أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - تشريح الزيف: جينالوجيا الكذب وهندسة العدمية المعاصرة















المزيد.....

تشريح الزيف: جينالوجيا الكذب وهندسة العدمية المعاصرة


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 18:58
المحور: المجتمع المدني
    


في مأزق الحقيقة الراهن
يمر العالم المعاصر بإنتاجية مكثفة لأزمات وجودية ومعرفية مركبة؛ تتبدى في تقاطع تحولات سياسية واقتصادية وفلسفية حادة، تعيد صياغة وعي الإنسان بذاته، وبمحيطه، وبالزمن. إن هذا التحول الكوني ليس مجرد تبدل عابر في موازين القوى، بل هو زلزال مفاهيمي يطال بنية الوعي البشري ويقوض ركائز الحقيقة الفلسفية والسياسية التي استقرت لقرون. ويمكن قراءة هذا التحول الكوني المعقد من خلال ثلاثة محاور رئيسية متداخلة تشكل ملامح العصر الحديث:
أولها، صعود "الظاهرة الترامبية" كنموذج لتفكيك القيم السياسية الكلاسيكية وإحياء النزعة السيادية المشخصة التي تعتمد على كسر المؤسسات واختزال الدولة في الفرد.
وثانيها، تأسيس "التعميق الأيديولوجي للتفاهة" بالتوازي مع ميتافيزيقيا براغماتية نفعية تختزل الوجود الإنساني كله في أبعاده المادية الأداتية، محولة القيم الأخلاقية إلى أدوات استخدامية عابرة.
وثالثها، سيادة فلسفة تجارية سلعية مفرطة تكرس نمط وجود وشعار الاستهلاك الفوري القائل: "أعيش يومي وغداً لغائب".
تتوج هذه المحاور الثلاثة بمقاربة فلسفية تاريخية تفكيكية لصراع الكذب والسياسة؛ حيث يتحول الكذب المنهجي في عصر "ما بعد الحقيقة" من مجرد انحراف أخلاقي طارئ أو خطيئة سلوكية فردية، إلى آلية أنطولوجية وجودية تعيد هندسة الواقع وصناعة الأوهام الجمعية. إن فهم هذا المشهد المتشابك يتطلب تشريحاً بنيوياً حاداً يربط بين تآكل المؤسسات الديمقراطية، وصعود الرأسمالية المتأخرة، والتحولات العميقة في أنظمة التاريخانية والوعي البشري بالزمن والحقيقة. إنه محاولة لتعرية الأنساق الخفية التي تحرك واجهة العالم المعاصر وتدفع به نحو سيولة معرفية شاملة.

الترامبية وفلسفة السيادة المشخصة (أيقونة الكاو بوي)
تتجاوز الظاهرة الترامبية كونها مجرد حقبة رئاسية عابرة في التاريخ الأمريكي المعاصر، أو مجرد حدث سياسي ارتدادي؛ إذ تمثل في الجوهر تياراً أيديولوجياً هجيناً يمزج بين مستويات مرتفعة من الشعبوية اليمينية المحافظة والنزعة السلطوية القومية الجديدة. إنها ظاهرة فريدة تستخدم أدوات الحداثة وما بعد الحداثة معاً لتفكيك القيم السياسية الدولية المستقرة. وتعتمد الترامبية في منطقها الحركي على سياسة "الصدمة" المتتالية لإرباك التوازنات الدولية التقليدية، متجاوزة عن عمد القنوات المؤسساتية والقانون الدولي لتكريس مبدأ الصفقات الثنائية والنفوذ المباشر المبني على ميزان القوى العاري. وينعكس هذا التوجه في صراع حاد يتسرب من قمة الهرم السياسي إلى أعمق قاع في المجتمع؛ معبراً عن ارتباك دولي يعيد صياغة مفهوم تعددية الأقطاب على أنقاض العولمة الليبرالية والتحالفات التاريخية التقليدية، حيث يحل منطق "الغابة السياسية" محل التوافقات التعاقدية.
تتقاطع الترامبية بنيوياً مع الفلسفة الكامنة وراء المثل السائد "أمير ولو على حجر"؛ وهي فلسفة شعبية تجسد النزعة السيادية المتطرفة والمشخصة التي تفضل الهيمنة الفردية المطلقة، وإن تكن هذه الهيمنة ممارَسة على ركام نظام متآكل أو بيئة قاحلة مهدمة. في هذا المنظور السياسي، تصبح السلطة غاية بذاتها، منفصلة تماماً ومجردة من مسؤولياتها البنائية أو التزاماتها التعاقدية الجماعية تجاه المجتمع أو المستقبل.
إن ممارسة الحكم هنا تتمأسس على مبدأ الذاتية المطلقة ورفض أي كبح مؤسساتي أو دستوري أو قانوني؛ بحيث تصبح الدولة مختزلة بالكامل في شخص القائد الفرد، وتتحول العلاقات الدولية من فضاء دبلوماسي إلى فضاء من الصراع البدائي الخالي من القيم الإنسانية المشتركة. إن "الحجر" في هذا السياق هو التعبير الوجودي عن التخلي العمد عن بناء الفضاءات العمومية المشتركة والمؤسسات المستدامة، لصالح نرجسية سيادية تبسط نفوذها على التشظي والخراب، وتجد مشروعيتها في استمرار الأزمة لا في حلها.

