مراسلات أممية
الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 00:43
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
تكاثرت مناطق الحروب بسرعة بالغة، في نيجيريا وسوريا وأوكرانيا وفلسطين والكونغو والسودان وفنزويلا.... يمثل التدخل العسكري في فنزويلا قفزة نوعية للتدخل الأمريكي، الذي لا يمكن فصله عن الهجوم البوليسي والعنصري الذي تشنه وكالة الهجرة والجمارك داخل البلاد.
بقلم
أنطوان لاراش
إن هجوم ترامب شامل، وهو رد فعل على فقدان الولايات المتحدة لهيمنتها، لا سيما الاقتصادية، وعلى الأزمة العالمية التي يمر بها النظام. تعود هذه الأزمة أساسا إلى عدم القدرة على زيادة معدلات الربح والتراكم بعد صدمات عامي 2008 و2020. تريد الشركات التكنولوجية الكبرى، شأنها شأن ترامب، الاستيلاء على المواد الخام -فالنهب والسلب هما أقصر طريق إلى المزيد من الأرباح. إنها إمبريالية نيو استعمارية ومصادِرة.
هجوم امبريالي بقفزة نوعية
يشكل اختطاف مادورو، والاتفاق مع جزء، على الأقل، من البرجوازية البوليفارية لإعادة إدماج فنزويلا في منطقة الهيمنة الأمريكية، قفزة نوعية. إنه تدخل قاتل وغير مسبوق منذ عدة عقود في السياسة الداخلية لدولة مستقلة. لكن هذا يتماشى مع القصف في نيجيريا، والتدخل في الأرجنتين لدعم ميلي، وموائمة جميع الأنظمة العربية -لا سيما السلطة الجديدة في سوريا - مع إسرائيل والولايات المتحدة، والدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتصويت الجزائر لصالح خطة ترامب، وما إلى ذلك. كانت النتيجة تدمير جميع المؤسسات الدولية التي تدير النظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية.
يتم إعادة بناء منطقة النفوذ الأمريكية، في العديد من دول العالم، من خلال أنظمة شديدة الاستبداد والليبرالية، لأن وظيفة هذه الحكومات هي أن تفرض على الطبقات الشعبية تحويل المواد الخام (لا سيما الطاقة وتكنولوجيا المعلومات) بأسعار منخفضة إلى الولايات المتحدة، فضلا عن إحداث تغييرات في منظمة العمل الدولية (لا سيما كنتيجة للرسوم الجمركية التي فرضها ترامب). إن التحالف بين ترامب واليمين المتطرف في العالم ليس أيديولوجياً في المقام الأول، بل هو نتاج احتياجات اقتصادية ورغبة في السيطرة.
يمكن مقارنة هذا المسلسل بالعلاقات الاستعمارية وشبه الاستعمارية التي كانت موجودة دائما، وبما فعلته فرنسا في أفريقيا على مدى عقود من الزمن من خلال الإبقاء على ديكتاتوريات دموية في السلطة، وما تفعله روسيا في بيلاروسيا، وما فعلته في الماضي في سوريا، إلخ.
إمبريالية متعددة
عدوانية وسلطوية
إن التدخل الإمبريالي للولايات المتحدة مشابه في نواح عديدة للحرب التي تشنها روسيا في أوكرانيا والمناورات التجارية الكبرى التي تقوم بها الصين: فكل هذه القوى الكبرى تسعى إلى ترسيخ مناطق نفوذها وتوسيعها.
