أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حازم كويي - اليسار يفتقد إلى منظور عالمي بديل















المزيد.....



اليسار يفتقد إلى منظور عالمي بديل


حازم كويي

الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 20:13
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


ترجمة: حازم كويي


ترى ليا يبي (هي عالمة سياسية وفيلسوفة ألبانية بريطانية. وهي أستاذة في النظرية السياسية في كلية لندن للاقتصاد.) أن الفوضى الحالية التي يشهدها العالم لا يمكن فهمها من دون إدراك صعود اليمين المترابط عالمياً والمُنظم عبر شبكات عابرة للحدود. وفي هذه المقابلة تتحدث عن الخطوات التي ينبغي على اليسار اتخاذها لكي يصبح من جديد قوة دولية مؤثرة وقادرة على العمل والتأثير على المستوى العالمي.
إن الانتقادات الموجَّهة إلى النظام الدولي الليبراليتي اليوم في الغالب من اليمين. فأنصار هذا الاتجاه يرون أن الدولة القومية يجب أن تكون المرجعية العليا، وأن المؤسسات العالمية ليست سوى واجهة فارغة، وأن النخب الكوزموبوليتية (العالمية) قد خانت الناس العاديين وتخلّت عنهم.
في المقابل، يتولى الليبراليون عادةً الدفاع عن الوضع القائم، إذ يخلطون بين النزعة الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية وبين النظام الاقتصادي الذي تستند إليه، فيدافعون عن الاثنين معاً بوصفهما حزمة واحدة.
لكن عالمة السياسة ليا يبي لا تقتنع بأيٍّ من هذين الموقفين. فهي تدعو إلى تطوير ما تسميه «كوزموبوليتية بديلة» أو «عالمية بديلة»؛ أي شكل من أشكال الأممية اليسارية القادر على مواجهة التحديات الكبرى في عالمنا اليوم، مثل تفاقم اللامساواة الاجتماعية، وتصاعد النزعات السلطوية، واتساع رقعة الحروب والنزاعات.
ليا يبي، نشأت في ألبانيا خلال الحقبة الشيوعية، وعاشت وهي طفلة تجربة انهيار ذلك النظام، وهي تجربة وثّقتها في مذكراتها.
أما كتابها الأحدث «واقفاً باستقامة»، فيستند أيضاً إلى تاريخ عائلتها، ولكن هذه المرة بهدف إلقاء الضوء على صعود الفاشية في الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين.
تمتاز كتابات ليا يبي بقدرتها على الجمع بين التجربة الشخصية والتحليل الفكري المستند إلى أبحاثها في الفلسفة السياسية، ولا سيما تأملاتها في معنى الحرية وقيمتها لدى كلٍّ من الليبراليين والاشتراكيين، وكذلك في الخيانات التاريخية المتعددة التي تعرّض لها هذا المثل الأعلى عبر التاريخ.
في حوار أجرته ميغان داي(الكاتبة والصحفية ألأمريكية من تكساس) من مجلة ياكوبيان، مع ليا يبي،التي ترى أن الانزياح العالمي نحو اليمين لا ينبغي فهمه فقط بوصفه إعادة ترتيب للموازين الجيوسياسية، بل باعتباره أيضاً تقارباً أيديولوجياً عالمياً يذكّر بصورة مقلقة بالمرحلة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، أي فترة ما بين الحربين.
وتحلل يبي الفارق بين المحافظة السياسية والفاشية، وتشرح لماذا تتبع عملية تطرّف حركة "جعل أميركا قوية مرة أخرى"منطقاً تصاعدياً يدفعها نحو مزيد من الراديكالية، كما تؤكد أن قضية الهجرة هي في جوهرها مسألة طبقية ترتبط بالبنى الاقتصادية والاجتماعية أكثر مما ترتبط بالثقافة أو الهوية.
وتعود يبي مرة أخرى إلى تاريخ عائلتها لتبيّن أن اليسار لا بد أن يواجه بصدق وجدية إخفاقين كبيرين طبعت القرن العشرين: اشتراكية الدولة من جهة، والديمقراطية الاجتماعية المحصورة داخل إطار الدولة القومية من جهة أخرى. وترى أن الأمل في بناء بديل سياسي يساري قادر على مواجهة أزمات الحاضر المتفاقمة لن يكون ممكناً إلا من خلال مراجعة نقدية عميقة لهاتين التجربتين واستخلاص الدروس منهما.وهنا طرحت ميغان السؤال التالي:
في ظل الفوضى التي يشهدها العالم اليوم، ولا سيما ما يجري في إيران، يبدو من المنطقي أن نبدأ الحديث من انهيار النظام الجيوسياسي القائم. فنحن نرى مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية ـ مثل الأمم المتحدة، ومؤسسات بريتون وودز، والبنية الكاملة للأممية الليبرالية ـ وهي تتفكك أو تضطر إلى الاعتراف بعجزها. فهل نحن أمام فشل هذه المؤسسات؟ أم أن ما نشهده يكشف ببساطة أنها لم تكن قادرة أصلاً على الوفاء بالوعود التي أطلقتها؟

ليا يبي:نحن نشهد مزيجاً من الأمرين معاً.فهناك سردية نقدية حول هذه المؤسسات تقول إنها كانت دائماً في خدمة البنى الاستعمارية ونظام اقتصادي معين، وإنها لم تعمل إلا لمصلحة النخب في الدول الغنية، بينما كانت مصالح الشعوب والدول الأفقر تُهمَّش أو تُستبعَد. وهذا النقد يحتوي على قدر من الحقيقة.
لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن نغفل أن هذه المؤسسات كانت أيضاً نتيجة محاولات للحد من النزعات الإقصائية الكامنة في الليبرالية نفسها. صحيح أنها لم تنجح في تحقيق هدف الحرية الشاملة للجميع بصورة كاملة، لكنها مثّلت إطاراً لنضال مستمر من أجل توسيع نطاق تلك الحرية وجعلها أكثر شمولا.
اليوم نعيش حالة انهيار يفسرها معظم الناس تفسيراً جيوسياسياً بحتاً: صعود الصين، وأزمة العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، والتحولات في موازين القوى العالمية. لكنني أرى أن ما يجري أعمق من ذلك.
نحن نشهد بالفعل صراعاً جيوسياسياً، لكنه صراع تحركه أيضاً توجهات أيديولوجية محددة. فما يصعد اليوم ليس مجرد قوى أو دول جديدة، بل رؤية عالمية يمينية تضع سيادة الدولة القومية في مركز كل شئ.
وتتميز هذه الرؤية بنزعة إثنية وقومية إثنية واضحة، كما تقوم على انتقاد النخب الليبرالية ذات التوجه العالمي أو الكوزموبوليتي، وتقدم نفسها بوصفها بديلاً عن النظام الليبرالي الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.