الفلسفة التجارية السلعية وحتمية "الحاضرية المطلقة"
توظف الرأسمالية المتقدمة النزعة الاستهلاكية المفرطة ومذهب المتعة اللحظية كأدوات تصفية واحتواء شرسة للقوى الاجتماعية والسياسية التي قد تشكل، في حال وعيها، تهديداً لاستقرار بنيتها الاحتكارية. وتعمل الآلة الصناعية المعاصرة، وثقافة الإعلام الاستعراضي، ومراكز التسوق الكبرى والمنصات الرقمية، على إنتاج ما يمكن تسميته بـ "الإنسان المسطح"؛ ذلك الكائن الذي يستهلك ذاته في عملية الاستهلاك نفسها، ويتحول من فاعل تاريخي إلى مفعول به اقتصادي. وقد قوضت هذه النزعة الاستهلاكية الشرسة القيم الروحية والأعراف الاجتماعية للمجتمعات التقليدية؛ حيث جرى إزاحة المناسبات الروحية والاجتماعية الكبرى من حيزها الرمزي والديني العميق إلى حيز "الطقوسية الشكلية والاستعراضية" التي تغذيها الميديا الرقمية وصناعة الصورة المعولمة. هذا التسليع الشامل لكل ما هو إنساني ينعكس في حالة من الاغتراب الروحي والاضطراب المتزايد الذي يلتهم البيئة والإنسان على حد سواء؛ مكرساً حالة "الغثيان" الوجودي التي تفرزها الحياة البرجوازية القائمة على المنفعة الضيقة لا الجمال، وعلى التكرار العقيم للحاضر الاستهلاكي الخالي من الإبداع الحقيقي والتجاوز التاريخي.
في هذا الصدد، يحلل المؤرخ فرانسوا هارتوغ كيف أن المجتمعات الإنسانية تعبر عن تجاربها في أطر ثقافية متغيرة تسمى "أنظمة التاريخانية". وقد تراجع الوعي الزمني المعاصر بشكل حاد بعد سقوط جدار برلين وتفكك اليوتوبيا التقدمية الحديثة التي كانت تتطلع نحو المستقبل، ليفسح المجال لنظام "الحاضرية المطلقة"؛ حيث يصبح الحاضر كلي الوجود والسيادة، ويتلاشى التوازن التاريخي التقليدي بين فضاء الخبرة المستمدة من الماضي وأفق التوقعات المأمول في المستقبل.
يعيش الفرد في ظل هذا النظام علاقة شيزوفرنية بالزمن؛ وهي تجربة دوال مادية معزولة ومتقطعة تفشل في التلاحم لتشكيل استمرارية زمنية للهوية الشخصية أو الجماعية. إن شعار "أعيش يومي وغداً لغائب" ليس مجرد تعبير عن تفاؤل عابر، بل هو السلوك النفسي والاجتماعي المنسجم تماماً مع آليات الرأسمالية المتأخرة التي تثير شهوة الاستهلاك الفوري في لحظة "هنا والآن". وفي هذه الحالة الوجودية المأزومة، ينفصم الجدل الطبيعي بين الحاضر والمستقبل؛ إذ يغترب الحاضر كلياً ويتحول إلى "حاضر كئيب وسرمدي" مفرغ من الوعي التاريخي والآفاق الاستشرافية. ويرى الفيلسوف فريدريش نيتشه أن هذا التكريس للوعي اللحظي والنزوع الاستهلاكي يدمر جوهر الإنسانية؛ عبر حصر غايتها في المعرفة التقنية الفورية والمنفعة المادية العاجلة بدلاً من القيم الروحية العميقة التي تمنح الوجود استمراريته الأخلاقية والتاريخية الممتدة.

