقي متنوع (الرجل والمرأة، المسلم وغير المسلم، القوي والضعيف). وهو بدل ذلك، يدعو إلى "العدل" و"الإحسان"، وهو أعلى من المساواة.
بعض أحكام "شهادة المرأة"
لا يمكن للقارىء اللبيب أن يركن بفكره النير إلى حكم شهادة المرأة بمنطوق "نصف رجل" من حيث القيمة الإنسانية أو الدينية، بل عليه أن ينظر إليها كإجراء احترازي يناسب طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية السائدة وقت التشريع. فالآية الكريمة في سورة البقرة (282) خاصة بالشهادة على الدَّين والمعاملات المالية تحديداً، وعللها العلماء بأن المرأة غالباً لم تكن خبيرة بهذه المعاملات في المجتمع الزراعي والتجاري آنذاك، فجاء الحكم بدعمها بامرأة أخرى لتتذكر. وفي المقابل، هناك مجالات عديدة تقبل فيها شهادة المرأة وحدها وتكون مقدمة على الرجل، كالمسائل المتعلقة بالرضاعة والحيض والنفاس وغيرها مما هو من اختصاصها. كما أن المذهب الحنفي -وهو أحد كبار المذاهب- يُسوّي بين شهادة الرجل والمرأة في القصاص والحدود والطلاق. إذن، الأمر ليس "تمييزاً" بل "تخصيصاً" حسب مجال الشهادة.
"شهادة المسيحي"
القول بأن شهادة غير المسلم غير مقبولة مطلقاً غير دقيق. الفقهاء فرقوا بين "القضاء" (الحكم بين الناس) و"الشهادة" (الإخبار بالواقعة). ففي المعاملات بين المسلمين، لا يُقبل شهادة غير المسلم عادة لأنه قد لا يعرف تفاصيل الأحكام، لكن في القضايا التي تحدث في بلاد غير المسلمين، أو في الوصايا للمسافرين (كما في الآية 106 من المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾) أي من غير المسلمين. وهذه مرونة كبيرة. الإسلام يقبل شهادة غير المسلم على المسلم في أحوال كثيرة، بل ويعتبر أهل الذمة ضمن المجتمع ونظام القضاء لديهم يُحترم.
ثانياً: القضاء والنزاهة والدية
الدية بين الرجل والمرأة: هنا نعود للفرق بين "المساواة" و"العدالة". الدية في الشريعة ليست "ثمناً" للإنسان، بل هي تعويض مالي لأهل القتيل (خطأً أو عمداً)، وكانت معروفة قبل الإسلام. اعتبار دية المرأة نصف دية الرجل -عند جمهور الفقهاء- ليس إهداراً لكرامتها، بل مراعاة للواقع الاقتصادي: الرجل كان وما يزال (في أغلب المجتمعات) هو المعيل الأساسي للأسرة، وخسارة الرجل تعني خسارة مصدر للدخل لأفراد قد يعولهم. لكن هناك رأياً قوياً ومعاصراً يرى المساواة في الدية لأن دور المرأة الاقتصادي تغير، وبعض المذاهب (كالمالكي في رواية) ساوت بينهما. الأهم هو مبدأ: "العدل يقضي بأن كل من تسبب بضرر فعليه تعويض عادل"، وتقدير هذا التعويض يمكن أن يتغير حسب الزمان والمكان والمصلحة.
دية غير المسلم (المسيحي أو غيره): هذا خطأ شائع. في الشريعة الإسلامية، لأهل الذمة (غير المسلمين في الدولة الإسلامية) دية مساوية لدية المسلم عند جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية في الراجح). فعن النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا من قتل نفساً معاهدة له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر ذمة الله" ومن حقه أن يُدّى له كاملاً. أما بالنسبة لـ"المسيحي الذي لا دية له" - لا وجود لمثل هذا في فقه الدولة الإسلامية العادلة. كل إنسان له حرمة، والمعاهد (من غير المسلمين الذين بينهم وبين المسلمين عهد أو صلح) له نفس الحقوق المدنية. ربما قصد الصديق " الشخص الحربي" أي في حالة الحرب، وهذا يندرج تحت قانون الحرب وليس القانون الجنائي الداخلي.
ثالثاً: العدل مع الخصوم (قضية "نسائهم وأموالهم ملك لكم" والجزية)
هذه النقطة تحتاج إلى سياق تاريخي واضح.
