اسحق قومي
شاعرٌ وأديبٌ وباحثٌ سوري يعيش في ألمانيا.
(Ishak Alkomi)
الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 23:39
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
مقدِّمة
لم يكنِ انشغالي بالفكرِ الفلسفيِّ نزوةً عابرةً، ولا استجابةً طارئةً لسؤالٍ مؤقَّتٍ، ولا ترفًا ذهنيًّا يُمارَسُ في هامشِ الحياةِ، بل كانَ منذُ البداياتِ الأولى ضربًا من المعايشةِ العميقةِ للوجودِ الإنسانيِّ، ومكابدةً داخليَّةً طويلةً مع أسئلةِ الإنسانِ والمعنى والحريَّةِ والقيمةِ والمصيرِ. ومنذُ أواخرِ ستِّيناتِ القرنِ العشرينِ بدأتْ علاقتي بالفلسفةِ تتجاوزُ حدودَ القراءةِ إلى ضربٍ من المصاحبةِ الروحيَّةِ والعقليَّةِ، ثمَّ تعمَّقتْ هذهِ العلاقةُ وازدادتْ تماسكًا مع دخولي كليَّةَ الآدابِ ودراستي الفلسفةَ والدراساتِ الاجتماعيَّةَ، حيثُ لم تعدِ الفلسفةُ عندي مادَّةً للتلقِّي، بل أفقًا مفتوحًا للمساءلةِ وإعادةِ النظرِ والتأسيسِ.
ولم أتعاملْ مع الفلسفةِ يومًا على أنَّها مجرَّدُ تاريخٍ للأفكارِ، أو متحفٌ للمذاهبِ، أو حشدٌ من التصوُّراتِ المتجاورةِ التي تُدرَسُ من بابِ المعرفةِ العامَّةِ، بل رأيتُ فيها المجالَ الأرفعَ الذي يُمتحَنُ فيهِ العقلُ في قدرتِهِ على النفاذِ إلى الأصولِ، والتمييزِ بين ما هو عارضٌ وما هو جوهريٌّ، وبين ما يُقالُ من بابِ الشيوعِ وما يثبتُ أمامَ النقدِ والاختبارِ. ولذلكَ كانَ دخولي إلى الفكرِ الفلسفيِّ دخولًا من بابِ القلقِ المعرفيِّ الحقِّ، لا من بابِ الإعجابِ الخطابيِّ، ومن بابِ السؤالِ المؤسِّسِ، لا من بابِ التلقِّي المطمئنِّ.
وعلى امتدادِ هذهِ الرحلةِ الطويلةِ وجدتُ نفسي في حوارٍ دائمٍ مع كبارِ الفلاسفةِ، لا حوارَ التابعِ الذي يكتفي بإعادةِ ما قيلَ، ولا حوارَ المعارضِ الذي يُنكرُ من غيرِ فهمٍ، بل حوارَ من يُصغي عميقًا، ثمَّ يُعيدُ النظرَ عميقًا، ثمَّ يقفُ حيثُ ينبغي أن يقفَ العقلُ الحرُّ إذا وجدَ أنَّ في القولِ نقصًا أو إفراطًا أو خللًا في التأسيسِ. ومن بينِ الفلاسفةِ الذينَ استوقفوني طويلًا وكانَ الاشتباكُ الفكريُّ معهم أكثرَ إلحاحًا وحضورًا جان بول سارتر، لما تمثِّلُهُ فلسفتُهُ من لحظةٍ حادَّةٍ في تاريخِ التفكيرِ الحديثِ في الإنسانِ والحرِّيَّةِ والمعنى والمسؤوليَّةِ.