جينالوجيا صراع الكذب: التحولات المفهومية الكلاسيكية
يمثل صراع الحقيقة واللاحقيقة المحور الجوهري لمسار التاريخ الفلسفي كله؛ إذ دأبت الفلسفة، منذ نشأتها الأولى، على البحث عن الحقيقة عبر تعرية أضدادها من الوهم، والزيف، والأسطورة، والتضليل. وقد شهد مفهوم الكذب تحولات مفهومية كبرى عبر العصور، بدءاً من الصياغة اليونانية الكلاسيكية حيث برز الكذب في صيغة "القول الزائف"؛ وهي صيغة معقدة تمزج في الآن ذاته بين الخطأ المعرفي غير المقصود، والخداع السياسي المتعمد، والتزوير الفني والجمالي المفارق للواقع.
وفي محاورة "هيبياس الصغرى" الشهيرة لأفلاطون، يخوض سقراط نقاشاً بنيوياً عميقاً حول التمييز بين شخصيتي البطلين الملحميين: "آخيل" الصادق والمستقيم، و"أوديسيوس" المراوغ والذكي. ويقدم أفلاطون من خلال هذا السجال أطروحة إشكالية صادمة تفترض "تفوق فاعل السوء الطوعي"؛ مبيناً أن الشخص الذي يكذب أو يرتكب الخطأ طواعية وبعلم تام ووعي كامل هو أفضل تقنياً وعقلياً وفلسفياً من الشخص الذي يخطئ عن جهل أو دون قصد.
السبب في هذا التفضيل الأفلاطوني المظهر هو أن الأول يملك ناصية المعرفة والخبرة التامة بالمجال، وبالتالي يمتلك القدرة الواعية على التحكم بالحقائق وتوجيهها وصياغتها، بينما الثاني يتخبط دون وعي. هذا التمييز المبكر يضع يدنا على الجذر الجينالوجي للكذب بوصفه مهارة معرفية وتقنية يجري توظيفها لأغراض الهيمنة وصناعة الرأي.

