أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - لم أدرس الطب البيطري…














المزيد.....

لم أدرس الطب البيطري…


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 09:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


“لم أدرس الطب البيطري، لكنني أعرف الحمار من أول نقاش.”
‏— Mark Twain

هناك بشر تكشفهم السنوات، وهناك من يكشفهم أول سطر، وأول جملة، وأول نقاش.
لا تحتاج إلى شهادات عليا، ولا إلى لجان تحقيق، ولا إلى خبرة طويلة حتى تكتشف طبيعة بعض العقول. فالحمار الفكري ــ كما وصفه ساخرًا Mark Twain ــ يحمل بطاقته التعريفية معه دائمًا، ويقدم نفسه بنفسه، غالبًا بصوت مرتفع وثقة مدهشة.

وقد علّمتنا الحياة أن أخطر أنواع الجهل ليس جهل المعلومات، بل جهل الإنسان بنفسه. فالجاهل الحقيقي لا يعرف أنه جاهل، بل يتصور نفسه وصيًا على الحقيقة، ومالكًا حصريًا للعقل، ومفوَّضًا إلهيًا لإدارة البشر وتصنيفهم وتخوينهم وإدانتهم.

وهنا تبدأ الكارثة.

في مجتمعاتنا الشرقية، لم يعد الحمار مجرد شخص محدود الثقافة أو ضعيف الفهم، بل تحوّل أحيانًا إلى مشروع سياسي وديني وإعلامي كامل. يرتدي بدلة مذيع، أو عباءة شيخ، أو ربطة عنق محلل سياسي، أو قناع ناشط أخلاقي، لكنه في النهاية يعاني المرض نفسه: رفض الآخر، وكراهية الاختلاف، والاعتقاد أن العالم خُلق على مقاس أفكاره وحده.

إن أخطر الحمير ليست تلك التي تنهق في الطرقات، بل تلك التي تصعد المنابر.

كم من رجل دين حوّل الإيمان إلى سوط، والله إلى أداة ترهيب، والدين إلى شركة احتكار للحقيقة؟
وكم من داعية تكفيري أقنع أتباعه أن الجنة لا تتسع إلا لهم، وأن الله ــ بكل عظمته ورحمته ــ ينتظر رأيهم قبل أن يقرر من يدخل الفردوس ومن يُلقى في النار؟

هؤلاء لا يناقشون… بل يحاكمون.
لا يفكرون… بل يوزعون صكوك الوطنية والإيمان والخيانة.
لا يرون الإنسان، بل يرون طائفته ودينه واسمه وهويته.

ومن أول نقاش معهم، تكتشف أنك لا تتحدث مع عقل، بل مع جدار مغلق يردد نفسه.

فالمتكبر دينيًا يشبه المستبد سياسيًا؛ كلاهما يخاف السؤال. لأن السؤال بداية الحرية، والحرية هي العدو الأول لكل فكر متحجر. ولذلك نجد التكفيري يكره الفلسفة، ويرتعب من النقد، ويعادي الفن، ويشك في العلم، لأن كل نافذة معرفة تهدد سلطته القائمة على الخوف والطاعة العمياء.

ولعل المأساة الكبرى أن كثيرًا من هؤلاء يقدّمون أنفسهم باعتبارهم حماة الأخلاق والدين، بينما هم في الحقيقة أكبر إساءة للدين نفسه. فالله لم يخلق الإنسان ليكون نسخة مكررة، ولم يمنح أحدًا حق احتكار السماء.

لقد عرف التاريخ متطرفين من كل دين ومن كل أيديولوجيا. فالتكفير ليس حكرًا على جماعة بعينها، بل عقلية كاملة تقوم على إلغاء الآخر. قد يرتدي التكفيري عمامة، أو بدلة عسكرية، أو قميصًا حزبيًا، أو حتى عباءة الحداثة الزائفة. الفكرة واحدة:
“أنا أملك الحقيقة… وغيري لا يستحق حتى أن يتكلم.”

ومن هنا تبدأ صناعة الكراهية.

