أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الهيموت عبدالسلام - إدغار موران: العيش داخل المعنى و على حافة السؤال














المزيد.....

إدغار موران: العيش داخل المعنى و على حافة السؤال


الهيموت عبدالسلام

الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 07:17
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


حين قرأت خبرَ رحيل "إدغار موران" عن عمر ناهز مئة وأربعة سنوات، لم يكن السؤال الأول الذي خطر ببالي: ماذا كتب؟ و ما هي نظرياته ومواقفه ؟ بل كان سؤالاً أكثر بدائية وربما أكثر سذاجة : كيف استطاع إنسان أن يعبر أكثر من قرن من الزمن، بكل ما في هذا القرن من حروب وثورات وانهيارات وخيبات ، ثم يظل حتى أيامه الأخيرة يفكر ويحاور ويكتب ويحاضر ؟

في البداية خطر لي تفسير بسيط: ربما لأن الفلسفة تُطيل العمر، لكن سرعان ما انهار هذا التفسير أمام أسماء أخرى تسكن ذاكرة الفكر الإنساني ، فقد رحل باسكال قبل أن يبلغ الأربعين، ومات سبينوزا في الرابعة والأربعين، وغادر ديكارت العالم في الثالثة والخمسين، وانطفأ نيتشه قبل أن يكمل السادسة والخمسين، لو كانت الفلسفة وصفة للخلود لكان هؤلاء أول المستفيدين منها.
ثم قلت: ربما وُلد موران وفي فمه ملاعق من ذهب وعاش حياة باذخة ومخملية ، لكن الوقائع تقول أنه فقد أمه وهو طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره، وحمل ذلك الجرح معه طوال حياته ، وعاش أهوال الحرب العالمية الثانية ولم يكتف بمراقبتها من خلف النوافذ أو بين صفحات الكتب، بل انخرط في المقاومة ضد النازية، معرضاً نفسه للخطر مثل آلاف الرجال والنساء الذين اختاروا الوقوف في وجه أكثر الأنظمة التدميرية التي عرفها القرن العشرون.
فما هو السر الذي جعل هذا المفكر يعبر قرناً كاملاً دون أن يشيخ عقله ؟ لأن موران لم يعش من أجل الراحة، بل عاش من أجل وداخل المعنى ، لم ينعم بسعادة الراحة بل بسعادة المعنى ، السعادة التي تجد كل يوم سببا للاستمرار رغم المتاعب والمعاناة بل و الإصرار لتحويل تلك المعاناة للحظات تستحق العيش و الفرح، لقد فهم موران مبكراً أن الإنسان ليس كائناً سعيداً أو شقياً، بل هو كائن مركب يحمل في قلبه الفرح والحزن، الأمل واليأس، القوة والهشاشة، اليقين والشك لذلك ظل طوال حياته يقاوم كل أشكال الاختزال الفكري التي تحاول اختزال العالم في بعد واحد أو حقيقة واحدة أو عقيدة واحدة.
لم يكن يرى أن الاقتصاد وحده يفسر التاريخ، ولا أن السياسة وحدها تحرك المجتمعات، ولا أن الدين وحده يصنع الحضارات، كان يؤمن بأن الواقع الإنساني أكثر تعقيداً من أن يُختزل في شعار أو إيديولوجيا أو يقين جاهز، ولعل هذا ما جعل صوته مسموعاً في عالم تزداد فيه الضوضاء الفكرية ويقلٌ فيه التفكير،لم يكتسب مصداقيته لأنه كان دائماً على حق، بل لأنه امتلك شجاعة الاعتراف بأنه كان يخطئ و يعترف بذلك جهارا ولم يكن من المفكرين الذين يقضون أعمارهم في الدفاع عن أخطائهم القديمة خوفاً على صورتهم ، موران كان مستعداً لمراجعة أوهامه السياسية والفكرية كلما اكتشف أنها لم تعد تصمد أمام صخرة الواقع.