من الكذب الممنهج إلى فضاء "ما بعد الحقيقة"
تنتقل الفيلسوفة حنة أرندت بمفهوم الكذب إلى فضاء الفلسفة السياسية الحديثة في مقالتها الكلاسيكية "الحقيقة والسياسة" ، والتي كتبتها في أعقاب الجدل الصاخب والشرس الذي أثير حول كتابها "آيخمان في القدس" مقدمة مقاربة واقعية وعميقة للعلاقة الصدامية بطبيعتها بين الفضاء السياسي وعالم الحقيقة. وترى أرندت أن الصدق لم يكن يوماً من الفضائل السياسية في تاريخ الممارسة العملية، بل طالما اعتُبر الكذب ونصف الحقيقة أداة ضرورية ومبررة في إدارة الدولة والتوجيه الغوغائي للجماهير. وتناقش أرندت مقولة توماس هوبز الشهيرة في كتابه "الليفايثان" بأن "الحقيقة التي لا تتعارض مع لذة أو ربح أي إنسان هي موضع ترحيب الجميع"، لتؤكد أن الحقيقة الواقعية تواجه رفضاً وغضباً سياسياً مستمراً حتى حين لا تتعارض مباشرة مع المصالح المادية؛ وذلك لأن طبيعة الحقيقة القسرية والصلبة وغير القابلة للمساومة تقيد حركة الفاعل السياسي الباحث عن إعادة تشكيل الآراء، وتزييف الوقائع، وتوجيه الجمهور وفقاً لبوصلة مصلحته الآنية.
توضح أرندت عناد الحقيقة الواقعية من خلال حكاية السياسي الفرنسي جورج كليمنصو؛ فحين سئل عما سيكتبه مؤرخو المستقبل عن مسؤولية اندلاع الحرب العالمية الأولى، أجاب بثقة: "لا أعلم يقيناً ما سيكتبونه، ولكني متأكد تماماً من أنهم لن يجرؤوا على القول بأن بلجيكا هي من غزت ألمانيا في أغسطس 1914". وتظهر هذه الحادثة التاريخية الدالة أن الحقائق الملموسة تمتلك "صلابة مستفزة" وصموداً ذاتياً يعوق محاولات تزييف الواقع بالكامل أو محوه من الذاكرة البشرية.
ومع ذلك، تميز أرندت تمييزاً دقيقاً بين الكذب التقليدي القديم الذي كان يهدف إلى حماية الأسرار العسكرية أو خداع الأعداء بشكل موضعي وجزئي يترك نسيج الواقع العام سليماً، وبين "الكذب الممنهج الحديث" الذي تمارسه الحكومات المعاصرة والأنظمة الشمولية الشاملة. إن الكذب الممنهج لا يكتفي بإخفاء الوقائع أو مواراتها، بل يعمل على تدميرها كلياً من الجذر، وإحلال واقع افتراضي بديل، مصنع ومكتمل وموجّه، مكانها. ويكتسب هذا الكذب بعداً دموياً مرعباً؛ إذ يمثل الخطوة الأولى والأساسية للتصفية المادية الفعلية. فعندما تعمد سلطة شمولية إلى مسح اسم شخصية بارزة من الصور والسجلات التاريخية الرسمية، فإن هذا المحو الرمزي ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تفكيك لوجوده يشرعن عملية اغتياله الفعلي ويسهل تقبل تدميره المادي في الوعي الجمعي دون إثارة أي شعور بالذنب.
ولمواجهة هذا التزييف المنظم، تقترح أرندت استلهام مفهوم "العقلية المتضخمة الشاملة" من فلسفة إيمانويل كانت المتعلقة بالحكم الجمالي؛ حيث يتطلب الفكر السياسي المتزن تفعيل طاقة الخيال لاستحضار مواقف الآخرين الغائبين، والتفكير من وجهات نظر متعددة ومتقاطعة لضمان تحقيق نوع من الموضوعية والتحرر من النفعية الفردية أو الحزبية الضيقة.
