|
|
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة السادسة عشرة) الباب الخامس: الصراع والخلافات الحزبية الفصل الثانى : تعقيب المحرر على وجهة نظر الرفيق هانى شكر الله ،،،،،،،
بشير صقر
الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 12:40
المحور:
التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية
نص التعقيب على ورقة الرفيق هانى شكر الله المنشورة فى الحلقة الخامسة عشر
من الدراسة الخاصة بالحركة الاشتراكية الراديكالية المصرية فى سبعبنات القرن الماضى
،،،،،،،،،
يتناول هذا التعقيب الجزء الثاني للدراسة المشار إليها وتبدأ من صـ ( 15- 40 ) بعنوان( مشكلة التنظيم والثورة .. ونهاية عصر الأفندية - فلاش باك 2 حزب العمال وحركة العمال ).
وللمصادفة الحسنة أنْ بدأ رفيقنا هاني حديثه بموقعة الغزل والنسيج بالإسكندرية ( قضية الإسكندرية ) التي - رغم ما تتمتع به من خصوصية نسبية إلا أنها - تستجمع كل خيوط وتعقيدات الأزمة الحزبية.. بمقدماتها وامتداداتها في لقطة واحدة أو بتعبير أدق في مشهد واحد؛ بدءا من البنية التحتية
- في موقع نوعى هام -ومعاييرها وكيفية بنائها ؛ مرورا بالسياسة التنظيمية والأمنية والجماهيرية؛ ووصولا لاستثمار نتائج الموقعة واستخلاص دروسها وعِبَرِها وتقويم عيوبها ، وسعيا لتطوير الصلة بين أطرافها ( الطلاب والعمال).
يقول رفيقنا هاني في صـ 17:
[ثلاث لحظات تاريخية يمكننا رصدها، حملت معها إمكانية ساطعة لتجاوز الانفصال التاريخي بين “الأفندية” والكادحين:
1-النصف الثاني من الأربعينيات ولعلها أضيعت بسبب هيمنة فكرة مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية في صفوف الحركة الماركسية المصرية، قبل أن تقطع الطريق عليها ثورة يوليو.
2- ولحظة ثورة يناير، وقد سعيت في هذا المقال وفي مقالات سابقة إلى رصد بعض من أسبابها،.
3-ولحظة السبعينيات وهي موضوعنا هنا. ]
وأضاف[ أن الحزب منذ اللحظة الأولى لنشأته بدا مؤهلا لتجاوز الفُرقة التاريخية بين “المثقفين” والطبقات الكادحة، وبخاصة الطبقة العاملة، أي تجاوز الفُرقة التاريخية بين “الأفندية” و ”الدهماء” ، وكان فتح الله محروس وغيره من أبرز القيادات العمالية الثورية هناك. ]
وهكذا شرع الرفيق هاني في مقاله بالولوج مباشرة إلى السبب الرئيسي الذى حرم حزب العمال من تجاوز الفرقة التاريخية بين " المثقفين " والطبقات الكادحة.
معضلة التنظيم وكارثة حلقة الاسكندرية:
ولأننا نعرف رفيقنا الراحل فتح الله حق المعرفة وتعايشنا معا لبعض الوقت ونقدره بالغ التقدير ولمسنا دوره في المؤتمر الدائم لعمال الغزل والنسيج بالإسكندرية وغيره بل وتعلمنا منه ؛ فإن ذلك يوجب أن نشير للجانب الآخر الذى لم يقترب منه الرفيق هاني ولا غيره وبدا كقضاء وقدر لا نملك
منه فكاكا ألا وهو الاختراق الأمني حيث قال [ شاءت الأقدار أن التشدد في معايير التجنيد والأمن بين الطلاب والمثقفين لم يقابله تشدد مماثل فيما يتعلق بالحركة العمالية العارمة في الإسكندرية، فكانت اختراقات بوليسية، وكان تمكن أجهزة الأمن من الوصول عبرها إلى قلب اللجنة المركزية
المؤسسة محدودة العدد.]
لقد قدم الرفيق هذه العبارة تفسيرا للضربة الأمنية التي داهمت نطاق الإسكندرية .
تساؤلات معيارية واستفسارات لم يجرى التحقيق فيها:
وللحقيقة فذلك التعليق / التفسير يُسْقطُ عدة أمور بالغة الأهمية منها :
1-هل جاء الاختراق في ثلاثة خلايا عمالية قبل الوحدة أم بعدها أم في التوقيتين معا ؟
2-من شارك في مناقشات الوحدة من الجانبين..؟ ومن اتخذ قرار الضم لحلقة لم يتم فرزها جيدا؟ وهل كانت هناك معايير تتعلق بالعضوية العمالية أم أن الثقة في رءوس الحلقة كانت العامل الحاسم ؟
3-إذا كانت رءوس الحلقة تتمثل في الرفاق فتح الله محروس وجمال عبد الفتاح وحسين شاهين وسعيد ناطورة فهل كان هؤلاء يتمتعون بخبرة تنظيمية وأمنية قادرة على تجنب مثل ذلك الاختراق سواء حدث ذلك في زمن السكون (أي قبل الضم) أم في زمن النشاط ( إبان أحداث مؤتمر عمال
الغزل والنسيج ) أي خلال التأجج الجماهيري..؟
4-من كان المسئول المركزي عن منطقة الإسكندرية منذ الوحدة وحتى الضربة وما التوصيات المركزية الموجهة له بشأن قيادة النطاق؟
5-من كان يتولى المسئولية المركزية للكفاح الجماهيري؟ وما هو دوره في عقد المؤتمر العمالي ؟ وماذا كان تصوره قبل عقده ؛ وتقييمه له بعد عقده وقبل أن تحدث الضربة الأمنية..؟
6-ما هو دور اللجنة المركزية على وجه التحديد من زاوية الحس الأمني والثقافة والخبرة الأمنية في قيادتها لذلك النطاق..؟ أم أن الحس الذى كان متوفرا آنذاك هو الحس الدعائي الذى رجح أهمية النقص في وعى العمال الثقافي و قدمه على الحس الأمني ودعاها إلى عقد دورة تثقيفية للعمال شارك فيها زملاء من الطلاب وآخرين من اللجنة المركزية ومن ثم تجاوز بديهيات أمنية معروفة هي { الفصل بين المستويات ، والفصل بين الأنطقة ، والفصل بين المجالات النوعية ( طلاب ، عمال )..؟ }
7-كيف وصلت المراقبة الأمنية من الإسكندرية إلى القاهرة ثم إلى أحد مقرات اللجنة المركزية الذي يتردد عليه زملاء لا علاقة لهم بالدورة التثقيفية المشار إليها..؟
8-هل تم إجراء تحقيق حزبي بشأن الضربة وإلام توصّل في تشخيصها وما هي نتيجته..؟
وهنا نطرح المعطيات التالية :
•على مدى ما يزيد عن أربعين عاما ( من 1975 – 2017) وفى صلة حزبية مباشرة قبلها مع أربعة من أعضاء منطقة الإسكندرية ( المشار إليهم برقم 3 أعلاه ) لم يحدث أن بادرني أو ناقشني واحد منهم بكلمة بشأن الضربة على الإطلاق ، بل ولم يحدثني واحد من أعضاء اللجنة المركزية في ا لأمر ، والأنكي أن لجنة المنطقة المختصة وطيلة الفترة من مايو 1975 وحتى منتصف 1976والتى ضمت الزملاء الأربعة المشار إليهم – لفترات متفاوتة – لم تتعرض بالنقاش لهذه الضربة في أي من اجتماعاتها ولم تتحاور بشأنها معي رغم أنى كنت عضوا بها من بعد الضربة بشهور
معدودة وحتى منتصف 1976 .. وكنت حتى منتصف عام 1975 مسئولها التنظيمي.
•أنى توليت مسئولية ما تبقى من عمال النطاق بعد الضربة مباشرة ؛ وفى كل اللقاءات التي عقِدت كان العمال يشكون مرّ الشكوى من عبء احتياطات التأمين التي أقوم بها معهم وتسبق أي لقاء. والتي لم تكن تزيد عما كنا ندرب الطلاب عليه سواء في الصعيد أو في القاهرة أو الإسكندرية أو
الدلتا.. وهو ما خلق لديّ يقينا بشأن ذلك سنتحدث عنه لاحقا.
•أن الحديث عن قضايا التنظيم- وضمنها احتياطات الأمن- بما تشمله من مكافحة الشرطة السياسية؛ وكشف المراقبة وكسرها ؛ إضافة إلى الالتزام بقواعد العمل السرى (من توفر خبرة عقد الاجتماعات ووسائل وأماكن عقدها وإخفاء المطبوعات الحزبية وكذا الجريدة الجماهيرية قبل وبعد
توزيعها على الأعضاء ، وكيفية التصرف إبان المعارك الجماهيرية والهجمات الأمنية على المناضلين الجماهيريين وغيرهم ، ومواجهة التحقيقات في حالة ضبطهم بأوراق حزبية أو جماهيرية أو تقارير – ذلك الحديث لا عائد من ورائه إن لم يرتفق بالإلمام العملي بتلك المهارات الحدّية.
لذلك فإني أرجح الآتي :
•أن إحجام رفاق المنطقة والمركز عن الحوار معي بأي حديث أو بخبرة مستقاة عن الضربة على مدى عشرات السنين تحكمه عدة أسباب منها أنهم يشعرون بأن خبراتهم – ولا أقول ثقافتهم – لا تمكنهم من ذلك.
وسبب آخر أن من له منهم صلة مباشرة بالضربة كان يشعر بالذنب أو بالندم ؛ ولا أعتقد أن انفراد هذا الشعور بهم لسنوات دون تخلص منه بالنقاش الهادئ والحوار المنطقي والنقد والمحاسبة الموضوعية لن يجعلهم أحرارا أو مستقلين بالكامل في إبداء آرائهم مستقبلا؛ تلك الآراء التي ستميل في
اتجاه الموازنات والحسابات التي عادة ما تكون غير منطقية ، بل وسيكونون أكثر انصياعا لآراء غيرهم مما لو تخلصوا من ذلك الشعور بطرق علمية وصحية .
وعموما (1) فعندما لاترتقى الخبرة العملية للمناضل فى مجال كفاحى حدّى الى مستوى يقارب حصيلته الثقافية ؛ فإن الفارق الواسع بينهما يساهم فى تحوله إلى شخص مدمن للرطانة فى ذلك المجال خصوصا إذا ما اسفرت ممارساته العملية عن خسائر حقيقية أو أخطاء جسيمة .
[1- أضيفت الفقرة الملونة بالتركواز فى 20 يونية 2024 .]
فى محيطه الحزبى . بل ولا نبالغ إن قلنا .. بل وينعكس ذلك على قدرته على الاقناع و على تصديق الرفاق له ، ومن ثم على ثقته بنفسه.
أما السبب الأخير فهو يتعلق بشخصي حيث أن جميعهم يعرفون أنى رفضت تقرير 9/5/ 1975 من أول لحظة بينما كانوا هم جميعا في الضفة الأخرى ؛ ولم يكن يمر اجتماع أو لقاء عابر دون أن أبرز اعتراضي عليه وأتهمه ( بأنه سيغرقنا ) ولم أترك فرصة دون السخرية منه ومن الكثير من
المقترحات التي سيقت استنباطا أو استلهاما منه أو تطبيقا له وأطلقُ عليها مصطلحات تهكمية ( مثل منصات إطلاق الجريدة، مسئول المجايب لتأمين الرفاق إلخ).. وهو ما أشعرهم بعدم جدوى الحديث.
•أن تكليفي بقيادة بقايا عمال الإسكندرية إثر الضربة أوصلني مباشرة للتأكد من أن نطاق الإسكندرية كان يفتقر لمعرفة العديد من البديهيات والمعارف التنظيمية ويعانى أكثر من انعدام الخبرات التنظيمية العملية مقارنا بكل المواقع التي سبق لي العمل بها داخل الحزب .
ولا أدل على ذلك من عدم كشف أي مقر حزبي خلال الفترة التي أعقبت الضربة حتى منتصف عام 1975 أو التعرض لأى مراقبة أمنية ؛ أو ضبط أية مطبوعات حزبية رغم احتدام النشاط الجماهيري ورغم مظاهرة الطلاب والعمال بمحكمة المنشية إبان الجلسة الأولى لمحاكمة الزملاء
المحبوسين.. حيث وضعنا خطتها وأحكمنا إدارتها ونفذنا تفاصيلها بالحرف وأثمرت عديدا من العاطفين ورفعت معنويات الزملاء المحبوسين- حسب نص كلماتهم- وطلابَ الجامعة وأهالي العمال إلى حدود لم نكن نتوقعها.
•أن الحديث عن المبادئ والبديهيات التنظيمية شئ وممارستها وإجادتها شئ آخرتماما ، وهو ما مثل الثغرة التي تسللت منها أجهزة الأمن لتضرب ضربتها.
وعليه فالثرثرة بتك المعارف لا طائل من ورائها إن لم تتحول إلى شئ حي يمشى على أرجل. فالحماية من الشرطة تتطلب استحكامات عملية تحول دون وصول أجهزة الأمن إلى داخل الحزب بل وتمنع اقترابه من حلقات العاطفين والأنصار المتتالية الملتفة حول الحزب.. ومن ثم لا تتطلب
رطانة لا تمثل في أفضل الأحوال أكثر من سذاجة.
•أما عن الرفاق أعضاء منطقة الإسكندرية قبل الضربة الذين ودّع الحياة بعدها ثلاثة منهم فقد عانوا بداية من قلة الخبرة التنظيمية قبل الضربة وربما عانى بعضهم من انعدام البديهيات والمعارف التنظيمية ، وفى الحقيقة ليس الذنب بكامله ذنبهم لأن اللجنة المركزية تتحمل جانبا أكبر في
الكارثة.. هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى فإن الراحل العزيز فتح الله الذى كان أبرز أعضائها من الناحية الكفاحية والجماهيرية يتحمل وزر عملية التجنيد أيا كان توقيتها قبل انضمام الحلقة للحزب أو بعده { فقد كان المسئول المباشر عن تجنيد ثلاثة من مخبري جهاز الأمن القومي هم ( أحمد
محمد حسنين الشاطبي ، محمد أنور عبد المقصود ،عبد السلام محمد أبو العينين ) حيث الأوليْن كانا يعملان بـ (شركة سباهي) التي يعمل بها الراحل فتح الله على مدى أكثر من 20 عاما بينما الثالث فبشركة النحاس }.
إذن فهو أكثر أعضائها خبرة وهو ترمومتر لجنة المنطقة وأقدمهم بالمهنة وأوسعهم علاقات بمختلف المصانع والشركات وأكثرهم حركة في أحياء المنطقة العمالية ؛ باختصار كان بمثابة " حكيم وشيخ حارة " هذا النطاق العمالي وأبرزهم فهما لقضايا عمال الغزل والنسيج وزعيم المؤتمر الدائم
لعمال الغزل والنسيج بل وقائده النقابي والفكري والممثل السياسي الأبرز لمطالب العمال ، ومع ذلك لم تشفع له تلك المقومات الهائلة وذلك التاريخ العريض للنجاة من فخ الاختراق الأمني ولم تسعفه زعامته النقابية والسياسية لعمال شرق الإسكندرية في رأب التوازن والاتساق المختل في جوانب
تكوينه النضالي .
لقد كان صديقنا الراحل- طيب الله ثراه- ينظر للآخرين- من مختلف الميول والتوجهات- بعيون مدرسة ( كل الناس حلوين ). ومن هنا جند المخبرين الثلاثة.. وفيما بعد ظل حبيس الإحساس بالذنب – إزاء هذا الاختراق ففقد بعض توازنه وفقد استقلاليته فلم يتمكن من الاعتراض على تقرير 9/
5 التنظيمي وظل صامتا حتى طوته هرّاسة ( الموافقة / الاستبداد ) تحت عجلاتها وقذفت به إلى مَحْبس الأقلية لعدة سنوات بعدها.. ولم يعد إلى موطنه العمالي الأصلي إلا بعد أن حاصرته الأغلبية.. هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى فقد كان يتمتع بقبول وحضور ومحبة نادرة داخل الحزب
وخارجه خصوصا بين صداقاته وعلاقاته الغزيرة في وسطه الاجتماعي؛ وكان يتحلى بعدد من الخصال الإنسانية الأخاذة من شهامة ومروءة.. ووفاء بالواجبات الاجتماعية وخدمة للآخرين؛ وكذلك بسمات شخصية جذابة من بشاشة وبساطة وخفة ظل وملاحة تدفع معظم الأطفال الذين يعرفونه
به والتشبث برقبته أينما حل وتواجد.
لكن وكما يقول المثل الشعبي المعروف " الحلو ما يكملش " وهو ما يعنينا في هذا الموضوع و يعيدنا إلى جوانب شخصيته الكفاحية التي شابها بعض النواقص وأسهم في كارثة ضربة الإسكندرية الأمنية حيث كان قد جند في حلقته بعض عملاء أحد الأجهزة الأمنية وذلك قبل إجراء محادثات
والضم. ولربما لو وجد العون الحقيقي منذ بداية انضمام حلقته للحزب لاضمحلت تلك النواقص و لَتفادى الحزبُ الضربة أو قلل من تأثيرها ولاتخذ تطوّرُ الرفيق منحى مغايرا ومسارُنا الكفاحي سبيلا أصوب.
فالمناضلون الحقيقيون يتربون بالأساس داخل الحزب يكتسبون فيه مزيدا من المهارات ويسنون فيه أنصالهم. وتفجّرُ الروحُ الحزبية الجماعية ثقتَهم بأنفسهم وبتنظيمهم وبالمستقبل؛ وتصقل مواهبهم وإبداعاتهم ومبادراتهم الخلاقة؛ ليس هذا فحسب بل وتقوّم عيوبهم وتعالج جوانب قصورهم
وثغراتها وتشذب نتوءاتهم.
لقد أظهرت الضربة أن الجهد المبذول من اللجنة المركزية تجاه رفاق حلقة الإسكندرية العمالية ككل ومع كوادرها وأعضائها كان أقل كثيرا مما كانت تُعوّله عليهم من آمال؛ وأدنى بما لا يقاس مما ألقت به على كواهلهم من أعباء ومهمات أو حتى مما كَلّف به هؤلاء الرفاق أنفسهم من مهام.
إن التشبيه الأقرب لرفاق الحزب بالإسكندرية إبان مؤتمرهم الشهير هو " الكتكوت الفصيح طالع من البيضة يصيح "؛ فالبيضة كانت بيئته التي لم يبرحها الكتكوت إلا من أمد قصير، و" هَبْوُها لم يزل يبلل أجنحته بالعرق ". بينما هو يواجه بيئة جديدة وعالما مغايرا لم يعهدهما من قبل.. عالَما
مليئا بالضواري وبيئة تكتظ بالملوثات. وأيّا كان صياحُه دالّا على فصاحته فإن للمعرفة بالعالم الجديد جهدا لابد من بذله وثمنا لا مفر من دفعه بالمعاناة والتدريب واليقظة .. وإلا تبدد صياحه في البحر.. أو تحول إلى ديك زينة أو انتحل شخصية ديك شهرزاد.