سؤال:إنها ظاهرة يمكن ملاحظتها في أوروبا والشرق الأوسط والولايات المتحدة على حد سواء. فنحن أمام نوع من التقارب الأيديولوجي بين قوى اليمين عالمياً، يقوم على فكرة أن القوة هي مصدر الحق، وأن الأقوياء يفعلون ما يرونه ضرورياً، بينما يتحمل الضعفاء تبعات ذلك ويعانون نتائجه.
فهل يشهد اليمين العالمي اليوم نشوء شئ جديد أيديولوجياً؟ أم أن اليمين كان دائماً على هذه الشاكلة، لكنه أصبح الآن أكثر ثقة بنفسه وأقل التزاماً بالقيود؟

ليا يبي: ما نسمعه اليوم يشبه إلى حد كبير الانتقادات التي وجهها اليمين إلى النخب الليبرالية ذات التوجه العالمي خلال الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين، وهي المرحلة التي شهدت صعود الفاشية.
كثير من الناس يعتقدون أن الفاشية ليست سوى شكل متطرف من المحافظة السياسية، لكن هذا فهم غير مكتمل. فالفاشية لا تقتصر على الدفاع عن النظام القائم أو التمسك بالتقاليد؛ بل تتضمن أيضاً تصوراً إيجابياً وبنّاءاً للعالم الذي تريد إقامته في المستقبل. وهي تقدم نقداً للأممية الليبرالية وللنظام الدولي الليبرالي، وهو نقد كان حاضراً بالفعل بعد الحرب العالمية الأولى وخلال سنوات الكساد الكبير.
أما الاختلاف اليوم، فيكمن في أن هذا النقد اليميني للرأسمالية الليبرالية وللعولمة يبدو وكأنه أصبح الموقف المهيمن أو السائد. ففي فترة ما بين الحربين لم يكن اليمين وحده من ينتقد الرأسمالية والليبرالية الدولية؛ فقد كان هناك أيضاً نقد آخر ينطلق من اليسار، ويرى العالم من منظور الصراع الطبقي والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
أما اليوم، فإن معظم الانتقادات الجذرية للوضع القائم تأتي من اليمين. وفي المقابل، ما يزال اليسار السائد أو التقليدي يكافح من أجل استعادة قدرته على تقديم نقده الخاص للرأسمالية وصياغة بديل مستقل عنها. ولذلك أصبح اليمين، في كثير من الأحيان، الطرف الذي يحتكر لغة الاعتراض والتمرد على النظام القائم، رغم أن البدائل التي يطرحها تتجه نحو القومية والاستبعاد والتسلط بدلاً من المساواة والتحرر.

السؤال: ما الفرق بين المحافظة والفاشية؟

ليا يبي:يكمن الفرق الأساسي في الوسائل والأساليب.
فالفاشية تمثل نوعاً من المحافظة الثورية. فهي ترى أن الابتعاد عن الوضع القائم يجب أن يكون جذرياً وعنيفاً، لأن هذا الوضع، في نظرها، ما يزال مرتبطاً أكثر مما ينبغي بالمبادئ والافتراضات الليبرالية.
أما المحافظة التقليدية فتسلك طريقاً إصلاحياً بدرجة أكبر. فهي تتمسك بالقيم والعادات والتقاليد الموروثة، لكنها لا تتبنى فكرة أن العالم يجب أن يُدمَّر ويُعاد بناؤه بالكامل وفق رؤية جديدة قائمة على الأمة، والتفوق الحضاري، والتجانس العرقي. وهذه الأخيرة هي الرؤية التي شكّلت أحد الأسس الجوهرية لكثير من التيارات الفاشية تاريخياً.
وبعبارة أخرى، تسعى المحافظة عادةً إلى إيجاد تسويات مع النظام الليبرالي القائم، بينما تمتلك الفاشية طاقة أكثر تدميراً، لكنها أيضاً أكثر طموحاً من حيث إعادة تشكيل المجتمع. فهي لا تريد إصلاح النظام، بل تريد استبداله بنظام جديد كلياً.
كما أن الفاشية تتبنى فهماً للعلاقة بين الأخلاق والقوة متأثراً بأفكار فريديك نيتشه، ويختلف جذرياً عن النزعة الكونية الليبرالية. ففي جوهر الفاشية تكمن فكرة أن القوة تبرر نفسها بنفسها، وأن الاعتراضات الأخلاقية على ممارستها ليست سوى شكوى يطلقها الضعفاء الذين لا يملكون القوة.

السؤال: هل تعتقدين أن الترامبية أو شخصيات مثل ترامب،فكتور أوربان،جايير بولسونارو، تمثل مؤشرات على تنامٍ عالمي للنزعات الفاشية؟

