أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - عبد الكريم اوبجا - سلسلة بوصلة سياسية / ما بعد الديمقراطية: 2- الطريق الثالث وتحولات الديمقراطية الليبرالية














المزيد.....

سلسلة بوصلة سياسية / ما بعد الديمقراطية: 2- الطريق الثالث وتحولات الديمقراطية الليبرالية


عبد الكريم اوبجا

الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 17:52
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


تبلور مشروع "الطريق الثالث" في سياق تاريخي اتسم بتحولات كبرى عرفها العالم منذ أواخر القرن العشرين، خاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وصعود العولمة النيوليبرالية وهيمنة اقتصاد السوق. ففي تلك المرحلة، ظهر وكأن الرأسمالية الليبرالية قد أصبحت النموذج الاقتصادي والسياسي الأكثر واقعية، بينما دخلت الأحزاب الاشتراكية والاجتماعية الديمقراطية في أزمة عميقة بسبب تراجع قدرتها على تقديم بديل اقتصادي وسياسي مقنع داخل عالم متغير بسرعة.

في هذا السياق، طرح أنتوني غيدنز إعادة بناء الديمقراطية الاجتماعية عبر ما سماه "الطريق الثالث"، باعتباره محاولة لتجاوز الثنائية التقليدية بين النيوليبرالية والاشتراكية الكلاسيكية. فالتحولات المرتبطة بالعولمة والثورة التكنولوجية وصعود الفردانية قد جعلت الكثير من مفاهيم اليسار التقليدي غير قادرة على تفسير الواقع الجديد. لذلك دعا إلى بناء نموذج سياسي جديد يجمع بين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية وتحديث دولة الرفاه والديمقراطية الليبرالية.

وقد ارتكز مشروع الطريق الثالث على فكرة أساسية مفادها أن الدولة لم تعد قادرة على التحكم الكامل في الاقتصاد داخل عالم معولم، وأن المطلوب ليس مواجهة السوق أو تجاوز الرأسمالية، بل إصلاحها وجعلها أكثر "إنسانية" و"كفاءة اجتماعية". ولهذا دعا غيدنز إلى تشجيع المبادرة الفردية، والاستثمار في التعليم والتكوين، وتحديث الإدارة العمومية، وبناء شراكة بين الدولة والسوق، وربط الحقوق الاجتماعية بالمسؤولية الفردية.

وجدت هذه التصورات تعبيرها السياسي العملي في تجارب بارزة، نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، حيث تبنت الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية خطابا جديدا يقوم على الوسطية والتوافق والإصلاح التدريجي والتكيف مع العولمة. ففي بريطانيا، قاد توني بلير من خلال حزب "العمال الجديد" (1997-2010)، سياسات "الخطة الجديدة" وبرنامج "الرفاه إلى العمل" بتحويل نظام الرفاه الاجتماعي من نظام يقوم على منح إعانات مالية إلى نظام يشجع ويلزم العاطلين عن العمل على الانخراط في سوق العمل، مع الحفاظ على ضبط مالي صارم ومنح استقلالية لبنك إنجلترا، وتشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص. حققت هذه التجربة نجاحا انتخابيا كبيرا لثلاث دورات متتالية، لكنها واجهت انتقادات شديدة بسبب حرب العراق وتراجع جودة الخدمات العامة.

وفي الولايات المتحدة، فقد ركز بيل كلينتون و"الديمقراطيين الجدد" (1993-2001) على إصلاح نظام الرفاه بربطه بالعمل، واعتماد اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية "نافتا"، وإلغاء بعض القيود على القطاع المالي، مما حقق فائضا في الميزانية الفيدرالية، لكن شهدت فترته ارتفاعا للتفاوتات الاجتماعية والفجوة بين الأغنياء والفقراء رغم النمو الاقتصادي. أما في ألمانيا، فعمد غيرهارد شرودر (1998-2005) على تنفيذ برنامج "أجندة 2010" الذي تضمن إصلاحات جذرية في سوق العمل وزيادة مرونة التوظيف، حيث ساهمت هذه الإصلاحات في تعزيز القدرة التنافسية الألمانية على المدى الطويل، لكنها أثارت احتجاجات نقابية واسعة كلفت شرودر شعبيته.

