محمود يوسف بكير
الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 22:09
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
الهجوم الذي نصبه كعلمانيين على الأديان بوصفها ظاهرة ضارة مسألة تحتاج إلى مراجعة موضوعية ومنفتحة. ولأن هناك الألاف من الأديان التي اعتنقها الانسان عبر تاريخه على هذا الكوكب فإننا أمام ظاهرة ضخمة لا يمكن اختزالها في بضع كلمات ووصف الأديان بأنها شيء ضار لأنه لو كان الحال هكذا لما استمرّت ملازمة للإنسان عبر كل هذه العصور. وبديهي أن الانسان الأولي كان بحاجة عميقة إلى الأمان وشيء من الدعم النفسي في نضاله مع الطبيعة المتوحشة من حوله والتي لا ترحم أحدا، ومحاولة السيطرة على المجهول الذي كان يتمثل في ظاهرة الموت ومن أين جئنا ولماذا نموت والكوارث الطبيعية وصراعه مع الوحوش من حوله والتي كان أخطرها عليه هو أخيه الانسان ذاته. وحتى يومنا هذا لازال البشر في حروب مستمرة مع بعضهم البعض . هذا بالإضافة إلى أن نظرة الإنسان الذي يرزق متعة التأمل إلى السماء كانت ولازالت تعطينا نوعا من الراحة النفسية والأمل في الحصول على ما نتمناه في هذه الحياة الصعبة. ولذلك ظهرت الأديان لتلبي حاجتنا كبشر لهذا البعد الروحاني. في أيام الشباب كنت أقول لأصدقائي الأجانب أن الإنسان ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد ومنها البعد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والفني والعلمي والرياضي والحيواني والروحاني …إلخ وكان لدي قناعة بأن البعد الاقتصادي هو البعد المهيمن على تصرفات الإنسان لإننا نقوم في كل لحظة في حياتنا بعمل حساب للأرباح والخسائر قبل أن نتخذ أي قرار دون أن نشعر. ولكنني أكتشفت مع تقدمي في العمر أن البعد الروحاني لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي. ولذلك نشأت الأديان في كل أنحاء الأرض حتى أنني وجدت أديانا في الهند يؤمن بها بضعة آلاف فقط وهم شديدي الإيمان بدينهم. وهذا يثبت أن الدين بوصفه ظاهرة تاريخية واجتماعية لم ينشاء بعيدا عن الإنسان، بل انه – وكما نرى- نشأ من داخل ظروف الإنسان الأولي أو البدائي. ولأنه لم يعد هنالك أديان جديدة، فإنه من الوارد أن تقدم لنا التكنولوجيات الحديثة ديانات جديدة بحكم تزايد سيطرتها على الانسان وبشكل سريع وشبه كامل نتيجة ميل الإنسان الدائم للمزيد من المعرفة، والتقنيات الجديدة تلبي هذا الميل الإنساني وكل ما هو جديد. ومن ثم فإنه وارد أن يكون لدينا في المستقبل مجتمعات متقدمة جدًا تكنولوجيا وتعتنق في نفس الوقت نوعا عصريا من الروحانيات مثل الضمير الفردي أو الإنساني وقد تقود تلك التقنيات الإنسان في طقوس جماعية مثل الألعاب الإلكترونية التي يعشقها شباب هذه الأيام ويلعبونها معا، وأرجو ألا يصدم القارئ الكريم من توقعاتي هذه لأننا بالفعل بدأنا مرحلة التعبد للتكنولوجيا. وعودة لموضوع الأديان الحالية حيث يبرز السؤال القديم والمحير هل الإنسان هو من اخترع الأديان أم أنها منزلة من آلهة من عالم آخر، وأيا كانت الإجابة فأن الأديان أتت لتلبي بعدا روحانيا يحتاجه الإنسان بشدة في رحلته للبحث عن معنى لوجوده وللأسباب التي ذكرناها أعلاه. وكما نلاحظ فإن كل المتدينين يشعرون بالسعادة في حياتهم أكثر ممن لا يؤمنون بأي آلهة ولازالوا في رحلة البحث عن معنى لوجودهم، وإن كان الكثيرون من هؤلاء يجدون معنى كبيرا لحياتهم في مختبراتهم العلمية والبحثية مع تلاميذهم في الجامعات والمدارس أو في مساعدتهم للآخرين ممن يعانون من الفقر والمرض والامتهان في هذا العالم الذي لا يرحم، وأحسبني واحد من هؤلاء، وكما أعتقد فإن العمل الخيري أفضل كثيرا من وقوف الإنسان للصلاة فقط، فهذا الأخير يحسب أنه يفعل الكثير بصلاته بينما هو لم يبرح مكانه وكل ما يقوم به هو تحريك فمه. ومثل هذا الفهم للدين يحتاج إلى شيء من العقلانية لتمحيص بعض العقائد بشجاعة وتواضع لتفادي حالة التناقض الحاد القائمة حاليا بين الإيمان والعقل حيث يقوم الإيمان على التصديق الأعمى الذي لا يحتاج إلى برهان، بينما العقل لا يتقبل أي أمر بدون أدلة تجريبية.
