أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض سعد - الأمة العراقية بين الدلالة اللغوية والتأصيل الاصطلاحي














المزيد.....

الأمة العراقية بين الدلالة اللغوية والتأصيل الاصطلاحي


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 09:32
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (3)
يُعَدُّ التحديد المفاهيمي لأي مصطلح خطوةً تأسيسية لا غنى عنها في البحث العلمي؛ إذ تنتقل المصطلحات من فضاء الغموض والالتباس إلى حقل الوضوح والانضباط، فتتحدد حدودها الدلالية، وتتضح وظائفها المعرفية، ويغدو النقاش بشأنها أكثر قدرة على إنتاج نتائج متماسكة. ومن هنا، فإن البحث في مفهوم «الأمة العراقية» يقتضي، ابتداءً، العودة إلى الجذر اللغوي لمفردة الأمة، واستكشاف تطورها الدلالي، قبل الانتقال إلى بيان معناها الاصطلاحي ومدى انطباقه على الحالة العراقية.
أولاً: الأمة في المعنى اللغوي
يتسع مفهوم الأمة في المعاجم العربية اتساعاً لافتاً، بحيث لا ينحصر في دلالة واحدة جامدة، بل يعبِّر عن معانٍ متعددة يجمعها خيط دلالي واحد هو الاجتماع على أمر جامع.
فقد عرَّف ابن منظور الأمة بأنها: «القرن من الناس»، كما أطلقها على أتباع الأنبياء، مؤمنهم وكافرهم، باعتبار أنهم جماعة اجتمعت على خطاب واحد ودعوة واحدة. وفي هذا المعنى تتجاوز الأمة حدود الاتفاق العقدي الصرف إلى مجرد الاشتراك في الانتماء إلى جماعة بشرية محددة.
أما الراغب الأصفهاني، فقد قدَّم تعريفاً أكثر شمولاً، حين قال إن الأمة هي: «كل جماعة يجمعها أمر ما؛ دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر تسخيراً أو اختياراً». وبهذا يصبح الجامع المكاني أو التاريخي أو الثقافي سبباً كافياً لإطلاق وصف الأمة.
ولا تقف المعاجم عند هذا الحد؛ إذ يورد أصحاب اللغة معاني أخرى للمفردة، فتأتي الأمة بمعنى الدين، والحين من الزمن، والإمام الذي يُقتدى به، والرجل الجامع لخصال الخير الذي لا نظير له. بل إن ابن الأنباري أحصى للأمة وجوهاً متعددة في الاستعمال العربي، منها الجماعة، والدين، والزمان.
ولعل السبب الرئيس في هذا الثراء الدلالي يعود إلى الاستعمال القرآني المتنوع للمصطلح؛ إذ استُخدمت كلمة «الأمة» في القرآن الكريم بمعانٍ مختلفة بحسب السياق والمقصد. فهي تارةً تدل على الجماعة البشرية، وأخرى على المدة الزمنية، وثالثة على القدوة والإمام، الأمر الذي يجعل ردَّ جميع الاستعمالات إلى معنى واحد أمراً عسيراً. غير أن القاسم المشترك بينها جميعاً يبقى هو وجود رابطة جامعة تُخرج الأفراد من حالة التفرق إلى حالة الاجتماع والانتظام ضمن وحدة معنوية أو واقعية معينة.
ثانياً: الأمة في المعنى الاصطلاحي
في الاصطلاح السياسي والاجتماعي الحديث، يُقصد بالأمة جماعة بشرية كبيرة تمتلك قدراً من الوعي بذاتها، وتشعر بانتمائها إلى إطار جامع يميزها عن غيرها، سواء تأسس هذا الإطار على اللغة أو التاريخ أو الثقافة أو الأرض أو المصالح المشتركة.
وقد ذهبت بعض التعريفات إلى تضييق مفهوم الأمة، فاشترطت تحقق عناصر عديدة مجتمعة، كاللغة الواحدة، والأصل العرقي المشترك، والتاريخ الموحد، والثقافة المتجانسة. غير أن هذا الاتجاه يواجه إشكالات عملية وتاريخية؛ لأن أمماً كثيرة نشأت واستمرت رغم افتقادها إلى بعض تلك العناصر.
ولهذا تبدو التعريفات الأكثر مرونة أقرب إلى الواقع، حين تنظر إلى الأمة بوصفها جماعة بشرية كبيرة تتوافر بينها عناصر مشتركة كالتاريخ والتراث والثقافة والمصالح والشعور بالانتماء إلى مصير واحد، من دون تحويل تلك العناصر إلى شروط صارمة لا تقوم الأمة إلا بها.
ثالثاً: من الأمة اللغوية إلى الأمة العراقية
إذا كان المعنى اللغوي للأمة يدور حول اجتماع الناس على جامع يوحدهم، فإن مفهوم الأمة العراقية لا يبدو خروجاً على هذا الأصل، بل هو أحد أبرز تجلياته المعاصرة.
فالعراقيون، على الرغم من تنوعهم الديني والمذهبي والقومي واللغوي، يشكلون جماعة بشرية استقرت عبر تاريخ طويل فوق أرض واحدة، وتفاعلت ضمن جغرافيا متصلة، وأسهمت في إنتاج ذاكرة جمعية مشتركة، وخبرت تجارب تاريخية متقاربة، وتقاطعت مصالحها وتطلعاتها ومخاوفها وآمالها في إطار سياسي واجتماعي واحد.
إن الأمة العراقية، بهذا المعنى، ليست ادعاءً أيديولوجياً يراد فرضه قسراً على الواقع، وليست نفياً للتعددية التي يتسم بها المجتمع العراقي، وإنما هي توصيف لحقيقة تاريخية واجتماعية مفادها أن التنوع لا يناقض وجود الأمة، بل قد يكون أحد مكوناتها الأساسية متى ما انصهر داخل إطار الانتماء الوطني الجامع.
فكما أن العرب أطلقوا لفظ الأمة على الجماعة التي يجمعها الدين، أو الزمان، أو المكان، أو الغاية المشتركة، فإن العراقيين يدخلون ضمن هذا النسق الدلالي؛ لأنهم جماعة جمعها المكان والتاريخ والمصير المشترك، وتكوَّن لديها، عبر قرون طويلة، شعور متفاوت القوة بالانتماء إلى كيان اسمه العراق.
ومن هنا، فإن مصطلح «الأمة العراقية» لا يمثل قطيعة مع التراث اللغوي العربي، بل يستند إلى أحد معانيه الأصيلة. فالأمة ليست كتلة صماء متجانسة على نحو مطلق، وإنما بناء تاريخي متحرك، تتداخل في تشكيله عناصر الوحدة والتنوع، والثبات والتحول، والاختيار والإكراه.