يواصل الفيلسوف جاك دريدا هذا التفكيك البنيوي في محاضرته التأسيسية "تاريخ الكذب: مقدمات"؛ والتي ألقاها في المدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي تخليداً لذكرى ارتباط حنة أرندت بتلك المؤسسة الأكاديمية. ويحلل دريدا في هذه الأطروحة كيف يتواطأ الكذب المعاصر مع السرعة الفائقة لوسائل الإعلام الرقمية وشبكات التواصل، التي تنتج رأياً عاماً فورياً وموجهاً، وتمنع بالضرورة فترات التفكير، والتروي، والتحليل اللازمة لكشف التزييف وتعرية الأكاذيب. كما يحلل دريدا أداء "خطابات الاعتراف والاعتذار السياسي" المعاصرة بوصفها ممارسات أدائية إجرائية لغوية تهدف في حقيقتها إلى إعفاء الفاعلين السياسيين والأنظمة من المسؤولية القانونية والمادية الفعلية تجاه الضحايا، عبر تحويل الجريمة إلى مجرد حدث لغوي يجري تجاوزه بالاعتذار الشكلي.
ويبرز هذا التحليل المعرفي لدريدا في سجاله التاريخي العنيف مع المؤرخ توني جدت؛ وكان جدت قد نشر مقالاً شهيراً في صحيفة "نيويورك تايمز" عام 1995 بعنوان "قصص الحرب الفرنسية"، أثنى فيه على شجاعة الرئيس جاك شيراك في الاعتراف بمسؤولية الدولة الفرنسية عن ترحيل اليهود في عهد حكومة فيشي المتعاونة مع النازية، ولكنه في الوقت نفسه وجه نقداً لاذعاً ومجحفاً للمثقفين الفرنسيين الكبار من أمثال سارتر، فوكو، بوفوار، ودريدا، متهماً إياهم بـ "الصمت المريب والغريب" عن جرائم حكومة فيشي لعقود طويلة بسبب تعميتهم المعرفية وارتباطهم بالأيديولوجية الماركسية.
فكك دريدا ادعاءات جدت بصرامة معرفية، كاشفاً أنها تفتقر تماماً للدقة التاريخية وتمثل ما أسماه "الحقيقة المضادة" أو "أشباه الحقائق" الناتجة عن إهمال فادح أو تعمد مبيت لعدم البحث عن الحقيقة الناصعة. وبيّن دريدا أولاً أن التزامات فوكو السياسية البارزة لم تكن ماركسية قط، بل كانت في معظمها مناهضة صريحة ومعلنة للماركسية التقليدية. وثانياً، كشف زيف تهمة الصمت بتقديمه دليلاً تاريخياً قاطعاً تمثل في العريضة التاريخية الشهيرة الموقعة في يونيو 1992 (والتي كان دريدا نفسه من أبرز مهندسيها وموقعيها مع مثقفين آخرين) والتي طالبت صراحة ولأول مرة رئيس الجمهورية آنذاك فرانسوا ميتيران بالاعتراف الرسمي بجرائم فيشي ضد الإنسانية، وهو التحرك البارز الذي غطته صحيفة "نيويورك تايمز" ذاتها في حينه. يظهر هذا السجال الفلسفي التاريخي كيف يتحول التحريف التاريخي في الصحافة والأكاديميا المعاصرة إلى أداة لإنتاج "أوهام رقمية" وتمرير روايات كاذبة مغلفة بسلطة التواقيع الأكاديمية والمنشورات الرصينة في فضاء ما بعد الحقيقة، حيث يغدو التجهيل صناعة منظمة.

