أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مظهر محمد صالح - الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للركود الإمبريالي المُقدَّس














المزيد.....

الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للركود الإمبريالي المُقدَّس


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 02:51
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


كانت المحاضرة شديدة الغرابة في تاريخ التطور الاقتصادي، وكنت وأنا أغادر قاعة الدرس أشعر بأن خلفي تاريخًا اقتصاديًا طويلًا ومعقدًا، محاولًا الفصل بين مفهومين رئيسيين: حالة الاستقرار (Steady State) والحالة الساكنة (Stationary State). فحالة الاستقرار هي وضع طويل الأجل يصل إليه الاقتصاد عندما تتوقف المتغيرات الاقتصادية عن التغير أو تنمو بمعدلات ثابتة، ويكون الاستثمار مساويًا للاندثار ، ويبقى رأس المال والإنتاج للفرد ثابتًا مع مرور الوقت. تُظهر نماذج اقتصاديات النمو الحديثة أن هذه الحالة تضمن ثبات حصة الفرد من الناتج دون تهديد الاستقرار الكلي، وتسمح باستمرار التنمية مع الحفاظ على استقرار طويل الأجل.

على العكس، تمثل الحالة الساكنة وضعًا أشد وطأة، حيث يتوقف النمو تمامًا ويظل الإنتاج الكلي ثابتًا، كما يبقى عدد السكان ورأس المال ثابتين، ويكون الاستثمار مساويًا للاندثار ، بحيث لا يوجد توسع ولا نمو إطلاقًا، ويصبح الاقتصاد في ركود مطلق. هذا المفهوم، في التحليل الكلاسيكي لمالتوس وريكاردو، ارتبط بفكرة المليار الذهبي والوظائف الإمبريالية في تقليل الضغط السكاني على الموارد، مما يعكس نظرة عصر الاستعمار الفكتوري وما تبعه من تحولات اجتماعية واقتصادية.

رغم التشاؤم الكلاسيكي، رأى جون ستيوارت ميل أن الحالة الساكنة يمكن أن تكون مرغوبة على حد زعمه، حيث يخفف استقرار السكان الضغط على الموارد، ويتيح التركيز على الثقافة والتعليم والتقدم الأخلاقي بدل السعي وراء التوسع المادي المستمر، كما يؤدي إلى أضرار بيئية أقل، ويترك مساحة للطبيعة والجمال، مع تحسين نوعية الحياة. ان هذه الرؤية تمثل الأساس للفلسفات المعاصرة حول التنمية المستدامة وفكرة النمو الصفري (Degrowth)، خاصة في المجتمعات الغنية ضمن النظام الرأسمالي المركزي، حيث يصبح الاستقرار الاقتصادي وسيلة لحماية البيئة وتعزيز رفاهية الإنسان بدلًا من تراكم الثروة بلا حدود.

في هذا السياق، تُعد السياسة الناعورية، كما يشير المفكر حسين العادلي، نمطًا من الممارسة السلطوية في الاقتصاد والسياسة الاجتماعية يقوم على إدارة المجتمع لإعادة إنتاج الحالة الساكنة بوصفها استقرارًا. تتميز هذه السياسة بحركة مستمرة بلا تقدّم، تُقدَّس انعدام النمو والخوف من تجاوزه، وتُعطل التحول التاريخي مع الحفاظ على دورة اقتصادية واجتماعية دائرية. على المدى الطويل، تؤدي هذه الآليات إلى تآكل القيم الاجتماعية والاقتصادية، وإلى نوع من الخدر الجماعي إزاء التراجع العميق في البنية التاريخية للزمن الاجتماعي للمجتمعات النازلة. السياسة الناعورية لا تُجمِّد الاقتصاد فحسب، بل تُعطِّل التاريخ نفسه، حيث لا يُفهم الحكم بوصفه مسارًا بل حركة، ولا يُنظر إلى الفشل كخلل بل كمادة تشغيل، ولا يُعامل الزمن كفرصة بل كمساحة استهلاك.

يتسلق مفهوم المليار الذهبي (The Golden Billion) في هذا الإطار الجيو-اقتصادي، بوصفه امتدادًا عالميًا للسياسة الناعورية، حيث يُحافظ على رفاهية أقلية محدودة، بينما تُبقي الأغلبية في حالة سكون تنموي أو نمو مُقنَّع لا يهدد مركز الامتياز. هذا السكون يُعاد إنتاجه عبر آليات السوق، والخطاب التنموي، واللاهوت الاقتصادي، بحيث يصبح تعطيل التاريخ في المجتمعات النازلة شرطًا موضوعيًا لاستقرار النظام الدولي داخل فضاء المليار الذهبي.

ختامًا، السياسة الناعورية والحالة الساكنة ليستا مجرد أدوات اقتصادية، بل هما آليات لتثبيت السلطة الاجتماعية والسياسية، حيث تحافظ على حركة دائرية للاقتصاد والمجتمع بلا تقدّم فعلي، وتضمن استمرار الامتيازات القائمة مع تحييد إمكانات التغيير البنيوي. فهي لا تُجمِّد الاقتصاد فحسب، بل تُعطِّل حركة التاريخ دون إيقافه، لتبقى المجتمعات في دائرة مستمرة من الركود، تُقاس فيها النجاحات بالاستمرارية وليس بالإنجاز، وبترحيل الأزمات لا بإزالة أسبابها.و هناك تشبيه ماثور للفيلسوف
كارل ماركس يرى فيها الحالة الساكنة والحركة الناعورية سيان، مشيرا بالقول :ستحول الراسمالية الحياة الى عملية ركض متواصلة، ينسحق فيها تحت الحشود كل من يتوقف ليلتقط انفاسه .



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات
- تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الر ...
- الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة
- من سرق كلبنا؟!
- سلوك الشراء عند 39 درجة تحت الصفر
- الجيران في زمن التحوّل الرقمي
- تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها
- شقاء الطبقة الوسطى: حكاية أمّ وابنتيها حين خانتهنّ الحياة
- جين أوستن: حياة قصيرة… وعاطفة طويلة لا تنطفئ (في الذكرى الـ2 ...
- بين الدفع النقدي والدفع الرقمي: امتحان الكرامة خارج الوطن
- علم اقتصاد المعنى…بين القلم والممحاة
- زلزال في اليابان… أم رسالة انتظار خُطّت بالدموع
- أنثروبولوجيا الديمقراطية في العراق


المزيد.....




- ولي عهد إيران السابق: الملايين نادوا باسمي.. وقبلتُ تحدي قيا ...
- مصر.. فيديو إجبار شاب على ارتداء ملابس نسائية بالشارع والأمن ...
- حقبة ترامب الغامضة.. أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية
- مؤتمر ميونيخ: الأوروبيون يدعون -الأصدقاء الأمريكيين- لرأب ال ...
- نائبة أمريكية: على واشنطن إعادة النظر في الدعم غير المشروط ل ...
- زعيم كوريا الشمالية يشيد بشجاعة جنوده المقاتلين في روسيا
- واشنطن تطرد المئات من جنسية عربية وتمنحهم -تذكرة ومكافأة-
- مسؤول أميركي: طرفا حرب السودان مسؤولان عن إيصال المساعدات
- بعد واقعة السيدتين.. ذعر في إسرائيل بسبب -أسطوانات الأكسجين- ...
- في عيد الحب.. منذ 20 عامًا يشهد محل تصليح السيارات هذا على ق ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مظهر محمد صالح - الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للركود الإمبريالي المُقدَّس