ومن ناحية أخري ذكرتني قابلية الرفيق فتح الله للتهويش واستجابته للتحريض برفيقنا الراحل صلاح يوسف الذى لم يكن يفترق عنه كثيرا في هذا الشأن رغم جوانب بروزهما العبقرية كلٌ في مجاله ؛ ولم تنفع الأولَ موافقته الفورية على تقرير 9/5 التنظيمي لدى ظهور أول بادرة اعتراض منه
– فيما بعد - ضد اللجنة المركزية؛ كما لم تشفع للثاني الخدماتُ الجليلة التي قدمتها زوجته للجنة المركزية- بالتخفف من عبء تخزين آلاف النسخ الراكدة من جريدة الانتفاض بالتخلص منها حرقا في فرن منزلها – أو تُجَنبَه العقاب على تعاطفه الواضح مع المخالفين للتقرير التنظيمي. ورغم
في الاستمرار بالحزب إبان أزمة التقرير التنظيمي ( 9/5).. فقد أطيح به هو وزوجته وابنته إلى الشارع وهو مفصول من الجامعة ومطلوب للتجنيد ولا يملك قوت يومه أو أجر مسكنه.
لكنها للأسف عيوب اختلال التوازن وضعف الاتساق فى التكوين النضالي لقيادتين جماهيريتين نادرتين ومحبوبتين.
•أما عن بقية رفاق منطقة الإسكندرية فقد انحاز أحدهم - العامل سعيد ناطورة- إلى تقرير 9/5 من اللحظات الأولى وتم تصعيده فى بحر أشهر معدودة من عضو لجنة قسم إلى اللجنة المركزية وظل بها حتى اضطر للعودة - كما حضر- لموطنه الأصلي الإسكندرية ثم غادر عالمنا ، أما الراحل
حسين شاهين الذى انحاز هو الآخر للجنة المركزية ووافق على تقرير 9/5 فلا أتذكر له - بخلاف لطفه ورقته - أكثر من الموافقة على القرارات الصادرة من لجنة المنطقة لصالح توجهات اللجنة المركزية.
•بينما الرفيق جمال عبد الفتاح الذى عانى من المماحكات الشخصية الرديئة - بعد خروجه من السجن – من بعض رفاقه القدامى في المنطقة وآخرين في اللجنة المركزية فقد اتخذ في البداية موقفا ضد تقرير 9/5 ، شعرتُ منه أنه لم يكن موقفا أصيلا أوعن قناعة حقيقية، وما هي إلا شهور
حتى أبعِدَ عن لجنة منطقة الإسكندرية إلى منطقة الصعيد ، وهناك تمت مساومته فوافق على التقرير التنظيمي مقابل ترقيته إلى اللجنة المركزية لسنوات.. حتى التحق هو الآخر بقافلة الأقلية ( التي دفعت ثمن موافقتها على تقرير 9/5 وحماسها لطرد المخالفين له ؛ ثم دفعت مرة أخرى ضريبة
ظهور النتائج السلبية لتطبيق التقرير على سياسات الحزب ووضعه التنظيمي ومردوده الجماهيري وثمن الاعتراض- بعد فوات الأوان- على بعضها).
•هذا وقد أفادني بعض أفرادها – في وقت لاحق- بأنهم عوملوا من أغلبية اللجنة المركزية بأسوأ مما عومل " الانشقاق والتكتل ".
•هذا ويوضح المسار الذى اتخذه (كبار حلقة العمال بالإسكندرية ) منذ خروجهم من السجن في الربع الثاني من عام 1975 وكان ثلاثة منهم في نفس الوقت أعضاء بلجنة منطقة الإسكندرية ورابعهم عضو بلجنة القسم ،أنهم جميعا وافقوا على سياسات اللجنة المركزية التي أحدثت انقلابا فى الخط
التنظيمي وأثرت بشدة على الكفاح الجماهيري بالسلب.. قبل أن تَطرُدَ عام 1976 ما مقداره 56 كادرا خارج أسوار الحزب هم قوام مجموعتي "الانشقاق والتكتل". ولا تفسير عندي لذلك أكثر من وقوعهم أسرى عقدة الذنب إزاء الضربة الأمنية من ناحية.. واحتياجهم - فى نفس اللحظة - للحماية
من مآخذ وانتقادات رفاق الحزب بشأنها من ناحية ثانية ومن ثم لجوئهم التلقائي لأحضان قائد انقلاب 9/5 حيث الدفء الذى توهموه واقيا من آثار برودة وآلام جدران السجن على مدى حولين كاملين.
نموذج مغاير للعمل العلني يساعد في توضيح الصورة :
إبان نشاط اللجنة الشعبية المصرية لدعم الانتفاضة الفلسطينية اعتبارا من أواخر عام 2000 وحتى 2004 استند وجود هذه اللجنة الجماهيرية العلنية على:
1-استمرار الانتفاضة وتصاعدها؛ وردود الأفعال الإيجابية إزاءها من داخل الأرض المحتلة.
2-شرف وسمو الهدف الذى تشرع اللجنة في الوصول إليه ( الدعم المادي والسياسي والمعنوي للانتفاضة المشتعلة ) .
3-التأييد الشعبي المصري المتصاعد لنشاطها فيما لا يقل عن 15 محافظة تأسست بها لجان مماثلة شارك منها في الدعم المادي ..إضافة إلى السياسي ما لا يقل عن 9 محافظات.. بينما اكتفت البقية بالدعم السياسي و المعنوي ..
لكن الاستمرار في العمل في مراحله الأولى تطلب شرطا آخر حيويا تمثل في ضرورة إيجاد مخازن كبيرة وصحية بمدينة العريش لا تصل إليها عيون الأمن لضمان استقبالها لما يتراكم لدى اللجنة من تبرعات عينية في بقية المحافظات الأخرى.
لذا قامت اللجنة في سرية تامة - ومن خلال بعض أعضائها - باستئجار تلك المخازن- بالعريش- بشكل قانوني وإخفاء مكان وجودها عن كل أعضاء الهيئة القيادية التي تدير العمل في اللجنة وعن بقية لجان المحافظات بما فيها لجنة العريش. ولولا ذلك ما تمكنت اللجنة من الاستمرار في العمل ؛
حيث لم تكن قد توصلت بعد إلى إمكانية إدخال التبرعات مباشرة إلى معبر رفح ومنه إلى الأرض المحتلة.
باختصار إذا كان العمل العلني في مجتمعنا يحتاج أحيانا- في مرحلة من مراحله - إلى استخدام السرية ليمكن الاستمرار فيه ؛ فماذا عن العمل الحزبي الذى تشكل السرية شرطا حاسما من شروط تأسيسه واستمراره وسلامته ونجاحه..؟
لذا فلا يمكن الاستهانة بذلك في زمن يسيطر فيه على العالم أشد أنظمته رجعية في مرحلة دفاعه المستميت عن النفس وإحساسه المتفاقم بأزماته الدورية بل وبدنو أجله ..علاوة على أنظمة محلية لا تقل عنه شراسة وتتجاوزه في الفساد والاستبداد.
فهل كان القضاء والقدر وراء التشدد في معايير التجنيد في مكان والتخفف منها في مكان آخر..؟ أم كان وراء الصمت عن معارضة تقرير 9/5 في حالات والتظاهر برفضه في حالات أخرى..؟ أم في الحماس له في توقيت والتبرّم من آثاره الكارثية في توقيت آخر..؟!
متى تتباين المعايير..؟
•خلاصة القول أن الأقدار لم تشأ أن تقذفَ ( طيورُ الأبابيل ) جماهيرَ الطلاب والمثقفين بمعايير التشدد وتحجبها عن جماهير العمال؛ فواقع الحال قد أكد آنذاك ألا تَشدّد جرى تطبيقه في أوساط الطلاب بالمرة حيث كنت شاهد عيان على ذلك وتيسر لي العمل في كل أنطقة الحزب جميعا. والتفاوت
في المعايير ( للعضوية والكادر الوسيط والقيادي) يتوقف على أي مرحلة يمر بها الحزب..؟ مرحلة التأسيس أم مرحلة التحول لحزب جماهيري..؟ ففي الأولى تطبق المعايير كاملة وفى الثانية يُكتفى بالموافقة على برنامج الحزب والكفاح على أساسه.
•لذا يمكن القطع بوجود أسباب أخرى موضوعية وأخطاء بشرية محددة هي التي أفضت إلى حالات الاختراق في ضربة عام 1973 بالإسكندرية ؛ وإلى كشف أجهزة الأمن لعدد من المقار السرية وعدد من الزملاء في ضربة حلوان عام 1979.
لم تساءلنا عن هوية المسئول المركزي للكفاح الجماهيري وكفاءاته وميوله..؟ :
تعيش التنظيمات الاشتراكية السرية فترات تأسيسها الأولى في حالة من" الرتابة والهدوء" لا تلبث أن تتغير بمجرد انخراطها في أول معركة جماهيرية كبيرة نسبيا. حيث يتبدل الحال.. من (الانغماس في ترتيب أوضاعها الداخلية المتنوعة وإعداد وثائقها ومقراتها إلخ) إلى (تقييم المعركة الأولى
وحصادها وجوانب قصورها على ضوء التصور الأوّلى لخوضها؛ بما يعنيه ذلك من حراك وحرارة تشعر المناضلين بأن شيئا جديدا يحدث لهم). وعادة ما يكون التفاؤل متناسبا مع مستوى النجاح الذى أحرزته في المعركة؛ والعكس صحيح فيما لو لم ينجح في خوض معركته الكبرى الأولى أو
كان حصادها محدودا .
ولأن خوض المعارك لا يُفرَضُ على الحزب فرضا إلّا في حالات معينة ؛ فإن اختيار معارك كبيرة نوعا ما لخوضها يحدده الحزب أولا( استنادا لتكتيكه وحجم قواه) مراعيا في ذلك تقدير القادة الميدانيين.
وهنا يأتي دور المسئول الجماهيري المركزي الذى يمثل تقديره في كثير من الأحوال عنصرا مرجحا في اتخاذ اللجنة المركزية لقرارها بخوض المعركة.
لذلك فهوية المسئول الجماهيري المركزي النضالية التي تحددها كفاءاته وميوله تكون بالغة الأهمية في اختيار وتوجيه المعارك.
و نشير إلى ملاحظة هامة وهى أن المسئول الجماهيري المركزي يختلف في دوره عن القائد الجماهيري الميداني ، فدور الأول يتلخص في (التخطيط والدعم؛ وتوَقع مسار المعركة واحتمالاتها ؛ والنتائج واستثمارها بالأساس) بينما الآخر يتجسد دوره في القيادة المباشرة للمعركة بكل ما يعنيه
ذلك من إلمام بالتفاصيل (توزيع المهام ، القوى الأخرى بالموقع ، القدرة على مواجهة المفاجآت، الحد الأدنى والأقصى للمطالب ،توفير وسائل العمل وشعاراته.. إلخ ).
هذا ونرى أن تتوفر في المسئول الجماهيري المركزي الشروط التالية :
1-الكفاءة.. والخبرة السابقة ببعض أنواع الكفاح الجماهيري.
2-الإلمام بطبيعة القضايا السياسية والجماهيرية الخاصة بجمهور القطاع المعنى.
3-لتميز في فهم مهارات (التنظيم الجماهيري) تحديدا .
4-.الفهم الخاص لقضية الأمان في المعارك الجماهيرية (والحرص على تعليم الرفاق الجماهيريين كيفية كتابة التقرير الجماهيري عن المعارك باختلاف مستوياتها. ، والنضالات اليومية ) ؛ ليكون مرآة حقيقية لكل من يتعامل معه ويكون بعيدا عن العمل اليومي .
5-اتساع الأفق بشأن كيفية التعامل مع النتائج المستقبلية للمعارك الجماهيرية ، وآثارها المحتملة. وخير مثال لذلك هو أحداث عزبة سراندو بحيرة التي شغلت الرأي العام من مارس 2005 لمدة عام كامل أو يزيد حيث هرع العديد من التجمعات السياسية لدعمها كل حسب تصوره ودون معرفة
بظروف الفلاحين ووعيهم وقدرتهم على مواجهة عصابات العائلة الإقطاعية المدعومة مباشرة من أجهزة الأمن؛ وقد تقاسما معا الهجوم على الفلاحين والتنكيل بهم مما أفضى إلى هجرة جماعية لفلاحي القرية إلى أراضي وبيوت القرى المجاورة ( البشر والحيوانات والطيور ) لمدة تتجاوز
الأربعة أسابيع فضلا عمن تم القبض عليهم من رجالها ونسائها وتعذيب بعضهم إلى حد الوفاة .
كان دعم التجمعات السياسية لهم متنوعا (قانوني ، مادي ) وبالرغم من تلاؤمهما مع احتياجات الفلاحين إلا أن بعض الداعمين ارتكبوا خطأ فاحشا .. حيث قام بعضهم بمظاهرات في القرية ترفع شعارات ينادى بعضها بسقوط مبارك؛ لذلك لم ينضم إليها فلاح واحد. حيث بعد انتهاء المظاهرة
ومغادرة المتظاهرين قامت قوات الشرطة بالتوجه للقرية لتأديب فلاحيها بشكل بالغ الوحشية وقد تكرر ذلك عدة مرات مما دعا الفلاحين للمطالبة بعدم تكرار تلك المظاهرات حتى ولو كانت تحمل لهم الدعوم الغذائية.
وترجمة ذلك ببساطة أن الفلاحين حُرِموا من الدعوم والتأييد السياسي لتلك التجمعات الهابطة عليهم من ناحية ؛ ومن ناحية أخرى إحباط الداعمين الذين كانوا يسعون لمعاونة الفلاحين والتخفيف عنهم.. فإذا بهم مطالبون بالكف عما يقدمونه. وعبرة هذه الواقعة تتمثل في ضرورة مراعاة القائمين
على أي عمل جماهيري لنتائجه المحتملة مستقبلا وتلاؤمه مع الجمهور المعنى؛ خصوصا ما يتعلق بوعيهم وقدرتهم على الاستمرار في المقاومة لمدة تتجاوز شهورا متصلة .. هذا في حالتنا التي نناقشها .
أما في حالات أخرى تتصل بالنشاط الحزبي الجماهيري فهناك اعتبارات أخرى وثيقة الصلة بالبنية التحتية للحزب ينبغي وضعها في الاعتبار وبكمّ العاطفين والأنصار الجدد الذين تفرزهم المعركة ويحتاجون لتوظيفهم في مهام آنية حتى لا يتسربوا بعيدا عن الحزب أو يصيبهم الإحباط.
وعليه فلو كان المسئول الجماهيري المركزي متمتعا بتلك المقومات أو بمعظمها أو بقدرة عالية على التعلم تمكنه من سد تلك النواقص سريعا فسيختلف قطعا عن آخر يكون مثقفا لكنه قليل الخبرة والتجربة ( الجماهيرية).
لأن الأخير- مع كل إخلاصه وتفانيه- ستغلب عليه ميوله ومهاراته الثقافية في اللجوء للنقل أكثر من الابتكار والتصويب ؛ وسيكون قيدا على تطوير ابتكارات الرفاق الجماهيريين... غير مدرك لأبعاد النتائج المحتملة للمعارك الكبيرة وتأثيراتها .. بينما النوع الآخر سيكون عونا ودعما لهم ؛ وذا
عين خبيرة.
فهل كان المسئول الجماهيري المركزي من هذا الطراز إبان معركة المؤتمر الدائم لعمل الغزل والنسيج بالإسكندرية..؟!
طلبة وعمال، معضلة الوطن والطبقة :
وتحت هذا العنوان كتب الرفيق هاني في صـ 18 – 21 :
[ نحن إذن إزاء منظمة ثورية، تنشأ نشأة مبكرة، ممتلكة خطا فكريا وسياسيا ثوريا . ومن ناحية أخرى تنشأ وهي تضم في عضويتها أعدادا من العمال ربما تفوق أعداد المثقفين، والكل منخرطون في كفاح شعبي يومي.
نحن إذن أمام تناقض حقيقي بين تركيبتين متمايزتين للوعي ، وهو تناقض لا يحله ببساطة تبني الماركسية ؛ أو حتى الانضمام لتنظيم شيوعي ثوري، وإنما مجرد مدخل لعملية تاريخية بالغة التعقيد.. لتشكُّل الوعي الثوري في الممارسة الثورية.
المنطلقات الفكرية والسياسية الأساسية كانت توفر للتنظيم الوليد أفضل الأدوات المتاحة وقتها لمعالجة ذلك التناقض.
وذلك بالنقد الحازم لأوهام “البرجوازية الوطنية” و” الجناح الوطني” و ”المجموعة الاشتراكية في السلطة"، وبتأكيده على أن المهمات الديمقراطية والوطنية المتبقية لن تتحقق إلا بواسطة حلف الطبقة العاملة وجماهير الكادحين في الريف والمدينة، وفي إطار النضال من أجل الثورة الاشتراكية.
شهدت المنظمة تطورا هائلا في العضوية ، بحيث لا تكاد تخلو محافظة أو بلدة مصرية مهمة من منظمة محلية للتنظيم الشيوعي المصري.]
ومع اعتراضنا على عبارة ( أن أعداد العمال ربما كانت تفوق أعداد المثقفين ) باعتبار أن هناك إقرار مسبق بتباين المعايير المطبقة على العضوية في الحالتين كما ذكر الرفيق هاني.. واستنادا إلى ملاحظاتنا المباشرة في هذا الشأن على المتبقين من عمال الإسكندرية بعد الضربة.
كذلك فالحديث عن تضاعف العضوية بعبارة ( لا تكاد تخلو محافظة أو بلدة مصرية مهمة من منظمة محلية) هو نوع من الكلام المرسل أو المبالغة الشديدة لا نتفق معه بالمرة.
إلا أننا نوافق على أننا كنا (أمام تناقض حقيقي بين تركيبتين متمايزتين للوعي ، وهو تناقض لا يحله ببساطة تبني الماركسية أو حتى الانضمام لتنظيم شيوعي ثوري، وإنما عملية تاريخية معقدة لتشكل الوعى في الممارسة الثورية.)
وحسبما أفاد الرفيق هاني لم يوفر امتلاكُ التنظيم لخط فكرى وسياسي ثوري الحمايةَ له ، كما لم توفر الانتقادات الحازمة - لأوهام البرجوازية الوطنية والمجموعة الاشتراكية في السلطة إلخ - عدم الوقوع في فخاخ من نوع آخر تنظيمية وأمنية. وعليه فالعملية التاريخية المعقدة التي يُعوّلُ عليها
الرفيق في حل ذلك التناقض ( بتشكيل الوعى في الممارسة الثورية) لم تحدث ، بل تم سلقها وتعجلها استجابة لقلق برجوازي صغير أملته رغبة في الإسراع بعقد المؤتمر العمالي الدائم ( للغزل والنسيج) بأي شكل، وخفة أغفلت عددا من الشروط العملية ( تنظيمية وأمنية وجماهيرية ) بالغة
الأهمية إبان الإعداد وعقد مؤتمر عمال الغزل والنسيج بالإسكندرية .. أفضت إلى الكارثة.
باختصار شرعت منطقة الإسكندرية تحت الإشراف المباشر للجنة المركزية في خوض معركة كبرى لافتتها الرئيسية جماهيرية دون توفير مقوماتها التنظيمية والأمنية والبشرية ؛ كما لم تتنبه لمخاطر ردود الفعل المعادية للنتائج السياسية والنقابية والتنظيمية التي تعرف مسبقا أن المؤتمر
سيتوصل لها وتتمثل في :
•مطالب وتوصيات مؤتمر 4 مايو73 النقابية التي تحتاج توسيع دائرة نشرها والدعاية بشأنها وتبنيها العملي ( أي السعي لتطبيقها ).. من ناحية ، والاحتمال المرجح باستثارة أجهزة الأمن إزاء ما تضمنته من مخاطر جديدة من ناحية أخرى.
•طابور من الصلات والعلاقات والعاطفين الجدد يحتاج اهتماما وجهدا وتوظيفا (فرزا وتدريجا وتنظيما) ؛ فضلا عما يفترضه ذلك من توفر إمكانيات مادية وتنظيمية وأمنية ملائمة للوفاء بتلك المهمة الجديدة .. وهو ما تنوء به إمكانيات المنطقة من محدودية القوام وضعف الكفاءات
خصوصا التنظيمية والأمنية وما دللت عليه النتائج العملية فور انتهاء المؤتمر والدورة التثقيفية.