1. آيات الجهاد والسياق الحربي: الآيات التي تتحدث عن "سبي النساء والأموال" (كقوله تعالى في سورة الأحزاب أو الأنفال) هي في سياق الحرب القائمة فعلاً بين المسلمين وقوم يقاتلونهم ويحاربون دعوتهم. الإسلام لا يدعو ببدأ القتال، بل أذن به دفاعاً عن الوجود. وحتى في الحرب، وضع ضوابط صارمة: النهي عن قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان، والنهي عن التمثيل بالجثث، والإكراه على الدين محرم قطعاً (﴿لا إكراه في الدين﴾). أما عبارة "ملك لكم" فتفهم خطأ؛ فالسبي كان وسيلة لإنهاء الحرب وتبادل الأسرى، والإسلام حث على إعتاق الرقيق ومنحهم حقوقاً لم تكن موجودة قبله، وجعل تحرير الرقبة كفارة لكثير من الذنوب. وإذا كان هناك خلل في التطبيق التاريخي، فهذا ليس تشريعاً بل تجاوز بشري، مثلما حصل مع غير المسلمين في حروبهم.
2. الجزية: الجزية ليست "إذلالاً" أو "ثمناً للبقاء" كما يُصور خطأ. فهي كانت نظام ضريبي في الدولة الإسلامية لغير المسلمين الذين لا يخدمون في الجيش (لأنهم معفون من الخدمة العسكرية بينما المسلمون يدفعون الزكاة ويقاتلون). في المقابل، تتحمل الدولة حمايتهم وتأمينهم ورعاية دور عبادتهم وإعفائهم من زكاة المسلمين. كان عمر بن الخطاب يرد الجزية لمن لا تستطيع الدولة حمايتهم. وهي أقل بكثير من الضرائب الحديثة. أما خيار "الإسلام أو الجزية أو القتل" فهذا خاص بالمشركين الذين يحاربون الإسلام في جزيرة العرب، أما أهل الكتاب فيعرض عليهم الإسلام أولاً، ثم الجزية، ولا قتل. وبالتالي، ليست "حرية ومساواة" بالمعنى الليبرالي الغربي، بل هي نموذج مختلف للتعايش الديني تحت مظلة دولة قانون.
رابعاً: منع الاستبداد والفتوحات الإسلامية
في هذا المجال كان سؤال الصجيق عميقاً. وبشأنه نقول إن الفتوحات الإسلامية كانت حركة توسع سياسي وديني، وفيها ملامح استبداد وحرية معاً، حسب القادة والظروف. من جهة، كانت هناك شورى وانتخاب للخلفاء ونظام قضاء مستقل (في العصر الراشدي خاصة) ومنع للخليفة من أن يكون فوق القانون. ومن جهة أخرى، حصلت انحرافات وصراعات على السلطة (في زمن معاوية ويزيد والفتنة الكبرى) وكانت هناك ممارسات استبدادية. لكن النص القرآني نفسه يمنع الاستبداد: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، و﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وحديث "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". أما الفتوحات نفسها، فلم تكن لأجل النهب أو القتل، بل انتشر فيها الأمن والأمان والحفاظ على دور العبادة، ولم يُجبَر أحد على الإسلام (ظلت كنائس الشرق ويهود الأندلس قروناً). هذا لا يعني تبرئة كل فعل تاريخي، لكنه يعني أن الروح القرآنية ضد الاستبداد، والتطبيقات التاريخية كانت بشرية فيها الصواب والخطأ.
الخلاصة والرد الختامي
نقول للأخ والصديق العزيز، نشكرك جداً على هذه المداخلة التي تظهر وعياً وحباً للحقيقة. الآية التي بدأنا بها (﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾) هي أصل كلي مطلق لا يمكن تخصيصه أو نسخه. كل التفاصيل الفقهية التي ذكرناها (الدية، الشهادة، الجزية، السبي) هي اجتهادات بشرية في ظروف تاريخية معينة، وقد تكون قابلة للتغيير عندما تتغير الأحوال والمقاصد، لأن القاعدة الذهبية "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة". وهناك علماء معاصرون كثر يدعون إلى مراجعة هذه الأحكام في ضوء مقصد العدل الكلي، والمساواة بين الرجل والمرأة في الدية والشهادة، وتطبيق "الإحسان" مع غير المسلمين بما يفوق العدل المجرد.
ما نقدمه اليوم ليس دفاعاً عن كل تطبيق تاريخي خاطئ، بل دفاعاً عن المنهج القرآني الذي وضع العدل والإحسان غاية، وترك باب الاجتهاد مفتوحاً لتحقيقه في كل زمان. ولو طبقنا نفس المعايير الصارمة على أي قانون وضعي حديث (كالتمييز العنصري في أمريكا حتى ستينيات القرن العشرين، أو قوانين المرأة في سويسرا حتى تسعينات القرن العشرين) لوجدنا عيوباً أكبر.
خلاصة الرد: القرآن يعلو ولا يُعلى عليه، لكن فهمنا له وتطبيقنا التاريخي يحتاج إلى تواضع وتجديد. نصافحكم على روح الحوار، وندعوكم للبحث في كتب "مقاصد الشريعة" و"فقه الأولويات" و"الاجتهاد المعاصر" لتتسع الصورة أكثر.. مع خالص الود والتقدير.



