أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - حسن مدبولى - جلود المثقفين السميكة !!














المزيد.....

جلود المثقفين السميكة !!


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 18:51
المحور: كتابات ساخرة
    


بينما ينشغل العالم بتطوير الذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء، ومواجهة المخاطر الوجودية، تتفتق من حين لآخر أذهان بعض "ممثلي الشعب - بحكم الأمر الواقع – باجتهادات تبدو وكأنها هبطت علينا من كوكبٍ لا يعرف شيئًا عن طوابير الخبز، و لا أسباب اختفاء العدس والفول ،ولا فواتير الكهرباء والغاز وأسعار العلاج ،وكانت آخر هذه «الابتكارات» اقتراحًا يدعو الناس بحماسة منقطعة النظير، إلى التبرع بالجلود الآدمية بعد الوفاة، حرصًا – كما قيل – على توفير أو جلب ملايين الدولارات إلى خزينة الدولة.
أنا شخصيا لم أندهش كثيرًا. فالفكرة، في جوهرها، ليست استثناءً من سياق عام، بل هى امتداد طبيعي لفلسفة متغولة، ترى النجاح رقمًا في خانة الإيرادات، وتختزل كرامة الإنسان في بندٍ قابل للتسعير، وفي ظل هذا المناخ، تحولت الخدمات العامة من حقوق إلى «مشروعات»، ومن التزامات اجتماعية إلى مراكز ربح وخسارة. العلاج، التعليم، السكن، النقل، بل حتى دور العبادة،فالكل بات يقاس بميزان العائد، فإن ربح بقى، وإن خسر أُغلق أو أُعيد «هيكلته» أو تم التخلص منه كما تم التخلص من مصنع الحديد والصلب،
الذى كان ينقصنا بالفعل أن يُستكمل المشهد،فما دمنا قد بعنا ما فوق الأرض وما تحتها، فلماذا لا نلتفت – أخيرًا – إلى ما تحت الجلد؟ هكذا، وبمنطقٍ اقتصادي صرف، يصبح الجسد نفسه أصلًا استثماريًا مؤجلًا إلى ما بعد الوفاة. حياة المواطن مُرهقة، وموته أيضًا فرصة.

المفارقة المؤلمة أن هذا الطرح جاء في وقتٍ تتكدّس فيه الأسئلة الثقيلة: كيف نواجه غلاءً ينهش الدخول؟ كيف نخلق فرص عمل حقيقية؟ كيف نعيد الاعتبار لمنظومة تعليم وعلاج تئن تحت الضغط؟ كيف ننتقل من اقتصادٍ يلهث وراء الموارد الطارئة إلى اقتصادٍ ينتج غذاءه ودواءه ويصون حدوده وموارده و كرامة مواطنيه؟
لكن بدلًا من مساءلة السياسات أو مناقشة البدائل، انزلق النقاش إلى جلدٍ يُسلخ، حرفيًا هذه المرة، من جسدٍ أنهكته الحياة.

الأشد غرابة أن بعض المثقفين – أصحاب الجلود السميكة فعلًا – وجدوا في الاقتراح فرصة ذهبية لإلقاء محاضرات إنشائية متقعرة عن «تخلّف» المجتمع و«سطحية» الناس، وسارعوا إلى التلميح بأن الاعتراض سببه موروثات دينية أو تصورات تقليدية، وكأن المشكلة في حساسية الناس تجاه أجساد موتاهم، لا في ترتيب الأولويات أو في الرسالة الرمزية التي يحملها الطرح ذاته.
وتحول بعض هؤلاء المثقفين إلى ما يشبه «كُدّاب الزفة»، يوبّخون الغاضبين ويشرحون لهم – من علٍ – أن المسألة علمية وإنسانية واقتصادية، وأن من يعترض إنما يرفض التقدم. هكذا، بدل أن ينشغلوا بمساءلة من اقترح، انشغلوا بتقريع من استنكر، المثير للريبة أن مثقفين آخرين قدموا اعتذارات مذلة بسبب انتقادهم للاقتراح !؟
غير أن الناس – ببساطة – كانوا أكثر عمقا،ففهموا ما وراء الكلمات، وأدركوا أن القضية ليست تقنية طبية، ولا جدلًا فقهيًا، بل تتعلق بمحتوى أعمق، يرون من خلاله إنه عندما تضيق الخيارات، إلى حد التفكير في جلد الموتى، كموردٍ اقتصادي، فما الذى تبقى من صورة الدولة التي يفترض أنها تحمي الأحياء قبل أن تستثمر في الراحلين !؟
السخرية هنا ليست في الفكرة وحدها، بل في المناخ الذي جعلها ممكنة. والمأساة ليست في جلدٍ قد يُتبرع به، بل في جلودٍ اعتادت التكيف مع كل شيء، حتى صارت لا تشعر بوخز الأسئلة الكبرى.



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفتنة نائمة فى مصر،،
- تجربة ألبانيا ، القمع لا يحقق تقدما ،
- التجربة الايرانية،،
- الثورة مستمرة ،،
- دين لايسقط بالتقادم،،،
- الصقور، والحمائم ،،
- الرأسمالية الإسلامية، والإلحاد الناصرى.
- العقل، والعدالة !!
- حمدين ومادورو !!
- الديكتاتورية تولد الانقسام !!
- سعيدة العلمى ، الحرية وكرة القدم ،،
- أرض الصومال ،،،
- هدم الحجر،،،
- تعديل القرآن ، وتعديل الانجيل
- أزمات سورية ،،
- الشعر والهدم،،،
- تركيا والمخدرات ،،،
- العلاقة بين -برياه فيهر - والمسجد الأقصى !!
- عندما يكون الهدف نبيلا !!
- صفقة الغاز المصرية الإسرائيلية


المزيد.....




- كأنكَ لم تكُنْ
- طنجة بعد الطوفان
- أرواح تختنق
- ادباء ذي قار يحتفون بتجربة الشاعر كريم الزيدي ومجموعته -لا ت ...
- مرتفعات وذرينغ: ما قصة الرواية التي لا تزال تثير الجدل رغم م ...
- محمد أفاية: نهضتنا مُعلقة طالما لم نستثمر في بناء الإنسان
- من شتاء أوروبا لخريف الأوسكار: أجندة مهرجانات السينما في 202 ...
- فنار.. كيف تبني قطر عقلها الرقمي السيادي لحماية اللغة والهوي ...
- مطاردة -نوبل- في مقهى.. واسيني الأعرج يحول -مزحة- المثقفين ل ...
- فيلم -أرسلوا النجدة-.. غابة نفسية اسمها مكان العمل


المزيد.....

- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - حسن مدبولى - جلود المثقفين السميكة !!