هذا ورغم تواضع مدخلات ( المؤتمر ) إلا أن مخرجاته الإيجابية كانت هائلة ؛ ومع ذلك شكلت " نقمة "على الحزب فانقلب الفرح مأتما لا لشئ إلا لأن الاستعداد للمعركة شابهُ هزالُ المقومات فضلا عن القصور الشديد في الإعداد وكذا في التحضير لعقد الدورة التثقيفية التي تلتها وانفجرت في
وجه الحزب ومنظميها. فالعضوية المتوفرة ضعيفة متدنية الوعى وكوادر النطاق محدودة العدد أو تعانى من ضعف توازن جوانبها أومن الدوجمائية أو تتسم بعدد من أسوأ صفات المثقفين ؛ وجميعها مفتقرة إلى الخبرة العملية في التنظيم والعمل السرى ومكافحة الشرطة السياسية حتى وإن امتلك
بعضها ثقافتها.
إن الحشد الجماهيري العمالي الهائل الذى ضمه المؤتمر الدائم لعمال الغزل والنسيج بالإسكندرية في مايو 1973 وكونه باكورة نضال عمالي مستحدث بالمدينة ؛ بما أفرزه من مطالب وتوصيات عمالية هامة ، وما خلقه من انتعاشة معنوية و روح وثابة في الحزب وفى أوساط عمال النسيج ؛
كانت حصادا منطقيا حقيقيا لنا في تلك الفترة المبكرة من تواجدنا الحزبي ؛ لكنها بكل أسف كانت ترتكز على بنية تحتية هشة سبق الحديث عنها .
ولأن أجهزة الأمن تمكنت من رصد واختراق تلك البنية والاطلاع على كثير من التفاصيل فقد ضربت ضربتها في الوقت المناسب لتقول لنا – ولكن من الضفة الأخرى – أنْ " ليس كل ما يلمع ذهبا .. حتى ولو كان ذهبا ". فالنتائج الماثلة أمامنا والعمل الذى أنتجها كانت أشبه بالنتائج " الخادعة
" .. لا لشئ إلا لأنها ارتكزت على بنية تحتية هزيلة .. ومخترقة .
وبالمناسبة فالبنية التحتية الهزيلة وغير المخترقة ستكون - في مثل هذه الظروف - عرضة وفرصة مواتية للاختراق فيما بعد - إذا لم تعالج – كما شكلت النجاحات المتحصّلة ساترا لعيوبها القاتلة.
وهذا يدفعنا إلى التسليم بأن تقييم عمل ما.. لابد أن يأخذ في الحسبان ليس مجرد نتائجه أو الجهود التي بذلت فيه .. بل وأيضا البناء الخفي غير الظاهر للعيان الذى يقف خلفه ويؤسس له ويمده بزاد التماسك والتقدم والاستمرار. وهو ما يعنى أن العملية التاريخية التي تحدث عنها رفيقنا هاني
كانت تتطلب مقومات ومقدمات مغايرة وعملا نوعيا أرقى ووقتا ومعايير أخرى بشأن العضويات الحزبية ( عضويات الحلقة ) التي أشك أن مشكلتها تقتصر على معايير العضوية الأمنية والإلمام بقواعد العمل السرى بل تتخطاها إلى ما هو أوسع من ذلك كثيرا .
ضربة 73 وتأثيراتها:
وتحت هذا العنوان يقول الرفيق هاني صـ20 :
[تضافر تطوران مهمان ؛ الأول هو الصعود العارم للحركة الطلابية وحركة المثقفين ، فتتسع صفوف التنظيم الشيوعي المصري أضعافا مضاعفة، رغم التشدد البالغ في “معايير التجنيد”، فضلا عن تشدد أكثر حدة في التقيد بأساليب العمل السري والحفاظ على أمن العمل الحزبي وإخفائه عن
أجهزة الأمن والتطور الثاني تمثل فيما أطلق عليه وقتها “ضربة 73 التنظيمية” التي طالت حركة عمال الغزل والنسيج في الإسكندرية.]
وتفيدنا الفقرة السابقة باستنتاج شديد الأهمية مفاده أن ما اعتُبِر تشددا في المعايير في صفوف الطلاب والمثقفين تبين أنه كان التقدير الأصوب في حد ذاته ؛ و خصوصا عندما ينسب أو يقارَن بما تم تطبيقه في صفوف العمال.
ونعود هنا إلى بديهية لا يمكن إنكارها هي أن التشدد ( يسارا) أو بمعنى أدق الحذر في تطبيق معيار ما في أي عمل مهني أو سياسي أو تنظيمي هو الصمام الأكثر أمْنا لنجاح العمل .. حتى يُتبينَ أنه معيار متطرف استنادا إلى اختباره في التطبيق والممارسة الأولية وعندئذ يتم تعديله فيما بعد
..هذا بشكل عام. أما في السياسة والتنظيم فإن انحراف المعيار جهة اليمين يُصَعّب تعديله ؛ وإنْ جرى تعديله فسيكون مقابل خسائر- تكون على الأرجح- فادحة. والعكس صحيح فيما لو كان المعيار في بداية تطبيقه منحرفا ناحية اليسار؛ حيث يسهل التعديل.
ولتقريب الأمر للأذهان .. لوكان معيار التجنيد يساريا وأدى تطبيقه لمنع بعض العاطفين من دخول الحزب فسنكتشف ذلك في الممارسة ، وهى التي تدفعنا للتخفف من ذلك ( التشدد) اليساري في وقت لاحق؛ وبالتالي تقتصر الخسائر على حرمان الحزب من جهود هؤلاء العاطفين لفترة من
الزمن لا أكثر؛ علما بأن هؤلاء العاطفين الأكفاء سيظل الحزب مستفيدا من جهودهم في الدوائر والحلقات التي تحيط بالحزب طيلة تلك الفترة.
وعلى اليد الأخرى لو كان معيار التجنيد يمينيا فسيفضى إلى انخراط عناصر ضعيفة في العمل الحزبي بما يعوقه من ناحية فضلا عما يسببه من ثغرات أمنية لو كانت تلك العناصر مفتقدة للإلمام بالقواعد الأمنية أو بإجادة العمل السرى؛ علاوة على أن التخلص منهم عند تعديل المعيار يكون
بالغ الصعوبة وزاخرا بالخسائر.
ولأن هناك مقولة حكيمة تقول : " أن الشعب هو حامى أحزابه السرية " ، نرددها دون إدراك فحواها؛ ويتمثل معناها في أن الحزب السرى عادة ما تحيطه دوائر متتالية من العاطفين والأنصار يتناسب وعيها مع درجة اقتراب كل منها من جسم الحزب. وتتنوع مهام أفراد كل دائرة منها حسب
كفاءاتهم وميولهم وحسب احتياجات الحزب ، وتشكل حلقات أو دوائر العاطفين تلك .. مراكز تدريب تصقل أفرادها حيث يتم فيها اختبار وعيهم وصلابتهم وقدرتهم على مواجهة أجهزة الأمن وتُكتشَف فيها ميولُهم الحقيقية وجوانب تفوقهم ومناطق ضعفهم إلخ .. لأنهم يقومون بمهام كفاحية ككثير
من العضويات الحزبية القاعدية خصوصا من يشاركون منهم في العمل الجماهيرى. باختصار ..
حلقات العاطفين والأنصار هي مراكز تدريب وفرز وتصنيف.وبالقطع ولأن العاطفين عادة لا يقتصرون على دائرة واحدة بل على عدة دوائر ولأنهم يشكلون حلقة الوصل مع عموم الجماهير فهم يمثلون الدرقة التي تحمى الحزب من كثير من العواصف .. هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى فالمعايير اليمينية في التجنيد – ولأنها لا تدرك بعمق.. كنه وظيفة الحزب- تتهافت على تجنيد العاطفين على الحزب بأي شكل - وأقرب مثال لذلك هو فوج لينين الذى دخل الحزب في أعقاب طرد " الانشقاق والتكتل "- ولأنها لا تفهم أن " العدد في الليمون " وأن قوة الحزب
ليست في عدد أعضائه ولكن في فعاليته ، أي في قدرته على تنظيم الجماهير في تشكيلات متنوعة غير حزبية ( نقابية ، ومهنية ، واجتماعية وثقافية ورياضية ، عمالية وفلاحية وطلابية إلخ)؛ وفى شن المعارك المتنوعة ؛ وفى نجاحه في تفجير طاقاتها ؛ وفى بث عناصر حزبية داخلها تتناول
طرح القضايا الملحة التي تهم أعضاءها .
وهو ما يعنى أن عدد أعضاء الحزب ليس الفيصل في تحديد قوته وتأثيره فكم من أحزاب تضم مئات الآلاف من الأعضاء لم تبلغ فعاليتها جزءا محدودا من فعالية أحزاب تضم نصف هذا العدد وربما أقل ، وتلك نقطة أخرى تصب في صالح التدقيق في التجنيد وفى معايير العضوية ولا تلهث
خلف زيادة عدد الأعضاء بأي شكل ولا إلى التكالب العصبوي مع الفصائل الأخرى والتنافس على العضويات. خلاصة القول فدعوة الرفيق هانى بالتخفف من " التشدد اليسارى" فى معايير العضوية المُطبق فى المجال الطلابى على حد قوله هو ما كان شائعا وساريا فى التواجد العمالى
بمنطقة الإسكندرية وهو ما تمثل فى هزال بنيتها التنظيمية وأفضى للكارثة.. ومن ثم فهو يعالج الكارثة التى وقعت بمزيد من اليمينية خصوصا فى معايير العضوية الوثيقة الصلة بالاختراق الأمنى.
وهو ما نادى به تقرير الانقلاب ( فى 9 / 5 / 1975 ) وتم تطبيقه فى الحزب بعد الإفراج عن أسراه فى إبريل 1975.عندما تم إغراق لجان المناطق واللجنة المركزية بعضويات قاعدية قليلة الوعى والخبرة، وهو ما تأكّد و أفضى لضربة أمنية جديدة فى نوفمبر 1979.
ومع أن الرفيق سبقت له الموافقة على تقرير الانقلاب فى عام 1975 ؛ ثم وقّع على وصف نفس التقرير )بالانحراف البيروقراطى التصفوى( كما جاء فى تقرير الإحاطة بعد طرد كاتب تقرير الانقلاب من الحزب عام 1982 ، ثم عادالرفيق عام 2017 أى بعد 40 عاما ليحدثنا ويشخص لنا أن
أحد أسباب ازمة الحزب آنذاك كانت التشدد فى معايير العضوية ؛ بينما الكارثة الأولى التى كانت خلفه تسببت فيها يمينية المعايير فى حلقة الإسكندرية والكارثة الثانية التى تجسدت أمامه اقترفتها اللجنة المركزية بشكل مباشرلمخالفتها بديهيات الأمان وليست مجرد معاييره.
ونشير هنا إلى أن الزعماء والقادة الجماهيريين في غمار المعارك وما تتطلبه أحيانا من اتخاذ قرارات عاجلة قد تحمل معها مخاطر حقيقية لا لشئ إلا لأن شخصياتهم الكفاحية تتشكل استنادا إلى مهامهم الجماهيرية وتنطبع بها ؛ وأحيانا ما تفتقد الحذر وتتخفف من الاعتبارات التي يتحلى بها
المناضلون السريون العاملون في مجالات أخرى من العمل الحزبي أو يثمنونها تثمينا أدنى من حقيقتها.
وتأكيدا لهذا المعنى نعرض نموذجا لهذا النوع من القادة في الواقعة التالية:
بعد أن تعرض الرفيق الراحل صلاح يوسف الزعيم السياسي والجماهيري لحركة الطلاب بجامعة أسيوط للفصل فصلا نهائيا عام 1973 نقل مقر إقامته إلى شمال الوادي. ولأنه كان يقود التشكيلات الحزبية بالجامعة كان مضطرا للانتقال متنكرا إلى الجنوب بشكل دوري للقيام بدوره . وحيث
كان يستقل قطارات الدرجة الثالثة دائما فقد كان ضيفا مستمرا على نقاشات ركابها التي تتعرض للكثير من أمور الحياة بما فيها القضايا الساخنة. وباعتباره موفدا في مهمة حزبية سرية تتطلب تغيير شكله والتمويه على شخصيته حتى لا يتم كشفها ويتعرف عليه أىٌ من ركاب القطار أو من
شرطته؛ كان يظل صامتا طيلة زمن الرحلة إلى أن يصل لمكان الاجتماع بشكل آمن .ولأنه كان مناضلا جماهيريا ومحرضا من طراز رفيع فقد كان يعانى بشدة وهو يستمع لتلك النقاشات الساخنة دون المشاركة فيها خصوصا وأنها كانت تنتهى في كثير من الأحيان لعكس ما يراه أو لغير ما
يتمنى. لكنه - ولأكثر من مرة – كان يقتحم النقاش لساعات ضاربا عرض الحائط باحتياطات الأمان ومعرضا نفسه للكشف لكن النتائج- لحسن الحظ - لم تبلغ- في أي مرة - حد الخطورة. والجدير بالذكر أنه في كل مرة يعود فيها من رحلته كان يروي كل ما حدث له طوال الرحلة التي كانت
تستغرق عدة أيام. ولذا كانت توجه له الانتقادات المتكررة مشفوعة بإبراز مخاطر كشف حقيقة شخصيته .. ورغم ذلك لم يكف عن ذلك الخرق إلا بعد فترة ليست قصيرة.
لقد مثلت تلك السمة – الليبرالية وضعف اليقظة والحرص - أحد العوامل الحاسمة في وقوعه- فيما بعد .. عام 1981- فى كمين نصبته له الجماعات الإسلامية وانتهى بمعركة دموية أسفرت عن إصابات جسيمة ونقله للمستشفى ليبقى بها تحت العلاج لعدة أسابيع ومن ثم إصابته خلالها
بالالتهاب الكبدي الوبائي بسبب إهمال طبى فى عملية نقل دم مما كان له أكبر الأثر في اعتلال صحته لسنوات طويلة. وكان قد تعرض لنفس السبب فى وقت سابق – فى صيف 1972وأثناء حضوره لمعسكر لاتحادات طلاب الجامعات بالإسكندرية – لعدوان مشابه - وإن كان أخف وطأة - من
بعض الطلاب الحكوميين فجر أحد أيام المعسكر انتهى بطرده وإلقاء ملابسه خارج سور المعسكر. مما اضطره للجوء لمنزل السيدة شاهندة مقلد برمل الإسكندرية رغم أنه لم يكن قد التقى بها قبل ذلك.
وهناك ملاحظة معروفة في عمليات الاختراق الأمني للأحزاب السرية تؤكد أن أغلب الاختراقات عادة ما تتم في أتون المعارك الجماهيرية . وفى حالات أقل تجرى لو تم التقاط خيط توزيع الجريدة الجماهيرية الذى برَصْده وتتبّعه يمكن الوصول إلى جسم التنظيم ولذا يجدر الحذر – في فترات
التأسيس وطالما لم يبلغ التنظيم مرحلة الحزب الجماهيري – إبان إعداد خريطة توزيعها .
من جانب آخر فـ "التشدد" أو الحذر الشديد مطلوب في زمن التأسيس لأن التجنيد آنذاك يتعلق أساسا ببناء قلب الحزب أو بأغلب كوادره القيادية المستقبلية.. وتلك مسألة لا تتحمل الهذر فضلا عن أنها لا تقبل القسمة على اثنين.
عودة للعمال وحزب العمال:
وفى صـ 29 يقول الرفيق هاني تحت العنوان السابق:
وفي العام الدراسي 74/75 بدأت الحركة الطلابية تستعيد بعضا من عافيتها، تواجه الحلف الأمني-الإسلامي باستماتة ، وتتفجر في انتفاضات طلابية جديدة، تشعلها هذه المرة انتفاضة عمالية كبرى تنطلق من الضاحية الصناعية في حلوان وتصل بمظاهراتها لقلب العاصمة.
وكما جرت العادة، فلا انتفاضة شعبية، كبرت أو صغرت إلا وتفضي بالضرورة لحملة اعتقالات موسعة. وجاء “التوجيه” الحزبي وقتها بتجنب الاعتقال بأي ثمن، بالهروب. ورغم أنني – كما سبق القول – كنت من بين من لعبوا دورا أساسيا في صياغة ذلك “ التوجيه ” والإشراف المباشر
على تنفيذه عملياتيا، إلا أنني مازلت حتى يومنا هذا، وبعدها بعقود، حائرا في تفسير مبرراته.
بعد سنوات أطلقت على العام 1975 - ساخرا (من نفسي أساسا) - “الهروب الكبير” - فكنت مع الأسف، من بين المسؤولين مباشرة عنه – تنظيرا وممارسة وقيادة عملية، فضلا عن أنني كنت بطبيعة الحال من بين “الهاربين”.]
وفى صـ 31 يفسر إجراء الهروب بالآتي :
[ربما كان الدافع الأهم لقرار “تجنب الاعتقال بأي ثمن” هو إثبات قدرتنا على تحدي النظام وأجهزته الأمنية المضطلعة بقمع حركتنا : ”نفعلها ..لأن بمقدورنا أن نفعلها”، وهو ما كان ينطوي بدوره على قدر لا بأس به من الغرور التنظيمي]
وفى صـ30 يضيف:
[إننا بصدد بناء “الأرض السرية” للحزب، تنظيرات مستحدثة كانت تخرج من “الشقق السرية” و تذهب إلى حد القول بإننا “نخلق جنين المجتمع الشيوعي في رحم المجتمع الرأسمالي”. ]
الهروب الكبير :
وتعقيبنا على التوجيه الصادر لأعضاء الحزب والذى وصفه الرفيق بـ " الهروب الكبير" في أعقاب مظاهرات عمال حلوان في الأيام الأولى من عام 1975 والتي أسهمت في تهيئة الأجواء لاستئناف مظاهرات طلاب الجامعة نقول :
أن مباحثات فض الاشتباك - والتي قادها هنري كيسنجر والسادات- بين القوات المسلحة المصرية وقوات العدو الصهيوني وبدأت بمباحثات الكيلو 101 على طريق السويس؛ لعبت الدور الأكبر في إنهاض النشاط الطلابي بالجامعة حيث كانت مشاهده في أجهزة الإعلام تلوث نصاعة الانتصار؛
وكشفت بشائرَ النتائج السياسية المخيبة للآمال لحرب أكتوبر 1973، وأبرزت تفريط القيادة السياسية في نتائج المعركة العسكرية ، واسترجعت لممرات الصحافة وحلقات النقاش ومجلات الحائط كلَ ما كان الطلاب يطرحونه قبل الحرب ويتهمون به النظام الحاكم ، لتأتى بعدها احتجاجات عمال
حلوان لتلهب الوضع المتأزم في البلاد.
وأتذكر أننا آنذاك كنا نعد العدة في الإسكندرية للمشاركة استنادا لذلك الوضع الملتهب وليس استجابة لتوجيه الهروب. وكان من بين استعداداتنا تحضير مجموعة من الشعارات ( الهتافات) السياسية لرفعها في المظاهرات المتوقعة ومنها :
يا سادات يا توأم هتلر // حكم النازي جنبك يصغر
مصر فْ عهدك صَبحت مجزر // جامعة ومصنع.. قرية ومتجر
ما تمثلش وبَطّل تِظهرْ // يوم فِ كْنيسة ويوم في الأزهر
آدي أخلاق القرية يا أنور // يا موسولينى لكن متنكر
بدم الفقرا الحكام تسكر // كهنة وساسة وحُكما وعسكر
، ، ، ،
واخللي عدوي فْ غمضة صديقي// وأقول لصديقي .. إنته مقصّر
وتموت بالفانتوم يا رفيقي // واقول دا السدّ يموّت أكتر
آدي أخلاق القرية يا أنور // يا موسوليني لكن متنكر
مهما تخطط مهما تدبر // احنا حنفضل وانته حترْحل
هذا ولم يكن في تصورنا بالإسكندرية أن تُوقِف التوجيهات الحزبية المفاجئة - بالهروب والقبوع في الحجرات السرية - هذه الاستعدادات ؛ ولم يكن أمامنا- في نفس اللحظة - سوى الانصياع لها التزاما.. رغم عدم أخذ رأينا بشأنها.
