اسكندر أمبروز
الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 09:19
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
في الآونة الأخيرة تمعّنت في بحث معمق عن عدّة مواضيع مترابطة تخصّ الوضع الاجتماعيّ والاقتصادي للبشر اليوم, والدافع الذي جعلني ابدأ هذا البحث هو نظرتي الناقدة والحادّة تجاه ما يحصل في العالم على المستوى الاقتصادي. حيث أذكر انا شخصياً القصص التي حُكيت لي من قبل جدّي فيما يتعلّق بالوضع المعيشي في ايام شبابه, والتي أبقت على تساؤلات في رأسي منذ ذلك الحين والتي لم اجد اجابتها الّا الآن. فمثلاً قيل لي انه في ذلك الزمن اي بين الخمسينات والثمانينات من القرن الماضي, كان من السهل جداً لأي شابٍّ مجتهد في عمله ان يلقى نتائج ذلك العمل ماديّاً, حيث تمكّن جدّي من شراء منزل ومحال تجارية في دمشق, وهذا بعد سنوات قليلة فقط من العمل الدؤوب, الذي نقوم به اليوم والذي لا نجد لقائه سوى قوت يومنا!
ومنذ ذلك الحين أي عندما سُردت لي تلك القصص, وأنا اتسائل عن ماهية الاقتصاد في تلك الفترة, ولماذا نحن اليوم وحتى في الدول الغربية, نعمل ليل نهار لقاء دفع الاجور والفواتير وفي نهاية كل شهر نصل لمستويات تكاد ان تكون معدومةً مادّياً؟ والإجابة على هذا التساؤل, كانت صادمةً بالنسبة لي, ومنطقيّة ومدعومةً بالأدلّة بشكل يقطع الشك باليقين, وهو ما أود مشاركته معكم اليوم.
ففي بداية البحث, قمت بالتركيز على الولايات المتحدة الأمريكية, نظراً لكونها محرّك العالم الاقتصادي اليوم, ومركز رأس المال العالمي, وأيضاً نظراً لحشر أنفها بكل صغيرةٍ وكبيرةٍ في بلادنا منذ الاستقلال عن الاستعمار الأوربي والى اليوم من خلال قاعدتها العسكرية اسرائيل, أو من خلال تدخلاتها المباشرة والسافرة في بلداننا. ولا أخفيكم ان السبب الآخر كان سبباً تقنيّاً, حيث أن الحالة المؤسساتية والنقدية في الولايات المتحدة عالية المصداقية, خصوصاً إن كانت الإحصائيات والمعلومات المتوافرة صادرةً عن جهات غير ربحية أو غير حكومية, حيث أن احصائياتهم وأرقامهم غالباً ما تكون دقيقةً وموضوعية, حتى وان كانت نقديّةً تجاه الحكومة الامريكية ذاتها, على عكس الكثير من الدول التي لا تشارك تلك المعلومات عن ذواتها مع الجميع.
وعليه, وجدت الكثير...
فمثلاً, وجدت ان هنالك رابطاً وثيقاً بين معدّلات الانتحار بين الشباب والرجال, والوضع الاقتصادي الأمريكي, حيث أنه في ثلاثينيات القرن الماضي, وصلت معدلات الانتحار لأعلى نسبها على الاطلاق, حيث انه من كل 100 ألف رجل في الولايات المتحدة, كان من أقدم على فعل الانتحار بسبب الأوضاع الاقتصادية والمعيشية يصل ل23 شخصاً. وهذا الرقم يعود لعدة اسباب, أهمها الازمة الاقتصادية العالمية في ذلك الوقت, وضياع جيل كامل وعدم قدرته على توفير الحياة الكريمة له ولعائلته, ناهيكم عن الشباب الأعزب الذي وجد نفسه فاقداً للأمل بشكل مطلق, وغير قادر على بناء اسرة. والأخطر من هذا وذاك, هو معدل احتكار الثروة في البلاد في ذلك الوقت. حيث كانت حصّة النُخب الغنيّة والتي تشكل 1% من المجتمع الأمريكي قد وصلت ل40% من ثروة البلاد! مع وجود مئات القوانين المجحفة بحق الطبقات الأخرى التي كانت تعاني الأمرّين.