لقد أدركتُ مبكِّرًا أنَّ قيمةَ سارترَ لا تكمنُ في كثرةِ ما قالَ فحسبُ، بل في طبيعةِ الأسئلةِ التي أعادَ فتحَها، وفي الجرأةِ التي واجهَ بها كثيرًا من الأوهامِ الموروثةِ حولَ الإنسانِ وماهيَّتِهِ ووظيفتِهِ في العالمِ. غيرَ أنَّ تقديري لهذهِ الجرأةِ لم يمنعْني من أن أرى في البناءِ السارتريِّ مواضعَ اضطرابٍ عميقةً، ومساحاتٍ من المبالغةِ في تقديرِ الحرِّيَّةِ إلى الحدِّ الذي يضعفُ فيهِ أثرُ الشرطِ، ويكادُ يتوارى فيهِ وزنُ الوراثةِ والتكوينِ الجسديِّ والنفسيِّ والاجتماعيِّ والتاريخيِّ، وكأنَّ الإنسانَ يبدأُ من فراغٍ خالصٍ، أو كأنَّ وجودَهُ قادرٌ على أن يفصلَ نفسَهُ فاصلًا كاملًا عمَّا سبقَهُ من بنى ومعطياتٍ وحدودٍ.
ومن هنا بدأتْ ملامحُ اعتراضي تتشكَّلُ على نحوٍ لم يكنْ جزئيًّا ولا عارضًا، بل كانَ متصلًا بجوهرِ الرؤيةِ إلى الإنسانِ نفسِهِ. فقد بدا لي أنَّ الإنسانَ لا يمكنُ أن يُفهَمَ فهمًا صحيحًا إذا قُدِّمَ بوصفِهِ حرِّيَّةً خالصةً تكادُ تبتلعُ سائرَ المحدِّداتِ، كما لا يمكنُ أن يُفهَمَ إذا اختُزلَ في المقابلِ إلى نتاجٍ آليٍّ للوراثةِ أو البيئةِ أو البنيةِ الاجتماعيَّةِ. إنَّ الإنسانَ في نظري لا يبدأُ من العدمِ، ولكنَّهُ لا يُستنفَدُ أيضًا فيما يُعطى لهُ سلفًا. إنَّهُ لا يأتي إلى العالمِ صفرًا محضًا، ولا يدخلُهُ مكتملًا مكتوبًا عليهِ كلُّ شيءٍ، بل يوجدُ في منزلةٍ أكثرَ تركيبًا ودقَّةً، منزلةٍ يتداخلُ فيها المعطى بالممكنِ، والشرطُ بالتجاوزِ، والحدُّ بالفعلِ، والموروثُ بالتحويلِ.
ومن هنا نشأتْ عندي الحاجةُ إلى بلورةِ أفقٍ فلسفيٍّ آخرَ، لا يكتفي بنقدِ هذا التصوُّرِ أو ذاكَ، بل يسعى إلى بناءِ رؤيةٍ تُنصفُ الإنسانَ في تعقيدِهِ الفعليِّ، وتُخرِجُهُ من الثنائياتِ المبتسرةِ التي طالما أفسدتِ النظرَ إليهِ. وكانتِ النواةُ الأولى لما أسميتُهُ مدرسةَ الولادةِ الإبداعيَّةِ تتكوَّنُ على مهلٍ عبرَ التأمُّلِ الطويلِ والكتابةِ المتواصلةِ والمراجعةِ الداخليَّةِ الصارمةِ. ولم أُرِدْ لهذا الاسمِ أن يكونَ عنوانًا بلاغيًّا أو إشارةً اصطلاحيَّةً مجرَّدةً، بل قصدتُ بهِ تعيينَ الحقيقةِ المركزيَّةِ التي أرى أنَّ فهمَ الإنسانِ لا يستقيمُ إلَّا بها، وهي أنَّ الإنسانَ لا يخلقُ المعنى خلقًا من عدمٍ، وإنَّما يُسهِمُ في ولادتِهِ داخلَ شبكةٍ من الشروطِ والعلاقاتِ والإمكاناتِ.