ونعتقد أن ( تحدى النظام) الذى ذكره الرفيق هاني لا يمكن أن يتحقق بالهروب منه ، فغاية المني عنده أن يُبْطل مفعولنا في الشارع أو على أقل تقدير أن يبعدنا عنه ؛ خصوصا وأن بشائر الوحش العمالي بدأت تتقاطر عليه.. لكننا نفذنا له ما يصبو إليه .
وأشك أيضا بشدة أن يكون ( الغرور التنظيمي) هو المبرر أو (حتى الأوهام حول الذات) ؛ فأي غرور نملكه بينما أسرانا قابعون- لدى النظام - في سجن الحدرة ..؟! إلا إذا كنا قد عقدنا معه ( مع النظام ) رهانا - ضمنيا - يتوعدنا بموجبه- باعتقالنا أو اعتقال أغلبنا قبل انتهاء عام 1975 أو قبيل
نظر الجلسة الأولى لمحاكمة رفاقنا المحبوسين ..وتحديناه – أيضا بموجبه – أن يتمكن من اعتقالنا خلال نفس الفترة ؛ ومن ثم يتيح لنا الهروبُ البقاءَ أحرارا فنخرج له ألسنتنا ونكسب منه الرهان ..؟!
وأغلب الظن أن ( التوجيه بالهروب بأي ثمن ) قد صدر من منطلق الخوف الذى خلفته عقدة الضربة الأمنية لعمال الإسكندرية ،علما بأنه لا إمكانية للإفراج عن الرفاق المحبوسين ولا لتطوير العمل الحزبي إذا ما تم وقف النضالات الجماهيرية والهروب إلى الشقق السرية. إن الضربات
الجماهيرية التي تلقتها الحركة الطلابية في الجامعات عامي 1972 ، 1973 من شمال الوادي إلى جنوبه – رغم كل خسائرها المتوقعة والمحسوبة سلفا- قد أثمرت أفواجا من المتعاطفين والأنصار والداعمين زادت من وزن الحركة و قويت بهم صفوف الحزب فيما بعد.
فأي خطر ذلك الذى نخشاه من صراع علني مع النظام طالما أداة الصراع هي النشاط الجماهيري السلمي ، وأي ضربات قد نتلقاها لن تتجاوز الضربات الجماهيرية.. محدودة الخسائر؟!
أما عن ( بناء الأرض المحررة وتخليق جنين المجتمع المنشود فى رحم المجتمع الراهن) فهي ترّهات البعض ممن أعماهم غبار التدخين ولوّث هواء حجراتهم التي لا يغادرونها إلا لماما ،
وأشك بشدة في صدورها عن مناضلين صغارا ولكنى أتوقع أن يكونوا قد رددوها نقلا عنهم.
هذا ويمكن القطع بأن " توجيه الهروب الكبير" هو الخطأ الكبير الوحيد الذى ارتكبته اللجنة المركزية التي أدارت العمل الحزبي بين ضربة عمال الإسكندرية في يونيو 1973 وانقلاب 9/5/1975.وهي في جميع الأحوال قد تكبدت مشاق العمل في حقل ألغام الاسكندرية وحافظت على قوام
الحزب من الضربات " القدرية " ، ونظمت حصاد السنتين المنصرمتين من الأنصار والعاطفين، واستعادت الروح المعنوية للرفاق في معظم الأنطقة بل وللمحبوسين على ذمة قضية الإسكندرية ، ووسعت مجمل النشاط الجماهيري الطلابي، بل ونسجت والتقطت عددا من العلاقات العمالية
الجديدة ببعض المحافظات ، ورممت بعد أن " غربلت" إحدى المناطق ( بالدلتا ) التي ذخرت بعدد من العضويات الشكلية وقادت العمل بها، وساهمت في عقد دورة تثقيفية لعدد من العضويات الفلاحية. وقبل هذا وبعده شخصت حرب أكتوبر 73 تشخيصا دقيقا ، وصمدت للهجوم المضاد الذى
قاده النظام الحاكم بعد الحرب بدعم الجماعات الإسلامية، وفندت – من خلال العمل الجماهيري وغيره- هزال النتائج السياسية للحرب.
تظاهرة محكمة المنشية 1974.. مقدماتها ودلالاتها :
عندما تكون المعنويات متدهورة جراء ضربة نالها الحزب أو بسبب معركة خسرها ، فإن استرداد تلك الروح أو حتى ترميمها يمثل نصف الطريق لرد الاعتبار بشأنهما .. بل والنهوض واتخاذ وضع الاستعداد لهجوم مضاد؛ بينما يمثل كل ما يأتي ويجرى بعد ذلك أيا كان حجمه وأعباؤه النصف
الآخر من الطريق، ولنتذكر- مع الفارق- التأثير المعنوي لمعركة رأس العش وإغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات فى يوليو وأكتوبر1967 في أعقاب الهزيمة.
وفى السياسة هناك مسألة الفرص أو المصادفة التي إذا ما أتت على أرض الضرورة اختصرت جهدا وزمنا لا يمكن حسابهما وأفضت لنتائج لا تقدر بثمن.
وحيث كنا ( الرفيق جو وأنا ) نتقاسم العمل في منطقة بحرى ( الاسكندرية والدلتا) فيما بعد ضربة الإسكندرية خلال الفترة من 73- 1975 حيث كنت أتولى الدلتا كاملة إضافة إلى جانب من الإسكندرية بينما يقوم جو ببقية الاسكندرية .. وكنا نتداول الرأي ونبحث الأوضاع معا بتفاصيلها.
وعلى هذا الأساس توصلنا لضرورة اتخاذ إجراء يتعلق باليوم الأول لمحاكمة المحبوسين على ذمة قضية الإسكندرية وحددنا ليلة المحاكمة موعدا للاجتماع - ومن يحضره بالاسم من الطلاب ليتسنى لنا جمع القدر الأكبر من المعلومات والأخبار والظروف بشأن الموضوع - وذلك قبل أسبوع من عقده.
وفى اللقاء حضر الرفاق الطلاب ولم يحضر( جو) حيث تيقنت في وقت لاحق أنه لم يكن منشغلا بشئ آخر أكثر أهمية من ( لقاء محاكمة المنشية ) ، وأن سبب تغيبه لا يعدو الاعتماد على وجودي .. الذى كان يمكن ألا يتحقق نظرا لوجودي خارج الإسكندرية ولم أصلها إلا قبل موعد اللقاء
بساعات. ومن ناحية أخرى كان معظم الرفاق الحاضرين ممن تم تصعيدهم إلى لجنة المنطقة بعد عام .وإليكم ما دونته في وقت سابق بشأن (تظاهرة محكمة المنشية عام 1974):
في ذلك الوقت كان زميلي بالمنطقة غائبا عن المدينة- في مهمة بالقاهرة- وفى الاجتماع المحدد لمناقشة الترتيبات الخاصة بدعم المحبوسين على ذمة المحاكمة حضره زملاء من كليات الآداب والهندسة والطب وبدأتُ في الاستماع لتصوراتهم ؛ فأفادوا جميعا بضرورة حشد الطلاب بالمجمع
النظري والخروج في تظاهرة تخترق المسافة من منطقة الشاطبي حيث يقع المجمع إلى منطقة المنشية حيث مقر المحاكمة مرورا بمحطة الرمل . وطرحت عليهم بعض الاستفسارات عن احتمالية وجود بعض أهالي العمال المحبوسين وعن الشعارات المعدة لرفعها حول المحكمة .. فأفادوا
باعتقادهم في حضور عدد من أهالي العمال لكنهم لم يحددوا حجما تقريبيا لهم .. كما أفادوا بوجود بعض الشعارات القديمة.
هذا وبعد أن أنهى جميع الزملاء عرض تقديراتهم .. قلت لهم : للأسف ..أنا لا أوافقكم على تصوراتكم بشأن الحشد والخروج من الجامعة بتظاهرة تخترق المسافة حتى حي المنشية .. فَعلَتْ الدهشة وجوه الجميع .. واستكملتُ : الهدف مما نفعله هو دعم المحبوسين وليس عمل تظاهرة قبل بدء ا
المحاكمة .. ومن ثم فالحشد المفترض يجب أن يتركز حول المحكمة وليس في الجامعة ؛ وذلك يعنى أن ندعو لحشد جماهيري علني بطريقة سرية . بمعنى أن نبدأ من الآن في الاتصال بأبرز الأنصار والعاطفين في كل كليات الجامعة ونعرض عليهم تصورنا الآتي :
1-أن يبدأوا في إخطار الطلاب الذين يشكلون جمهور مجلات الحائط بالذهاب لمقر المحكمة في هدوء – فرادى أو في مجموعات صغيرة- وأن يتجمعوا حول المحكمة دون رفع أية شعارات.
2-أن يتم التيقن من وصول أهالي العمال ؛ وأن يكون الحشد الطلابي المتوقع قريبا منهم.
3-أن يتم التأكد من الموعد الفعلي لبدء جلسة المحاكمة.. من خلال دخول البعض لمقر المحكمة والسؤال عن ذلك من موظفي الدائرة المختصة بالمحاكمة.
4-ألا ترفع شعارات إلا إذا تأكدتم من وصول المتهمين أو رأيتموهم .
5-أن يتم البدء بشعارات التضامن بين العمال والطلبة التي سيتم إعدادها فور انتهاء هذا الاجتماع. وأن ترفقوها بشعارات التضامن مع المتهمين التي تتضمن أسماء بعضهم. وأن تنظموا جهدكم على مدى زمنى يغطى زمن الجلسة بأن يدخل بعضكم ليحضر ويستشف إمكانية إنهائها سريعا أو
امتدادها طويلا.
هذا وقد تساءلت مع الزملاء عن كيفية العودة من المحكمة.. فأفاد الجميع بأننا سننصرف فور تحرك سيارة المحبوسين من المحكمة إلى السجن. فقلت لهم : • هنا تحديدا ..تبدأ المظاهرة فالحشد موجود وأهالي العمال موجودون والمارة بالقرب من المحكمة سيتساءلون عن ماهية الحشد وربما يتوقف أو يسير بعضهم في المظاهرة ..إلخ.
• أما عما بعد ذلك فالطبيعي أن يبرز بعض الطلاب وأن يظهروا التعاطف أو أن يرفعوا الشعارات وهو ما يجب أن نكون متنبهين له بحيث يكون هناك عائد طلابي من المظاهرة يجِبُ متابعته والاهتمام به باعتباره حصادا لهذا العمل.
وانفض الاجتماع بعد تحديد التكليفات على الحاضرين ، ووعدتُهم بإعداد الشعارات خلال هذه الأمسية على أن تكون مع أحدكم أمام المحكمة.. قبيل بدء المحاكمة.
وبالفعل تم إعداد شعارات التضامن مع العمال أتذكر منها [ يا عمال خطوة لقدام // في الصف مكانكم ولقدام ] وكذلك تم استبدال شعارات أسيوط الطلابية كالآتي : وعد يا كلفت عهد يا فتحي // مش حنسيب الساحة ونمشى ] وأعطيتها لزميلة تجيد رفع الشعارات وطالبتها بتوزيعها على اثنين من
الزملاء أحدهما طالب بالهندسة .
وفى الصباح تم تنفيذ الاتفاقات كاملة وبحذافيرها وكانت تعليقات بعض المحبوسين على المحاكمة كالتالي: لقد فوجئنا بالحشد من خلال نوافذ السيارات التي نقلتنا من السجن للمحكمة.- كانت الشعارات التي سمعناها من الطلاب المحيكين بالمحكمة تطيل أعناقنا وترفع معنوياتنا لعنان السماء .. وقد
وتّرت هيئة المحكمة فضلا عن انعكاسها على وجوه الضباط القائمين بالحراسة لدرجة أن القضاة أنهوا الجلسة بأقصى سرعة وأرجأوا المحاكمة ليوم آخر- وقد أخرجونا لسيارات السجن من الباب الخلفي للمحكمة.
وعاد الحشد بطلابه وأهالي العمال حتى الجامعة في تظاهرة حقيقية شاهدها أحد المُبعَدين من قرية كمشيش أثناء ذهابه لعمله قائلا: وجدتها بمحطة الرمل ووقفت لدقائق أتابعها حتى ابتعدت في اتجاه الشاطبي و سرتُ وراءها بعض الوقت.. ولما سألته هل تعرضت لها الشرطة أجابني : لا.}
الطريق إلى 9/ 5:
ويصل الرفيق هاني في مساره إلى الأزمة محددا جوهرها في عدد من المعطيات وعدد آخر من الاستجابات. وتنص عباراته عن المعطيات على عوامل ثلاثة هي الاختلال في طبيعة العضوية بين العمال والمثقفين ؛ والضربة الأمنية لعمال الإسكندرية عام 73 التي أسفرت عن غياب معظم
العضوية العمالية و المسئول السياسي وحلول آخر محله ؛ والتقاء سُرّة التناقضات الحزبية آنفة الذكر مع الصراع الطبقي والسياسي في دوائر ثلاث (محلية وإقليمية ودولية) كما في المقتطفات الآتية صـ 31 ،32:
•كان الاختلال الأهم في طبيعة العضوية، وهو اختلال لم نختره، ولكن فرضته الأحداث، لتطيح ضربة 73 التنظيمية بمعظم العضوية العمالية، في حين تشهد الفترة نفسها توسعا هائلا في العضوية من بين صفوف الطلبة والمثقفين.
•لم يكن هذا الاختلال هو ما عنيت به القيادة الجديدة للمنظمة بعد خروج الرفاق المؤسسين من المعتقل، وبعد أن نصّبنا بإجماع متوقد حماسا الرفيق ص .م .ص قائدا للحزب “لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه”. ولعلي أضيف ، اننا بهذا جنينا على رفيق لا يمكن لأحد أن يشك في كفاحيته
واخلاصه ولمعانه، بأكثر كثيرا مما جنى هو علينا، ولعل في ذلك درس بالغ الأهمية. فلم يكن الرفيق يملك جيشا أو سجونا ينصب بها نفسه ديكتاتورا، وكل ما تمتع به من نفوذ وسلطات فائقة قدمناه نحن له بملء ارادتنا.
•وسرعان ما يتكشف موسم الحصاد هذا –الذى تحول فيه التنظيم لحزب- عن أنه هو نفسه لحظة أقصى تكثيف لتناقضات صيرورة الحزب والصراع الطبقي والسياسي، لا في بلادنا وحدها ولكن أيضا على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
وقبل أن نخوض في ذلك الموضوع نشير إلي:
1-أن التقاء لحظة الحصاد (أي لحظة تحول التنظيم لحزب ) مع الصراع الطبقي والسياسي في الدوائر الثلاث ( المحلية والإقليمية والدولية ) هي عامل تشترك فيه كثير من الأحزاب المشابهة في العالم النامي ، ولا يمثل ذلك استثناء خاصا بالنسبة لنا.. فبلادنا منذ منتصف القرن العشرين وهى
على أجندة القوى الغربية الاستعمارية والإمبريالية ، وكلما مرت بمأزق تعاجَل بمأزق تال وهكذا.
2- ونأتي بعدها لقصة اختلال العضوية و الضربة الأمنية ،وحيث تناولنا قبل ذلك بما يكفى قصة الضربة الأمنية- وتقديرنا لها ولمقدماتها ونتائجها - نلفت النظر بشأن المسألة الأخرى (اختلال العضوية) بالإشارة إلى أن حوارا كان دائرا في صفوف الحزب بشأن توظيف خريجي الجامعة سواء
في مواطن إقامتهم بالأحياء الشعبية والقرى أو في اشتغال المهندسين منهم في مصلحة الكفاية الإنتاجية التابعة لوزارة الصناعة والمشرفة على العملية التعليمية بمدارس عدد من المصانع الكبرى المنتشرة في القطاع العام الصناعي ( الحديد والصلب ، النصر للسيارات ، الغزل والنسيج ، النحاس
، الأسمنت ،الألومنيوم وغيرها) بل وتمكنا فيما بعد من توظيف أحد الخريجين في إحداها لعدة سنوات.
3-هذا ونشير إلى الخيّة التي نصبتها اللجنة المركزية لرفاق الحزب وكانت - كالسحابة - تعوق رؤية الفضاء الفسيح الممتد خارج دهاليز الصحافة الجامعية وهى استحقار النضالات الاقتصادية المتنوعة. والتي لا تحتاج في كل الأوقات ولا كل الأماكن إلى مؤسسات الصناعة لبدء العمل بها؛
خصوصا وأن ذلك لن يتحقق دون زرع الرفاق بها وهو ما يحتاج إلى وقت وخطة محكمة للتسلل إليها وقد تناولها ( الاقتصادوية ) الرفيق هاني في بند الاستجابات الذى سنتعرض له بعد سطور.
4-كما يقرر الرفيق أن غياب المسئول السياسي قد دفع أعضاء اللجنة المركزية (لاختيار مسئول آخر بمحض إرادتهم وبحماس متقد) . وهنا نأتي لمدعاة ذلك الاختيار الذى وضع مكان قائد (ذي خبرة عملية وحزبية وثقل سياسي) رفيقا يفتقد ذلك التوازن ويغلب عليه الطابع الثقافي والفكري وهو
ما كنا نأخذه عليه من قبل تأسيس الحزب. لم يكن الأمر إذن أكثر من ترجيح تلك الكفة ( الثقافة ) على ما عداها. ولا تمثل السمات التي أسبغها الرفيق هاني عليه إلا تجليات لنشاط يتألق ويتضح لواحد من أفراد الأوركسترا لكنه ينقشع كلما اقترب من موقع المايسترو.. حتى يختفى تماما. فكثيرا ما
يتحلى البشر بمواهب متنوعة وخصال متعددة مثيرة للإعجاب ؛ لكنها في مجموعها لا تبلغ مستوى من التكامل والتوازن يخوّلها مهارة القيادة ومسئولياتها. ولا يمكن تفسير اختياره إلا بشئ واحد هو أنهم- أو معظمهم - اعتادوا على وجود ألفة .. لا قائد.. وشتان الفارق بينهما ؛ فالألفة يمثل
الأوامر والتعليمات ويربط الجميع برغباته ولا يريد الناس سوى إمعات حتى ولو كانوا غير ذلك ؛ بينما القائد يشارك ويعلم ويتعلم ويدير ويحاور ويساهم في بناء عقليات مستقلة، ويكتشف الوسائل لتفجير الطاقات والإبداعات ويضرب المثل في التراجع عند الخطأ.
{ إذن فالفصل محتاج ألْفة ، والألفة في مدارسنا القديمة كان تلميذا مثل بقية التلاميذ .. لكنه يتطلع دائما لأن يمارس استبداد المعلم عندما يخلو الفصل من معلمه .. وعند حصوله على تصريح بأن يكون الألفة .. يمارس أسوأ مما كان يمارسه المعلم ضده، وطيلة حياتي لم أجد ألفة بغير تلك
المواصفات }.