فإذا كان هذا هو حال الإيمان من حيث جموده وتبنيه للمنهج الإيديولوجي المتصلب وغير القادر على التغيير أو التجديد. فهل يعني هذا الجمود أنه من المستحيل أن نستفيد من الدين؟ أعتقد أن هذا ممكن على الأقل في مجال تخصصي وهو الاقتصاد والذي نعرفه بأنه علم الندرة بمعنى آن هناك احتياجات هائلة ومتزايدة لنا كبشر على هذا الكوكب وعلى النقيض من هذا فأن الموارد المتاحة محدودة وهي في تناقص سريع ومستمر بسبب استهلاكنا الضخم وبسبب ما خلقنا عليه من طمع وأنانية. ولذلك فإننا نناضل في اقتصاديات التنمية والسياسات المالية والنقدية والتخطيط من أجل توفير الاحتياجات الحالية للناس وضمان أن نلبي احتياجات أجيال المستقبل أيضاً وخلق فرص عمل بشكل دائم مع السيطرة على معدلات التضخم والقوة الشرائية للعملة المحلية لتجنب إفقار الناس. والحقيقة أنني وجدت أن الدين يمكن أن يلعب دورا إجابيا في هذه المعادلات الصعبة وإليكم بعض الأفكار وسوف أركز على عالمنا العربي:
١معدلات الإنفاق والاستهلاك لدينا مرتفعة جدا وهو ما يؤدي إلى انخفاض معدلات الادخار اللازمة لتمويل الاستثمارات المطلوبة لخلق فرص عمل جديدة وللنهوض بالتعليم والصحة. هنا يمكن أن نوظف الدين لحث الناس على عدم التبذير والادخار من أجل أجيال المستقبل وللحفاظ على موردنا المحدودة وتجنب الوقوع في فخ الاستدانة من الخارج لتمويل احتياجاتنا المحلية، ولأن معظم الأديان تدعو لعدم التبذير والبذخ فإن رجال الدين على اختلاف ملتهم يمكن أن يأتوا بنصوص دينية تحث على الادخار والاعتدال للرقي بعادات الناس، وبدلا من أن يخصص الاعلام الحكومي جل وقته للنفاق والتملق فان عليه أن يخصص بعض الوقت لرفع مستوى إدراك الناس بما هو قادم من أيام صعبة لتشجيع الادخار.ونحن لا نسعى هنا إلى حرمان الإعلام من لقاءات الفنانات ولاعبي الكرة والأفلام التافهة ولكننا نطالب بشئ من التوازن ومراعاة المصلحة العامة.
٢تحث الأديان أيضا الناس على إتقان عملهم وعدم الغش المنتشر هذه الأيام، ويمكن أن يساهم الدين هنا أيضا وبالطريقة التي أوضحناها سابقا في رفع مستويات الإنتاجية وهذا مطلب هام لرفع معدلات النمو الاقتصادي من خلال التصدير للخارج.
٣يمكن استخدام الدين أيضا في الحد من تلوث البئية والتغير المناخي وهي تمثل تهديدا وجودياً للإنسان وكل أشكال الحياة وذلك من خلال رفع مستوى وعي الناس بما يسببه التلوث من تدمير لصحة الناس وأطفالهم، الدين هنا يمكن أن يذكر الناس بأن الأنهار والبحار والأرض وما تحتها من أنعم الإله عليهم وأنه ينبغي الحفاظ علي هذه الأنعم.
٤يمكن أيضا أن يحث الدين الناس على العمل الخيري من خلال مفهوم الأوقاف وإنشاء صناديق استثمارية وقفية تجمع تبرعات تستثمر في أصول تدر دخلا منتظما لدعم اليتامى والفقراء والطلبة النابغين الذين لا يملكون سداد المصاريف الجامعية لاستكمال دراساتهم، هذه الأوقاف موجودة في كل الجامعات الأمريكية والأوروبية لدعم الطلاب المحليين والأجانب لاستكمال دراساتهم العليا وكنت واحدا ممن استفادوا من هذه الأوقاف الأكاديمية.
٥ يمكن أيضا أن يكون للدين سلطة أخلاقيه تتمثل في مراقبة السلطة التنفيذية لمنعها من الاستبداد والحد من الفساد كما كان يطالب الإمام محمد عبده. وكما هو معروف فان هذا الثنائي "الاستبداد والفساد" هم السبب في نكبة شعوبنا. والخلاصة أن الدين لم يعد له أي دور في بناء مجتعاتنا العربية هذه الأيام ولذلك دائما ما أقول إن رجال الدين أصبحوا منفصلين عن مجتمعاتهم وتكونت لديهم قدرة عجيبة على التعايش في سلام وانسجام مع كل ما حولهم من استبداد وفساد وظلم. حدث هذا بعد أن تحول الدين من عقيدة شخصية وتسامح وفضاء خاص الي أيدولوجية مغلقة ذات مصالح سياسية واقتصادية لا هم لها سوى السيطرة على العقول. والخلاصة أن إصلاح مجتمعاتنا غير ممكن بدون أصلاح ديني لانه هكذا كانت وستظل ثقافتنا، وهذا الإصلاح يمكن أن يتحقق لو وجدت الشجاعة وصدقت النوايا، وباختصار نحن بحاجة لمعجزة في مهمة البحث عن دور فاعل للدين لإنقاذ مجتمعاتنا.
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
د. محمود يوسف بكير
مستشار أقتصادي
#محمود_يوسف_بكير (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