أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مثنى إبراهيم الطالقاني - العراق وأزمة السياسة القائمة على الشك














المزيد.....

العراق وأزمة السياسة القائمة على الشك


مثنى إبراهيم الطالقاني

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 07:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تعد أزمة الوعي في العراق مجرد نتيجة لتعدد الآراء أو اختلاف التفسيرات السياسية، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الحقيقة نفسها. فبدلاً من أن تكون الوقائع أساساً للحكم على الأحداث، أصبح التشكيك بها جزءاً من اللعبة السياسية، حتى غدا المواطن العراقي يعيش وسط سيل من الروايات المتناقضة التي تجعل الحقيقة تبدو وكأنها مجرد “وجهة نظر” قابلة للتبديل وفق المصالح والاصطفافات.

هذا المشهد لم يكن نظرياً أو معزولاً عن الواقع، بل تجسد بوضوح في محطات مفصلية عاشها العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم، حيث كثيراً ما تحولت الأزمات السياسية والأمنية إلى ساحات لصناعة السرديات أكثر من كونها محاولات لمعالجة أصل المشكلة.

ففي كل أزمة كبرى تقريباً، كانت القوى السياسية تتبادل الاتهامات وتعيد صياغة الوقائع بطريقة تربك الرأي العام.
ما حدث بعد سقوط الموصل عام 2014 يمثل مثالاً صارخاً على ذلك، إذ لم تُحسم الرواية الحقيقية سريعاً بشأن أسباب الانهيار الأمني والعسكري، بل دخل العراقيون في دوامة اتهامات متبادلة بين أطراف سياسية وعسكرية، كل جهة تحاول تقديم نفسها بوصفها “المنقذ” وتحميل الطرف الآخر مسؤولية الكارثة.
وبين هذه الروايات ضاعت الحقيقة الكاملة لسنوات، بينما بقي المواطن حائراً بين خطاب التخوين وخطاب التبرير.

الأمر ذاته تكرر خلال احتجاجات تشرين 2019، حين خرج آلاف الشباب مطالبين بالإصلاح وإنهاء الفساد والبطالة، لكن الخطاب السياسي والإعلامي سرعان ما انقسم إلى سرديات متناقضة؛ فمرة يُقدَّم المحتجون بوصفهم أصحاب قضية وطنية، ومرة أخرى يجري تصويرهم كأدوات لمشاريع خارجية أو جهات تسعى إلى الفوضى.
هذا التضارب لم يكن مجرد اختلاف سياسي طبيعي، بل تحول إلى وسيلة لتشتيت الرأي العام وإرباكه، بحيث أصبح جزء من الناس عاجزاً عن التمييز بين المطالب الحقيقية ومحاولات التشويه المتعمد.

وفي كل موسم انتخابي تقريباً، يعود المشهد ذاته بصورة أكثر وضوحاً، إذ تُستحضر الانقسامات الطائفية والقومية والدينية كلما اقتربت لحظة الحسم السياسي.
بدلاً من تقديم برامج اقتصادية أو خطط تنموية، تُعاد صناعة “الخطر القادم” و”العدو المفترض” لتحريك المخاوف الجماعية وكسب الولاءات العاطفية.
هكذا تتحول المنافسة السياسية من صراع حول الخدمات والإدارة إلى صراع هويات ومخاوف، يُدفع فيه المواطن نحو الاصطفاف النفسي لا نحو التفكير النقدي.

وخلال التوترات الإقليمية التي انعكست على العراق في أكثر من محطة، كان الخطاب السياسي يتبدل بسرعة تبعاً للظروف، فتارة يُرفع شعار “السيادة الوطنية”، وتارة يجري تبرير التدخلات الخارجية تحت عناوين مختلفة، فيما يبقى المواطن أمام خطاب مزدوج يصعب معه فهم أين تنتهي المصلحة الوطنية وأين تبدأ الحسابات الحزبية والإقليمية.

أنا ككاتب تفهمت هذا الواقع المعاش بقرأتي ضمن كتاب حول علم النفس الاجتماعي بمفهوم “الغازلايتنغ ومثلث الدراما”، فالأول يوصف إعادة صياغة الأحداث بطريقة تدفع الناس إلى الشك بإدراكهم للواقع.
فحين تُقدَّم الأزمات على أنها “إنجازات مؤقتة”، أو يجري التقليل من حجم الفساد رغم وضوح آثاره على حياة الناس، أو يتم إنكار التصريحات السابقة رغم توثيقها، يصبح المواطن تدريجياً أقل ثقة بما يراه وأكثر قابلية لتصديق أي تفسير جاهز يُقدَّم له.

أما “مثلث الدراما” فيظهر بوضوح داخل المشهد العراقي، حيث تتبادل القوى السياسية أدوار “الضحية” و”المنقذ” و”المُضطهِد” بحسب المرحلة.
فالطرف الذي كان يهاجم السلطة بالأمس قد يتحول اليوم إلى مدافع عنها، والجهة التي تقدم نفسها بوصفها حامية للشعب قد تعود لاحقاً لتتهم خصومها بأنهم سبب كل الأزمات، فيما يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذه الدائرة المغلقة.