صحيح أن هذا تفسير مستند على ما وقع بعد ذلك من كوارث بمعنى أنه (تفسير بأثر رجعى في الزمن ) لكن مسار الأمور آنذاك أكد الآتي :
•أن المسئول الجديد لم يسعد كثيرا بصمود الحزب خلال فترة الحبس على ذمة القضية، ولا بما تم حصاده من عضويات وعاطفين أو بما تم خوضه من معارك وإحرازه من انتصارات أو بتحسن أوضاع الأمان الحزبي أو باستعادة الرفاق الثقة في أنفسهم وفى الحزب والمستقبل بعد ضربة أمنية
مباغتة.. أو بجَلَد رفاق اللجنة المركزية البطولي. وإنما قرر شيئا آخر؛ كانت ضمنه الإطاحة بثلاثة أعضاء من اللجنة المركزية يتمتعون بمهارات متنوعة في التنظيم والكفاح الجماهيري والنضال العمالي ويضمهم قاسم مشترك هو دورهم العملي في الجامعة والطبقة العاملة والتنظيم ويحملون
رؤوسا مستقلة قادرة على الفرز والتفكير. واستغل فيهم نقطة وحيدة هي كونهم أنهِكوا من العمل الشاق غاية الإنهاك. وفى نفس الوقت وطالما لم ( يجرى ) تحقيق حزبي بشأن حلقة الإسكندرية يرصد الثغرات ويحدد المسئولية إذن فقد نجا وانفسح له الطريق مستغلا محدودية خبرة الجميع
وشُكْرَهم للرب أنْ أعاد للحزب أسراه..
•وبهذا صار الجو مهيأ لكتابة تصوراته بشأن انقلاب 9/5 الذى حوّل الحزب إلى مُجرد نُزُل لهاربين ومجموعة من الكتبة ، ودجّن المناضلين الجماهيريين؛ وعزل عددا من القدامى دون مهام على الإطلاق، ودفع بمعايير الحزب جهة اليمين و" أصر " على خلق عديد من الثغرات الأمنية بديلا
عن ثغرات الإسكندرية. فعطّل العشرات من الرفاق بمهام شكلية في كل تشكيل ومستوى ( مسئول اتصال ومسئول مالية ومسئول أمن دفاعي وآخر هجومي إلخ ). ومسئول تشكيلات أدنى وأضعف المستويات الحزبية وفتح الحزبَ للعناصر الضعيفة (فوج لينين)، وخرق البديهيات الأمنية
المستقرة (ضربة حلوان 1979) . واستبدل بعضُ الرفاق النضالَ في أوساط الشعب بلعب الورق في الغرف المغلقة، ونشر جوا حربيا وحالة من الترويع مقلقة.
لكن الأهم من كل هذا- وهو ما لمْنا بشأنه الرفاق الثلاثة الذين أطاح بهم من اللجنة المركزية وانتقدناهم لهزال مقاومتهم له – أوجزه الرفيق هاني في جملة مكثفة " لم يكن الرفيق يملك جيشا أو سجونا ينصب بها نفسَه ديكتاتورا، وكل ما تمتع به من نفوذ وسلطات فائقة قدمناها نحن له بملء
ارادتنا." حقا أن الطريق إلى جهنم ملئ بالنوايا الحسنة.
•لم (يسعى) المسئول الجديد لاستطلاع رأى الرفاق في الحزب فيما قرره ولا للاستماع إليهم أو مناقشتهم فيما يصله من ملاحظات واعتراضات، بل اكتفى بتخليص لجنته من المخالفين أو الذين يتوقع مخالفتهم ، مستعينا بمن قدموا له البيعة على طبق من ذهب وبعضهم من المتزلفين وبعض
آخر من ممسكي العصى من المنتصف وبعض ثالث ممن أوْهنَ الأسرُ صلابتَهم ، ثم استدار لبقية المناطق وعزل فيها المخالفين بل ونكل بهم وحاصرهم وخنقهم بما يفيد بتخييرهم بخيار من اثنين ( إما الموافقة على تقرير الانقلاب وإما الرحيل) . وقد كان المخالفون موجودين في كل الأنطقة (
القاهرة، الإسكندرية ، الدلتا ، الصعيد ) ولا يعنى عدم خروج كل المخالفين أنهم كانوا موافقين على ما يحدث أو مقتنعين بتقرير الانقلاب.. حيث شهدت الأسابيع والشهور التالية إزاحات وانسحابات شتى من أفراد ومجموعات صغيرة.
•وتجلى الخط الهابط للنضال الحزبي في انحسار النشاط الجماهيري في الجامعات والطبقة العاملة وليس أدل على ذلك مما حدث في معركة انتخابات مجلس الشعب عام 1976 التي خاضها بحماس رفاق "الانشقاق والتكتل" بالأساس من بين القوى اليسارية .. فضلا عن انتفاضة 1977
التي شاركوا فيها بجسارة واعتلوا المظاهرات في كثير من المواقع خصوصا بالقاهرة بينما لم يساهم فيها حزب العمال بالمرة رغم ما نشره الإعلام عن اتهامه بتفجير الانتفاضة.
•أما عن التدهور الأمني فحدث ولا حرج.. فقد اكتشف الأمن شقة بشرق الإسكندرية تمّ تركُها قبل سقوطها ، ومقرا آخر بطنطا تحدث عنه ممدوح سالم وزير الداخلية عام 1977 في الإعلام بعبارة" مخزن حزب العمال " وأكد سقوطه وبه العديد من الأوراق ، وكان يستخدم لكتابة مجلات
الحائط ولم يكن مقرا سريا. علاوة على واقعة أخرى بأحد الأحياء الشعبية برمل الإسكندرية تضمنت ذهاب أحد الزملاء القاعديين لشراء سجائر تاركا أدواته الدراسية (وبها تقارير حزبية بخط يده ) على مقعد أوتوبيس بميدان يقع به منزل أحد القادة الجماهيريين عام 1976، ولم (يجرى) التحقيق
في الواقعة وكوفئ الرفيق بتصعيده بعد شهور معدودة إلى لجنة القسم .. وشهود تلك الوقائع أحياء حتى اليوم.. وكانت تلك الوقائع بالقطع تصل اللجنة المركزية.
هذا فضلا عن عديد من الملاحظات أبديتها على بعض الرفاق وألْحَحْت عليها مؤكدا ضعف تكوينهم النضالي والشخصي. فقد تم تكليف أحدهم (عضو لجنة قسم حتى بداية 1976) بقيادة فرع الحزب بالخارج وكان تقديري له - في أحد دورات الأمان- أنه لا يصلح لشئ حزبي بالمرة ، وانتهى به
الأمر لمغادرة الحزب والانضمام لأحد فصائل الإسلام السياسي ، ورفيق آخر ظل أحد أعضاء اللجنة المركزية ( الرفيق على ) يسخر من رأيي فيه حتى اكتشف بعد عام أنه منضم لـ ( حشم ) منذ عام كامل.. إلخ. وهو ما يعيد التأكيد على أكذوبة معايير الانقلاب.
•أما بشأن موقف الرفاق من اختيار المسئول الجديد فالواضح أن الأغلبية ( والأقلية قبل أن تتسمى بهذا الاسم) قد أيدا معا ذلك الاختيار؛ ليس هذا فحسب بل وأيدا تقرير الانقلاب وساهما في كل الكوارث التي ارتكبت وكانوا فعالين في طرد (مجموعتي الانشقاق و التكتل - 56 رفيقا ) . ولا
يعنى ذلك أننا نقدم اتهامات - ولّى زمنها - بقدر ما نضع النقاط على الحروف ونقر واقعا كان متحققا. والغريب في الأمر أن التعلّات اوالتفسيرات التي ساقها رفاق الأقلية تبريرا لموقفهم هو أنهم لم يكونوا راغبين في الانشقاق أو التكتل باعتبارهما رجس من عمل الشيطان ينبغي تجنبه ، وللأسف
هو أيضا ما تعلل به الثلاثي المطرود من اللجنة المركزية فور صدور تقرير الانقلاب عندما لُمْناهم بأنهم لم يقاوموا - التقرير و طرْدَهم - بالشدة الواجبة.
•لقد نسيت الأغلبية والأقلية أن الشيطان لم يكن مبعوثا من السماء بل كان قابعا في حضنهم وهم من استحضروه وإن لم يستطيعوا أن يصرفوه في الوقت المناسب؛ وأن" الوقت آنذاك – كان ومازال- كالسيف إن لم تقطعه قطعك" وظلوا أوفياء " لحزب " تنخُر فيه أوهامُ المثقفين وتشوهاتهم بأكثر
مما تسببُه عوامل التعرية حتى تم تدميره تماما وظل محتفظا بمَلْمَحين .. هيكل فارغ من جوفه.. مفَرّغ من روحه ؛ واسم ما أن يتردد عنوان كتيب " المبتسرون " لأروى صالح حتى تتعالى التأوهات مُذكرةً بالدب الذى أصرّ على قتل صاحبه.
•لقد كان ذلك الحزب قبل تقرير9 / 5 / 1975أملا عاش من أجله مئات الرفاق الشرفاء وملايين المقهورين لكنه تبدد ساحبا معه روح هذا الجيل ، ملقيا بنفسه في أحضان الأجيال القادمة لعلها تمتلك الفكر والثقافة والإرادة .. وتتجنب دبهّا . •لجوء لنموذج عمل جماعى يبرز الفارق بين القائد والمكافح التقليدى وهنا نتخذ من الفرقة الموسيقية نموذجا للعمل الجماعى لكى نستبين منه الفارق بين قادة الأوركسترا وبين البارزين من العازفين وندرك كنه ذلك الفارق والآثار المتربة على الخلط بينهما فى الأدوار.
فالبروز والتفوق فى العزف - على آلة موسيقية ما - لأحد أفراد الفرقة لا يمنح - بشكل تلقائى- ذلك العازف مقومات القيادة لمجمل أفراد الأوركسترا.ونشدد هنا على التفريق بين دور العزف ودور القيادة .
فالتفوق فى العزف على آلة منفردة يختلف عن القدرة على قيادة مجمل الأوركسترا فالعزف يتعلق بالاختصاص والتفنن فى الصلة بين العازف وآلته وعمق تلك الصلة ، بينما القيادة تتصل بالقدرة على التمييز بين أصوات الآلات والقدرة على الجمع بينها فى علاقات متسقة وصلاحيات لا تخدم
فقط صوت الآلة المنفردة بل وتبرز الصلة الأكثر اتساقا مع بقية الآلات .. فى لحظات زمنية متباينة الطول والاتساع.
إنهما – التفوق فى العزف وقيادة الأوركسترا- وظيفتان تبدوان متعارضتين بين الآلات المنفردة وبين بقية الأوركسترا ؛ إنهما دوْران ووظيفتان مختلفتان لكنهما ليستا متعارضتين. وتحتاجان معا لروح الأب داخل الأسرة والرفاقية فى تشييد العلاقة بين أفرادها أكثر منها للاستجابة لطموح الإبن
ورغباته الجامحة.كما تتطلب أيضا كيفية إبرازجوانب الجمال والتباين فى مسار الاتساق العام للمعزوفة الذى يقوده المايسترو .
وبالعودة لموضوعنا؛ فإن حملة التصعيد التى كانت جزءا عضويا من خطة 9/5/1975 أسهمت فى فصم عُرَى الاتساق التى كانت قائمة بين أعضاء التنظيم ( أو بين آلات الأوركسترا حسب تشبيهنا)، وفجرت كافة الطموحات الفردية ورغبات الزعامة وغلبت النزعات الجامحة على مسار
الاتساق الذى كان متوفرا قبل إعمال الخطة ؛ تلك الخطة التى أوهمت غالبية الرفاق بانحراف تلقائى يتوجب محاربته استنادا لخطة [الروافع الثلاثة، وإعادة بناء المستويات الحزبية ، وسحب المناضلين الجماهيريين للداخل لتسجيل خبراتهم..إلخ وما استتبع ذلك من حملة تصعيدات أقرب
لأوكازيونات الصيف فى محلات الملابس والأزياء..وانتهت ببطالة ووظائف شكلية وانحرافات يمينية فى معايير التجنيد والكادر والعضوية.. توجتها مخالفة صارخة لبديهية أمنية تخللت معركة انتخابية فى ضاحية حلوان انتهت بضربة أمنية أمسكت بالتنظيم من أمعائه فى نوفمبر1979، والأهم
ذلك أنها أفصحت وبرهنت بجلاء عن الفارق بين عازف ماهر على أحد الآلات الموسيقية وبين قائد الأوركسترا.. وأن حلول العازف محل المايسترو بالحيل والألاعيب التى حيكت فى صيف 1975 قد أفضت لتمزيق التنظيم وافتقاد غالبية أعضائه للروح الكفاحية والثقة بهذا الطريق والثقة
بالنفس واللجوء للأدوات والأساليب الإصلاحية التى أثبت التاريخ فشلها .. على الأقل لمدة أربعين عاما.
الوطني والطبقي :
تحت هذا العنوان ؛ يشير الرفيق هاني لملاحظاته بشأن التناقض بين القضية الوطنية وقضية العدوان على الحقوق الأساسية للكادحين والذى تبنته اللجنة المركزية وانعكس ذلك على طبيعة وحدود تناولهما في الكفاح الجماهيري .. من خلال المقتطفات الخمسة التالية صـ 33 ،34 :
• [ التناقض بين الوطني والطبقي تناقض حقيقي.
•معركة “ قطع الطريق على مسيرة الخيانة الوطنية " ، ومعركة أخرى " تستهدف مواجهة العدوان المتنامي للبرجوازية على المصالح والمكتسبات الأساسية للطبقة العاملة وجماهير الكادحين" .
•المعركتان معارك سياسية كبرى من الطراز الأول، تتعلق كل منهما بتعديل موازين القوى الطبقية بين البرجوازية الحاكمة والطبقات الشعبية.
•على صعيد الفكر، المعركتان مترابطتان، لا تقل إحداهما أهمية عن الأخرى، ولكن الممارسة شيء آخر.
•يطرح حزب العمال صراحة مهمة “قطع الطريق على الخيانة الوطنية” باعتبارها “المهمة المركزية ” للنضال الثوري في تلك اللحظة الفاصلة. أما المعركة التاريخية الكبرى التي أطلقتها الحركة العمالية منذ بداية السبعينات فنعيد صياغتها في ظل القيادة الجديدة كـ ”نضالات اقتصادية” لا
ترقى بعد لمستوى النضال السياسي، ولا تحظى في وعينا الحزبي بصفة “المهمة المركزية” التي تتبوأها بلا منازع مهمة “قطع الطريق على الخيانة الوطنية.]
وحيث يرى الرفيق هاني أن ما فعلته اللجنة المركزية هو تعارض مصطنع بين الوطني والطبقي أي بين مهمة " قطع الطريق على الخيانة الوطنية " وبين " مواجهة العدوان على الحقوق والمكتسبات الأساسية للعمال والفقراء" وهو صحيح ؛ إلا أنه لم يوضح لماذا ابتدعت اللجنة المركزية ذلك
بين المهمتين؟ هل لهلعها من إيكال أية مهمة نضالية لما تبقى لديها من عمال ؟ أم لقصورها عن القيام بالمهمة ؟ أم لكليهما..؟ أم أن هناك سببا أعمق من ذلك.. ربما يعود لطبيعة تكوينها ولميولها ؟
تقديري أن السبب المرجح هو الأخير؛ فالقضية الوطنية هي عادة ما تجتذب مشاعر البرجوازية الصغيرة أكثر من غيرها من القضايا ؛ ناهيك عن توافر المناضلين الجماهيريين القادرين على إثارتها والكفاح بشأنها.
وعموما فقد تجلى التهوين من شأن النضالات الاقتصادية بشكل واضح فى جامعة القاهرة – وخصوصا كلية الآداب، وكلما تحدث رفيق عن تلك النضالات قيل له " إنته حتحط البرنامج فى طعمياية..؟ " ويعود السبب في تقديرنا إلى حداثة عهد الرفاق الطلاب بالنضال عموما؛ وصغر سنهم ،وعدم انخراطهم في عملية انتاجية ، واعتمادهم على أسرهم في المعيشة؛ وضعف خبرتهم بالحياة العملية ، وقبل هذا وبعده بضعف مهمة الدعاية وانعدام التوجيهات الحزبية التي تعتمد النضالات الاقتصادية ركيزة أخرى في النضال مساوية للنضال الوطني.. وهو ما يعود باللائمة على الحزب بالأساس.
لقد كان النضال العمالي في مصنع الكوك بحلوان والشركات والمصانع التي شاركت في المؤتمر الدائم لعمال الغزل والنسيج بالإسكندرية تستهدف الحقوق الاقتصادية الأساسية مع المطالب النقابية .ومن ناحية أخرى ففي كل المواقع التي عملتُ بها كانت القضايا الاجتماعية والاقتصادية تثار -
خصوصا في صحافة الحائط وحلقات النقاش- جنبا إلى جنب مع القضية الوطنية ( جامعة أسيوط ؛ هندسة المنوفية، تربية طنطا، آداب الإسكندرية ) وهو ما تأكدت صحته خصوصا بعد حرب أكتوبر. حيث أن النضالات الاقتصادية تعد قاسما مشتركا بين كل الطبقات والفئات الاجتماعية الكادحة
وتظل بندا ثابتا للنضال حتى لو تم التوصل إلى نهاية ما للمسألة الوطنية.
وأتذكر أننا في عملنا بكمشيش كنا نربط بين محاولات العدوان الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة وبين محاولات النهب والتلمظ على الثروات الطبيعية في مصر والأسواق المحلية بل ورفعنا شعارات آنذاك تربط بينهما ( الأمريكان في الممرات // علشان قطن الجمعيات ) ، ونعنى
بالممرات.. مضايق متلا والجدى بسيناء ، ونعنى بالجمعيات.. التعاونيات الزراعية.
كذلك أثار طلاب هندسة المنوفية عام 1974 قضية كمشيش بكل أبعادها الطبقية على مجلات الحائط ردا على مقال حكومي معادى نُشر في مجلة روز اليوسف ، وقد شهدت ممرات الصحافة بالكلية وعلى امتداد أسابيع متصلة ازدحاما حول المقال والردود عليه واحتداما في النقاش بين طلاب
عدة محافظات لم تشهده ساحة الصحافة قبل ذلك . بل ووصل الأمر إلى حضور طلاب وفلاحين من كمشيش إلى الكلية لدعوة الطلاب إلى حوار خارج الجامعة .. وشهود هذه الوقائع مازالوا أحياء يرزقون.
ومن جانب آخر كان النضال النقابي الطلابي واحدا من محاور النشاط عام 1974، وحيث قبض طلاب الهندسة داخل كليتهم على أحد رجال أمن الدولة من المخبرين وحققوا معه وحصلوا على اعترافاته بالمراقبة والتجسس على الطلاب في الكلية ومدينة شبين الكوم؛ كما انتزعوا منه بطاقة
وأجندته التي دوّن فيها كل عملاء الأمن في الجامعة والمدينة وضمنهم وكيل الكلية ( د. عبد الهادي ناصر ) وعقدوا مؤتمرا سياسيا حاشدا أوضحوا فيه جملة الخروقات والاعتداءات على الطلاب في هذا الشأن ومعاونة عدد من أعضاء اتحاد الطلاب للأمن في ذلك ، مما دعا 34 عضوا للاستقالة
من الاتحاد ؛ تلاه على الفور سحب الثقة من بقية أعضاء الاتحاد ( 30 عضوا ) وأسسوا جماعة طلابية مكانه تحت اسم ( جماعة 23 مارس). ولم يفرجوا عن مخبر أمن الدولة إلا بعد حضور ضابط برتبة رائد ( ع. ش ) للكلية للتفاوض مع الطلاب حيث تعهد كتابة بعدم تكرار الخروقات التي ساقها الطلاب.