ليا يبي:هذه الشخصيات تنتمي إلى سياقات تاريخية وسياسية مختلفة.فأوربان، على سبيل المثال، يُعدّ نتاجاً لفشل الكوزموبوليتية الليبرالية في أوروبا الشرقية، وللأزمات التي أعقبت التحول إلى اقتصاد السوق، بما في ذلك الأزمة المالية وسياسات «العلاج بالصدمة» التي طُبقت في تسعينيات القرن الماضي.
أما ترامب وبولسونارو، فهما نتاجان لتاريخين مختلفين تماماً، يرتبط كل منهما بظروف بلده الخاصة وتطوراته السياسية والاجتماعية.
ومع ذلك، ورغم اختلاف نقاط الانطلاق، يبدو أن هذه المسارات المختلفة تتقارب جميعها في اتجاه واحد يمكن وصفه بأنه اتجاه فاشي طوباوي؛ أي اتجاه يسعى إلى بناء رؤية جديدة للمجتمع تقوم على القومية المتشددة، ورفض العالمية الليبرالية، وتعظيم السلطة السياسية، وتقديم وعود بإعادة تأسيس النظام الاجتماعي على أسس تعتبرها هذه الحركات أكثر أصالة أو نقاءاً أو انسجاماً مع هوية الأمة.
ولا أعتقد أن حركة أميركا عظيمة كانت فاشية منذ البداية. ما حدث هو أنها مرت بعملية تطرّف وتصعيد تدريجي.
فهذه الحركات تحتاج إلى رؤية طوباوية تفسر لأنصارها سبب عجزها عن الوفاء بوعودها السياسية. فعلى سبيل المثال: لماذا ما تزال تكاليف المعيشة مرتفعة؟ ولماذا لم تنخفض الأسعار رغم وجود دونالد ترامب في السلطة؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، تحتاج الحركة إلى بناء سردية أيديولوجية طويلة الأمد تبرر هذا الفشل أمام ناخبيها. ومن هنا تنشأ تدريجياً تصورات أكثر تشدداً تقوم على هرمية اجتماعية وإقصائية متزايدة، تُصوَّر بوصفها الحل للمشكلات القائمة.

السؤال:حدث تسريب لمحادثة جماعية داخل منظمة( شباب الجمهوريون في ميامي)، حيث تبادل بعض الطلاب اليمينيين صوراً ساخرة وإشارات إلى أفكار فاشية غامضة، منها كتابات المعجب بهتلر،يوليوس إيفولا، وتصورات، هاينرش هملر الأسطورية حول «أغارثا». وهي أفكار فاشية وباطنية متطرفة للغاية.
وبالعودة إلى ما ذكرتِه، أنا أيضاً لا أعتقد أن مثل هذه الأفكار كانت جزءاً أصيلاً من هويةجعل اميركا قوية منذ البداية، بل أراها مثالاً واضحاً على التصعيد الأيديولوجي.

ليا يبي:بالضبط.وأثناء إعدادي لكتابي الأخير حول صعود الفاشية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، صادفت نمطاً مشابهاً من التصعيد الأيديولوجي.
فعندما نفكر اليوم في أدولف هتلر والنازية، فإننا نستحضر مباشرة المحصلة النهائية: المحرقة ومعسكرات الاعتقال والإبادة الجماعية. لكن الناس الذين عاشوا تلك المرحلة لم يروا الأمور بهذه الصورة منذ البداية.
في السنوات الأولى من حكم هتلر، كان بعض الليبراليين الذين أبدوا قلقاً في البداية يقولون: «حسناً، لقد أجبر أتباعه على إزالة بعض المنشورات المعادية لليهود. يبدو أنه أدرك أن مؤيديه تجاوزوا الحدود». وهكذا أخذ كثيرون يُطمئنون أنفسهم وغيرهم بالقول إن الأمور ليست بالسوء الذي تبدو عليه.
حتى في ألمانيا النازية، كانت هناك مراحل من التراجع المؤقت والتنازلات والتكيف مع الأحداث الجارية. لذلك لم يكن المسار نحو الكارثة واضحاً للجميع منذ اللحظة الأولى.

السؤال:من المخيف التفكير في كيفية تقدم الفاشية في ألمانيا آنذاك، بينما وجد الناس العاديون أنفسهم تدريجياً داخل ذلك المسار من دون أن يدركوا إلى أين يقودهم، كما لو كانوا في قدر ماء ترتفع حرارته ببطأ. هل ترين أوجه شبه بين تلك الفترة وما نعيشه اليوم؟

ليا يبي:نعم، أعتقد أن هناك بالفعل أوجه شبه حقيقية.فالتصاعد الحالي لقوى اليمين ذات النزعات الفاشية هو، في رأيي، رد فعل على أزمة الرأسمالية الليبرالية. وهذا كان صحيحاً في عشرينيات القرن الماضي، وهو صحيح اليوم أيضاً.
بطبيعة الحال، التاريخ لا يعيد نفسه بصورة حرفية أو متطابقة. لكن يمكننا أن نفهم صعود اليمين في الحالتين باعتباره استجابة لفشلين متزامنين: فشل الديمقراطية الاجتماعية من جهة، وفشل الرأسمالية الليبرالية من جهة أخرى.
وهذا بالضبط ما حدث أيضاً خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، حين أدت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى إضعاف الثقة بالنظام القائم، وفتحت المجال أمام الحركات اليمينية الراديكالية لتقديم نفسها باعتبارها البديل القادر على تجاوز تلك الأزمات.

السؤال:لكن في تلك الحقبة كانت هناك حركة يسارية قوية، بينما لا يبدو أن الأمر كذلك اليوم...

ليا يبي:نعم ولا.فقد كانت الحرب الأهلية ألأسبانية آخر لحظة تاريخية شهدت وجود أممية يسارية حقيقية بالمعنى الكامل للكلمة. بعد ذلك، ارتبط اليسار ـ سواء في صيغته الاشتراكية أو الاجتماعية الديمقراطية ـ بالدولة القومية وأصبح يعمل في إطارها السياسي والمؤسسي.
ومن هذا المنظور، لم يكن ذلك، وما يزال ليس، مشروعاً قادراً على التعامل بفعالية مع الأزمات الكبرى، لأن هذه الأزمات أصبحت في جوهرها عابرة للحدود الوطنية. فالتغير المناخي، والأزمات المالية، والهجرة، والحروب، وسلاسل الإنتاج العالمية، كلها مشكلات لا يمكن حلها ضمن حدود دولة واحدة.
واليوم يبدو اليسار عاجزاً عن بناء جبهة دولية واسعة تمتلك رؤية واضحة لما يجب أن تؤول إليه عملية نقد الرأسمالية، أو ما هو البديل الذي ينبغي السعي إليه.

السؤال: في المقابل، يبدو أن اليمين ينجح بدرجة كبيرة في دفع مشروع دولي متماسك إلى الأمام.