بهذا المعنى، دخلنا بالفعل في شكل من أشكال الحرب العالمية. تتجنب الطبقات الحاكمة عن قصد، لفترة طويلة نسبيا، المواجهات المباشرة فيما بينها، لأنها تعلم أنها مدمرة. يعبر سيرجي كاراجانوف، مستشار بوتين، عن ذلك صراحة: «الوضع الأكثر فائدة هو التوصل إلى منظومة تعمل فيه القوى الأربع الكبرى معا على تحديد قواعد السلوك في العالم مستقبلا. وهذه القوى الأربع الكبرى هي الصين وروسيا والولايات المتحدة والهند»1. لكن ليس من المستحيل أن يتغير هذا الوضع: ففي الواقع، قد يكون الرد المنطقي على هجوم الولايات المتحدة على فنزويلا هو غزو الصين لتايوان. فماذا سيكون رد فعل ترامب حينئذ؟
تراجع «القارة العجوز»
أوروبا، في هذا السياق، هي عامل سلبي نسبيا. إن عدم تماسكها، وضعف قيادتها السياسية وصعوباتها الاقتصادية تمنعها من الرد بنفس المستوى الذي تستطيعه القوى العظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين. فرنسا مشلولة بسبب أزمتها السياسية والاقتصادية وفقدان نفوذها في أفريقيا، وتفضل البرجوازية فيها حتى اليوم، كما هو الحال في بلجيكا وإيطاليا...، خوض سلسلة من المعارك المعادية للطبقة العاملة – لا سيما خصخصة كامل مجال إعادة الإنتاج الاجتماعي وتفكيك الخدمات العمومية – بهدف إنعاش رأس مال يفتقر إلى القدرة التنافسية. تحاول ألمانيا أن تلعب دورها الخاص، أو على الأقل أن تتفوق على فرنسا، من خلال خطتها لاستثمار ألف مليار في المجال العسكري، وهي خطة سيكون من الصعب بالتأكيد تنفيذها بسبب الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها البلد والاتحاد الأوروبي بشكل عام. لم يعد من المستحيل تصور حدوث انقسام يتماشى مع الأهداف القومية لليمين المتطرف.
بعض عناصر التحليل
تشعر الشعوب والطبقة العاملة، في هذا السياق، بالارتباك، رغم وجود بعض الإجابات شبه العفوية التي يمكننا الاعتماد عليها.
التقييم الأول للوضع هو أن القومية بدون مضمون طبقي لا تنتج ديناميكية كافية، على الصعيد الداخلي وفي العلاقات الدولية، لمواجهة إعادة التنظيم الجارية: لم تسمح قومية الأنظمة الفنزويلية والجزائرية برسم مسار بديل، لا سيما أنها عاجزة عن بناء بديل يبقى في حدود تداخل التجارة العالمية. وكما هو الحال مع لولا في البرازيل، فسياستهم ليست معادية للإمبريالية، بل هي محاولة للتفاوض على مساحة في إطار العلاقات المتعددة الإمبريالية الجديدة.
ومع ذلك، علينا أن ندعم دون قيد أو شرط وبكل قوتنا مساعي مناهضة الإمبريالية، حتى وإن كانت محدودة، الموجودة على مستوى الدولة في المكسيك والبرازيل وكولومبيا وكوبا، من أجل إضعاف القوى العظمى وتعزيز الديناميات الشعبية. إن هذه اللائحة قصيرة، لأن سقوط الاتحاد السوفياتي وإعادة التنظيم النيوليبرالي حطما كل قدرات المقاومة في إطار اقتصاد عالمي متكامل للغاية. تشكل فلسطين والحركة العالمية للتضامن أحد رموز المقاومة المعادية للإمبريالية. يمكن للمقاومة في أوكرانيا وروجافا أن تلعب دورا مماثلا. يظل الدعم غير المشروط لمقاومة الشعوب المضطهدة بوصلتنا، لكنه ليس دعما غير نقدي. على وجه الخصوص، يجب التساؤل عن دور الدولة والملكية الخاصة في هذا الإطار: إن أي نهج يركز على التغييرات من الأعلى، على حساب النشاط الذاتي للطبقات الشعبية، ولا سيما الطبقة العاملة، محكوم عليه بالفشل.
في جميع أنحاء العالم -خاصة في البلدان الإمبريالية الغربية -تواجه الطبقات الشعبية هجمة البرجوازية: تسعى الطبقات السائدة إلى تحطيم الحركة العمالية، وتستخدم اليمين المتطرف وتؤجج الانقسامات العرقية للدفاع عن مشاريع وطنية معادية لبقية العالم، وتعميق استغلال الأشخاص المعرضين للعنصرية. إن الردود الجماعية ضد وكالة الهجرة والجمارك في الولايات المتحدة والإضرابات الجماهيرية التي تحدث بانتظام في أوروبا هي أفضل رد على هذا الهجوم.