وهذهِ النقطةُ بالذاتِ كانتْ من أعمقِ ما دفَعَني إلى إعادةِ بناءِ موقفي الفلسفيِّ. ذلكَ أنَّني وجدتُ استعمالَ مفهومِ الخلقِ في الحديثِ عن المعنى والقيمِ والوعي استعمالًا يحتاجُ إلى تدقيقٍ شديدٍ، بل إلى مراجعةٍ من أصلِهِ. فالخلقُ، إذا أُخِذَ في دلالتِهِ الفلسفيَّةِ الصارمةِ، يفيدُ الإيجادَ من لا شيءٍ، وهذا ما لا أستطيعُ قبولَهُ حينَ يتعلَّقُ بالوجودِ الإنسانيِّ المحدودِ والمشروطِ. فالإنسانُ لا يُوجِدُ من العدمِ، ولا يبدأُ من الفراغِ المطلقِ، ولا يسنُّ المعاني والقيمَ كما لو كانَ موجودًا فوقَ العالمِ أو خارجَ التاريخِ أو بمعزلٍ عن اللغةِ والمجتمعِ والجسدِ والتجربةِ. إنَّهُ يُؤوِّلُ ويُعيدُ التشكيلَ ويُركِّبُ ويكتشفُ ويُبدِعُ، لكنَّهُ يفعلُ ذلكَ داخلَ مادَّةٍ سابقةٍ عليهِ، وداخلَ عالمٍ ليس من صنعِهِ الكاملِ، وداخلَ شروطٍ تُتيحُ لهُ وتحدُّهُ في آنٍ واحدٍ.
ومن هذا الفهمِ كانَ مفهومُ الولادةِ أكثرَ دقَّةً وأشدَّ انسجامًا مع منطقِ الوجودِ الإنسانيِّ من مفهومِ الخلقِ. فالولادةُ لا تعني التكرارَ الآليَّ، كما لا تعني الإيجادَ من عدمٍ، بل تعني ظهورَ الجديدِ من خلالِ تفاعلٍ حيٍّ بين عناصرَ وشروطٍ وقوى وسياقاتٍ. الولادةُ الإبداعيَّةُ في هذا المعنى ليست شعارًا، بل هي توصيفٌ أنطولوجيٌّ لطريقةِ تشكُّلِ الإنسانِ وإنتاجِهِ للمعنى والقيمةِ والفعلِ. إنَّ الجديدَ لا يأتي من لا شيءٍ، ولا يُختزَلُ إلى مجرَّدِ إعادةِ نسخٍ لما سبقَ، بل ينشأُ من العملِ الخلَّاقِ الذي يمارسُهُ الإنسانُ على ما يُعطى لهُ وعلى ما يعيشهُ وعلى ما يختبرُهُ داخلَ العالمِ.
ولذلكَ فإنَّ هذا الكتابَ لا ينطلقُ من خصومةٍ شخصيَّةٍ مع سارترَ، ولا من رغبةٍ في مجرَّدِ معارضتِهِ، بل من اقتناعٍ راسخٍ بأنَّ الفكرَ الفلسفيَّ الحقَّ لا يقفُ عندَ حدودِ الشرحِ أو التلخيصِ أو الاحتفاءِ، وإنَّما يذهبُ إلى موضعِ التأسيسِ حيثُ يكونُ السؤالُ عن كفايةِ المفاهيمِ، وعن دقَّةِ التصوُّراتِ، وعن مدى قدرتِها على الإحاطةِ بالإنسانِ في امتدادِهِ الواقعيِّ الكاملِ. وقد بدا لي أنَّ الفكرَ الوجوديَّ عندَ سارترَ، على ما فيهِ من قوَّةٍ ونفاذٍ، يواجهُ إشكالاتٍ عميقةً حينَ يتعلَّقُ الأمرُ بمسألةِ الوراثةِ، وأثرِ الظروفِ الطبيعيَّةِ والاجتماعيَّةِ، ومعنى الصدفةِ أو القدريَّةِ الجزئيَّةِ داخلَ نظامٍ أوسعَ، وبخاصَّةٍ حينَ يتعلَّقُ الأمرُ بتأسيسِ الأخلاقِ وتحديدِ مصدرِ القيمةِ ومعيارِها.
