أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مدحت قلادة - أقذر عهود الاضطهاد















المزيد.....

أقذر عهود الاضطهاد


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 10:16
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ليست كل عهود الاضطهاد تُكتب في كتب التاريخ بالحروب والمذابح فقط، فهناك عهود أشد قذارة وانحطاطًا، عهود يُجبر فيها المظلوم على إنكار ظلمه، ويُدفع فيها الضحية إلى تمجيد جلاده، وتتحول فيها الحقيقة إلى جريمة، بينما يصبح الصمت فضيلة والخوف حكمة والنفاق “وطنية”.

إن أقذر عهود الاضطهاد ليست تلك التي يقتل فيها النظام الناس بالسيف علنًا، بل تلك التي يقتل فيها الحقيقة داخل النفوس، ويصنع من الرعب أسلوب حياة، حتى يصبح الجميع أسرى الخوف: المواطن، والمفكر، والسياسي، بل وحتى رجل الدين نفسه.

لقد أثارت تصريحات البابا تواضروس بأن “مصر ليس بها اضطهاد” عاصفة من الألم والغضب بين الأقباط، خصوصًا بين آلاف الشباب القبطي في المهجر وطالبي اللجوء الذين عاشوا القهر بأنفسهم، أو حملوا جراح أسرهم معهم إلى المنافي. كثيرون رأوا في التصريحات إنكارًا لمعاناة شعب بأكمله، لكنني أقول: لا تنظروا فقط إلى الكلمات، بل انظروا إلى ما وراء الكلمات. فهناك أوقات يصبح فيها الخوف هو المتحدث الحقيقي، وتصبح الجملة التي تُقال تحت الضغط إدانة للنظام أكثر مما هي دفاع عنه.

إن العالم كله يعرف حقيقة ما يعانيه الأقباط في مصر. هذه ليست أسرارًا، وليست ادعاءات تُطلقها المعارضة، بل حقائق موثقة في تقارير دولية، وشهادات حقوقية، ووقائع لا يستطيع أحد إنكارها. العالم يعرف أن القبطي ما زال يُعامل كمواطن من الدرجة الثانية في ملفات كثيرة داخل الدولة. يعرف أن هناك أبوابًا مغلقة أمام الأقباط في الأجهزة السيادية ومواقع النفوذ الحساسة. يعرف أن التمييز لا يُكتب في القوانين فقط، بل يُمارس يوميًا في التعيينات والترقيات والتعليم والإدارة المحلية.

العالم يعرف أن الكنائس أُحرقت، وأن بيوت الأقباط نُهبت، وأن قرى كاملة عاشت الرعب بسبب شائعة أو تحريض ديني أو خلاف شخصي يتحول فجأة إلى حرب طائفية. العالم يعرف أن العدالة في كثير من القضايا تصبح عرجاء حين يكون الضحية قبطيًا.

لقد لخّص الكاتب الراحل جلال عامر المأساة كلها في جملة واحدة حين قال:
“المتهم بريء حتى تثبت ديانته.”

هذه العبارة ليست نكتة سياسية، بل وصف دقيق لدولة يُمكن أن تتحول فيها هوية الإنسان الدينية إلى تهمة قائمة بذاتها.

وحين نتحدث عن الاضطهاد، فنحن لا نتحدث عن مجرد مشاعر أو إحساس بالظلم، بل عن وقائع دامغة وجرائم كاملة الأركان. قضية سيلفانا عبد النور فانوس ليست قصة عابرة تُنسى مع الوقت، بل شاهد حي على طبيعة المنظومة التي تحكم المشهد. فتاة قاصر، معاقة، تُسلَّم لمغتصبها وسط صمت وتواطؤ أجهزة كاملة يفترض أنها وُجدت لحماية الضعفاء لا لتسليمهم للوحوش.

أي دولة هذه التي تقف عاجزة أو متواطئة أمام اغتصاب قبطية؟
أي قانون هذا الذي يتحول فيه الجاني إلى محمي، بينما تُترك الضحية لمصيرها؟
وأي عدالة هذه التي ترتجف أمام المتطرفين لكنها تتجبر على الضحايا؟

إن المأساة الحقيقية لم تعد فقط في وجود الاضطهاد، بل في محاولة فرض إنكار الاضطهاد كعقيدة رسمية. هنا ندخل إلى أخطر مراحل القمع: حين يُطلب من الضحية أن تكذب عينيها، وأن تنكر دموعها، وأن تتظاهر بأن الحريق نور، وأن الخراب استقرار، وأن الخوف أمان.

تصريحات البابا تواضروس، مهما اختلفنا معها، لا تكشف فقط موقفًا شخصيًا، بل تكشف حجم القبضة المفروضة على الجميع. إنها تقول لنا بوضوح إن الدولة لم تعد تكتفي بالسيطرة على السياسة والإعلام، بل امتدت إلى المنابر الدينية نفسها. لقد اخترقت أجهزة القمع كل شيء، حتى صار كثير من رجال الإكليروس يتحدثون تحت وطأة الرعب لا من منطلق الحرية.

