أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - ادم عربي - لنتعلم من الطبيعة ، فهي خيرُ مُعلم!














المزيد.....

لنتعلم من الطبيعة ، فهي خيرُ مُعلم!


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 19:25
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    



نؤكد دائماً على ضرورة وجود حياة حزبية حقيقية، كما نؤكد في الوقت ذاته على ضرورة تنظيمها. غير أنَّ هذا الجمع بين "الحزبية" و"تنظيمها" يكشف عن تناقض لمْ ننجح حتى الآن في حله بصورة صحيحة. فبدل أنْ يكون التنظيم وسيلة لإدخال الروح إلى الجسد الديمقراطي ، أي أنْ يُحيي الحياة السياسية ويمنحها فعالية ، أصبح في تجربتنا عاملاً يُفرغ الحزبية من مضمونها ويقضي عليها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في هذا الإشكال من جذوره.

ولعلَّ أحد أهم المفاتيح لفهم هذا التناقض يمكن أنْ نجده في "الطبيعة" ذاتها، بوصفها كتاباً مفتوحاً يمكن أنْ نتعلم منه القواعد الأساسية للحياة، بما في ذلك الحياة الديمقراطية. فإذا تأملنا العلاقة بين الكائن الحي وبيئته، سنجد نموذجاً غنيا بالدلالات.

في الطبيعة، كل كائن حي يسعى إلى التكاثر والتناسل، وغالباً ما يُنتج أعداداً كبيرة من الأفراد. غير أنَّ هؤلاء الأفراد لا يكونون متطابقين؛ بلْ يحمل كل منهم صفات وخصائص تميّزه عن الآخرين. هذا الاختلاف ليس عرضاً ثانوياً، بلْ هو جوهر العملية التطورية نفسها. فبفضل هذا التنوع، يصبح بالإمكان أنْ يبقى بعض الأفراد على قيد الحياة، بينما يهلك آخرون.
الذي يحدد من يبقى ومن يزول هو "البيئة". فهي التي تقوم، بصورة رمزية، بدور "الناخب". من بين العدد الكبير من "المرشحين"، لا تختار البيئة إلّا أولئك الذين يمتلكون الصفات التي تؤهلهم للتكيف معها والعيش فيها. أما البقية، فمصيرهم الاندثار، ليس لسبب عشوائي، بلْ لأنهم لم يمتلكوا المقومات التي تسمح لهم بالاستمرار على قيد الحياة.

والأفراد الذين تنجح البيئة في "انتخابهم" هم الذين يواصلون التكاثر، ناقلين صفاتهم إلى الأجيال اللاحقة. ومع مرور الزمن، تتراكم هذه الصفات الناجحة، فيحدث التطور، وقد يتحول النوع القديم إلى نوع جديد أكثر قدرة على التكيف والرقي.

هذه الصورة يمكن تسميتها بـ"ديمقراطية الطبيعة". وهي ديمقراطية صارمة، تقوم على نوع من "العدالة القاسية" التي لا تعرف الرحمة بالمعنى الأخلاقي الإنساني، بلْ تحتكم فقط إلى معيار الكفاءة والقدرة على البقاء. وكأنَّ الطبيعة تقول إنَّ التقدم لا يتحقق بالمجاملة، بلْ بالاختيار الصارم للأصلح ، بالبقاء للأصلح.

الغرض من هذا المثال ليس تمجيد القسوة، بلْ الإشارة إلى أنَّ جوهر الديمقراطية ،بمعناها العميق ، يمكن فهمه من خلال هذه الآلية الطبيعية والتي تتمثل في التنوع أولاً، ثم الاختيار الحر، ثم البقاء للأكثر قدرة على خدمة شروط الواقع.

انطلاقا من هذا الفهم، نتعلم أن الخطوة الأولى لأي حياة ديمقراطية حقيقية هي إتاحة المجال للاختلاف. فلا يمكن لمجتمع أنْ يتطور إذا لم يسمح لأفراده وجماعاته بالتعبير الحر عن تنوعهم في الأفكار والمعتقدات والميول والرؤى. ومن هنا تأتي أهمية التعددية الحزبية، حتى وإنْ بدت للبعض مصدر فوضى أو قلق. فهذا "التكاثر الحزبي" هو الشرط الأولي لأي عملية تطور سياسي.