آفاق الانسداد الأنطولوجي
يفضي هذا التشريح المعرفي والسياسي العميق للمشهد العالمي الراهن إلى إدراك واضح لحجم الانسداد الأنطولوجي الوجودي الذي تفرضه الرأسمالية المتأخرة والظواهر الشعبوية المصاحبة لها. إن تقاطع الترامبية كسيادة مشخصة فوضوية ("أمير ولو على حجر") مع أيديولوجيا التفاهة المسطحة والمنفعة البراغماتية الأداتية، قد أنتج في نهاية المطاف بشراً منزوعي البعد التاريخي والروحي، غارقين في حاضر استهلاكي سرمدي لا يرى أبعد من تلبية الرغبات الفورية لليوم الواحد. وفي هذا السياق المتآكل، يغدو الكذب أسلوب حوكمة أصيلاً، ومنهجاً منظماً لتصفية الحقائق الصلبة وتمرير السياسات الإلغائية تحت غطاء الأوهام الرقمية وشعارات ما بعد الحقيقة التي تبرر كل خطيئة سياسية.
ولا يمكن مواجهة هذا النظام الشامل للتفاهة والتزييف إلا باستعادة الفلسفة الفكرية النقدية الصارمة، والجرأة التفكيكية على قول الصدق في الفضاء العام، وتعرية آليات السيطرة السلعية والإعلامية لإنقاذ الفضاء المشترك للإنسانية من الانهيار والسقوط النهائي في بئر الأكاذيب المعولمة. إن استعادة التوازن المفقود بين فضاء التجربة التاريخية وأفق التوقعات المستقبلية، ورفض استبدال الرعاية التنموية الحقيقية للدول بأجهزة المنظمات غير الحكومية التابعة للشركات العابرة للقارات، تمثل الشروط البنيوية الأساسية والوحيدة لبناء مجتمع كوني يسترد وعيه التاريخي ويصون حقيقته الواقعية بقوة وصلابة في وجه أدوات التضليل الرقمي المعاصر. إنها معركة الوعي ضد التسطيح، ومعركة الحقيقة الصلبة ضد السيولة الخادعة.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سطوة الأسطورة وبؤس العقل في الفضاءات المغلقة أثر المعرفة في ...
- لوحة على قماش الترميم: ناصر يخطُّ وجه العدم-قصة ميتاسريالية
- بنية التواطؤ: التشريح الفلسفي لاستعصاء الدولة المدنية في الش ...
- يُوتُوبْيَا القَرَاصِنَةِ وَسَرَابُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ الِ ...
- مَسالخُ الجُغرافيا وسَحقُ الهَوامِش: قِراءةٌ تَفْكِيكِيَّة س ...
- الإنسان لا يتكلم، السلطة تتكلم: مقاربة فلسفية تفكيكية في إدا ...
- مِشرحة الملح: الوعي يتقيأ جثته الأخيرة قصة ميتاسريالية
- الفلسفة الأخلاقية بين الإخلاص والأصالة: تفكيك التجربة السياس ...
- جدليةُ الأخلاقِ من أعلى والأخلاقِ من أسفل: دور الغريزةِ والع ...
- التوطين المفاهيمي والنسقي للسلطة: مدخل تفكيكي
- التبسيط البنيوي ووهم الإقحام (نظرية المؤامرة عند كامل عباس)
- تشريح آليات تضليل الوعي واستلاب الجسد في الفضاء السلطوي
- أزمة المثقف في مختبر الشرق الأوسط تحت هيمنة الخطاب الرأسمالي ...
- التأصيل الأنطولوجي لمفهوم الوجود: بين الاكتمال الفلسفي والنق ...
- تجليات القصور النقدي في الفلسفة السياسية المعاصرة بالشرق الأ ...
- أنطولوجيا الاستلاب: سيميولوجيا القطيع وآليات التفتيت الإمبري ...
- رقصة الأقنعة في زمن التآكل نص ميتاسريالي
- أنطولوجيا المادة وجدلية الفناء: قراءة نقدية تفكيكية في التجر ...
- الليبرالية الجديدة وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية في الشرق ...
- هندسة الارتهان: تقاطع استراتيجيات التلاعب والسياسات الرأسمال ...


المزيد.....




- إدانة نشطاء من -فلسطين أكشن- بتهم -الإرهاب- واعتقال متضامنين ...
- زراعة الخيام في غزة.. سلاح النازحين لمواجهة حرب التجويع والح ...
- البابا ليون الرابع عشر لمهاجرين في الكناري: -كلنا، بشكل أو ب ...
- الاتحاد الأوروبي والهجرة: ميثاق جديد يشدد القيود على المهاجر ...
- روسيا تحذر رعاياها من خطر الاعتقال في تايلاند بناء على طلب م ...
- نظام اللجوء الأوروبي الجديد: ما الذي سيتغير للاجئين والدول؟ ...
- إسرائيل: اعتقال مطلوب وإحباط تهريب عشرات الأسلحة من الأردن
- تحديات كبيرة تواجه المكفوفين في السودان
- تصاعد التحريض ضد المهاجرين في بريطانيا عقب حادثة بلفاست وتحذ ...
- كأس العالم في شوارع نيويورك: حلم الكرة يصل إلى أطفال المهاجر ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - تشريح الزيف: جينالوجيا الكذب وهندسة العدمية المعاصرة