مناقشة واختبار الشعارات المناهضة للإمبريالية
للجمع بين فهمنا المضاد للإمبريالية والنضال الطبقي، يجب أن نعمل على صياغة برنامج انتقالي يستجيب لأكبر عدد ممكن من القضايا في عدد محدود من النقاط. هذا هو معنى» بيان من أجل ثورة اشتراكية بيئية» الصادر عن الأممية الرابعة، ومع ذلك، يجب تكييف هذا البيان واختباره مع تطور الوضع. من بين العناصر التي يجب اختبارها، يمكن أن نذكر:
- رفض أي تدخل إمبريالي في شؤون بلد مهيمَن عليه، سواء من قبل الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو فرنسا أو غيرها. والتأكيد على حق الشعوب في تقرير مصيرها، ووقف الحروب وسباق التسلح.
- التضامن بين الشعوب ضد التنافس الرأسمالي فيما يتعلق بالأسعار ونهب المواد الخام والتنظيم المدمر للبيئة لحركة البضائع وإدارة الطاقة. يمر ذلك بشكل خاص عبر احتكار التجارة الخارجية ورفض خضوعها للقطاع الخاص، وإقامة علاقات متوازنة بين الدول خاضعة للرقابة الديمقراطية، لا سيما من خلال إنهاء السرية المصرفية.
- إلغاء الديون غير المشروعة، من أجل السماح للدول بتمويل تنميتها وأبعادها الاجتماعية، والتعويض عن العنف الاستعماري، بدءً من العبودية وصولا إلى الإبادة الجماعية في غزة.
- حرية تنظيم الأحزاب والنقابات والصحافة، وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين في جميع دول العالم.
- إنهاء التفاوتات بين الجنسين، ولا سيما حق النساء في التصرف بأجسادهن، والحرية الجنسية، ورفض أي إجراء معاد للمتحولين جنسيا.
- إضفاء الطابع الاجتماعي على شركات الطاقة والنقل والبنوك، لا سيما في سياق الأزمة البيئية.
التحضير للمواجهات القادمة
لا يمكننا أن نعرف من أين ستأتي الأزمات السياسية الكبرى القادمة، بل والثورية. لكن الجماهير لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هجوم شامل يهدف إلى مضاعفة الاستغلال، ونهب المواد الخام الوطنية، وتدمير الديمقراطية البرجوازية، وقمع الجماهير بشكل مكثف، خاصة في سياق أزمة بيئية تتفاقم وتسرع من وتيرة جميع الأزمات الأخرى. تشهد العديد من البلدان تحركات جماهيرية، غير متوقعة في بعض الأحيان، وستكون هناك تحركات أخرى، في وقت قريب جدا.
إن هذه الفترة معقدة للغاية. فالمنظمات الإصلاحية، المرتبطة بطرق متعددة بجهاز الدولة وببورجوازيتها، تطور توجهات بعيدة كل البعد عن قضايا هذه الفترة. لكنها تجسد، بشكل مشوه، حالة وعي الطبقات الشعبية. لذلك، من الضروري أكثر من أي وقت مضى الجمع بين توجه جبهة موحدة حول بعض النقاط الرئيسية، التي تختلف حسب الحالات، من أجل تحريك الجماهير، مع تفسيرات راديكالية للغاية، تسمح بإعطاء الثقة للفئات الواعية حتى لا تضيع في اليسراوية والعصبوية والمعسكراتية التي تحاول بعض التيارات الستالينية أو اليسراوية أن تجعلها تزدهر.
علينا أن نبذل قصارى جهدنا لترسيخ وعي أممي قادر على الربط بين مصالح الشعوب، ولا سيما الطبقات العاملة، من أجل تنفيذ برنامج أممي مناهض للرأسمالية. ◾
أنطوان لاراش
26 يناير 2026
1 «أحد المقربين من بوتين يؤكد أن الولايات المتحدة لن تتدخل إذا ضربت روسيا أوروبا»، Kyiv Independent، 31 ديسمبر 2025، ترجمة Le Grand Continent. https://legrandcontinent.eu/fr/2026/01/18/karaganov-un-proche-de-poutine-affirme-que-les-etats-unis-ninterviendront-pas-si-la-russie-frappe-leurope/
#مراسلات_أممية (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