إن المجتمعات لا تنهار بسبب اختلاف الناس، بل بسبب رفضهم للاختلاف. والحضارات لم تُبنَ يومًا بالعقول المغلقة، بل بالعقول التي تؤمن أن التنوع قوة، وأن الحوار ليس معركة لإعدام الخصم، بل فرصة لفهمه.

لكن الحمار الفكري لا يفهم ذلك.
إنه يظن أن الصراخ دليل قوة، وأن الإهانة انتصار، وأن التعصب ثبات على المبدأ. بينما الحقيقة أن العقل الواثق لا يخشى النقاش، والإنسان المؤمن بحق لا يخاف من رأي مختلف.

لقد رأينا خلال العقود الأخيرة كيف تحولت بعض المنابر الدينية والإعلامية إلى مصانع للكراهية، تنتج يوميًا أجيالًا تخاف من السؤال أكثر مما تخاف من الجريمة، وتكره المختلف أكثر مما تكره الفساد، وتحاسب الناس على أفكارهم قبل أفعالهم.

والمفارقة الساخرة أن هؤلاء يتحدثون كثيرًا عن الله، لكنهم نادرًا ما يتحدثون عن الإنسان.
عن الرحمة.
عن الحرية.
عن الكرامة.
عن حق البشر في أن يعيشوا دون خوف من محاكم التفتيش الحديثة.

إن الإنسان المتحضر لا يُعرف بطول لحيته، ولا بضخامة شعاراته، ولا بعدد النصوص التي يحفظها، بل بقدرته على احترام من يختلف معه.

فالهمجية ليست قلة معرفة، بل قلة قبول للآخر.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة جدًا:
لا يحتاج الإنسان إلى دراسة الطب البيطري حتى يعرف الحمار.
فبعضهم يكشف نفسه في أول نقاش…
وبعضهم يكشف نفسه حين يظن أنه يتحدث باسم الله.
اخير ما اكثر الحمير في شرقنا التعيس



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اخلاق الشعوب المقهورة
- كيف تسقط الاوطان
- الإنسان بين سيادة الكون وفقدان البوصلة الإنسانية
- الأقباط بين خطاب الطمأنة وواقع الحقوق ؟
- ‎البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة

- البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة
- بلد العميان
- سيلفانا كمان وكمان
- ليس تراجعًا… انما هو احتلال
- المسيح بالضعف أظهر القوة
- الجمهورية الجديدة… من وعد الحرية إلى واقع الاضطهاد
- اعيدوا لنا مصر
- سجدات الإرهاب
- التعصب الديني ونهاية وطن
- العدالة الغائبة في مصر: اضطهاد بلا عقاب ودولة بلا ميزان
- «نجاحات» جمهورية السيسي السلفية
- الأزهر وإدارة الإرهاب وتهديد العالم
- السيسي… حرية عقيدة للمنصات، سجون للشباب
- أزمة الدولة المصرية: المسار، والشرعية، ومأزق المستقبل
- حين تتحول الرياضة إلى أداة إقصاء… كيف تهدم العنصرية مصر بصمت ...


المزيد.....




- تأشيرة -شنغن- في أوروبا..هكذا يستفيد منها المسافرون إلى الحد ...
- شاهد.. ترامب وشي يزوران معبدًا في الصين
- من جنوب لبنان.. آدم زين الدين يلفت الأنظار في The Voice Kids ...
- ترامب وشي وجها لوجه.. الرئيس الأميركي يعد نظيره الصيني بـ-مس ...
- ترامب يزور بكين.. والصين والولايات المتحدة تسعيان لاحتواء ال ...
- أوكرانيا: هجوم روسي بالصواريخ والمسيّرات يستهدف كييف ويوقع ق ...
- تقارير: بعد الصواريخ المحمولة على الكتف.. أسلحة صينية جديدة ...
- شي جينبيغ وترامب، -الصديقان اللدودان- يتفاوضان على شؤون العا ...
- صحيفة نيويورك تايمز: - إيران لا تزال تمتلك قدرات صاروخية بال ...
- هل يزيد الحمل بعد سن 35 من خطر متلازمة داون والتشوهات الخلقي ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - لم أدرس الطب البيطري…