والمخيف في الوضع اليوم مقارنةً بوضع الولايات المتحدة في ذلك الوقت, هو التشابه الكبير مع تلك الحقبة السقيمة, حيث أن معدلات انتحار الرجال اليوم في الولايات المتحدة وصلت لذات الرقم في الثلاثينات, أي 23 شخصاً لكل 100 ألف. وهو أعلى نسبة انتحار شهدتها الولايات المتحدة تاريخياً! وما يثير الريبة ايضاً هو الحال الاقتصادي وتوزيع الثروة في الوقت الحالي والذي يطابق أرقام الثلاثينات, أي ال1% من النخب الغنية اليوم في امريكا تملك ما يقارب 35% من ثروة البلاد, ومع ملاحظة زيادة تلك الفجوة الاقتصادية عاماً بعد عام وزيادة الوضع سوئاً!
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن, لماذا كان حال الشباب العامل في الولايات المتحدة والعالم أفضل بكثير بعيد الحرب العالمية الثانية وصولاً لنهاية الثمانينات؟ والاجابة تكمن أيضاً بتوزيع الثروة. حيث أنه في تلك الفترة الزمنية, قامت الولايات المتحدة بإصدار قوانين عديدة, ودعم مادّي وفرض للضرائب على الاغنياء ومشاريع بنى تحتية وسكنية ضخمة, لدرجة انه كان لكل رجل عامل مهما كان عمله, حصّة كبيرة من ثروة البلاد, والتي جعلته يوفّر لنفسه وعائلته الحياة الكريمة او ما سمّي بذلك الوقت ب"الحلم الأمريكي". فمثلاً أحد القوانين الصادرة في تلك الفترة والذي اثار اهتمامي هو قانون يدعى Internal Revenue Code, والذي نصّ على اجبار كل شركة بمشاركة أرباحها مع العمّال, فبعد أن تصل شركةٌ ما لنسبة معيّنةٍ من الارباح, فإنها ستكون مجبرةً على دفع كل الارباح الزائدة للدولة, أو أن تستثمرها في الشركة ذاتها من خلال زيادة رواتب العمّال, وتحسين وضعهم وساعات عملهم, ومشاركة الارباح معهم من خلال المكافئات وغيرها من سياسات لتوزيع الأرباح والثروة, اضافةً الى دعم النقابات ومنحها الحصانة القانونية والذي ادى لنشوء قوى واتحادات عمّالية لكل قطّاع على مستوى الاقتصاد ككل. مما حدّ من تكديس الأموال عند قمّة هرم رأس المال, وهو ما يتضح من خلال معدل توزيع الثروة في تلك الفترة, حيث بلغت حصّة النخبة الغنية أي ال1% من المجتمع, 22% فقط من ثروة البلاد.
وأيضاً هنا تظهر لنا العديد من الاسئلة, منها, لماذا تخلّت الولايات المتحدة عن تلك السياسات الاشتراكية بامتياز؟ أو لماذا تبنّت تلك السياسات من الاساس؟
والإجابة تكمن في الحرب الباردة, فبعد تشكيل الاتحاد السوفييتي لخطرٍ وتهديدٍ وجوديّ بالنسبة للغرب ورأس المال العالمي, بات من الممكن لأي من تلك الدول بأن تسقط من الداخل وبفعل ابنائها ما ان استمرّت بسياساتها الرأسمالية المجحفة والفاجرة! وهو ما دفع تلك الحكومات ومنها الولايات المتحدة لإعطاء الشعب ما يستحق من ثروة وفرض مشاركة الاغنياء لأموالهم, بغية تفادي خطر السقوط والثورة الشعبية التي كانت ممكنة بل وقريبة, خصوصاً بعد الحرب والأزمة التي شكلتها لدول أوربا الغربية والولايات المتحدة.