ليا يبي:بالضبط، والأهم من ذلك أنه بدأ العمل على هذا المشروع قبل أن يصل إلى السلطة.
يكفي أن نفكر في الدور الذي لعبه ستيف بانون في ربط الحركات اليمينية المختلفة في أوروبا والولايات المتحدة بعضها ببعض.
لقد شهدنا تعبئة عابرة للحدود حول أيديولوجيا تقوم على تمجيد الأمة والدولة القومية. وكان منطق هذه الحركات يقول: إذا كانت الرأسمالية تعمل على المستوى العالمي، فإن النقد اليميني للرأسمالية يجب أن يكون هو الآخر عالمياً ومنظماً عبر الحدود.
ولهذا السبب عملت هذه القوى على بناء شبكات دولية واسعة: مراكز أبحاث، ومنصات إعلامية، وشخصيات سياسية وفكرية تؤدي دور الوسطاء والروابط بين مختلف الحركات اليمينية.
لقد بدأوا في بناء هذه الشبكات بشكل مبكر جداً، ولم ينتظروا الوصول إلى السلطة أولاً. وهذا أحد أسباب نجاحهم؛ إذ إنهم تعاملوا مع السياسة بوصفها مشروعاً دولياً طويل الأمد، بينما ظل جزء كبير من اليسار محصوراً داخل الأطر الوطنية، وغير قادر على تطوير أممية جديدة تتناسب مع طبيعة الأزمات العالمية الراهنة.

السؤال:ما السبب الذي جعل اليسار عاجزاً عن بناء مشروع دولي مماثل؟

ليا يبي:السبب الرئيسي هو ابتعاد اليسار عن نقد الرأسمالية بوصفه مشروعاً طبقياً مشتركاً يوحّد مختلف النضالات الاجتماعية.
فاليوم هناك اليسار البيئي، واليسار النسوي، واليسار المناهض للعنصرية، وغيرها من التيارات. كما ظهرت انتقادات لفكرة (الكونية أو العالمية )، الأمر الذي جعل من الصعب ربط هذه النضالات المختلفة، القائمة غالباً على الهويات الخاصة، ضمن رؤية سياسية موحدة.
والمفارقة أن اليسار تبنى، إلى حد ما، المنهج الثقافوي نفسه الذي يستخدمه اليمين في تفسير الصراعات الاجتماعية. فأصبح الحديث يدور حول العنصرية أو النوع الاجتماعي أو الهوية باعتبارها قضايا مستقلة بذاتها، من دون دمجها في نقد أوسع لنظام الإنتاج الرأسمالي والبنية الاقتصادية التي تولّد هذه المشكلات وتعيد إنتاجها.
ما ينقص اليسار اليوم هو «كوزموبوليتية بديلة» أو «عالمية بديلة»؛ أي مشروع أممي جديد قادر على توحيد النضالات المختلفة ضمن أفق سياسي مشترك.
لقد درستُ في إيطاليا في أواخر التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة، وهي الفترة التي شهدت صعود الحركة المناهضة للعولمة النيوليبرالية. آنذاك كان هناك المنتدى الأجتماعي العالمي في بورتو أليغرو، وبرزت فكرة أن هناك عولمة أخرى ممكنة، عولمة بديلة تقوم على التضامن والعدالة الاجتماعية بدلاً من هيمنة الأسواق.
لكن تلك الحركة خُنقت تحت وطأة الهيمنة الفكرية للنيوليبرالية. فقد روّجت النيوليبرالية لفكرة أن المشكلة لا تكمن في النظام نفسه، وأن العالم لا يحتاج إلى سياسة مختلفة جذرياً، بل فقط إلى بعض الإجراءات والتعديلات التقنية المناسبة.
وكان الشعار السائد آنذاك هو ما عُرف بـ «الطريق الثالث»؛ أي إجراء بعض الإصلاحات المحدودة هنا وهناك، وتطبيق قدر من إعادة التوزيع، مع الاستمرار في عقد التسويات والتفاهمات مع النخب الاقتصادية الكبرى.
أما نحن الذين كنا نتظاهر في الشوارع ونطالب ببدائل أكثر جذرية، فكنا نُصوَّر باعتبارنا حالمين ساذجين أو رومانسيين لا يريدون الاعتراف بأن الحرب الباردة قد انتهت، وأنه لم يعد هناك بديل للنظام القائم.
ما امتلكناه في تلك المرحلة من طموح أممي ورؤية بديلة للعالم فقدناه لاحقاً. واليوم، إذا أراد اليسار أن يستعيد قدرته على التأثير، فعليه أن يخوض معركة استعادة ذلك الإرث وبناء مشروع أممي جديد يناسب تحديات القرن الحادي والعشرين.

السؤال:ينظر اليسار عادةً إلى الدولة القومية بعين الريبة، ولديه أسباب وجيهة لذلك. لكن التجربة التاريخية الحديثة تُظهر أن الفئات الضعيفة والمهمشة في المجتمع تمكنت من إيصال صوتها وتحقيق مكاسبها السياسية أساساً من خلال إطار الدولة القومية. فهل لا يزال للدولة القومية جانب إيجابي أو دور تقدمي؟

ليا يبي:إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية عملية بحتة، فالإجابة هي نعم.فالدولة القومية هي، في نهاية المطاف، الموقع الرئيسي للسلطة السياسية. وإذا كان الهدف هو الوصول إلى السلطة أو التأثير فيها وممارستها، فلا بد من معرفة المكان الذي تتركز فيه هذه السلطة. وإلا فإن النضال السياسي والاجتماعي يصبح مشتتاً، حاضراً في كل مكان وفي الوقت نفسه غير قادر على التأثير في أي مكان محدد.
لكن السبب الذي جعل الناس يعلّقون آمالًا كبيرة على الدولة القومية في الماضي يعود إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه. ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين كان هناك صراع بين الأمة والإمبراطورية. وفي ذلك السياق، بدت القومية بالنسبة لكثيرين قوة تقدمية لأنها كانت تقف في مواجهة الأنظمة الإمبراطورية القديمة، وكذلك في مواجهة الكنائس والملكيات التي لم تكن تستند إلى أي شرعية ديمقراطية حقيقية.
ولهذا السبب اعتُبرت القومية، في كثير من النقاشات اليسارية آنذاك، عنصراً تقدمياً. ويمكن ملاحظة ذلك في كتابات مفكرين وثوريين مثل فلاديمير لينين و روزا لوكسمبورغ وغيرهما، حيث نُظر إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها الوطني بوصفه جزءاً من النضال ضد الهيمنة الإمبراطورية والاستبداد.
وبعبارة أخرى، لم يكن يُنظر إلى الدولة القومية آنذاك باعتبارها غاية بحد ذاتها، بل باعتبارها أداة لتحرير الشعوب من أشكال السلطة غير الديمقراطية التي كانت تهيمن عليها. وهذا ما يفسر لماذا حظيت الفكرة القومية في بعض مراحل التاريخ بدعم قطاعات من اليسار، رغم أن اليسار المعاصر ينظر إليها اليوم بقدر أكبر من الحذر والنقد.
أما اليوم، فقد انتهى عصر الإمبراطوريات التقليدية، وأصبحت الدولة القومية نفسها جزءاً من النظام القديم الذي يحتاج إلى النقد والمراجعة.
ومن هذا المنطلق، لم يعد القومية، حتى في أكثر تفسيراتها إيجابية، مشروعاً تقدمياً. فهي تعني في النهاية رسم حدود بين «نحن» و«هم»، أي استبعاد من يوجد خارج الجماعة الوطنية.
يحاول بعضهم التمييز بين القومية القائمة على الأصل العرقي والقومية القائمة على المواطنة، لكن المشكلة الأساسية تبقى قائمة. فبمجرد وجود حدود سياسية، ينشأ تلقائياً فرق بين من هم داخل هذه الحدود ومن هم خارجها. وهذا شكل من أشكال الإقصاء بحكم التعريف.
لذلك نحن نعيش اليوم في ظرف تاريخي مختلف يتطلب أدوات تحليل جديدة تتجاوز التصورات التقليدية للدولة القومية والقومية.

