أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مظهر محمد صالح - رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية في العراق














المزيد.....

رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية في العراق


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 04:48
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


العمل الأدبي وراء فيلم Z هو رواية فاسيليس فاسيليكوس الصادرة عام 1966، والتي استلهمت واقعة اغتيال سياسي حقيقي في اليونان، وحوّلتها إلى سرد نقدي يكشف صراع القوى السياسية ضد المعارضة. وعندما اقتُبست الرواية إلى فيلم عام 1969 على يد المخرج كوستا غافراس، لم يكن الأمر مجرد دراما سياسية، بل تحوّل إلى منصة فكرية لتحليل آليات الهيمنة الثقافية والسياسية، وكيف تُستخدم السلطة والإعلام والقوانين لإخفاء الحقيقة وفرض رواية رسمية على المجتمع.

من خلال هذه التجربة، غدا فيلم Z مرآة لفهم نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية السالبة، ليس في اليونان وحدها، بل كدرس يمكن إسقاطه على سياقات مشابهة حول العالم، ومنها العراق، حيث يتقاطع القمع السياسي مع تزييف الوعي الثقافي.

كانت أمسية عرض الفيلم في بغداد، أواخر الستينيات أو مطلع السبعينيات القرن الماضي ، واحدة من أبرز الأمسيات الثقافية التي شهدتها صالة سينما سمير أميس، تلك الصالة التي عُدت من أجمل دور العرض في الشرق الأوسط آنذاك. جاءت التجربة في لحظة بدأت فيها البلاد تشهد ممارسات خطيرة لنظام حكم جديد، في تشابه لافت مع ما طرحه الفيلم، ولكن ضمن سياق شرقي أكثر قسوة وتعقيدًا، حيث وجدت الطبقة المثقفة نفسها أمام هيمنة سياسية ذات طابع فاشي، تعمل على تزييف الوعي وإعادة تشكيله.

في هذا السياق، يطلّ مفهوم الهيمنة الثقافية عند أنطونيو غرامشي كعدسة تفسيرية، تُظهر كيف تحافظ الطبقات الحاكمة على سلطتها، ليس بالقوة وحدها، بل عبر التأثير الثقافي والفكري، بحيث تبدو أفكارها وكأنها “الطبيعة” ذاتها. غير أن هذه الهيمنة، في التجربة الشرقية، اتخذت شكلًا سالبًا، قائمًا على تزييف الوعي المطلق بدل بنائه.

هكذا جاء فيلم Z كمتنفس فكري، ومرآة نضالية عكست للشباب المثقف في الشرق صورة مقاومة الهيمنة الثقافية في الغرب. ومن داخل قاعة السينما، بدأت تتشكل محاكاة واعية بين عالمين، يجمعهما همّ واحد: مقاومة تزييف الوعي وكسر احتكار الحقيقة.
قلت في سري ان الوعي يظل حيًا،
يمشي في الأزقة،
يكتب على الجدران،
ويصغي في الوقت نفسه إلى صدى السينما حين تتحول الشاشة إلى مرآةٍ للروح،

شهد العرض الأول إقبالًا هائلًا من الشباب، حتى ضاقت القاعة بهم، واضطر البعض إلى اللجوء للسوق السوداء للحصول على تذاكر. وبمصادفة لافتة، تمكنت مجموعة من الطلبة من دخول الصالة والجلوس في لوج خاص، لتبدأ تجربة مشاهدة استثنائية، امتزج فيها الوعي الشخصي بالتجربة الجماعية.

داخل الفيلم، يتحول اغتيال نائب معارض إلى لحظة كاشفة، حيث يكتب أنصاره حرف Z في الشوارع، في إشارة إلى أن الفكرة لا تموت، وأن الحقيقة لا يمكن دفنها بالقمع. أصبح هذا الرمز تعبيرًا عن استمرار المقاومة، وعن فشل السلطة في قتل المعنى حتى وإن قتلت صاحبه، في تحدٍ مباشر للرواية الرسمية.

في هذا السياق، تحاول السلطة فرض سردية مفادها “انتهى كل شيء”، بينما يأتي Z ليؤكد أن “الحقيقة ما زالت حية”. وهنا يتجسد الصراع مع الهيمنة الثقافية: صراع بين خطاب يسعى إلى الإغلاق، وآخر يفتح أفق الوعي.

يكشف الفيلم كيف تعمل السلطة على إخفاء الحقيقة وإعادة إنتاجها، مستخدمة الإعلام والقضاء والأجهزة الأمنية لفرض واقع مصطنع. وهو بذلك يوضح أن السيطرة لا تقوم على القمع فقط، بل على التحكم في وعي الناس، بحيث يبدو الزيف حقيقة مقبولة.
يؤدي الإعلام دورًا محوريًا في تكريس هذه “الحقيقة المصنوعة”، بينما تُدفع المؤسسات الأخرى للانخراط في الخطاب ذاته. ورغم محاولات كشف الحقيقة، فإنها تصطدم ببنية متكاملة من النفوذ تعمل على إسكاتها.
من صفوة الكلام ،
يبين فيلم Z أن الاستبداد لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى عبر إنتاج القبول في عقول الناس، وهو ما يُعرف بالهيمنة الثقافية السالبة، التي تجعل من القمع أمرًا طبيعيًا ومقبولًا. إن مقاومة هذه الهيمنة تتطلب كسر الخطاب السائد، وبناء وعي نقدي وثقافة مضادة قادرة على استعادة الحقيقة.

لقد شكّل الفيلم لحظة وعي مبكر للشباب، امتدت آثارها عبر عقود من الصراع، حيث دفعت أثمانًا باهظة من القمع والتضحيات. ومع ذلك، بقي الدرس الأعمق حاضرًا:
أن الفكرة لا تموت، وأن الوعي يظل حيًا، حتى في أقسى عصور الاستبداد والدكتاتورية التي مرت بها بلادنا.
فالفكرة لا تموت،
إنها تسكن في الشقوق الضيقة للذاكرة،وظلت طوال عقود طويلة
تضيء كجمرةٍ تحت رماد القمع. فالحقيقة لا تُدفن،
حتى لو غطّاها الركام،
فهي تنهض من بين الكلمات الممنوعة،
وتتنفس في وجوه الشباب الذين يصرّون على الحلم.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
- الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة
- أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة
- السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن

- الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان
- الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشر ...
- دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب


المزيد.....




- سقطت من قارب أم شيء آخر؟ غموض يلف اختفاء أمريكية في جزر البه ...
- قماش شفاف وحراشف أسماك.. هكذا ظهرت نيكول كيدمان في نيويورك
- شاهد.. إدانة طبيب من هاواي بالشروع في قتل زوجته خلال نزهة
- غموض وتضارب.. مستجدات وقف إطلاق النار والملاحة بمضيق هرمز
- إيران تنشر خريطة تشير إلى زرع الحرس الثوري ألغاماً بمضيق هرم ...
- تكتيك -الرجل المجنون- .. كيف دمر ترامب صورته كرجل صفقات؟
- إفلاس الشركات عند أعلى مستوى منذ 20 عاماً: ألمانيا إلى أين؟ ...
- بين الجدل حول شمول لبنان بوقف إطلاق النار.. إسرائيل تقتل أكث ...
- الحرس الثوري الإيراني يفرض مسارات على السفن في مضيق هرمز لتف ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل -سكرتير- الأمين العام لحزب الله ن ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مظهر محمد صالح - رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية في العراق