وما لاحظته ايضاً هو دخول الجغرافيا السياسية في المعادلة, من خلال مصطلح يسمّى ب Proximity Politics أو سياسة القرب, فنسبة السياسات الاقتصادية الاشتراكية في الدول الرأسمالية في تلك الحقبة, كانت تتناسب طردياً مع معدل اقتراب تلك الدول من الاتحاد السوفييتي والخطر المحدق بها. فمثلاً في الدول الأوربية, نجد ان سياساتها كانت اقوى بكثير من الناحية الاشتراكية ومشاركة الثروات منها في الولايات المتحدة, وهذا نظراً لوجود بنى تحتية للأحزاب اليسارية والشيوعية بشكل قوي في تلك الدول, وهو ما شكّل ضغطاً مستمرّاً على رأس المال, والذي دفع به لمشاركة ثروته عوضاً عن السقوط وخسارة كل شيء لثورة شعبية كبرى, من قبل شعوب عانت الكثير في الحرب العالمية الثانية والتي لم تعد تملك ما تخسره. وأما سبب تخلّي الولايات المتحدة عن تلك السياسات والقوانين وإعادة عجلة الاقتصاد لدعم الجشع وتخزين المال والثروة من خلال قوانين سمّيت ب "The Regan Cuts" والتي اصدرها الرئيس رينالد ريغان, فهو تدهور حال الاتحاد السوفييتي, وبداية تآكله وضعفه وعدم قدرته على المنافسة والضغط وتشكيل الخطر على الدول الرأسماليّة, من خلال دعم الحركات اليسارية أو طرح المنظومة البديلة لشعوب العالم. وهو ما أدّى الى ارتياح رأس المال, واعادته لنهب القوى العاملة والكادحة ومجهودها.
وأمّا عن وضعنا اليوم, فإننا نجد ذات "التريند" او الظواهر التي كانت تعاني منها البشرية في الثلاثينات, أي قبل الحرب الباردة والخطر الشيوعي اليساري العالمي على رأس المال وأصحابه. فنسب الانتحار بين الرجال في الولايات المتحدة المرتبطة بالاقتصاد هي خير دليل على اننا نعيش ذات التجربة وان التاريخ يكرر ذاته أو على الاقل "يكرر ذات القافية" كما قال مارك توين. فمعدلات توزيع الثروة المجحفة, والقوانين السافرة التي تقف مع رأس المال وتخزينه المستمر لثروات ومجهود الملايين من العمّال, يدفع شيئاً فشيئاً الشعب الأمريكي نحو الانفجار والثورة أو الاستسلام والانتحار أو على الأقل وفي المستقبل القريب, نحو التساؤل والدفع باتجاه سياسيين وسياسات يسارية, وهو ما رأيناه من خلال انتخاب مامداني في نيويورك, والتي كانت ولا تزال مرآة الشعب الأمريكي التي تعكس صورته للعالم أجمع.
وفي الختام أود ان اطرح سؤالاً بسيطاً, وهو من الذي سيوقف عجلة رأس المال العالمي اليوم؟ وما هو الخطر المحدق الذي سيتمكن من هز أركان جيف بيزوس وايلون مسك وغيرهم حتى يخضعوا لمشاركة ثروتهم مع عمّالهم على الاقل؟ في رأيي لا وجود لذلك القطب اليوم, فحتى الصين ما لم تخرج من طوق الحصار الامريكي من خلال تايوان فإنها لم ولن تشكّل اي خطر يدفع تجاه التغيير الاقتصادي العالمي, وارتباط الاقتصاد الأمريكي بالعالم من خلال العولمة, سيؤدّي بالضرورة لاستعباد الجميع ونهب مجهود مليارات البشر. وهو ما نراه بأم العين في دولنا, حيث بات من المستحيل تكرار سيناريو اجدادنا والحصول على العيش الكريم والحقوق والإمكانيات, مالم تحدث معجزةٌ ما, فالخطر المحدق بنا جميعاً بدأ اليوم باتخاذ موضعه للهجوم, بعد سنوات من البناء والتمكين, فهل سنسقط جميعاً ونتحوّل الى ادوات وعبيد؟ أم هل هنالك ما تخبّئه لنا الصين؟ أم هل سيصحوا ضمير الشعب الأمريكي وعزّة نفسه بصرخة "كفى!" في وجه الجشع والفجور الرأسماليّ؟ هذا ما علينا مراقبته ونشر الوعي بخصوصه. دمتم بخير.
المصادر:
https://www.federalreserve.gov/releases/z1/dataviz/dfa/index.html
https://www.nimh.nih.gov/health/statistics/suicide
https://cdc.gov/
https://wid.world/
#اسكندر_أمبروز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