وبذلك يغدو الحديث عن الأمة العراقية محاولةً لتأصيل هوية وطنية جامعة، لا لإلغاء الهويات الفرعية أو مصادرتها، وإنما لتنظيمها ضمن إطار أعلى من الانتماء المشترك، إطارٍ يرى في العراق وطناً نهائياً لأبنائه جميعاً، وفي تاريخهم المتشابك ومصيرهم الواحد أساساً لقيام أمة عراقية حديثة، تستمد مشروعيتها من الواقع والتاريخ، كما تستمدها من السعة الدلالية العميقة التي احتضن بها اللسان العربي مفهوم الأمة منذ نشأته الأولى.
............................
1-ابن منظور، لسان العرب، مادة (أمم).
2-الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة (أمم).
3-ابن الأنباري، الزاهر في معاني كلمات الناس.
4-موسوعة السياسة، مادة «الأمة».
5-الموسوعة العربية العالمية، مادة «الأمة».



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كرامة العراقي فوق الهراوة
- العراق بين الانفتاح الحضاري والتغيير الديموغرافي: جدل الهوية ...
- الايزيديات في اقفاص النيران
- الأمة العراقية : الهوية الوطنية بين التاريخ والسياسة
- هل الأمة العراقية أقدم من النظرية القومية؟
- الإعلان عن وفاة الإله : قراءة في أخطر مقولات نيتشه
- انكسار المرايا : حين يتحوَّل الرفيق إلى غريم
- الإعلام المزيف وصناعة الواقع في عصر هندسة العقول
- حين تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ تاريخي
- فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح ...
- ذاكرة الخراب : نشأة الجلاد في رحم الفئة الهجينة
- حين يحتقر الفقيرُ الفقيرَ: عقدة الهروب من المرايا
- العراقي والكتاب: من العشق التاريخي إلى النفور المعاصر
- اغتصاب الحق وادعاء الملكية
- إعلان بروكلاميشن في بريطانيا عام 1611
- سيكولوجيا الوهم.. لماذا لا يخبرنا الدماغ بفراغه؟
- حين تُدار الأوطان بالثقة العمياء لا بكفاءة الخبراء
- القانون في العالم العربي: بين غربة النص وتعدد مراكز القوة وه ...
- سيكولوجيا الحضور والغياب: عندما تذبل المشاعر في مرايا الاختف ...
- عُمرٌ بمثابة معادلة


المزيد.....




- الحلقة 47 من المسلسل التركي -حلم أشرف-.. قتل أعداءه ومات وسي ...
- ترامب يعلن الموافقة على -النقاط النهائية- في الاتفاق مع إيرا ...
- بيان باكستاني بعد التصعيد الأخير بين أمريكا وإيران
- مسؤول إسرائيلي: تلقينا رسالة أمريكية -واضحة- بعدم التدخل في ...
- مقر خاتم الأنبياء: التناقض الواضح بين السلوك الأمريكي والخطا ...
- السفير الروسي لدى فرنسا: هيمنة الغرب انتهت وأوروبا ترتكب خطأ ...
- ترامب يلّوح بورقة -خرج-.. فهل تستعد إيران لمواجهة تهديدات ال ...
- إسرائيل توسع نطاق غاراتها على لبنان
- القيود الإسرائيلية تحرم المرضى من العلاج
- بعد إصابة موظفين واستهداف رادار مطارها… الكويت ترفع شكوى جدي ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض سعد - الأمة العراقية بين الدلالة اللغوية والتأصيل الاصطلاحي