السؤال:وبالحديث عن الحدود، كيف ينبغي لليسار أن يتعامل مع جمهور يبدو أنه يشعر بقلق حقيقي من الهجرة؟

ليا يبي:أول ما يجب فعله هو إخراج النقاش حول الهجرة من إطاره الأخلاقي المجرد.
فالكثير من النقاشات اليسارية تدور على النحو التالي: الحدود اعتباطية، وحرية التنقل حق أساسي، فلماذا لا يُسمح للناس بالتحرك بحرية؟
لكن عندما يُطرح الموضوع بهذه الطريقة الأخلاقية البحتة، يصبح من الصعب التمييز بين الموقف الليبرالي والموقف اليساري تجاه الهجرة.
في الواقع، لا تُعد الهجرة مشكلة سياسية أو اجتماعية إلا عندما تحدث ضمن علاقات قوة غير متكافئة، كما هو الحال في انتقال الناس من بلدان الجنوب العالمي إلى بلدان الشمال العالمي.
فلا أحد يثير القلق نفسه بشأن انتقال أشخاص من كندا إلى الولايات المتحدة، أو من أستراليا إلى بريطانيا. يصبح موضوع الهجرة مثاراً للجدل عندما يعكس فجوات كبيرة في الثروة والقوة والفرص بين البلدان.
لكن هذه الفجوات ليست سبباً للهجرة فحسب، بل هي نفسها نتيجة للحروب والأزمات الاقتصادية والتدهور البيئي والاستغلال العالمي.لذلك فالهجرة نتيجة وليست سبباً.
وإذا أراد أحد معالجة المسألة بجدية، فعليه أن يتعامل مع الأسباب التي تدفع الناس إلى مغادرة بلدانهم أصلاً. وهنا، في رأيي، لا يمتلك اليمين جواباً حقيقياً.
فشعار مثل «علينا أن نجعل بلدنا عظيماً مجدداً على حساب الآخرين» لا يؤدي إلا إلى مزيد من الصراعات والأزمات والكوارث في العالم، وبالتالي إلى مزيد من الهجرة أيضاً.
هناك جانب آخر بالغ الأهمية، وهو البعد الطبقي للهجرة.فالحدود لم تكن يوماً مفتوحة لبعض الناس ومغلقة أمام آخرين كما هي اليوم، حتى في البلدان التي يحكمها اليمين.
فعندما كان دونالد ترامب ينشر صور المهاجرين المرحّلين وهم مكبلون بالسلاسل، كان يتباهى في الوقت نفسه بسهولة حصول الأثرياء الروس وغيرهم على تأشيرات الاستثمار للدخول إلى الولايات المتحدة.
وتُظهر برامج ما يسمى بـ«التأشيرات الذهبية» و«الجنسية مقابل الاستثمار» أن اليمين ليس ضد فتح الحدود من حيث المبدأ؛ بل إنه مستعد لفتحها على نطاق واسع للأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال.
ولهذا، إذا كان الاعتراض حقاً يتعلق بالاختلافات الثقافية أو بصعوبات الاندماج، فلماذا يصبح الانتقال سهلاً جداً لفئة من الناس وصعباً للغاية لفئة أخرى، حتى عندما ينتمي الجميع إلى الخلفية الثقافية نفسها؟
ويكشف هذا التناقض أن القضية الأساسية ليست ثقافية في جوهرها، بل طبقية. فالهجرة، في نهاية المطاف، تتعلق بموقع الأفراد داخل هرم الثروة والسلطة أكثر مما تتعلق بالثقافة أو الهوية.

السؤال:لقد نشأتِ في الفترة المحيطة بعام 1989. وفي مذكراتك تصفين ذلك العام بأنه كان لحظة تحول معقدة وملتبسة، وليس مجرد انتصار تاريخي كبير كما يُصوَّر غالباً. فهل يمكن أن تقدم لنا تجربة بلدان ما بعد الشيوعية بعض الأفكار المفيدة لفهم فترات عدم الاستقرار والتحولات الكبرى التي نعيشها اليوم؟

ليا يبي:أحد الجوانب المهمة في الدراسات التي تناولت التحولات في أوروبا الشرقية خلال تسعينيات القرن الماضي هو مفهوم «الانتقال الثلاثي».فقد كان على البلدان الخارجة من الأنظمة الشيوعية أن تنجز في الوقت نفسه ثلاث مهام ضخمة:

1. بناء اقتصاد سوق رأسمالي بعد عقود من الاقتصاد الموجَّه.
2.إقامة أنظمة ديمقراطية تمتلك مؤسسات شرعية وقادرة على كسب ثقة المواطنين.
3.حل المسائل القومية والإقليمية المرتبطة بالتنوع القومي داخل الكيانات متعددة القوميات، مثل يوغوسلافيا والأتحاد السوفييتي.
وقد أشار كثير من الباحثين إلى أن محاولة إنجاز هذه المهام الثلاث في الوقت نفسه كانت مهمة شبه مستحيلة.
إضافة إلى ذلك، كانت هذه المجتمعات تفتقر إلى ما يُعرف بالمؤسسات الوسيطة بين الدولة والأفراد؛ فلم تكن هناك نقابات عمالية مستقلة وقوية، ولا مجتمع مدني حيوي ومتجذر، ولا أحزاب سياسية حقيقية تمتلك قواعد اجتماعية راسخة.
وبسبب غياب هذه البنى الوسيطة، جرت عملية التحول في كثير من الأحيان من أعلى إلى أسفل، ما جعل المجتمعات أقل قدرة على إدارة التغيرات العميقة التي فُرضت عليها، وأضعف قدرتها على التوفيق بين التحول الاقتصادي والديمقراطي والقومي في آن واحد.
الأمر اللافت في تلك المرحلة هو أن الحديث كان يجري كما لو أن الغرب سيبقى ثابتاً من دون تغيير.
فقد كان يُشار إلى أفضل ما حققته دول أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية – دولة الرفاه، والتنظيم الحكومي للأسواق، والنقابات القوية، والأحزاب الجماهيرية – باعتباره النموذج الذي ينبغي لبلدان أوروبا الشرقية أن تلحق به. كان يُقال إن على الشرق أن «يلحق بالغرب» وأن يبني المؤسسات نفسها.
لكن ما حدث في الواقع هو أن هذه المؤسسات كانت تُفكَّك في الغرب في الوقت نفسه الذي كان يُطلب من الشرق أن يقلدها.
ففي تلك الفترة تحديداً تعرضت النقابات العمالية للإضعاف والتفكيك، وتحولت الأحزاب السياسية تدريجياً إلى ما يشبه «أحزاب الكارتل» المرتبطة بالدولة والنخب أكثر من ارتباطها بقواعدها الاجتماعية. وهكذا، فإن كل ما كان يُطلب من الشرق الأوروبي أن يحققه كان يتلاشى في الغرب ذاته.لقد كانت تلك، في رأيي، حملة أيديولوجية.
فالإنجازات التي حققتها الديمقراطيات الاجتماعية الغربية نُسبت إلى الليبرالية نفسها، لا إلى نضالات الحركة العمالية التي صنعتها. وفي الوقت ذاته، كانت سياسات شخصيات مثل مارغريت تاتشر ورونالد ريغان، تعمل على إضعاف تلك الحركة العمالية التي كانت وراء هذه الإنجازات أصلاً.
بمعنى آخر، جرى الاستحواذ على نجاحات الحركة العمالية ونسبها إلى الليبرالية، بينما كانت المؤسسات التي أنتجت تلك النجاحات تُفكَّك تدريجيًاً
وكان بعض الباحثين قد حذروا آنذاك من أن الفشل الاقتصادي في دول ما بعد الشيوعية سيفتح المجال أمام زعماء يمينيين سلطويين يستخدمون قضايا الهوية والثقافة والقومية لصرف الانتباه عن المشكلات الاقتصادية. وفي النهاية، هذا ما حدث فعلاً، ليس فقط في الشرق الأوروبي، بل في الغرب أيضًاً

السؤال:تعرضت عائلتك للاضطهاد في ظل النظام الشيوعي، لكنها استمرت بعد سقوطه في اعتبار نفسها اشتراكية. عادةً ما نسمع روايات مختلفة تماماً، من نوع: «عاشت عائلتي تحت الشيوعية وعانت منها، ولذلك أعرف من التجربة أنها فكرة فاشلة». لكن الواقع أن كثيراً من الاشتراكيين أنفسهم تعرضوا للاضطهاد في الأنظمة الشيوعية وظلوا متمسكين بقيمهم الاشتراكية. كيف كان الأمر في عائلتك؟

ليا يبي:كان جدي اشتراكياً ديمقراطياً، ولهذا السبب تعرض للملاحقة من قبل القيادة الشيوعية في ألبانيا.
لكن يجب أن نتذكر أن الاشتراكية الديمقراطية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي كانت مختلفة تماماً عما نقصده بهذا المصطلح اليوم. فاشتراكيوا تلك المرحلة كانوا يرون أن الديمقراطية الحقيقية والرأسمالية غير قابلتين للتوفيق على المدى الطويل.
كانت الاشتراكية الديمقراطية في بداياتها مشروعاً أكثر راديكالية بكثير مما نتخيله اليوم.
وفي ذلك الوقت، لم يكن الخلاف الأساسي بين الاشتراكيين الديمقراطيين والشيوعيين متعلقاً بالأهداف النهائية، بل بالوسائل.
فالسجال الشهير بين إدوارد برنشتاين وروزا لوكسمبورغ، لم يكن يدور حول الغاية النهائية، بل حول الطريق إليها: هل يتم التغيير عبر الإصلاح التدريجي أم عبر الثورة؟
أما الهدف المشترك فكان يتمثل في الاعتقاد بأن الديمقراطية الحقيقية تتطلب تقييد سلطة رأس المال، وفي النهاية تجاوز النظام الرأسمالي نفسه.
وفي بلدان مثل ألبانيا، ارتبط مشروع بناء الاشتراكية بمشروع آخر هو بناء دولة قومية مستقلة على أنقاض إمبراطورية قديمة.
ولهذا لم تُبنَ الاشتراكية هناك بوسائل ديمقراطية.فنشأ نظام هجين وغريب: سيطرة واسعة على الأسواق والاقتصاد من جهة، لكن من دون فضاء عام حر، أو شرعية ديمقراطية فعلية، أو تعددية حزبية حقيقية من جهة أخرى.
كان النظام اشتراكياً في بعض الجوانب المهمة، لكنه كان أيضاً قمعياً بدرجة كبيرة.
ولم يكن ضحايا هذا القمع من الليبراليين فقط، بل شمل أيضاً اشتراكيين وديمقراطيين اجتماعيين لم يلتزموا بالخط الرسمي للحزب الحاكم.
ومن هنا يمكن أن نتخيل نموذجاً مختلفاً هو الاشتراكية الديمقراطية.
فليس هناك ما يمنع وجود دولة اشتراكية ودستور اشتراكي مع تعددية حزبية تضم أحزاباً اشتراكية مختلفة.
بل إن التعددية الحزبية تساعد على تعزيز الشرعية والمساءلة السياسية.
ولهذا أتساءل دائماً: لماذا ما زلنا نتمسك بتجارب مثل ألبانيا أو غيرها بوصفها التعريف النهائي للاشتراكية؟
لماذا نعتبر الشكل الذي فرضته أنظمة الاشتراكية الرسمية هو الاشتراكية الوحيدة الممكنة، بينما نتجاهل كل الأشكال الاشتراكية الأخرى التي قمعتها تلك الأنظمة نفسها؟
وأحياناً يقول لي البعض إنني أعتمد أكثر مما ينبغي على تجربة عائلتي.
لكن اهتمامي بتاريخ عائلتي لا يعني أنني إنحزتُ إلى المعسكر الذي كان جدي يعتبره مخطئاً.فهو ظل مقتنعاً طوال حياته بأن الرأسمالية هي المشكلة الأساسية.
وكونه عانى من النظام الشيوعي في ألبانيا لم يجعله يعتقد أن الرأسمالية أصبحت فجأة حلاً للمشكلات الاجتماعية.
ولهذا فإن الوفاء لإرثه لا يعني التخلي عن الاشتراكية، بل يعني رفض السماح لخصوم الاشتراكية بأن يحددوا وحدهم معنى الاشتراكية وما يمكن أن تكون عليه.
لا ينبغي اختزال الاشتراكية في التجارب السلطوية التي حكمت باسمها، لأن ذلك يعني تجاهل تقاليد اشتراكية ديمقراطية واسعة جرى تهميشها أو قمعها خلال القرن العشرين.

