محسن عزالدين البكري
الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 11:51
المحور:
الطب , والعلوم
تصوّر المشهد: مزارع كان يرش مبيدًا من نوعٍ معين على الآفات الزراعية والحشرات الضارة، وبعد عدة سنوات لم تعد تلك المبيدات تجدي نفعًا.
ما الذي حصل؟
في البداية، لنتصوّر أن هناك مئات الآلاف من الكائنات الحية التي كانت تدمر مزروعاته، كانت تموت في كل مرة، فلا يبدو أن هناك أي تكيف بالمعنى السطحي أو الببغائي الذي يردده البعض.
لكن إليك ما يسمى في علم الأحياء التطوري بالانتقاء الطبيعي، أو الضغط الانتخابي (الانتقائي).
كل الكائنات وأشكال الحياة تنتج أجيالًا ونسلًا كثيرًا كما نعرف، لكن هناك تنوع ولو طفيف، ولو حتى غير ملحوظ.
أنت لست نسخة مطابقة لابن عمك، ولا حتى لأخيك، وحتى إن تشابهت الملامح، فهناك ما لا يمكن حصره من التمايزات في عدد هائل من الصفات: مقاومة أنواع من الأمراض، واختلاف في القدرة على التحمّل أو الخصوبة أو مقاومة المواد الكيميائية والظروف البيئية.
وحتى هذه المقاومة ليست مطلقة، بل بدرجات متفاوتة: تسعين بالمئة، ثمانين، خمسين، عشرين...
هناك من لديه خصوبة أعلى، وهناك من هو أقل، هناك من يتحمل مادة معينة، وآخر يعاني منها، من يحتمل جوًّا قاسيًا، وآخر ينهار في مثله.
وفي كل مرة تُخلط الأمشاج تنتج تباينات جديدة، حتى وإن لم تكن تلاحظها. لكنها تحدث باستمرار في جميع الكائنات، من الإنسان إلى الحشرات والبكتيريا والطفيليات والديدان، وكل ما هو حيّ، ما لم يكن هناك عزل جغرافي أو ضغط انتقائي.
ونقل ونسخ المادة الوراثية — التي تحوي ملايين ومليارات القواعد الجينية — لا يتم بصورة مطابقة مئة بالمئة في كل مرة. هناك ما يسمى بالطفرة.
بعض الطفرات ضارّ، يسبب تشوّهًا أو ضعفًا، وغالبًا ما يؤدي إلى موت الكائنات المتأثرة به.
إلا أن الرعاية الطبية والحياة المجتمعية لدى الإنسان تدعم بقاء تلك الفئات، لذا لا نلاحظ غربلتها الطبيعية.
ومع ذلك، فإن أصحاب الطفرات الضارة، في كل الأحوال، ينتجون نسلًا أقل سواء بالرعاية أو بدونها.
أما إذا لم تكن الطفرة ضارة، فإنها تبقى وتُمرّر إلى الأجيال التالية.
لكن، ماذا لو صادفت هذه الطفرة ضغطًا انتقائيًا أو ظروفًا معينة تجعل أصحابها أقدر من غيرهم على مقاومتها؟ وماذا لو حدث عزل جغرافي أيضًا؟
عليك أن تدرك أنك — كبشر — لست محور الحياة، ولا الحياة الحديثة هي معيارها.
هناك من الكائنات ما لا يمكن حصره، وزمن الحياة على الأرض أطول مما يتخيله الإنسان بمراحل.
ونعود إلى قصة المزارع:
في المرة الأولى ربما كانت هناك مئات الآلاف أو ملايين من تلك الكائنات الصغيرة التي كانت تتلف مزروعاته، ولنقل إن بينها عشرة أفراد مقاومين للمبيد.
هؤلاء لن يؤثروا في المحصول، ولن ينتبه لهم المزارع أصلًا.
وبعد مدة، لو افترضنا أنهم أنجبوا نسلًا بمعدل خمسة لكل زوج، فسيصبح العدد خمسة وعشرين، أي زاد خمسة عشر فقط، ولا يزال الأمر بسيطًا.
لكن الأمور لن تستمر بهذه الوتيرة، فالتضاعف سيكون أسيًا، على شكل متوالية هندسية؛ لن تُضاف خمسة عشر فقط، بل ستنضم المواليد الجديدة بعد مدة إلى فئة البالغين، وتصبح 25 في 5، ولا يزال الأمر بسيطًا، لكن تقدّم قليلًا حتى تصبح 5 أس 10، أي خمسة في نفسها عشر مرات، وسينفجر الرقم!
كان هذا يحدث في كل مرة، ولكن بسبب عدم وجود الضغط الذي سببته المبيدات، كانت الكائنات تتزاوج وتخلط صفاتها من جديد، فلا تظهر تلك الطفرة المميزة لمقاومة المبيد.
لكن بعد أن تكرر الضغط بالرش لسنوات وسنوات، بدأت صفة المقاومة تصبح الغالبة في كل جيل.
وهكذا عبر الزمن، يجب أن تعرف أنك دخيل على المشهد كله، فالعمر الحقيقي للحياة كبير جدًا جدًا، وهذا الذي رأيته في المزرعة ليس إلا نموذجًا مصغّرًا لما يحدث منذ ملايين السنين.
ومن أكبر الأدلة عليه اختلاف ألوان البشر وأعراقهم وأنواعهم.