وبالعودة لشعار ( قطع الطريق على الخيانة الوطنية ) يتبادر للذهن تصوران ، الأول : هو كون الشعار مهمة مطروحة للتنفيذ العملي ، والثاني: اعتباره شعارا دعائيا تتلخص وظيفته في فضح النظام الحاكم بشأنه أو في أفضل الأحوال إبطاء معدل سيره نحو الخيانة.. لكن الخيانة آتية لاريب فيها
طالما وضعها النظام الحاكم على جدول أعماله.. في ظل موازين القوى الراهن في المجتمع.إلا أن ما حظيت(1) به النضالات الاقتصادية من إهمال منسوبا إلى القضية الوطنية يرجح طرح الشعار ( قطع الطرق على الخيانة ) كمهمة قيد التنفيذ.(1)
[ - إضافة جديدة في 2 /10/ 2023 لقد كان تسفيه النضالات الاقتصادية فى صفوف الطبقات الكادحة وإدارة الظهر لها يقف حائلا دون تصاعد مستوى الحيوية والنشاط في أرجاء الحزب ودون التوسع الأفقى في الكفاح في المجتمع .. خصوصا فى ظل الافتقار لآلية فعالة للارتباط بالطبقة العاملة. ولأن اسمنا حزبُ العمال ونجابه االافتقار في الوسائط والفرص فى الارتباط بهم ، كان لابد من سلوك تعويضى فى مجال آخر يشعرنا بالقيام بدوررنا.. شرط ألا يكون منخفض الصوت رتيب النبرة . بل سلوكا زاعقا عالى الضجيج دائم الصخب .. وهو ما وفره الكفاح الوطنى الديمقراطى فى
أوساط الطلاب والمثقفين .ولم يكن ذلك عيبا في عملنا بقدر ما كان لازمة مؤقتة من لوازم نشأتنا. . لكن استطالته لما بعد النشأة أبرز لدينا عيوب توجهاتنا وتدنى خبرتنا.. علي الأقل من الناحية العملية ]
وبموازاة ذلك كان ضعف أو خفوت النشاط العمالى، وعدم التقاط إرهاصاته وبشائره من جانبنا في حينها والاستعداد المسبق لها - بتشييد بنية تحتية تنظيمية ودعائية قوية - تأهبا لمهام قادمة ؛ جعل الكفاح الوطنى الديمقراطى فى أوساط الطلاب والمثقفين أقرب لاستعراض للبرجوازية
الصغيرة أكثر منه كفاحا سياسيا يشمل كافة طبقات المجتمع..]
ويحضرني في هذا الصدد مثال مشابه دارت وقائعه في أروقة مقر اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة الفلسطينية بالقاهرة عام 2001 . كان (الشعار الناظم لعمل لجنة دعم الانتفاضة) هو محط النقاش المحتدم أو ربما الصراع الدائر داخل اللجنة، وكان الرفيق جمال عبد الفتاح يرى أن الشعار المناسب يتلخص في ( قطع العلاقات مع العدو الصهيوني ) بينما رفعتُ في مواجهته شعار ( الدعم العيني والسياسي للانتفاضة).
كانت اللجان الشعبية في المحافظات ( حوالى 15 ) يقوم نصفها أو أقل قليلا بالدعم السياسي والمعنوي بينما البقية تقوم بالدعم الغذائي والأدوية والمستلزمات الطبية علاوة على الدعم السياسي لذا كنت أرى أن الشعار الناظم لعملها هو( الدعم بنوعيه) على غير ما يرى الرفيق جمال والفنانة محسنة توفيق.
خلال الصراع سألت جمال : إذا تكاتفت كل القوى السياسية في مصر بما فيها الحزب الوطني على موقف واحد ينادى بقطع العلاقات الديبلوماسية والسياسية مع العدو ( إسرائيل ) .. هل في الإمكان تنفيذه..؟ أم أنّ ذلك ليس في إمكان أي قوي في مصر باستثناء رئيس الجمهورية..؟
وسؤالا آخر : ألا يعنى قطع العلاقات مع إسرائيل على الأرجح نشوب الحرب معها ..؟ وهل النظام في مصر مستعد لذلك الاحتمال المرجح أم أن الوضع لا يسمح بذلك ؛ ومن ثم لا يسمح برفع ذلك الشعار بالتالي..؟ لا لشئ إلا لأنه شعار غير عملي .. في ظل الأوضاع التي نعيشها ومن بينها
وضع الانتفاضة الفلسطينية ؟. إن الشعار الناظم لأى عمل سياسي أو نقابي أو اجتماعي .. لابد أن يكون شعارا عمليا قابلا للتنفيذ، وتتوفر أدواته ويستوعبه الجمهور الذى يسعى لتبنيه.. وفى حالتنا تلك هو الجمهور الذى يسعى لدعم الانتفاضة الفلسطينية . فهل نتصور أن قطع العلاقات مع
إسرائيل شعار عملي يمكن على أساسه نظم عمل اللجان الشعبية في مصر أم أن ذلك محض أوهام..؟
وبرغم الفارق بين المثالين ، بل والمسافة الزمنية التي تفصل بين العهدين ، والفارق بين حزب العمال ولجنة دعم الانتفاضة إلا أن ملامح البرجوازية الصغيرة وشططها تجمَعُ بين شعار (قطع الطريق على الخيانة الوطنية ) عام 1975 وشعار ( قطع العلاقات مع إسرائيل هو الشعار الناظم
لعمل لجنة دعم الانتفاضة الفلسطينية) عام2001 ؛ بصرف النظر عن الأشخاص في الحالتين.
والجدير بالذكر أنى كتبت مقالا مطولا عن هذا الشعار وطبعت منه مئات النسخ لأعضاء لجان دعم الانتفاضة كان أول من تسلمه من أعضاء اللجنة الشعبية هم الرفاق الثلاثة المناوئون له ( جمال ومحسنة وكمال خليل). وهو متوفر لمن يريد الاطلاع عليه.(1)
(1) أنظر [ قصة تضامن مع الشعب الفلسطينى -عشرون عاما على تأسيس اللجنة الشعبية لجعم الانتفاضة] عام 2020 - طبعة أولى - دار المرايا – القاهرة – 23 ش عبد الخالق ثروت - ت : 01030319318
هل هو ميل تاريخي نحو العاصمة أم ضَعف للذاكرة..؟
عندما تحدث الرفيق هاني عن الحركة الطلابية كان بالقطع يقصدها في عموم المجتمع المصري ، لكنه عندما يتحرك قليلا نحو تجلياتها المحددة يتحدث فقط عن القاهرة والإسكندرية فيقول: [ في غضون عامين دراسيين 71-72 و72-73 نشهد موجتين انتفاضيتين عارمتين يمتد بهما النضال
الطلابي الثوري من جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية ليشمل في العام الدراسي التالي جامعات مصر كلها تقريبا ] بينما الحقيقة مختلفة نسبيا عن ذلك حيث بدأ النشاط في جامعة أسيوط بعد أسبوع أو عشرة أيام لا أكثر من مداهمة الأمن للجامعات في القاهرة والإسكندرية وتطور بسرعة
مذهلة وبات الحديث عن الحركة الطلابية عموما – منذ فبراير 1972 – يعنى الحديث عن نشاطها في أسيوط لعدة أسباب تتلخص في :
1-اتسام أحداثها بالعنف الشديد خصوصا في عامها الثاني ( 1972 / 73).
2-التنوع في القضايا المثارة في صحافة الحائط وحلقات النقاش والمؤتمرات.. فلم تقتصرعلى القضية الوطنية بل تجاوزتها إلى القضايا الاجتماعية والاقتصادية ، وقضايا أخرى كحرب الشعب وتسليحه وتدريبه.
كذلك لم يقتصر الحديث عن القضية الوطنية على أن النظام لن يحارب بل كان يتطرق لإمكانية الحرب تحت ضغط الشعب والحركة الطلابية ، ويتطور الأمر إلى أن الحرب القادمة لو اندلعت ستكون حربا لتحريك الحل السلمى استنادا لتقديرات هيكل التي نقلت الصحافة الطلابية مقتطفات منها
.. وعلي سبيل المثال مقولته الشهيرة ( إن معركة بيننا وبين العدو .. يسقط له فيها ما بين 10 – 20 ألف جندي ، لها من الأبعاد المادية والمعنوية ما هو كفيل بإزالة آثار العدوان) .
3-مكّن الحركة من مواجهة أكبر رموز النظام ودفعه إلى إرجاء عقد مؤتمراته أكثر من مرة.. وإفشال سياسة المواجهة السياسية التي اتبعها لتجاوز مأزقه السابق فى جامعات القاهرة والإسكندرية والتي سببها العنف.. بحيث صار التسليم بهيمنة الطلاب على الجامعة في منتصف العام الثاني
أمرا واقعا لا ريب فيه.
4-إفشال مخطط النظام في استخدام فصائل الإسلام السياسي في التصدي للحركة ( إخوان وجماعات).
5-حصاد الحركة كان في حقيقة الأمر حصادا ثمينا ؛ سواء ما يتعلق بأعداد العاطفين والأنصار أو الأعضاء الحزبيين ، واشتراك الطالبات في النشاط بل وعضوية الحزب ، وإضعاف النعرة الجهوية العصبوية ، وترابط واتساق النضال في كليات الجامعة بشكل موحد يدعو المراقب المنصف
للإقرار بذلك. وانتشار المناضلين في عموم محافظات الصعيد بما يعنيه من دلالات. وإذا ما نسبنا ذلك الحصاد إلى عدد العناصر التي دشنت العمل لأدركنا حجم الجهود المبذولة وتيقنا من صحة المداخل التي اتخذتها وصواب القضايا التي اقتحمتها وطريقة طرحها.
{أنظر ..(من ذكريات الطفولة والشباب)- رحلة إلى الصعيد جزء5، و الرحيل إلى جرجا جزء 6 } على الرابطين http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=583526 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=584044
عقد دورة تثقيفية فلاحية لعدد من الفلاحين استمرت عاما كاملا. وازتها نقاشات موسعة طيلة شهور مع عدد من العاطفين من طلاب الجامعة أثمرت نتائج مميزة.. منها خلق صلات رفاقية حميمة بين الفلاحين والطلاب استمرت زمنا طويلا .
ورغم أن ذلك كله كان يصل في مواقيته للجنة المركزية شفاهة ومكتوبا ومحَلّلا، إلا أنه لم يعلق بذاكرة البعض.. وتلك هي المرة الأولي التي أطرح فيها هذا الأمر بتك الطريقة .. لا لشئ إلا لأن الحركة في أسيوط منسوبة إلى ما توفر لها من قيادة ومن مناضلين تقفز إلى الأمام قُدُما .. مقارنة بغيرها.
انشقاقا منظمتين عربيتين صديقتين في عكس الاتجاه:
يقول الرفيق هاني صـ 34 :
اعتراضا على موقف وسلوك الحزب من منظمات عربية شقيقة ومناضلة ما يلي :
[•يشرع حزب العمال في تأسيس ما يبدو تنظيما عربيا، فيحدث انشقاقا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ويعقبه بتأسيس حزب عمال شيوعي لبناني (رغم علاقة وطيدة مع منظمة العمل الشيوعي اللبناني، وكان الرفيق فواز طرابلسي هو أول من التقيناه لدى وصولنا لبيروت)، ثم سوريا.]
في الكراسة التي كتبتُها أواخر عام 1975 اعتراضا على تقرير 9/5 وأعطيتها لصلاح يوسف لتسليمها للجنة المركزية قلت بالحرف الواحد : ( ونسعى لتشكيل أحزاب عمال أو فروع لنا في مدغشقر بينما نحن أحوج ما يكون لتأسيس خلية في قويسنا ).
وأعتقد أن نفس القضية دفعت اللجنة المركزية – في وقت لاحق- للبحث عن فرص وامتدادات عربية تخلق أو تستعيد لها دورا في المحيط العربي والإقليمي.
لكن ذلك الدور يصطدم بتصرف غريب ومعاكس تماما ، تمثل في الشروع في إحداث انشقاق داخل منظمة فلسطينية صديقة منخرطة في الكفاح الوطني المسلح ( الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ) وانشقاق آخر في منظمة العمل الشيوعي اللبناني. وعلى ما يبدو أن اللجنة المركزية توهمت أن
دراسة الحزب التي تحمل عنوان " حول مهمات النضال الوطني الفلسطيني" ستلعب دور عصا موسى في ابتلاع كل التصورات المطروحة في المنطقة العربية في هذا الموضوع وتساهم مع الانشقاقين اللذين قامت بهما في المنظمتين الشقيقتين العربيتين في تصدر هذه المهمة على الصعيدين
الوطنى والإقليمي.
الحزب هو جريمته ( جريدته) :
يقول الرفيق هاني في مقاله صـ 37:
[ سمعت رفاقا يرددون ببساطة وكأنها بديهية أن “الحزب هو جريدته”. ولا أبالغ أيضا حين أقول أن تقرير 9/5 تحول في تلك الفترة إلى “قانون إيمان” حزب العمال.]
ويمكن أن نُعيدَ صياغة العنوان بطريقة أخرى (الحزب هو جريدته .. المكدسة بالمخازن والمستخدمة وقودا بأفران المنازل ) .
فعنوان الرفيق هاني يشير إلى مآخذه على اللجنة المركزية التي تختزل الحزب في جريدته استنادا إلى تقرير 9/5 التنظيمي ليس هذا فحسب بل وإلى الاجراءات التي اتخذت تطبيقا له وقلبت أوضاعه رأسا على عقب .
أما العنوان الذى اقترحتُه فهو استناد إلى النتائج العملية لتطبيق التقرير وإلى الحصيلة النهائية لكل ذلك و التي لا يجرؤ على إنكارها إلا بائس.. لقد كان العنوان الأمثل لفقرة الرفيق هاني صـ 37 هو ( الحزب هو جريمته .. التي هي جريدته )
وشعار " الحزب هو جريدته " هو شعار متطابق مع واقع الحال خلال السنة الأولى التي أعقبت صدور التقرير وشهدت تنحية النضال الجماهيري عموما وخصوصا حول الحقوق الأساسية للطبقة العاملة وجماهير الفقراء وفضلت عليه القضية الوطنية سعيا وراء قطع الطريق على الخيانة
الوطنية؛ بسحب المناضلين الجماهيريين للغرف المغلقة وتدجينهم وقصرت مهمتهم على كتابة خبراتهم الميدانية لتعميمها على عموم مواقع الحزب من خلال الجريدة بدلا من قصرها على مواقع بعينها.
وطالما أوهمت اللجنة المركزية أعضاء الحزب بأن الجريدة تعرف طريقها نحو الشركات والمصانع أو هكذا فهموا ولا تحتاج لتأمينها وتوزيعها أو شرح موادها لجماهير العمال أو تمثّلِها أو تنظيم العمال حولها أو حول المطالب التي تتضمنها.. فلا أهمية لوجود القادة الأكفاء ذوى الخبرة في
، وليكن همنا الأساسي هو الكتابة في الجريدة.
إذن فالشعار الأول متطابق مع التصور المركزي ومتطابق مع الإجراءات المتخذة تطبيقا له . لكن وبعد أن أفرغ القادة الجماهيريون ما في جعبتهم من خبرات ومهارات على صفحات الجريدة فى10 أو 12 شهرا ولم يتحسن النضال الجماهيري خصوصا في صفوف الطبقة العاملة ؛ بل تراكمت
أعداد الجريدة في المخازن ولم تجد من يوزعها ولا من يناضل على أساسها صار الشعار حبرا على ورق كما كان واقع الحال. وصار لزاما علينا إزاء المعطيات الجديدة والنتائج الدرامية المتحصّل عليها أن نغيره بعنوان جديد. وبات مطلوبا أن نعيد النظر- استنادا لذلك – في صحة ( العنوان)
الشعار القديم وتطبيقاته وتداعياته ومصداقيته. إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث .. كما لو أن الهدف كان الوصول إلى تلك النتائج البائسة .
ولو تم ذلك – أي تلك المراجعة للشعار- لسقط تقرير 9/5 وسقطت فلسفته.. وسقط كاتبه وحواريوه ومؤيدوه وجملة الإجراءات التي اتخِذت بالطرد والحصار والخنق والتشويه والتجميد والعزل مِنْ تولّى المهام الحزبية لمخالفيه إلخ. وبناء على ما قاله الرفيق هاني [ تقرير 9/5 ″، يتحول بين
عشية وضحاها لقانون إيمان حزب العمال ] فلكل دين معتنقوه وهؤلاء آمنوا بتقرير الانقلاب ونبيّه .
وكما تفرق المسيحيون إلى أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت والمسلمون إلى إخوان وسلفيين وسنة وشيعة وقاعدة ونصرة و دواعش .. جرى هنا شئ مشابه وإن لم يكن مماثلا.
ولا ترجع العلة في ذلك لأن التاريخ يكرر أو يعيد نفسه؛ ولا إلى أسباب قدرية غير مفهومة؛ بل إلى التصور الذى يحكم عقول هؤلاء .
وطالما أدرك شعب أو مجموعة من البشر أن التصور - أو الفلسفة أو القانون - الذى يحكمهم بات قاصرا عن تحقيق أهدافهم وتيسير حياتهم وتطوير عملهم ودفعهم إلى الأمام صار من المحتم إعادة النظر فيه إما بتعديله أو بتغييره وتلك مسئولية البشر وخصوصا من أضيروا. فإذا ما اتخذوا ذلك
الطريق.. طريق التغيير فبالقطع سيتبدل الحال ؛ وإن أصروا على التسليم بذلك القانون - أو التصور أو الفلسفة - التي أعلنت لهم إفلاسها وظلوا على يقينهم وإيمانهم بصلاحيتها أو تأخروا أكثر من اللازم ..فستكون النهاية .. التي تتخذ أشكالا شتى بمزيد من التشقق والانفراط والتحلل .. ليتحولوا
إلى متحف التاريخ.
لقد عرفنا الكثير من التعبيرات والمقولات العلمية في حياتنا لكن بعضنا يستدعيها في أوقات محددة ويتعامى عنها في أوقات أخرى. و تلك المقولات تحمل وراءها وفى ثناياها تلالا من المعارف والتجارب والخبرات اللانهائية التي استُخلصت من تجارب البشر على مدى سنين طوال منها:
•النظرية رمادية يا صديقي .. لكن شجرة الحياة في اخضرار غزير. •الاشتراكية العلمية منهاج للتفكير والعمل ، منهاج لرؤية العالم وتفسيره وتغييره. •الاشتراكية العلمية مستطيل بثلاثة أضلاع ، ضلعه الرابع الممارسة. •الاشتراكية العلمية منهاج يتم إثراؤه والإضافة إليه بالممارسة.
كل تلك المقولات مرت عشرات المرات على أي مناضل حقيقي لكن اللجنة المركزية لحزب العمال ألقت بها جانبا وأصدرت فى 9/5/1975 قانون إيمان تلخصت وظيفته الأساسية في تدمير الحزب والرفاق وتبديد آمال الشعب لعشرات السنين.
ماذا عن ضرورة الصراع ووظيفته ومآلاته :
يقول الرفيق هاني في صـ 39 ، 40 تأكيداً لتصدع الأغلبية المركزية ما يلي :
[ الأغلبية” تشهد بدورها بدايات تصدعات مهمة، تتمثل بشكل جوهري في أن رفيقين من أبرز أعضائها وأكثرهم نفوذا داخل اللجنة المركزية (الرفيق “جو” والرفيقة الرائعة الراحلة أروى صالح)، يختزنان تحفظات مهمة على ما أطلقا عليه وقتها “الأسلوب القيادي للأمين العام”، ويتفقان معي
على ضرورة الحؤول دون تحقيق المذبحة التنظيمية المزمعة.