السؤال:أعتقد أن بعض الاشتراكيين والاشتراكيات الجُدد لا يكونون دائماً واضحين بشأن هذه المسألة. فهم يكتشفون نقدهم الخاص للرأسمالية، ويرون العالم منقسماً إلى معسكرين متنافسين، فيرغبون في الوقوف إلى جانب المعسكر الذي يعتقدون أنه على حق. لكن الأمر يحتاج إلى قدر أكبر من التمييز والدقة.

ليا يبي:صحيح تماماً.إذا أراد اليسار أن يعيد بناء نفسه، فعليه أن يجري مراجعة نقدية صريحة لإخفاقين كبيرين طبعا القرن العشرين:

1.فشل اشتراكية الدولة.
2.فشل الديمقراطية الاجتماعية عندما ظلت محصورة داخل إطار الدولة القومية.
فاشتراكية الدولة فشلت بسبب ارتباطها الوثيق بالدولة القومية، وبسبب افتقارها إلى الديمقراطية، وتجاهلها لحريات أساسية مثل حرية التنقل والتنظيم والتجمع والتعبير عن الرأي.
ولا يمكن ببساطة تبرير هذه الممارسات بالقول: «كانت الظروف تفرض ذلك، وكان ما حدث مبرراً في حينه». فمثل هذا التبرير لا يواجه المشكلة الحقيقية.
فالاشتراكية ليست مجرد مشروع للمساواة الاقتصادية والاجتماعية. صحيح أن المساواة عنصر أساسي فيها، لكنها ليست القيمة الوحيدة.
فالاشتراكية، يجب أن تكون أيضاً مشروعاً للحرية.ومن ثم فإن أي نظام يحقق قدراً من المساواة لكنه يقمع حرية التعبير أو التنظيم أو المشاركة السياسية يبتعد عن أحد المبادئ الجوهرية التي يفترض أن تقوم عليها الاشتراكية نفسها.
وبالمثل، لا يكفي الدفاع عن الديمقراطية الاجتماعية التقليدية وتجاهل حدودها التاريخية. فهذه التجربة حققت مكاسب مهمة للعمال والفئات الشعبية، لكنها بقيت مرتبطة بإطار الدولة القومية، ولم تستطع أن تقدم إجابات كافية عن التحديات العابرة للحدود التي يفرضها الاقتصاد الرأسمالي المعولم.
لذلك أن تجديد اليسار لا يمكن أن يتم عبر الحنين إلى أي من النموذجين القديمين، بل عبر نقدهما معاً واستخلاص الدروس من إخفاقاتهما. فالمطلوب ليس الاختيار بين المساواة والحرية، بل بناء مشروع سياسي يجمع بينهما، ويجعل كلًّا منهما شرطاً للآخر بدلاً من التضحية بأحدهما باسم الآخر.
وفي الوقت نفسه، يجب أن نتعامل أيضاً بنظرة نقدية مع تجارب الديمقراطية الاجتماعية والطريقة التي عقدت بها تسويات مع الرأسمالية.
ففي نهاية المطاف، ساهمت هذه التسويات في التمهيد لموجات النيوليبرالية الكبرى التي اجتاحت العالم منذ تسعينيات القرن الماضي.
ومن وجهة نظري، فإن كلا الإخفاقين – إخفاق اشتراكية الدولة وإخفاق الديمقراطية الاجتماعية التقليدية – يرتبطان بالدولة القومية.
ولهذا فإن أي بديل يساري جديد يجب أن يتعلم من التجربتين معاً.
فنحن بحاجة إلى إحياء نقد الرأسمالية من جهة، وإحياء نقد الدولة القومية من جهة أخرى.
فالدولة القومية تمتلك مؤسسات تمنحها الشرعية السياسية، لكن هذه المؤسسات لم تعد قادرة على التعامل مع واقع رأسمالية عابرة للحدود تعمل على مستوى عالمي. فالرأسمال اليوم يتحرك عبر الشمال والجنوب العالميين، ويعيد تشكيل الاقتصادات والمجتمعات على نطاق دولي، كما يسهم في إنتاج أشكال جديدة من الهيمنة والصراعات على الموارد.