فليس من اليسيرِ في نظري القولُ إنَّ القيمَ تنشأُ ذاتيًّا على نحوٍ يكادُ يستقلُّ عن الشرطِ الزمانيِّ والمكانيِّ والاجتماعيِّ والتربويِّ. إنَّ هذا القولَ يضعُنا أمامَ أسئلةٍ لا يجوزُ تجاوزُها، من قبيلِ كيفَ تتشكَّلُ القيمةُ أصلًا، ومن أينَ تستمدُّ مشروعيتَها، وكيفَ يمكنُ التمييزُ بين قيمةٍ أصيلةٍ وأخرى زائفةٍ، وبينَ اختيارٍ مُنْشِئٍ واختيارٍ مُخرِّبٍ، وبينَ ما يتعلَّقُ بالفردِ وما يتعلَّقُ بالجماعةِ والتاريخِ. ومن هنا فإنَّني لا أرى في القيمةِ أمرًا ذاتيًّا محضًا، ولا موضوعيًّا مفارقًا للإنسانِ مفارقةً تامَّةً، بل أراها ثمرةَ تفاعلٍ تاريخيٍّ ومعيشيٍّ ووجدانيٍّ وعقليٍّ بين التجربةِ الإنسانيَّةِ والوعيِ الأخلاقيِّ والبنيةِ الاجتماعيَّةِ وشبكةِ العلاقاتِ التي ينخرطُ فيها الإنسانُ.
كذلكَ لم أستطعِ القبولَ باختزالِ الإنسانِ إلى كائنٍ قلقٍ على نحوٍ تكونُ فيهِ صورةُ القلقِ كأنَّها الصورةُ الأعمقُ والأصدقُ والنهائيَّةُ للوجودِ الإنسانيِّ. إنَّ القلقَ بعدٌ أصيلٌ لا ريبَ، لكنَّهُ ليس وحدَهُ، وليس هو الكلمةَ الأخيرةَ في الإنسانِ. فالإنسانُ كما أراهُ ليس كائنَ قلقٍ فقط، بل هو أيضًا كائنُ طمأنينةٍ ومعنىً مشتركٍ وانتماءٍ وحضورٍ وعلاقةٍ وأملٍ. والاقتصارُ على الوجهِ القَلِقِ في الإنسانِ يُفضي إلى صورةٍ منقوصةٍ، لأنَّهُ يُغفِلُ ما في التجربةِ الإنسانيَّةِ من إمكانِ السكينةِ، ومن إمكانِ التشاركِ في المعنى، ومن إمكانِ تجاوزِ العزلةِ إلى العلائقيَّةِ الخلَّاقةِ.
ومن هنا كانتْ الولادةُ الإبداعيَّةُ، في أحدِ وجوهِها، محاولةً لتوسيعِ صورةِ الإنسانِ، لا بتجميلِها أو تلطيفِها، بل بردِّها إلى كثافتِها الفعليَّةِ. فالإنسانُ عندي كائنٌ مشروطٌ، نعم، لكنَّهُ أيضًا كائنٌ مولِّدٌ. إنَّهُ تاريخيٌّ وعلائقيٌّ ومجتمعيٌّ وجسديٌّ ولغويٌّ، لكنَّهُ في الوقتِ نفسِهِ قادرٌ على أن يُعيدَ تشكيلَ ما يَرِدُ عليهِ من معطياتٍ، وأن يُنتِجَ داخلَ حدودِهِ أفقًا جديدًا للمعنى. وبهذا المعنى فإنَّ الحرِّيَّةَ ليست عندي أصلًا مفارقًا لكلِّ شرطٍ، وليست وهمًا عديمَ الأثرِ، بل هي قدرةٌ فعليَّةٌ على التحويلِ والتجاوزِ الجزئيِّ داخلَ الواقعِ، وعلى إعادةِ بناءِ الممكنِ من قلبِ المحدودِ.