في غضون شهور معدودة ننجح في منع المذبحة، ويتسع نطاق النقد ليشمل نقدا جذريا لتقرير 9/5 ولكامل الممارسة الحزبية التي بُنيت عليه، ويُعاد صياغة الأغلبية. ينعقد اجتماع للجنة المركزية يتم فيه اقصاء الأمين العام من منصبه وتجميد عضويته، يتلوه في عام 1990 “كونفرنس” للكادر
يشمل كلا من الأغلبية والأقلية السابقين.
ويُعرض على الكونفرنس قرار بفصل الأمين العام من عضوية الحزب (وهو قرار ما زلت أشعر بذنب كبير نحوه)، ويعاد تشكيل اللجنة المركزية والمكتب السياسي. ]
بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 ؛ وصدور تقرير الإحاطة الذى أصدره الحزب مُدينا و منددا بتقرير 9/5 التنظيمي وسياساته ووصفها بالانحراف البيروقراطي العزلوى التصفوى وتَضمّن خبر الإطاحة بكاتبه (المسئول السياسي)؛ والذى كان بمثابة رد اعتبار ضمني لكثير ممن تم
طردهم ولوجهات نظرهم .. عُدْتُ للحزب والتقيت ببعض الرفاق القدامى وصدمت من إحساسي بأن تغييرات كثيرة عميقة ألمت بهم فطرحتُ على نفسى السؤال التالي :
بعد أن انقضت سنوات طوال على هذا التمسك بسياسات 9/5 ( وهو ما أسماه الرفيق هاني بالإيمان ) والذى يعنى التكلس على ما تم اعتياده في الحياة الداخلية للحزب من تقاليد " حزبية " ولا أقول نضالية.. هل هناك أمل في عودة هؤلاء الرفاق إلى طبيعتهم القديمة و كفاحيتهم السابقة ..؟
ورغم أن الأمل كان يحدوني - وبسببه تمت العودة - إلا أن حدْسي كان في اتجاه آخر.
لقد انعكس التكلس والاعتياد والإيمان على مجمل الأنشطة جماهيرية وداخلية.. سياسية وفكرية وتنظيمية.. فأفرزت نفسية جديدة لا ترى العمل الحزبي بغير ما اعتادت عليه وألفته، وأصبحت لا تقبل النقد ولا إبداء الملاحظات ولا الخلاف.
فقد احتجب الصراع طيلة الفترة السابقة ؛ وحيث لا رفاق يتبنون تقديرات ومواقف مغايرة ويبدون آراءهم بحرية ويشعرون باستقبالها – وليس تقبّلها- برفاقية وإنصات مُرحِّب.. لعل فيها ما قد يكون مفيدا . رفاق حريصون على التقاليد القديمة .. يعرفون أن من بديهيات ما تعلموه أن الحياة ليست
ساكنة ؛ ولا تتقدم للأمام دون صراع في مختلف مستوياته وأشكاله ؛ وأنه لا صراع دون تباين واختلاف. وأي بيئة تخلو من الاختلاف هي بيئة ميتة.. لا تتطور ولا تتغير. ولأن بيئة الحزب كانت يوما ذاخرة بالتباينات والخلافات كان الجو صحيا لأن حلّها كان يجرى طبقا لذلك القانون .. قانون
الصراع الذى يكمّله قانون آخر هو قانون حق جميع الرفاق في طرح آرائهم بحرية ودون تمييز. أما الآن وبعد صدور تقرير الإيمان الحزبي في 9/5 /75 بات الصراع يُحسم بقيام أحد طرفيه باستبعاد أو طرد أو إزاحة أو خنق الطرف الآخر ؛ أي بوأد قضية الصراع في مهدها - التي هي لب
الحياة - نظرا لوأد أحد طرفيه ؛هذا وقد تخلقت عادة وأد الصراع بشكل دورى كلما برز معارضون أو مخالفون أو مختلفون أو متباينون جدد أو حتى يوحون بذلك.
ورغم مخاطر كل ذلك إلا أن الخطر الأكبر - الذى برز في مرحلة ما بعد الانقلاب- كان عدم التعلم من التجارب.. تجربة بعد أخرى، تماما مثلما كان الخطر ليس في ظهور رفيق مستبد .. بل في سعى جمهرة اللجنة المركزية - دون أن تدرى - لصناعة مقومات ذلك الاستبداد.
وهنا نتوقف قليلا.. لنقول أن صناعة مقومات الاستبداد تأتى من ناحية في تأييد المستبد وتأبيد الاستبداد حسبما تصرفت اللجنة المركزية بكاملها في الشهور الأولى للانقلاب مع " الانشقاق والتكتل " ، وكما تصرفت الأغلبية بعد ذلك مع الأقلية . وتأتى صناعة المقومات من ناحية أخرى بالاستنكاف عن مقاومة الاستبداد والتعلل بأسباب يصعب قبولها تبريرا لذلك الاستنكاف. وهو ما يعنى أن صناعة مقومات الاستبداد لها شقان إيجابي و سلبي – رغم اتساع المسافة واختلاف المقدمات وتعارض المآل لكل منهما- إلا أنهما يساهمان معا في صناعته وربما أيضا في تأبيده.
الحزب يقوى بتطهير نفسه:
يقول الرفيق هاني في صـ 38 : [(“الحزب يقوى بتطهير نفسه”) الشعار التنظيمي الأهم والمبرر الأساسي لسياسة المذابح. يتهم الرفاق الملتفين حول وثيقة الرفيق “بشير” بالتكتل. ]
وأتذكر أن أول من قالها كان جمال عبد الفتاح الذى كان طوال زمالته لي في منطقة الإسكندرية يعلن اعتراضه على تقرير 9/5 ، وبعد نقله لمنطقة الصعيد ومساومته ( الموافقة على التقرير مقابل الترقي للجنة المركزية ) وافق وترقي، وكان ذلك أعتقد في اوائل 1976.
وتتركز آلية الانقسام التي رسختها اللجنة المركزية لحزب العمال في صفوف الحزب في سياسة تغوّل إحدى المهام الرئيسية في الحزب ( الكتابة في الجريدة الجماهيرية) على بقية المهام التنظيمية والجماهيرية والأمنية والدعائية وعلى القائمين بها وإزاحة المخالفين لها خارج دائرة العمل ومن ثم خارج أسوار الحزب، ولأنها سياسة استيلادية ( أي تستولد ) انقسامية تعيش بقانونها الخاص (أغلبية التصويت الساحقة) وبسلاح [الحزب يقوى بتطهير نفسه ] لا بقانون الصراع الحزبي المتعارف عليه وبقواعده؛ فإنها لا تنتعش إلا ظل ميزان قوى ساحق- مستولد من سياسة إغراق المستويات بعضويات قاعدية- ومائل بشدة لصالحها ؛ فيظل يفعل فعله في محيطه الخارجي لتخليق الانقسامات وإزاحتها واحدا بعد الآخر ، فإذا ما انتهى من ذلك المحيط استدار إلى داخله ليمارس نفس المهمة وهذا ما حدث في المشهد الأخير الذى وصفه الرفيق هاني صـ 39 بـ [الأغلبية” تشهد بدورها بدايات تصدعات مهمة ]. إنه انقسام البروتوزوا التلقائي ، أو هو الانقسام الخلوى السرطانى .. والذى يبحث عن خلايا جديدة يصيبها وإلا ستنتهى حياته بتوقفه عن مهمته.
عن المناضل .. والمثقف البرجوازى الصغير:
كتبت الراحلة أروى صالح فى إحدى رسائلها بتاريخ يوليو 1985 صـ 112، 113 من كتابها " المبتسرون" { خلاص ما باكلش من الإرهاب " الديني " بتاع المتشيعين اليساريين إللي جهلهم بالماركسية يساوى جهلهم بالحياة لأنه باختصار نابع منه ] ، وأضافت [ على فكرة لو قُدر لي يوما إني
أساهم في وضع لائحة حزب .. مستعدة أحارب علشان يحطوا شرط في العضوية إنها ما تقلش عن 30 سنة ، وإنه يكون سبق له العمل .. اشتغل يعنى وكَلْ عيش بعرق جبينه ، إتذل زي بقية خلق الله اللي عايزة تعمل عليها طليعة.}
لذلك فالمناضلون نوعان..
•أحدهما يعود دائما إلى حصيلته الفكرية والثقافية لطرح رؤاه ومواقفه حتى العملية منها – استنادا إلى ميوله ومهاراته – وينحو دائما لترجمتها والتعبير عنها في قوالب نظرية بالأساس، ولا يفضل – دعما لذلك المنطق- الولوج إلى الجوانب التطبيقية في إبرازها والتدليل عليها وتطبيقها.
•والنوع الآخر يميل إلى جعل حصيلته المشار إليها كخلفية و( زاد) لتدعيم رؤاه ومواقفه.. خصوصا العملية منها دون أن يلجأ كثيرا لصياغتها في قوالب نظرية. وهو في ذلك يدرك أن جملة التجارب والخبرات والزاد الفكري والثقافي الذى يمتلكه هي مجرد معارف متنوعة تساعده في
تحديد تلك الرؤى والمواقف من ناحية والبرهنة عليها – إن اضطرته الحاجة – من ناحية أخرى. وبذلك ينحو إلى الشق التطبيقي الذى يحول الرؤى والمواقف إلى شئ عملي يمشى على أرجل. لأنه يشكل المحددات الواضحة للمسار الذى يختطه ويسعى للوصول إليه.
•ولتقريب الفكرة للأذهان نعرض المثال التالي:
•كان الشهيد صلاح حسين الزعيم الفلاحي إبان شروعه في تحضير فلاحي قريته كمشيش لاتخاذ قرار الامتناع عن السخرة في أرض الإقطاع يقوم بالتالي:
•إجراء حوار مع زملائه مثقفي ( طلاب ) القرية ومع أبرز فلاحيها بطرح الأسئلة التالية :
1-كم عدد أفراد الأسر الإقطاعية في القرية..؟ وكم من الأفدنة يملكون في كمشيش وخارجها..؟
2-إذا ما أعطينا لكل فرد من تلك العائلة رجالا ونساء كل الأدوات والآلات الزراعية الممكنة لفلاحة الأرض ؛ فكم فدانا يمكن أن يزرعها كل فرد منهم دون أن يستخدم جهد فلاح أو عامل آخر ..؟
3-بضرب عدد أفراد العائلة الإقطاعية × المساحة التي يستطيع زراعتها كل فرد منهم بمفرده دون مساعدة من غيره فكم تبلغ المساحة الإجمالية المزروعة..؟ فأجاب الفلاحون: 150فدان فى السنة.
4-بمقارنة ما يملكه أفراد العائلة في القرية بما يستطيعون زراعته بالشروط المشار إليها.. كم يتبقى من المساحة المملوكة لهم بالقرية..؟ رد الفلاحون: أكثر مما يستطيعون زراعته.
5-بطرح ما يستطيعون زراعته مما يملكونه في كمشيش والقرى الأخرى فكم يتبقى..؟ ردوا :لا يمكن حصره.
6-إذا امتنع الفلاحون عن العمل بالسخرة في أرض العائلة الإقطاعية فما مصير الأرض..؟ أجاب الفلاحون : البوار والتلف.
7-إذن لكى نضع العائلة في المصيدة .. لابد أن نجبرها على ذلك ..؟ ، ولن يتم هذا دون امتناع الفلاحين جميعا وفى وقت واحد عن العمل في أرض الإقطاع بالسخرة.
وهنا اتخذ الفلاحون الموجودون القرار بالإجماع ورتبوا إجراءات نشر نداء العصيان علىعائلات الفلاحين وساهم أهل القرية فلاحين وطلابا وموظفين في تنفيذه كل حسب دوره حيث بدأت ثورة الفلاحين على العائلة الإقطاعية .. بعدها دارت العجلة.
وتتبقى لحظة إطلاق نفير العصيان وكسر جدار الخوف الذى تولاه صلاح حسين بنفسه ، حيث اختار مع زملائه الطلاب عزاء أحد رجال القرية ومن وسط قاعة العزاء تناول الميكروفون وأعلن لأهالي القرية : لقد قامت ثورة في مصر وصدر قانون للإصلاح الزراعي يحدد سقفا لملكية الأرض
، وسوف تنتزع الأرض الزائدة من الإقطاع وتوزع على الفلاحين ، ولذلك لابد أن يكف الفلاحون عن العمل بالسخرة في أرض العائلة الإقطاعية.
وهكذا نزل الإعلان كالقنبلة في القرية وخلت الشوارع من المارة بينما ازدحمت البيوت وماجت بالمناقشات والفرح ؛ وفى اليوم التالي نفذ الفلاحون العصيان ..وهكذا.
وكان صلاح حسين يتبع نفس الطريقة- وإن بمستويات مختلفة- في تحويل أعقد القضايا ( فائض القيمة ، الريع التفاضلي والمطلق ،التنظيم ) سواء مع جماهير القرية عموما أو مع الفلاحين أو مع رفاقه في الكفاح من الطلاب إلى أفكار بسيطة قابلة للفهم وطيعة التنفيذ.
ويبين هذا المثال العملي أن الحصيلة الفكرية والثقافية لقادة الفلاحين تكون في خلفية القرار المُتخَذ والموقف العملي الذى يجري التحضير له ، كما يوضح أن الروح العملية - والتي يمكن تعريفها بتحويل الأفكار إلى كائن حي متحرك ومؤثر – هي التي تقود المناضلين الساعين لتغيير الواقع دون
حذلقة أو رطانة . فالأفكار دائما في رؤوسنا ؛ في خلفيتنا ، لكنها كأفكار لا تبرح مكانها وإنما تجرى ترجمتها ( فرمتتها و صياغتها ) إلى صورة أخرى من صور التحقق أي الفعل والتأثير.
عن "الانشقاق" والتكتل :
يقول الرفيق هاني في صـ 37 ، 38 عن " التكتل والانشقاق " ما يلى:
[كان عدد غير قليل من كوادر الحزب يرنون ببصرهم في اتجاه أخر. تحت شعار “التوجه للطبقة العاملة” يكتب الرفيق “بشير” – وهو أحد الرفاق المؤسسين للحزب – ما أعده اليوم وثيقة تاريخية بحق، ينتقد فيها تقرير 9/5 داعيا لصياغة الارتباط الوثيق بالحركة العمالية باعتباره المهمة
المركزية لنضال حزب العمال في تلك المرحلة.]
[تصدر اللجنة المركزية قرارا بفصل الرفيق “بشير” ومجموعة غير قليلة من أفضل كوادر الحزب وأكثرهم كفاحية، من قيادات عمالية وطلابية. فتقوم مجموعة أخرى من الكوادر، تشمل رفيقا آخر من الرفاق المؤسسين، بالإنشقاق اعتراضا على المذبحة التنظيمية.]
ونصحح الفقرتين السابقتين كالتالي:
(تاريخيا كان رفاق ما يسمى بالانشقاق هم أول المطرودين قبل التكتل بعدة شهور(خريف1976 ) ، وكان الصدام الأساسي في مواجهة عدد منهم ( متباعدين ) منذ منتصف 1975، وكنتُ أول من تم تجميده في الحزب في أغسطس1975 وقد أُهْملتُ حتى أكتوبر 1975 دون نقاش أو تحقيق ،
والمثير للدهشة هو أن من قام بتجميدي هو زميلي في المنطقة ( جو) والذى تمت ترقيته قبلها بأسابيع وكنا نعمل معا على مدى سنتين تقريبا في منطقة بحرى - التي ضمت أطلال كل من منطقة الإسكندرية بعد ضربها والدقهلية بعد غربلتها - ، وحيث أن اللائحة لا تخول له ذلك فقد استنتجت –
ليس وقتها وإنما بعدها بقليل - أنه قد حصل على ضوء أخضر بذلك بالذات وأنى" أعلنت أنى لن أنفذ هذا التقرير لأنه حيغرقنا" .. وأعتقد أن ذلك التصريح كان تكئة التجميد ).
ولم تحدث الصلة مع بعض رفاق ما أسمى بالتكتل أو الرفيق بشير تحديدا إلا في خريف 1975.
أما ما جرى منذ بداية الخلافات حول تقرير 9/5 وحتى الطرد فسنعود إليه فيما بعد.
و بالنسبة لما أسمى بالتكتل فجاء فيما بعد ، مع العلم بأن تلك المجموعة كانت تضم الحلقة الثانية المؤسسة للحزب بالقاهرة وهو ما يعنى أن صلات أفرادها ببعضها كانت طبيعية. وفيما يتصل بعملية الفصل فلم تُوَقّع على الرفيق بشير بمفرده وإنما للمجموعة كلها. وكان إشارة واضحة على
ضجر اللجنة المركزية الشديد من وجود مخالفين بالحزب وبرهانا عمليا على خطوتها القصدية السابقة ضد " الانشقاق".
صحيح بدا رفاق "الانشقاق" أقل صبرا من زملائهم في " التكتل " لكن الحقيقة أنهم كانوا الأكثر رفضا للبطالة والعزل والحصار والأكثر إحساسا بأن ما يجرى مع رؤوس المخالفين لا ينبئ بخير ولا يعنى سوى أنه سيتفاقم بمضي الوقت وهو ما ثبتت صحته بفصل رفاق التكتل .. الذين بات
وضعهم " كالكالو تحت جَنْب اللجنة المركزية " . أما عن أن سبب الانشقاق كان احتجاجا على فصل الرفيق بشير فأسمعه لأول مرة؛ والمؤكد أنها إحدى القصص المختلقة التي كانت تعد للترويج والتشهير بالانشقاق.
المخالفون .. هم مَن أُجبِروا على الرحيل ومن فُصِلوا:
هذا ودون الدخول فى التفاصيل التي لا تنتهى نعرض الإجراءات التي اتخذتها اللجنة المركزية وواجهت بها المخالفين ثم نتعرض بعدها للمفاهيم التي حكمت وفسرت سياسة الانقلاب:
بعد صدور تقرير 9/5 التنظيمي فوجئنا بشائعات بتهبيط اللجنة المركزية لأربعة من أعضائها إلى مستويات أدنى كان أحدهم بعيدا عن اللجنة منذ ضربة الإسكندرية الأمنية وكان مسئولا لمنطقة الدقهلية وفى وضع محدود الحركة والمهمات والتأثير. وللحقيقة كان الخبر صادما بالنسبة للثلاثة
الباقين ، بعدها تم تجميدي لمدة شهرين وحرماني من تولى أية مسئوليات نوعية أو قيادة أية لجان أو تشكيلات حزبية.
ورافق هذا حدوث العديد من المماحكات والتلميحات بشِأن الرفيق جمال عبد الفتاح تطورت إلى نميمة وخوض في سيرته وخصاله الشخصية والتقول عليه ملأت فضاء لجنة منطقة الإسكندرية بعكس كل التقارير التي بلغتنا عن إمكانياته وصفاته إبان سجنه وهو ما كان سلوكا صادما لم نشهد له
مثيلا في الحزب قبل ذلك .
وعلى الفور تصديت لها جميعا معترضا على جزء من مضمونها وعلى طريقة وملابسات وتوقيت تناولها في غيبة الرفيق ، وبالمناسبة لم يقم بمواجهته - بموضوعية- بشأن بعض المآخذ عليه- في اللجنة المركزية ولجنة المنطقة- سواي مع أن الشائع أننا معا مخالفان لتقرير 9/5 المركزي
ونتصدى له بشكل دائم .. وهو ما دعا لتفريقنا بنقله لمنطقة أخرى.