ولنكن صرحاء:
رجل الدين الذي يعيش داخل منظومة أمنية تعرف كيف تُرهب وتسحق وتُحاصر، لا يملك دائمًا رفاهية الكلام الحر. هناك من يتصور أن البابا أو الأسقف أو الكاهن يعيش في مساحة مستقلة، بينما الحقيقة أن الجميع داخل مصر أصبحوا رهائن بدرجات مختلفة. وحين يصل الخوف إلى الكنيسة، فاعلم أن الوطن كله صار سجنًا كبيرًا.

لكن هل يعني هذا أن نصمت؟
أبدًا.

إذا كان من يعيش داخل مصر محاصرًا بالخوف، فإن الأقباط الأحرار في بلاد المهجر يتحملون مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا يجوز الهروب منها. إن الحرية ليست امتيازًا للراحة، بل تكليف للدفاع عن من لا يستطيعون الكلام.

ارفع صوتك.
لا تخف.
لا تسمح لأحد أن يُشعرك بالذنب لأنك تقول الحقيقة.

قل للعالم إن هناك اضطهادًا.
قل للعالم إن هناك قبطيات يُخطفن ويُغتصبن وسط صمت رسمي مخيف.
قل للعالم إن الكنائس ما زالت تُحاصر، وإن الجلسات العرفية ما زالت تُستخدم لدفن العدالة، وإن التطرف يُهادَن بينما يُطلب من الضحية أن تصمت باسم الوحدة الوطنية.

قل للعالم إن النظام الذي يخشى الاعتراف بوجود أزمة طائفية هو نظام يخشى الحقيقة نفسها.

ولا تنخدعوا بحملات التجميل الإعلامي. فالدولة التي تخاف من كلمة “اضطهاد” أكثر من خوفها من الاضطهاد نفسه، هي دولة تعرف في أعماقها حجم الكارثة.

إن التاريخ لن يرحم الصامتين.
وسوف يأتي يوم تُفتح فيه الملفات كلها، ويُسأل الجميع:
أين كنتم حين كانت الحقيقة تُذبح؟
أين كنتم حين كانت القبطيات تُختطف؟
أين كنتم حين كانت الكنائس تُحرق؟
أين كنتم حين صار الخوف أقوى من العدالة؟

لا تلعنوا الظلام فقط، بل أشعلوا شموع الحقيقة في كل مكان.
في الإعلام العالمي.
في البرلمانات الدولية.
في المنظمات الحقوقية.
في الجامعات.
في الصحافة.
في كل منصة حرة.

فالعالم لا يسمع الهمس، بل يسمع الصرخات القادمة من القلوب الحرة.

وأقولها بوضوح لا لبس فيه:

نعم، هناك اضطهاد.
نعم، هناك أجهزة قمعية تخنق الحقيقة.
نعم، هناك من يبرر خطف القبطيات وحرق الكنائس تحت شعارات زائفة.
نعم، هناك خوف يجبر كثيرين على تجميل القبح وإنكار الواقع.
ونعم، أخطر ما يواجه الأقباط اليوم ليس الاضطهاد وحده، بل محاولة تحويل الاضطهاد إلى كذبة ممنوع الحديث عنها.

لقد وصلنا إلى زمن صار فيه الاعتراف بالألم جريمة، بينما إنكار الألم فضيلة سياسية.

وهنا تحديدًا نكون أمام أقذر عهود الاضطهاد



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لم أدرس الطب البيطري…
- اخلاق الشعوب المقهورة
- كيف تسقط الاوطان
- الإنسان بين سيادة الكون وفقدان البوصلة الإنسانية
- الأقباط بين خطاب الطمأنة وواقع الحقوق ؟
- ‎البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة

- البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة
- بلد العميان
- سيلفانا كمان وكمان
- ليس تراجعًا… انما هو احتلال
- المسيح بالضعف أظهر القوة
- الجمهورية الجديدة… من وعد الحرية إلى واقع الاضطهاد
- اعيدوا لنا مصر
- سجدات الإرهاب
- التعصب الديني ونهاية وطن
- العدالة الغائبة في مصر: اضطهاد بلا عقاب ودولة بلا ميزان
- «نجاحات» جمهورية السيسي السلفية
- الأزهر وإدارة الإرهاب وتهديد العالم
- السيسي… حرية عقيدة للمنصات، سجون للشباب
- أزمة الدولة المصرية: المسار، والشرعية، ومأزق المستقبل


المزيد.....




- فيديو.. بن غفير يرفع العلم الاسرائيلي داخل المسجد الأقصى بعد ...
- الإسلاميون وتحدياتُ المئويةِ الثانية… بينَ السياسةِ ولُغةِ ا ...
- رفضاً لابتزاز الاحتلال.. زوجة الأسير المبعد ماهر الهشلمون تق ...
- المقاومة الاسلامية اللبنانية تستعرض تفوقها بتشغيل المسيرات ف ...
- رئيس مجموعة إعلامية كبرى في أوروبا: علينا أن نكون صهاينة وأك ...
- الشيخ قاسم : نشكركم على رسالتكم التي تعبِّرون فيها عن الاهتم ...
- وزير النقب والجليل الإسرائيلي يقتحم المسجد الأقصى
- ازدواجية المعايير الغربية: بين دمج الدين بالسياسة وتجريم الم ...
- إيهود باراك: لا أستبعد تعطيل نتنياهو نتائج الانتخابات إذا لم ...
- رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إيهود باراك: من الصعب جدًا إخضاع ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مدحت قلادة - أقذر عهود الاضطهاد