إنَّني أكتبُ هذا الكتابَ بعدَ مسارٍ طويلٍ من الكتابةِ والتأمُّلِ والمراجعةِ، وقد بلغَ ما كتبتُهُ في الفلسفةِ مئتينِ وسبعةً وأربعينَ بحثًا. غيرَ أنَّني لا أعدُّ الكثرةَ في ذاتِها برهانًا على القيمةِ، لأنَّ القيمةَ الفلسفيَّةَ لا تُقاسُ بعددِ الصفحاتِ، بل بقدرةِ المشروعِ على بناءِ مفاهيمِهِ، وعلى إحكامِ صلتِها بعضِها ببعضٍ، وعلى تقديمِ رؤيةٍ متماسكةٍ تستطيعُ أن تُفسِّرَ الإنسانَ تفسيرًا أعمقَ وأدقَّ. ولهذا فإنَّني لا أضعُ بينَ يدَي القارئِ هنا مجرَّدَ حصيلةِ سنينَ طويلةٍ من الانشغالِ، بل أضعُ أمامَهُ مشروعًا يتوخَّى أن ينتقلَ من حيِّزِ الاعتراضِ إلى حيِّزِ البناءِ، ومن ردِّ الفعلِ إلى الفعلِ التأسيسيِّ، ومن الملاحظةِ النقديَّةِ إلى محاولةِ إقامةِ نسقٍ يُدافِعُ عن نفسِهِ بالحُجَّةِ والاتِّساقِ والقدرةِ التفسيريَّةِ.
وإذا كانَ لكلِّ مشروعٍ فلسفيٍّ سؤالُهُ الذي ينهضُ عليهِ، فإنَّ السؤالَ المحوريَّ الذي يُحرِّكُ هذا الكتابَ هو كيفَ يمكنُ أن نفهمَ الإنسانَ فهمًا لا يُلغِي شروطَهُ ولا يُلغِي قدرتَهُ على الإبداعِ. كيفَ يمكنُ أن نفكِّرَ في المعنى من غيرِ أن ننسبَهُ إلى خلقٍ من عدمٍ. كيفَ يمكنُ أن نُؤسِّسَ للأخلاقِ من غيرِ أن نسقطَ في نسبيَّةٍ سائبةٍ أو في صرامةٍ ميتافيزيقيَّةٍ جامدةٍ. كيفَ يمكنُ أن نُعيدَ النظرَ في العلاقةِ بين الفردِ والجماعةِ، وبين الذاتِ والآخرِ، وبين الوراثةِ والتاريخِ والاختيارِ، وبين المحدودِ والممكنِ، على نحوٍ يُنصفُ تعقيدَ الإنسانِ بدلَ أن يُبسِّطَهُ تبسيطًا مخلًّا.
إنَّ الولادةَ الإبداعيَّةَ كما أطرحُها ليست مذهبًا جاهزًا مكتملَ الأركانِ بمعنى الاكتمالِ النهائيِّ، لأنَّ الفكرَ الحيَّ لا يعرفُ الإغلاقَ التامَّ، ولكنَّها مع ذلكَ ليست خواطرَ مبعثرةً ولا اعتراضاتٍ متفرِّقةً، بل مشروعٌ لهُ مركزُ ثقلٍ واضحٌ، ولهُ مفاهيمُهُ الأساسيَّةُ، ولهُ رؤيتُهُ للإنسانِ والحريَّةِ والقيمةِ والمعنى. وهي في جوهرِها محاولةٌ لتشييدِ أنطولوجيا توليديَّةٍ للإنسانِ، ترى أنَّ الوجودَ الإنسانيَّ ليس ماهيَّةً ثابتةً، ولا حرِّيَّةً مطلقةً، ولا حتميَّةً مغلقةً، بل سيرورةُ تشكُّلٍ مستمرٍّ يولدُ فيها الجديدُ من التفاعلِ بين الشرطِ والقدرةِ التحويليَّةِ.