السؤال:كما يحدث الآن في إيران؟

ليا يبي:الحرب هي النتيجة المنطقية لفكرة أن الأزمات السياسية والاقتصادية يمكن حلها من خلال الوعد بجعل «بلدنا عظيماً من جديد».
فعندما تُبنى الرؤية السياسية حول الدولة القومية بوصفها القيمة العليا، ينشأ تلقائياً تصور للعالم يرى أن القوة هي أساس الشرعية، وأن الدول الأقوى تمتلك الحق في فرض إرادتها، حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين.
وفي هذا المنطق، تصبح الحرب التعبير الأكثر تطرفاً واتساقاً مع هذه الرؤية.
لكن ما أجده لافتاً حقاً في الحرب الدائرة حول إيران هو أن الولايات المتحدة لم تعد تشعر بالحاجة نفسها إلى تقديم تبرير أخلاقي واسع لأفعالها.
فعندما نتذكر حرب العراق، نرى أن أنصار الأممية الليبرالية بذلوا جهداً كبيراً لتبرير الحرب من خلال الحديث عن القانون الدولي، والعدالة الدولية، والدفاع عن القواعد العالمية.
كان التدخل خارج الحدود الوطنية يحتاج آنذاك إلى غطاء أخلاقي وسياسي يبرره.
أما اليوم، فيبدو أن هذا النوع من التبرير فقد كثيراً من أهميته.
ففي السابق لم تكن اللغة المستخدمة تقتصر على منطق القوة المجردة، بينما أصبح هذا المنطق اليوم أكثر وضوحاً وأقل حاجة إلى التغطية الأخلاقية.
ومن وجهة نظر يبي، فإن هذا التحول يعكس تراجع نفوذ الأممية الليبرالية وصعود رؤية عالمية جديدة تعطي الأولوية للقوة والمصلحة القومية المباشرة على حساب المبادئ الكونية التي كانت تُستخدم سابقاً لتبرير السياسة الدولية.

السؤال: ويبدو أن هذا يكشف أيضاً ضعف المؤسسية الليبرالية. فربما وصلنا إلى مرحلة تستطيع فيها قوى اليمين إشعال الحروب وخوضها وفق منطقها الخاص، من دون أن تشعر بالحاجة إلى الاستناد إلى أخلاقيات النظام الليبرالي أو تبرير أفعالها من خلاله.

ليا يبي: نعم، أعتقد ذلك.لكن إذا أردنا الدفاع عن السلام ومناهضة الحروب، فمن المهم ألا يقتصر دفاعنا على القول إن النظام الدولي الليبرالي يجب أن يُحترم.
فهذا النظام كان دائماً مليئاً بالتناقضات والاختلالات وعدم المساواة. ولذلك لا يكفي التمسك به كما هو.
ومن وجهة نظري، لا يمكن تحقيق سلام حقيقي ودائم إلا إذا جرى تجاوز مشكلتين أساسيتين في الوقت نفسه:
الرأسمالية بوصفها نظامًا يولّد المنافسة والصراع والتفاوت.
والدولة القومية بوصفها عائقاً أمام بناء عالم أكثر تضامناً ومساواة.
ولهذا نحتاج إلى تصور جديد للمؤسسات الدولية، لا يقتصر على الدفاع عن المؤسسات القائمة بصيغتها الحالية، بل يسعى إلى إعادة التفكير فيها جذرياً.
لا أزعم أن هناك برنامجاً جاهزاً من عشر نقاط يمكن أن يحدد شكل المستقبل بدقة.
لكن أي مشروع بديل يجب أن يبدأ أولاً من تحليل الواقع الراهن ونقده، ومن فهم الأخطاء التي وقعت في الماضي.وبعد ذلك يمكن العمل على بناء المؤسسات الديمقراطية القادرة على تحويل هذا النقد إلى ممارسة سياسية فعلية.
وأعتقد أن هذا المشروع يجب أن يتخذ شكل ما أسميه «الكوزموبوليتية البديلة» أو «العالمية البديلة».
فهذا، في رأيي، هو الإطار الأكثر قدرة على فهم الصراعات والتحديات التي يفرضها عالم مترابط ومعولم، وعلى تقديم بديل يتجاوز في الوقت نفسه حدود القومية الضيقة وإخفاقات النظام الليبرالي القائم.



#حازم_كويي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاحتجاجات تتصاعد ضد التوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطن ...
- كيف نكبح سلطة الشركات الرقمية العملاقة؟
- عندما مالَ برج بيزا الإيطالي إلى اليسار
- ستون عاماً على الثورة الثقافية الصينية: تاريخ تجربة فاشلة
- بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي.جزء 2
- صعود الفاشية: تاريخٌ مُقلق
- بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي
- طرق نحو الاشتراكية البلدية في مدينة نيويورك
- الإمبريالية بلا أقنعة
- مئة يوم من رئاسة ممداني: حصيلة مرحلية إيجابية
- الأمل واليأس في زمن رأسمالية الكوارث
- ترامب يضع كوبا في حالة تأهّب
- تاريخ الثورة العالمية للرأسمالية
- الاشتراكية في الولايات المتحدة الحزب الاشتراكي القديم و-الاش ...
- -المناضلة الشيوعية التي أُقصيت من الحزب الشيوعي الإيطالي-
- الوفاء بالوعود الانتخابية يتطلّب سلطة شعبية: لماذا يحتاج زهر ...
- الاشتراكية في الولايات المتحدة(4)
- الاشتراكية في الولايات المتحدة (3)
- مجزرة عيد الميلاد المنسيّة في أمريكا
- الاشتراكية في الولايات المتحدة الجزء 2


المزيد.....




- ترامب يصعّد الضغط على هافانا.. عقوبات أمريكية تطال الرئيس ال ...
- معدات ثقيلة تستعد لالتهام “زهرية الزمالك”
- لنسدد حيث يجب
- واشنطن تفرض عقوبات على الرئيس الكوبي و-عائلة كاسترو-
- كوبا: عقوبات أمريكية جديدة تطال الرئيس ميغيل دياز-كانيل وأفر ...
- تونس: هيآت حقوقية ونسوية ومنظمات وقوى ديمقراطية واحزاب سياسي ...
- الذكاء الاصطناعي ومستقبل الرأسمالية من منظور ماركسي ونيوكلاس ...
- عقوبات أمريكية جديدة على الرئيس الكوبي وأفراد من عائلة كاستر ...
- العدد 656 من جريدة النهج الديمقراطي
- العدد 655 من جريدة النهج الديمقراطي


المزيد.....

- كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية / رزكار عقراوي
- مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ ... / كوران عبد الله
- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز
- فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية / ادوارد باتالوف
- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي - ... / شادي الشماوي
- هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر ... / شادي الشماوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حازم كويي - اليسار يفتقد إلى منظور عالمي بديل