بشكل عام، حققت سياسات "الطريق الثالث" نجاحا انتخابيا قصير الأمد وأسهمت في تكيف يسار الوسط مع العولمة والاقتصاد الجديد، لكنها تعرضت لانتقادات جراء تحولها إلى "نيوليبرالية بوجوه إنسانية"، فرغم طابعها الإصلاحي، لم تشكل قطيعة حقيقية مع النيوليبرالية، بل تحولت تدريجيا إلى صيغة أكثر ليونة، وبعد أزمة 2008 المالية، تراجع تأثيرها نسبيا.

فالأحزاب التي تبنت هذا النهج قبلت عمليا بمنطق السوق والعولمة المالية، واستمرت في سياسات الخصخصة وتحرير الاقتصاد ومرونة الشغل وتقليص دور الدولة الاجتماعية، وهو ما أدى إلى تراجع الفوارق السياسية والإيديولوجية بين اليمين واليسار التقليدي. وقد ساهم هذا التحول في إضعاف الوظيفة التمثيلية للأحزاب السياسية، وفي تحويل السياسة من مجال للصراع الاجتماعي والإيديولوجي إلى مجال للتدبير التقني والتوافق حول نفس الخيارات الاقتصادية الكبرى، وهو ما سيعرف بمرحلة "ما بعد السياسة" و"ما بعد الديمقراطية".



#عبد_الكريم_اوبجا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلسلة بوصلة سياسية / ما بعد الديمقراطية: 1- من وهم الطريق ال ...
- سلسلة بوصلة أمازيغية: 2. في تقدمية وتحررية القضية الأمازيغية
- سلسلة بوصلة أمازيغية: 1. الأمازيغية من منظور يساري جديد ومتج ...
- في نقد النخبة السياسية الأمازيغية -1-
- من أجل جبهة يسارية أمازيغية مناضلة
- تحالف اليمين الكلاسيكي و اليمين المتطرف يطيح بحكومة إيفو مور ...
- ردا على من يدعي أن -الديمقراطية الأمازيغية- تشمل اليسار و ال ...
- عن الموجات الثورية القادمة
- عناصر مداخلة حول الوضع الاقتصادي و السياسي الراهن بالمغرب
- القطاعات الست للنضال التحرري العالمي الأمازيغي
- الأمازيغية في مهب العولمة الرأسمالية
- دفاعا عن الحب في مجتمعنا..
- نفض الغبار عن تاريخ المقاومة بالمغرب و شمال إفريقيا -1-
- حراك الريف: الوعي القومي و الديمقراطية المباشرة في الميدان
- الريف: تاريخ كفاح ضد الاستعمار و الاستبداد
- النضال الأمازيغي بالمغرب في ميزان حراك الريف
- معركتنا معركة تحرر ديمقراطي لا معركة قانون تنظيمي فقط
- العمل الجمعوي بالمغرب: الأزمة و البدائل
- بعض عناصر الوضع الثقافي بالمغرب
- بدايات طرح المسألة الثقافية بالمغرب


المزيد.....




- باعا منزلهما بكولورادو ويعيشان على متن قارب شراعي منذ 10 سنو ...
- السعودية في المقدمة.. قائمة بأغنى الأثرياء العرب وإجمالي ثرو ...
- الإمارات تهاجم إعلاناً إيرانياً بشأن مضيق هرمز وتصفه بـ-أضغا ...
- موجة حر متزايدة تجتاح شمال الهند مع اقتراب الحرارة من 48 درج ...
- حلم الثراء ينقلب إلى مأساة .. سوريون ضحايا منصات استثمار وهم ...
- مشروع “المحج الملكي” نموذج واضح لتراكمات الفساد
- انتهاكات متعددة للوزير الإسرائيلي بن غفير آخرها المعاملة الم ...
- إسرائيل ترحل ناشطي أسطول غزة وسط استنكار واسع ضد تصرف بن غفي ...
- الصين تصف بوتين بـ-الصديق القديم-.. رسائل إلى واشنطن والعالم ...
- إسرائيل: من هو إيتمار بن غفير الذي نشر فيديو لناشطي أسطول غز ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - عبد الكريم اوبجا - سلسلة بوصلة سياسية / ما بعد الديمقراطية: 2- الطريق الثالث وتحولات الديمقراطية الليبرالية