ومن أجلِ ذلكَ فإنَّ هذا الكتابَ لا يطمحُ إلى أن يكونَ شرحًا لمذهبٍ سابقٍ، ولا تلخيصًا لموقفٍ معروفٍ، بل يسعى إلى أن يكونَ مساهمةً في بناءِ أفقٍ فلسفيٍّ عربيٍّ جادٍّ، يُفكِّرُ من داخلِ الأسئلةِ الكبرى، ولا يكتفي باستعارةِ أجوبتِها من غيرِه. إنَّني أكتبُ من موقعِ من يُؤمنُ بأنَّ الفكرَ العربيَّ لا ينهضُ بتكرارِ ما أُنتِجَ في غيرِ فضائِهِ، بل بقدرِتِهِ على محاورةِ التراثِ الفلسفيِّ العالميِّ محاورةً نديَّةً، وعلى إنتاجِ مفاهيمِهِ الخاصَّةِ حينَ تفرضُها الحاجةُ النظريَّةُ والوجوديَّةُ معًا. وليس في ذلكَ ادِّعاءٌ بالاكتفاءِ أو التعالي، بل وعيٌ بأنَّ الفلسفةَ لا تكونُ حيَّةً إلَّا إذا كانتْ قادرةً على أن تُولَدَ من جديدٍ في كلِّ سياقٍ تاريخيٍّ وثقافيٍّ ومعرفيٍّ.
وأنا أضعُ هذا العملَ بينَ يدَي القارئِ على هذا الأساسِ، لا بوصفِهِ كلمةً أخيرةً، بل بوصفِهِ بدايةً واعيةً لمشروعٍ أرجو أن يُختبَرَ بالنقدِ، وأن ينموَ بالحوارِ، وأن يزدادَ صلابةً كلَّما دخلَ في مساءلةٍ أعمقَ. فإنَّني لا أطلبُ لهذا الكتابِ حصانةً من النقاشِ، بل أطلبُ لهُ، على العكسِ، أن يُقرأَ قراءةً جادَّةً تزنُ دعواهُ وتختبرُ مفاهيمَهُ وتُمحِّصُ بنيتَهُ. فالفكرةُ الفلسفيَّةُ لا يثبتُ حقُّها بكثرةِ الإعجابِ بها، بل بقدرتِها على الصمودِ أمامَ النقدِ، وعلى كشفِ ما عندَها من قدرةٍ على التفسيرِ والإضاءةِ والتأسيسِ.
ولعلَّ أصدقَ ما يمكنُ أن أختمَ بهِ هذهِ المقدِّمةَ هو القولُ إنَّني لا أكتبُ هذا الكتابَ بدافعِ الرغبةِ في إعلانِ الاختلافِ فحسبُ، بل بدافعِ الحاجةِ إلى بناءِ لغةٍ فلسفيَّةٍ أقدرُ على التعبيرِ عمَّا أراهُ حقيقةَ الإنسانِ. إنَّني أبحثُ عن صيغةٍ يكونُ فيها الإنسانُ مفهومًا بوصفِهِ كائنًا لا يخلقُ نفسَهُ من عدمٍ، ولا يستنفدُهُ ما وُهِبَ لهُ من شروطٍ، بل يولدُ إبداعيًّا داخلَها، ويُولِّدُ معها وفيها أشكالًا جديدةً من المعنى والقيمةِ والفعلِ. وهذا هو، في ظنِّي، المدخلُ الأجدرُ بأن يُعيدَ التفكيرَ في الإنسانِ على نحوٍ أكثرَ إنصافًا لحدودِهِ وأكثرَ اعترافًا بإمكاناتِهِ.
بهذا المعنى أقدِّمُ هذا الكتابَ، وبهذا المعنى أضعُهُ في سياقِ رحلةٍ طويلةٍ لم تبدأْ اليومَ، ولن تنتهيَ عندَ هذا العملِ. فإنَّهُ خطوةٌ في مشروعٍ أوسعَ، ومحاولةٌ في سبيلِ بناءِ رؤيةٍ فلسفيَّةٍ أرجو أن يكونَ لها نصيبٌ من الرصانةِ والعمقِ والجدارةِ بالحوارِ، وأن تُسهمَ في فتحِ أفقٍ جديدٍ للتفكيرِ في الإنسانِ بوصفِهِ كائنَ ولادةٍ إبداعيَّةٍ مستمرَّةٍ.
إسحق قومي
2020. شتاتلون . تجديد . 17/4/2026م
ملاحظة: التجديد تمت إضافة عدد البحوث التي كُتبت بكاملها.وهناك إضافة لمدرسة الولادة الإبداعية
#اسحق_قومي (هاشتاغ)
Ishak_Alkomi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