احمد كانون
كاتب عقلاني حر
(Ahmed Kanoun)
الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 00:05
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
بقلم: أحمد كانون
في ممارستي للتحليل التاريخي والسياسي، أجد نفسي دائماً أختبر الأحداث عبر "القواعد الأربع": النظام الضمني، الديالكتيك ، نظرية الفوضى، والوكالة التطورية الغريزية. ومن خلال هذه العدسة المركبة، كنت أتأمل مؤخراً ظاهرة "المشير خليفة حفتر" في المشهد الليبي، ليس فقط كفاعل سياسي، بل كنموذج إنساني يجسد مفهوم نيتشه عن "إرادة القوة" في أبهى صورها الملحمية.
إن "إرادة القوة" ليست مجرد رغبة في السلطة كما يروج لها التسطيح السياسي، بل هي تلك القوة الدافعة التي تجعل الكائن الحي –أو القائد– يرفض الاستسلام لـ "التيار" السائد. في الحالة الليبية، التي تتسم بالسيولة الفوضوية والاضطراب الهيكلي، كان من السهل الانجراف مع التمزق. إلا أننا نجد أمامنا شخصية استطاعت، بفضل إرادة صلبة لا تنكسر بمرور السنين، أن تقاوم التيار وتجبر التاريخ على الانحناء لمسارها الخاص.
ما يثير اهتمامي كباحث هو ذلك التناقض الجدلي: كيف يمكن لرجل في هذا العمر أن يمتلك الطاقة " الكافية لإعادة صياغة الخريطة السياسية؟
إن التفسير يكمن في تجاوز الذات. فوفقاً لنيتشه، القوة الحقيقية تظهر في القدرة على المقاومة. المشير حفتر، في نظري، لم يكن مجرد لاعب في ساحة الفوضى، بل كان المحرك الذي سعى لتحويل "الفوضى" (Chaos) إلى "نظام" (Order). هذا العمل يشبه تماماً عملية التغلب على الذات التي أشار إليها نيتشه؛ فالحفاظ على الهدف وسط تقلبات الجغرافيا السياسية الدولية والمحلية يتطلب تجاوزاً مستمراً للحدود البشرية، وتدفقاً لا ينضب من الإرادة التي لا يحدها تقدم السن.
إنني أرى في هذه المسيرة تجسيداً لما أسميه "الديالكتيك الإرادي"؛ حيث يصطدم الفرد القوي بالواقع المعقد، فينتج عن هذا التصادم واقعاً جديداً يفرضه صاحب الإرادة الأقوى. لقد نجح الرجل في "جذب التيار" نحو مشروعه الخاص، في وقت كان الجميع فيه ينتظر أن يجرف التيار الجميع نحو المجهول.
في الختام، يظل التاريخ ساحة للصراع بين "إرادة القوة" وبين العشوائية التاريخية. وعندما ننظر إلى النموذج الذي قدمه المشير، ندرك أن القيادة في أوقات الأزمات الكبرى لا تحتاج إلى توافقات هشة، بل إلى شخصيات تمتلك "اليقين الإرادي" القادر على مواجهة الاستحقاقات الكبرى. إنها رحلة إنسانية تعيد تذكيرنا بأن التاريخ لا يصنعه إلا أولئك الذين يملكون الشجاعة لفرض رؤيتهم على الواقع، حتى حينما يبدو الواقع عصياً على التشكيل.
#احمد_كانون (هاشتاغ)
Ahmed_Kanoun#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