لقد انتقد الفاشية عندما شكلت خطرا على الإنسانية كلها ، وبعد هزيمة بلده فرنسا سنة 1940 واحتلال جزء كبير من أراضيها من قبل ألمانيا النازية، انخرط موران في شبكات المقاومة، واستعمل آنذاك اسماً مستعاراً حركيا هو "موران"، الذي أصبح لاحقاً اسمه المعروف بدلاً من اسمه العائلي الأصلي "ناهوم" (Nahoum)، وانتقد معسكره الشيوعي ورفض ان يمنح حصانة لأية سلطة لمجرد انها تنتمي لمعسكره السياسي مما عرضه للطرد .
إن الكثير من البشر يموتون معنوياً قبل موتهم الجسدي بسنوات طويلة ، يتوقف فضولهم المعرفي ، وتنطفئ أسئلتهم، ويتحولون إلى سجناء لذكرياتهم أو يقينياتهم، أما موران فقد ظل حتى سنواته الأخيرة تلميذاً للعالم كان يسأل أكثر مما يجيب، وكان يكشف أكثر مما يدّعي المعرفة ، وكان ينظر إلى المستقبل بعين القلق نفسها التي ينظر بها إلى الماضي بعين الحكمة، لهذا لم يكن مجرد فيلسوف أو عالم اجتماع بل كان شاهداً على قرن كامل من المآسي والأحلام المجهضة ، لقد عاش بما يكفي ليرى الإمبراطوريات وهي تصعد وتسقط، والإيديولوجيات وهي تولد وتموت، والثورات وهي تنتصر ثم تتعثر وتترنح لكنه لم يسمح لأي من ذلك أن يقتل فيه القدرة على الدهشة والسؤال والأمل والعمل على مجتمع أكثر عدلا وحرية ومساواة .
السؤال الكبير عند موران هل بقينا أحياء داخل اعمارنا وهل بقينا قادرين على التعلم و مستعدين لمراجعة انفسنا و معتقداتنا ويقبنياتنا وهل ظللنا منحازين إلى الإنسانية اكثر من انحيازنا للقبيلة والطائفة والحزب و الأمة ؟

لم يعش موران طويلاً لأنه كان محظوظاً أكثر من الآخرين، ولا لأنه اكتشف إكسير الشباب الذي حلم به الكيميائيون قديماً، لقد عاش طويلاً لأنه اشتغل كل يوم على فكرة ، كان يستيقظ كل صباح وفي داخله سؤال جديد، دهشة جديدة، قلق جديد، أفق جديد.
لم يكن عظيماً لأنه عاش مئة وأربع سنوات، بل لأن السنوات نفسها لم تنجح في تحويله إلى تمثال لأنه عاش داخل المعنى ،بقي إنساناً يخطئ ويتعلم. يشك ويعيد النظر ،يحزن ويأمل، ويستمع إلى العالم كما لو أنه يسمعه للمرة الأولى ، عاش شاهدا على عصره وليس بوقا، وباحثاً لا داعية، وضميراً لا موظفاً لدى السلطة والجماهير، كان يؤمن أن البشرية القادرة على إنتاج القنبلة النووية والإبادة والحروب، قادرة أيضاً على إنتاج التضامن والحب والإبداع والمقاومة .
تقول زوجته المغربية والباحثة الاجتماعية " إن موران حتى أيامه الأخيرة ظل منتبهاً إلى العالم وإلى الآخرين، وإلى القضايا الإنسانية الكبرى التي غذّت فكره .



#الهيموت_عبدالسلام (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في أبجديات الحروب
- تخيلوا فقط
- من يحكم العالم؟
- حول فيضان واد الشعبة بآسفي
- دروس من ممالك الحشرات
- اقتراح متواضع
- الديمقراطية هي الحل
- الحياحة الرقمية
- العطب قديم
- ملحمة غزة
- من وحي التغاريد
- ضربات قوة أم ضربات ضعف
- لديهم نفط هائل وهذا النفط لنا (ترامب)
- سيكولوجية الأنا الرقمية
- أين اختفى التين الشوكي فاكهة الفقراء
- طلال لحلو و أرسطو والديمقراطية
- الكتابة فعل مقاومة وامتداد للحياة
- لأول مرة مؤتمر يهودي مناهض للصهيونية على الصعيد الدولي
- حوار متخيل بين -بنيامين نتنياهو- و -علي الحسيني الخامنئي-
- العمى الطائفي


المزيد.....




- -حان الوقت لنقول لصديقنا ترامب لا-.. لماذا غضب وزراء وسياسيو ...
- اتفاق مبدئي على إنشاء مراكز ترحيل خارج الاتحاد الأوروبي
- 40 نقطة عسكرية و8 مواقع مستحدثة.. أين يبني الاحتلال قواعده ا ...
- حرب إيران مباشر.. ترمب يؤكد استمرار المفاوضات مع طهران ويعلن ...
- أول تعليقات -رسمية- من إسرائيل ولبنان بشأن إعلان ترامب عن -و ...
- إيران تختار “الحل المؤقت” لتجنب تنازلات نووية وحسم -هدية- هر ...
- فرنسا تحظر مشاركة مسؤولين إسرائيليين بمعرض يوروساتوري للدفاع ...
- شائعة استقالة الرئيس الإيراني تثير ضجة واسعة.. وإيران تحسم ا ...
- هل هناك أغذية خاصة تقوي الرغبة الجنسية؟ إليك ما يقوله العلم ...
- الانتخابات الإثيوبية.. عيون على البرلمان وقلوب على لقمة العي ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الهيموت عبدالسلام - إدغار موران: العيش داخل المعنى و على حافة السؤال