#سعد_شاكر_شبلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الفتوى والقانون: عندما تبيح -مجهولية المالك- الاستيلاء ع ...
- دلالات الحنين إلى مرابع الصبا والشباب
- جزيرة جرينلاند
- مصطلح سياسي
- العالم فوق صفيح ساخن - ج3 / كوريا الشمالية: لاعب غير تقليدي ...
- العالم فوق صفيح ساخن – الجزء 2 / مكانة الصين على المستوى الع ...
- العالم فوق صفيح ساخن – ج1
- نظرة على السلوك الأمريكي في إثارة الأزمات في العالم
- قضية انتقال القواعد القانونية من صيغ الظروف العادية إلى الظر ...
- يا نفس هوني
- عبرات في عالم الإنسان.... ج2
- عبارات في عالم الإنسان - ج1
- أبْرارٌ مِن بَنِي شَمَّرْ
- يراودني الردى من قريب
- اقصوصة الليل 2
- سيد الشهداء
- اقصوصة الليل 1
- هبت تلوم ولات حين ملامي
- جرت عليَ الأيام قاسية
- جرت علي الأيام قاسية


المزيد.....




- مكتب حفظ ونشر أعمال القائد الشهيد للثورة الإسلامية يعلن عن ت ...
- السلطة القضائية: العفو عن 139 محكوماً بالإعدام بموافقة قائد ...
- المتحدث باسم السلطة القضائية: العفو عن 139 محكوماً بالإعدام ...
- أبو عبيدة: الضغط في الضفة الغربية سيقود إلى الانفجار وجنين - ...
- رغم التضييقات الإسرائيلية.. 60 ألفاً يؤدون صلاة الجمعة في ال ...
- بالفيديو.. طفل يخترق الطوق الأمني من أجل -سلفي- مع نجم الجزا ...
- الوفاء للمقاومة: نحيي ونثمن عالياً موقف الجمهورية الإسلامية ...
- أكثر من 60 ألف فلسطيني يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى
- حرس الثورة الإسلامية: ايران أصبحت اليوم في موقع أقوى وأكثر ...
- حرس الثورة الإسلامية: القوات المسلحة الإيرانية في حالة جاهزي ...


المزيد.....

- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعد شاكر شبلي - حوار علمي هادف في قضايا دينية.. عرض وتحليل