لكن، في المقابل، ليس كل ما يظهر أو يولد يستحق الاستمرار. فكما في الطبيعة، لا يبقى إلّا ما يمتلك القدرة على التكيف مع حاجات المجتمع وظروفه التاريخية. الحزب أو الفكرة التي تنجح هي تلك التي تعبّر فعلاً عن بيئتها الاجتماعية وتستجيب لمتطلباتها، ولهذا فإنَّ "الناس" ، باعتبارهم تجسيداً لهذه البيئة ، هم الذين يمنحونها الشرعية عبر الاختيار.
غير أنَّ هذا يفترض شرطاً أساسياً وهو أنْ تكون "البيئة الاجتماعية والتاريخية" نفسها حرة. فإذا كانت خاضعة لضغوط قوى تملك مصالح ضيقة، أو لسلطات تفرض معايير مشوهة للحكم على ما هو صواب أو خطأ، نافع أو ضار، فإنَّ عملية "الانتخاب" تفقد معناها. عندها لا يعود الاختيار تعبيراً عن حاجة المجتمع، بْل انعكاساً لمصالح محدودة تفرض نفسها على الجميع.

وهنا تكمن المشكلة في واقعنا ؛ فبدل أنْ تكون البيئة الاجتماعية طبيعية وحرة، ما زالت في كثير من الأحيان "مصطنعة"، تُوجّه فيها الاختيارات وفق اعتبارات ضيقة، لا وفق معايير موضوعية تخدم المجتمع ككل. ونتيجة لذلك، لا تسود إلّا الأفكار والاتجاهات التي تنسجم مع هذه المصالح، بينما تُقصى البدائل الأخرى مهما كانت جدواها.

ما نحتاج إليه، إذن، هو مجتمع تتحرر فيه البيئة الاجتماعية والتاريخية من هذه القيود، وتصبح قادرة على احتضان كل أشكال التنوع والاختلاف. عندها فقط يمكن أنْ تتم عملية الاختيار بشكل حقيقي، بحيث يبرز من بين هذا التنوع ما يلبي احتياجات الناس ويخدم مصالحهم العامة.

بهذا المعنى، لا تكون الحزبية خطراً، بلْ ضرورة؛ ولا يكون التنظيم قيداً، بلْ إطاراً ضامناً للحرية. وعندها فقط يمكن أنْ تتحول الحياة الحزبية إلى قوة حقيقية تدفع المجتمع نحو التقدم، بدل أنْ تكون عبئاً عليه.



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في دولة الحقوق!
- في صناعة التاريخ!
- العودة إلى البداية: الاتصال الإنساني في دورته الحلزونية!
- في الملكية الفكرية: بين الاحتكار والمشاعية!
- الحركة بين الفيزياء والفلسفة!
- نشوة العدم!
- الانتقال والسفر عبر الزمن!
- سيناريوهات محتملة للحرب على إيران!
- وهم الدولة المقدسة!
- مرافئ العبث!
- مدخل لفهم الديالكتيك!
- رثاء الحضارة!
- الحرب على إيران!
- الإرادة مثالياً ومادياً!
- جنازة الضوء!
- مشاعر الكراهية للآخر!
- حين يولد الزمن مرتين!
- في كزمولوجيا الأرض!
- بعض من فلسفة التربية!
- قراءة ماركسية في وهم معاصر!


المزيد.....




- -أُخذ على حين غرّة-.. نتنياهو مصدوم من ترمب بسبب لبنان ويطلب ...
- ما الخيارات المطروحة لمخزون إيران من اليورانيوم المخصب؟
- أمير قطر يلتقي أردوغان ورئيس وزراء باكستان في أنطاليا
- حركة مقاومة أم رافد لإيران.. كيف نقرأ إرث ومسيرة حزب الله؟
- إيران تفتح مضيق هرمز أمام الملاحة حتى نهاية وقف إطلاق النار ...
- واشنطن بوست: عامل واحد قد ينهي مسيرة ليندسي غراهام الطويلة ب ...
- إيران فتحته وفق ضوابط.. هل انتهت عقدة مضيق هرمز؟
- هرمز فُتح لكنّ المفسدين ما زالوا ناشطين
- مصادر إيرانية تحدد لـCNN موعد ومكان الجولة الجديدة من المفاو ...
- قوات إسرائيلية متوغلة تنقل معدات إلى القنيطرة جنوبي سوريا


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - ادم عربي - لنتعلم من الطبيعة ، فهي خيرُ مُعلم!