الإعلام بدوره لم يكن بعيداً عن هذا المشهد إذ تحولت بعض المنصات الإعلامية إلى أدوات لإعادة تدوير الروايات السياسية أكثر من كونها وسائل لكشف الحقيقة.
ففي أزمات كثيرة بدا وكأن بعض القنوات والصحف لا تنقل الوقائع بقدر ما تصنع تفسيراً موجهاً لها، وفق مصالح القوى التي تمولها أو تدعمها.
ومع انتشار الإعلام الرقمي وصفحات التواصل غير المهنية، تضاعفت موجات التضليل والشائعات، حتى أصبح المتلقي يعيش حالة من الإرهاق الذهني نتيجة الكم الهائل من المعلومات المتناقضة.

الخطورة هنا لا تكمن فقط في انتشار الأخبار المضللة، بل في الوصول إلى مرحلة يفقد فيها الناس ثقتهم بكل شيء؛ بالسياسي، وبالإعلام، وحتى بقدرتهم على تمييز الحقيقة.
وعندما يصل المجتمع إلى هذه الحالة، تصبح إدارة الشك أسهل من إدارة الواقع نفسه، لأن المواطن المُرتبك يكون أقل ميلاً للمساءلة وأكثر استعداداً للبحث عن أي رواية تمنحه شعوراً مؤقتاً باليقين.

إن أزمة العراق اليوم ليست فقط أزمة حكومات أو صراعات قوى، بل أزمة وعي سياسي وإعلامي تراكمت عبر سنوات طويلة من تضارب السرديات وتوظيف المخاوف الجماعية.
ولهذا فإن الخروج من هذه الدائرة لا يتحقق بمجرد تغيير الوجوه أو تبديل الشعارات، بل يبدأ من بناء وعي نقدي قادر على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الوقائع ومحاولات إعادة تشكيلها.

فالمعركة الأعمق في العراق لم تعد بين أطراف سياسية متنافسة فحسب، بل بين وعيٍ يُراد له أن يبقى أسير الشك والتشويش، ووعيٍ آخر يحاول أن يرى الحقيقة كما هي… لا كما تُراد لها أن تُروى.



#مثنى_إبراهيم_الطالقاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإعلام العراقي بين التأثير والمسؤولية
- الكرسي أولاً… والوطن لاحقاً
- جمهورية الرؤساء
- القواعد التي تحمي إسرائيل… وتحرق الخليج
- انتهت الحرب بسقوط الرهانات وبفشل ترامب
- المعارضة: من الثورة إلى التبعية
- الحوت الأزرق عبر من عين الإبرة يا سامي عيسى
- دولة بلا قرار
- صمت حكومي وسلاح الفصائل يعلو نحو الحرب الإقليمية
- لغة المرحلة: صواريخ في السماء ونار في الأرض
- بمعزل عن كبار المسؤولين .. حين تُستنزف الموازنة ويُعاقب المو ...
- أكثر من 27 ملياراً شهرياً لكبار المسؤولين … حين تُستنزف المو ...
- عقد انتخابي .. وطلاق التنسيقي، والفصل في مطرقة الاتحادية
- ترامب… عراب الإبراهيمية في قمة شرم الشيخ
- أنفاق غزة تنتصر على التكنولوجيا الصهيونية
- العراقيون يدفعون المليارات يومياً !
- سباق انتخابي على شعارات مستهلكة ومال فاسد
- كُل شيئ في العراق يؤدي الى -الترند-
- الفرصة الأخيرة .. اللهم أني بلغت
- كونوا أنتم… قبل أن يكونوا هم


المزيد.....




- تأشيرة -شنغن- في أوروبا..هكذا يستفيد منها المسافرون إلى الحد ...
- شاهد.. ترامب وشي يزوران معبدًا في الصين
- من جنوب لبنان.. آدم زين الدين يلفت الأنظار في The Voice Kids ...
- ترامب وشي وجها لوجه.. الرئيس الأميركي يعد نظيره الصيني بـ-مس ...
- ترامب يزور بكين.. والصين والولايات المتحدة تسعيان لاحتواء ال ...
- أوكرانيا: هجوم روسي بالصواريخ والمسيّرات يستهدف كييف ويوقع ق ...
- تقارير: بعد الصواريخ المحمولة على الكتف.. أسلحة صينية جديدة ...
- شي جينبيغ وترامب، -الصديقان اللدودان- يتفاوضان على شؤون العا ...
- صحيفة نيويورك تايمز: - إيران لا تزال تمتلك قدرات صاروخية بال ...
- هل يزيد الحمل بعد سن 35 من خطر متلازمة داون والتشوهات الخلقي ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مثنى إبراهيم الطالقاني - العراق وأزمة السياسة القائمة على الشك