وهذا فقط نموذج واحد من التطبيقات لعلم الأحياء التطوري، ففي كل مرة يتسابق علماء الزراعة وشركات الزراعة وصنّاع كيمياء المبيدات على متابعة الدراسة والتطور.
في كل مرة تتقدم العلوم الزراعية يتقدّم الإنتاج الزراعي، لأن نموّ وازدهار النبات يحمل أيضًا عدة تباينات، وهنا نفس عملية الانتقاء، لكنه انتقاء صناعي، وهو ضمن تطبيقات علم الأحياء التطوري.
والانتقاء الصناعي هو فقط توجيه للتباين العشوائي، بينما الانتقاء الطبيعي غير موجّه.
في كل مرة يقوم مربّو الماشية والحيوانات بدراسة التطور، لأنّها أيضًا تحمل تلك التباينات، ويقومون بالانتقاء كذلك، وهذا ضمن علم الأحياء التطوري.
عبر آلاف السنين كان المزارعون العاديون، حتى في الأرياف البسيطة، ينتقون أفضل السنابل من كل محصول لزراعتها في العام المقبل، حتى أصبح القمح الذي يزرعه البشر متطورًا كثيرًا عن القمح الذي لا يزال ينمو في البرية، وهذا أيضًا انتقاء صناعي، وهو ضمن علم الأحياء التطوري.
في كل مرة يقوم مربّو الحمام والكلاب والطيور بتنقية أجيال من السلالات بنفس الطريقة، وهذا أيضًا ضمن الانتقاء الصناعي.
ويقوم العلماء كذلك بإنتاج البذور المعدلة وراثيًا، ولهذا ترى أن إنتاج البلدان المتقدمة يفوق بشكل لا يُقارن دول الهمج الذين لا يزالون يزرعون بطريقة تقليدية.
كل يوم تستقبل المستشفيات في المناطق ذات المناخ الأبرد آلافًا من ذوي البشرة القاتمة يعانون من نقص فيتامين (د)، وكل يوم تقابل مستشفيات البلدان الواقعة على مقربة من خط الاستواء آلافًا من ذوي البشرة الفاتحة المتأثرين بأشعة الشمس الحارقة، وهذا أيضًا ضمن تطبيقات علم الأحياء التطوري.
كل يوم تستقبل المستشفيات مرضى بالملاريا بالآلاف، ولكن يبقى أشخاص ذو طفرات محددة كانوا يعيشون في الأدغال قد غربلهم الزمن بمرور أجيال وأجيال في المستنقعات والغابات حتى بقي في الأخير من يقاوم الملاريا بصفة أكبر.
لكن في المقابل، كل يوم تستقبل المستشفيات الآلاف ممن يعانون بشكل أكثر شدة ووَطأة جراء أمراض الحضارة كالسكري وتصلّب الشرايين وغيرها، من أولئك الذين غيّروا نمط عيشهم من الأدغال إلى الحياة المدنية، لأنهم لم يُغربلوا بتلك الأمراض كما فُعِل بالأجيال التي عاشت الاستقرار زمناً أطول... وهذا يُفهم عبر علم الأحياء التطوري.
كل مرة يظهر لنا فيروس جديد ومرض جديد، وكل مرة يظهر لنا تيار من المخرفنين الذين لا يقدمون للعالم سوى النباح والادعاء بأن تلك الفيروسات — مثل كوفيد 19 — مؤامرة كسفالطيزيشيديه! بينما لا يعلمون أن هناك قبيلة كاملة من تشعبات فيروس كورونا تفرّع منها كوفيد 19.
ولأن الفيروسات عمرها أقصر، فظهور التطور فيها أسرع. وفي النهاية لا يُنقذنا من الأوبئة سوى العلماء، وليس الكلاب النابحة وأصحاب نظريات المؤامرة، والعلماء هؤلاء لن يفهموا سلوك الفيروسات ومكافحتها إلا عبر علم الأحياء التطوري.
وكم وكم وكم ساعد وأحصي لك!
وهذا هو علم الأحياء التطوري الذي رفضتم تدريسه في مناهجكم، ثم تقولون: لماذا يتقدم العالم؟
طبيعي أن يتقدم، وأنت عندك "حدّثنا الزنداني" وعلاجاته الخرافية والمعنعنين "عن عن عن" وأخبرنا!
طبيعي ألا تتقدم، وكل من أراد تنويرك تنهال عليه بالشتم والسب والإيذاء، حتى الجسدي والنفسي.
وأنا واثق تمامًا أن هناك من سيأتي الآن ليشتم، لكنه لن يناقش أبدًا، فلغة الركل والنطح هي اللغة التي تتقنها كل الكائنات الحية، حتى الحمار والثور، لذا فهو لا يتقن سوى هذا، بينما ليس كفؤًا لأن يناقش.
وهناك الشامتون "الكيوت" الذين يقفزون بببغائيات معلّبة خارج موضوع المنشور، وهؤلاء أقول لهم:
إذا كنتَ أهلًا للنقاش، فتحدث عن النقاط التي ذُكرت في كل منشور تحديدًا وعلى حدة، وإلا فانطم وابقَ ساكتًا، ولا تكلّمني عن آداب وأخلاق بعدها، لأنك قد نكحت الآداب بلفّك وقفزاتك!
الأدب يبدأ من احترام نقاط القضية المطروحة في كل قضية على حدة.
ونستقبل أول اتصال من الحيوانات الشتّامة السبابّة...
أول اتصال: ألو...
...
تحياتي،: محسن عزالدين البكري
#محسن_عزالدين_البكري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