وقد لجأت اللجنة المركزية لعدة إجراءات متكاملة ضد المخالفين منها :
1-نشر جو خانق وحربى داخل الحزب بما يعنى خلق معسكرين متناحرين ورفع حالة الطوارئ والتوتر بين الحزب والمخالفين ، علاوة على تشويه المخالفين والتشهير بهم. وبعد أن يكون الرفيق يوما " فرخة بكشك" وتوصّل بمفرده لتشخيص صائب لحرب أكتوبر يصير ( أكذوبة ) بين ليلة وضحاها.
2- حصارهم وعزلهم والتضييق عليهم ، بحرمانهم من تولى المسئوليات الرئيسية ، ومن قيادة التشكيلات واللجان، ومنع نشر تقرير( كراس) ناقد لتقرير اللجنة المركزية كتب في أواخر 1975 يركز على المآخذ التنظيمية وقضية المعايير، وإغراق المستويات برفاق قاعديين متواضعي
المستوى قليلي الخبرة بالحياة الحزبية وبالحياة عموما، ويتنبأ بتدهور الوضع الأمني للحزب والوضع الجماهيري، إضافة لخلق جو كريه وخانق يفسد علاقات الرفاق ويمزق الحزب ، كما كان يتناول نظرية الحلقة الوسيطة في التوجه للطبقة العاملة؛ ) وتحويل الحزب لكتبة من أجل الجريدة
وسحب المناضلين الجماهيريين للداخل ..إلخ؛ (وهو ما أعطيته للرفيق صلاح يوسف لقراءته وإيصاله للجنة المركزية ) ؛ فضلا عن حجب مقال مناوئ للجنة المركزية - في وقت أسبق للرفيق إدريس أبو الدهب - حتى يتمكن الرفاق في الحزب من قراءة الرد عليه أولا.
3-إغراق مستويات المناطق بعضويات قاعدية ضعيفة محدودة أو معدومة الخبرة بالحياة وبالنضال الحزبي وتحريضها لشل التعاطف مع المخالفين من ناحية ، ولضمان التصويت لصالح قرارات اللجنة المركزية فضلا عن بعثرة المخالفين على أنطقة الحزب لمنع تركز قوتهم في لجان بعينها.
وهو نفس ما حدث في اللجنة المركزية لضمان قوة تصويتية لصالح التقرير . وأتذكر اللقطة الأخيرة في محاولة اللجنة المركزية التعرف على أبعاد المخالفين ونواياهم والحصول على أية معلومات تفيدها في هذا الشأن، عندما أرسلت لي وفدا مكونا من ثلاثةأعضاء.. هم ( علىّ.. عضو الأقلية
فيما بعد ؛ وأكثر المتحمسين لتقرير 9/5 وأحد المتشددين ضد المخالفين) ، وجمال عبد الفتاح الذى تمت مساومته وغير موقفه من التقرير من مخالف إلى موالى .. وصاحب شعار "الحزب يقوى بتطهير نفسه" ، و(بهى الدين حسن ) الذى (غادر الحزب فيما بعد وارتد فكريا ؛ وتصدى
للماركسيين عام 1992 في انتخابات المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وتحالف مع الناصريين) . هذا ولم يتطرق الوفد لأية قضايا خلافية ولا شكاوي تنظيمية أو شخصية بل كان كل همه هو الحصول على أية أخبار أو معلومات.
عودة للانشقاق والتكتل ومصيرهما:
شارك رفاق الانشقاق - الذين تَغلِب عليهم الميول الجماهيرية- بعد طردهم من الحزب فى عدد من المعارك الجماهيرية والانتفاضات مثل معركة انتخابات مجلس الشعب 76 كانت إحداها تدعم المرشح فهمى النكلاوي بإحدى دوائر شبرا؛ ومظاهرة 25 نوفمبر76 من الجامعة لمجلس الشعب مع
عدد من مناضلي القوى الأخرى ( 8 يناير والناصريين) ورفعوا فيها شعار- يا سادات يا توأم هتلر// حكم النازي جنبك يصغر- الذى ظل حبيسا من بداية 1975 إبان (توجيه الهروب الكبير) وحتى ساعة هذه المظاهرة. فضلا عن انتفاضة 18 ،19 يناير 1977 مع رفاق التكتل.
وكان الانشقاق قد انتظم في تشكيل تنظيمي من 3 مستويات لكنه لم يتمكن من الاستمرار للأسباب التالية:
•أنه كان كيانا صغيرا منقسم الرأس حيث كانت كل قراراته الحاسمة تصدر بتصويت ( 3مقابل 1).
•وتغلب عليه السمة الجماهيرية و يفتقد كفاءات أخرى فكرية وتنظيمية وسياسية.
•كما كان كل أفراده هواة حيث لا مصادر للتمويل سوى إمكانيات أعضائه الخاصة.
•وللأسف كان يضم بين صفوفه عنصرا أو اثنين من ذوى الميول الليبرالية ممن وجب استبعادهما من أي عمل حزبي.. وشكل أحدهما بممارساته خطرا قائما على الدوام. طيلة 8 أشهر هي عمر التنظيم. هذا وقد كتبت هذا التقدير بعد أسابيع معدودة عن الميول الليبرالية للعنصرين قائلا : هذا
الشكل " الانشقاق " يضم أفضل ما في (ت. ش. م ) وأسوأ ما في ( ت. ش. م). هذا وقد تم استغلال وجودهما فى وصمنا جميعا بأننا من نفس الطينة.
•أما التكتل فقد ظل مستمرا بالحزب لعدة شهور بعد الانشقاق حتى تم طردهم ، وكانت قد صدرت عنه دراسة مطولة بعنوان( حلقة دعائية أم حزب سياسي ) سجلتْ مآخذه على سياسات الحزب وإجراءاته المتنوعة تضمنت قاسما كبيرا مشتركا مع مآخذ الانشقاق حيث كنت قد قرأتها لكنى لم
أحصل على نسخة منها ، وكل ما كان يعيبها هو تأسيسها بعض المواقف بالاستناد إلى التقرير التنظيمي والاستشهاد أحيانا ببعض نصوصه.
من ناحية أخرى عرض التكتل العمل المشترك مع الانشقاق وكنت أحد المحبذين لذلك لكن أغلبية الرفاق رفضوا ومن ثم لم تفلح المحاولة.
•بعد انفراط الانشقاق سعت مجموعة منه للعمل المشترك مع تنظيم المؤتمر وشهدت تلك المحاولة عددا من اللقاءات حضر بعضها أحد رفاق الأقلية ( ص. العمروسى ) بصفته وليس بشخصه وأسفرت عن تنسيق مشترك مع تنظيم المؤتمر في بعض المعارك الانتخابية والكتابات السياسية ، أما
مع الأقلية فكانت الصلة بها مختلفة حيث أطلعتْنا بشكل مستمر على كتاباتها الناقدة لسياسات الحزب؛ وقد أبدينا عليها عددا من الملاحظات الخلافية مكتوبة على ظهر الأوراق التي تتضمنها، وكان جذر ملاحظاتنا ( رافضا لأن تتأسس انتقادات الأقلية على تقرير الانقلاب بدلا من مواجهته، كما
أوضحنا لهم كيف يمكن أن تخرج تلك الانتقادات ضد سياسات - تستند إلى تقرير- يتم الاستشهاد بفقرات منه على منطقية نفس الانتقادات) . وللحقيقة فقد استجابت لمآخذنا وعدلت كتاباتها في أكثر من موضع استنادا لرأينا.
•وفى عام 1979 فوجئنا باستغاثة الأقلية بنا لمعاونة الحزب في توقى آثار ضربة أمنية جديدة في انتخابات حلوان وهو ما استجبنا له على الفور.
•بعد سنوات شهدت سيناء حادثين هامين عامي 1985 ، 1990 لكل من المجنديْن سليمان خاطر وأيمن حسن شهدا تجاوزات من الجانب الصهيوني على الحدود المصرية وردّ فيها المجندان بقتل عدة عشرات من الإسرائيليين وجرح مثلهم ، وحوكما ولقى بعدها خاطر حتفه في السجن الحربى
بينما قضى أيمن حسن حوالى عشر سنوات مسجونا .وقد حاولنا في أعقاب الحادثة الأولى طباعة منشور لتوزيعه دعما لبطولة خاطر واحتجاجا على موته المثير للشكوك والادعاء بانتحاره.. لكننا لم نتمكن ، لكن في الحادث الثاني كانت الفرصة مواتية إلا أن الوضع الإقليمي كان محتدما بسبب
غزو العراق للكويت في أغسطس 1990 وكانت ردود الأفعال تشير إلى احتمالية غزو قادم للعراق تقوده الولايات المتحدة في الشهور الأولى من عام 1991.. وباندلاع العدوان في 17 يناير 1991 أعددنا العدة لذلك وكانت كالتالي:
1-اختيار خمسة أشخاص معظمهم من خارج دائرة السياسيين الحزبيين أو المعروفين من 4 مواقع .
2-كتابة 3 منشورات تتناول حرب الخليج الثانية والعدوان الأمريكي على العراق ، ورابع للتمويه.
3-تضمين المنشورات مشاركة الجيش المصري في الحرب ومغزاها وأبعادها ؛ ووجود أعداد كبيرة من المصريين مجندين في الجيش العراقي، وكذا أهداف الحرب؛ وتتعرض لحادثي البطلين سليمان خاطر وأيمن حسن.. وتقترح بعض التوصيات.
4-اتفقنا مع إحدى المطابع على طباعة المناشير الثلاثة على دفعات ومعها منشور آخر للتمويه أثناء التوزيع بعدد 20 ألف نسخة، وحددنا موقع تخزينها وإعدادها للنقل والتوزيع في 6 محافظات .
5-اتصلنا بأحد الرفاق في الحزب لمعاونتنا في نقلها فقط من المطبعة إلى خارجها فطلب منا الانتظار لحين مناقشة رفاقه الحزبيين في الأمر الذى يحتاج إلى مهلة زمنية قصيرة.
6-ولما كان الأمر لا يحتمل ذلك اضطررنا لنقلها بطريقة أخرى ووزعناها في بحر عشرة أيام بشكل آمن.
وأهمية قرار توزيع المنشور تتعلق بعدة جوانب سياسية وتنظيمية وأمنية وإجرائية خصوصا عند مقارنتها بعديد من الأمور التي جرت مناقشتها في الصفحات السابقة في الجوانب الأربعة المذكورة.
قصة المعايير وتسمية الانقلاب:
ماذا لو كنت بصدد تشكيل فريق لكرة القدم ، أو تأسيس فرقة مسرحية ، أو تكوين مجموعة لتنقية الحشائش الغريبة من الحقول أو لجمع لطع دودة ورق القطن..؟ هل يمكن التخلي عن معايير محددة لكل نوع من أعضاء هذه الفرق الأربعة..؟ التي هي إجادة المهارات الأساسية وقوة التحمل
والسرعة في الأولى، والقدرة على فهم الشخصيات وعلى تمَثّلها واسترجاعها في أية لحظة ومعرفة جيدة باللغة ولهجاتها وكيفية نطقها في الثانية، والتمييز بين مختلف النباتات ومختلف الحشائش والجلَد وتحمل درجات الحرارة العالية والمنخفضة في الثالثة ، والتعرف على شكل ومناطق وضع
والجلَد وتحمل الحرارة المرتفعة في الرابعة. وبدون توفر تلك المعايير لا يمكن إنجاز المهمة التي نحن بصددها.. وهو ما ينطبق – مع الفارق- على معايير الحزب السياسي.
ففي مجتمع يتمتع بحريات ديمقراطية مستقرة يختلف الوضع عنه في حالة مجتمع محروم منها، حيث في الحالة الأولى يمكن أن يكون الحزب علنيا وفى الحالة الثانية لا يمكن أن يكون إلا سريا ..إلخَ
لذا فالمعايير هي التي تحكم أي عمل مهني أو حرفي أو عمالي أو فلاحي أو سياسي أو نقابي أو فني أو رياضي. لكنها ليست هدفا في حد ذاتها بل هي أداة ووسيلة لقياس المهارات والمقومات الشارطة لأي عمل. وإذا ما كانت صحيحة نجح العمل وتقدم ، والعكس صحيح فيما لو أصابها الخلل.
وفى حالتنا التي نناقشها تعرضت المعايير لتحول واضح منذ مايو 1975. ولأنها ليست هدفا كما سبق القول فإنها استهدفت منذ ذلك التاريخ تنفيذ الميول والتصورات الثقافية الخاصة بكاتبها وهى مهارة الكتابة، باعتبار أن تحرير الجريدة هو الهم الرئيسي للحزب وتتضاءل أمامه بقية المهام . ومن ه نا أصبحت المحور الذى يُعَوّل عليه في نظم الرفاق بانتقاء الكتبة منهم – أو ما يُتصوّر أنهم كذلك - وتصعيدهم للمستويات العليا للقيام بالمهمة.
من هنا كان تحديدُ إصدارِ الجريدة مهمةَ رئيسية للحزب؛ وكان معيار إجادة الكتابة هو المعيار الأعلى شأنا ؛ بينما لم يكن الأمر كذلك فيما سبق . فهناك في الحزب بارعون في الكفاح الجماهيري، وآخرون شديدي المهارة في التنظيم وفي مكافحة الشرطة السياسية بمثل ما هناك متفوقون في
الدعاية إلخ . ولأنها جميعها مهام رئيسية وحاسمة فهي لا تعطى بمفردها المتفوقين والبارعين فيها حق قيادة الحزب، فالقيادة تتطلب توازنا وتكافؤا متسقا في الإلمام بتلك المهمات. وعليه فلا توجد مهمة بمفردها تتصدر قيادة الحزب الذى هو جماع مهام ومن ثم مهارات متعددة متوازنة ، فما بالنا
إذا ما تغولت تلك المهمة ( المهارة) وهمشت كل المهمات ( المهارات) الأخرى وحولتها إلى أمور ثانوية الأهمية.
باختصار كانت الفكرة الإجرائية لتقرير 9/5 هي هذه المهمة وتلك المعايير التي نحّت جملة المعايير القديمة وثبتت نفسها دفة وحيدة بقوة التصويت المركزية.. ومن هنا كانت - من الناحية العملية -انقلابا حقيقيا.
الحِبْر سيقوم بالثورة :
وفى هذا المقام أتذكر أن حوارا محتدما دار مع الرفيق صالح ( خليل كلفت) عام 68 ، 69 مفاده حسبما قال : " أن الحبر سيصنع الثورة" والحبر هنا يعنى الثقافة والكتابة، وكنت أواجهه بدوري: لن يقوم الحبر بها ، وإنما هو وسيلة هامة ضمن وسائل عدة. وكنت أذكّره بما كان يطرحه دائما عن
الفارق بين المثقفين والمناضلين مؤكدا له بأن المثقفين سيلعبون دورا هاما بها لكن المناضلين هم من سيقودونها.
إن تحويل الأفكار إلى كائن حي يتحرك ويفعل ويؤثر هو دور السياسة بجماع مفرداتها ( الوجهة السياسية، التنظيم ، الدعاية ، الكفاح الجماهيري) وقبلها الحزب ، والحبر بكل المعاني هو المعرفة الواسعة والكتابة اللذان هما مجرد موضوع يحتاج إلى عشرات الوسائط والأدوات والوسائل ليبلغ
حدود الثورة. بمعنى أن هناك حلقة لا بد من وجودها بين الحبر وبين الثورة.. وتلك هي المعضلة.
أسئلة حاسمة من زمن مضى وأجوبة من زماننا :
س1: هل كان لينين أوسع ثقافة من بليخانوف و كاوتسكى..؟ ج1: لا لم يكن .. وقد لعب هذا الثنائي دورا هائلا في نشر الاشتراكية العلمية ليس في روسيا وحدها وإنما في عموم أوربا في نهايات القرن التاسع عشر.
س2:بم كان يتميز لينين عنهما..؟
ج2: كان يتميز بقدرته النادرة على إجادة السياسة التي تتشكل من:
أ -قراءة الواقع كما هو دون رتوش. ب-تحليل الواقع :بتحديد مفاصله ونقاط القوة والضعف في معسكر الثورة ، ومعسكر الحلفاء، ومعسكر الأعداء. ج-بتوجيه الجهود لتوظيف وتعظيم نقاط القوة في صفوف معسكر الثورة وحلفائها من ناحية ، واستغلال نقاط الضعف في معسكر أعدائها من ناحية أخرى. د- باختيار التوقيت الملائم لتنفيذ موقفه في صفوف الثورة وصفوف الأعداء ( متى يتقدم ، ومتى يضرب ، ومتى يتوقف، ومتى يتراجع..؟ وهو ما يُعْرف بـ (فن تحريك القوى ) .
س3 : كيف كان ينفذ المهام .. ويختار القائمين بها؟
ج3 : كان يختار الأفراد المناسبين للمهمة أيا كان موقعهم ، فقد وافق على عودة ليون تروتسكي للحزب بعد طول ابتعاد وفى وقت متأخر جدا رغم جملة المشاكل المثارة بشأنه وحوله، كما رشحه ودعا لاختياره رئيسا لسوفييت بتروجراد متخطيا كل أعضاء اللجنة المركزية ، وكان تروتسكى
نعم القائد للانتفاضة المسلحة التي أفضت لانتصار الثورة في أكتوبر 1917 .
س4: هل كانت له مهارات أخرى ..؟
ج4: نعم ، إجادة التوقع الذى هو حصيلة المهارات السابقة والذى - في معظم الأحوال- يكون نتيجة إلمام دقيق بكل التطورات الحادثة واستنادا إلى معطيات لا يختلف عليها الكثيرون .
فضلا عن تثمين الأخطاء بطريقة لا تعرقل الهدف النهائي الذى يسعى له الحزب ولا يتواطأ علي تلك الأخطاء. فيتغاضى عن موقف ستالين وزينوفييف عند حجبهما بعض مقالاته المطالبة بالاستعداد للانتفاضة والدخول مباشرة إلى الثورة الاشتراكية وعدم مهادنة الحكومة المؤقتة أو التعاون معها؛ باعتبار أن هناك وسائل أخرى تعوض حجبها ولتأكده من الميل المتصاعد لتأييد موقفه في صفوف الحزب ؛ بينما يطرح فصل اثنين من أعضاء المكتب السياسي للحزب لإفشائهما توقيت بدء الانتفاضة المسلحة قبيل اندلاعها بساعات رغم خطورة التوقيت .. وعلى ما يبدو أنه طرح ذلك ليس لينفذه بل ليقطع الطريق في تلك اللحظات الحاسمة على أخطاء مماثلة محتملة في المستقبل القريب ..، كذلك برْهن على أن المشاركة في الحرب الإمبريالية هي خيانة للثورة وللشعب الروسي الذى يشارك أبناؤه في مجزرة لا ناقة لهم فيها ولا جمل .. بل وتجاوز ذلك لاتهام كاوتسكي بالخيانة لتأييده الحرب ووصفه بالمرتد .. إلخ. هذا وتمثل الحالات الثلاث السابقة مستويات مختلفة من الأخطاء منسوبة لظروفها؛ ومن ثم كان الموقف من كل منها مراعيا ذلك دون تهوين أو تهويل.
س5 :بافتراض تولى كل من بليخانوف و كاوتسكي الأكبر سنا والأوسع ثقافة قيادة الثورة في روسيا بدلا من لينين استنادا لجملة المعطيات التي نعرفها عنهم.. هل كانت ستتكلل بالنجاح..؟
ج5 : صحيح أن الثنائي هما أكثر من مهد الأرض - أمام الثورة ، لكن لينين هو من نظم وقاد جيشها، ولذلك أشك كثيرا في نجاحهما لو كانا قد توليا المهمة الأخيرة .. لأن لينين كان الأكثر فهما للأوضاع السياسية الملموسة منهما، والأقدر توقعا وفراسة على الأقل بالنسبة لمستقبل الحرب العالمية المشتعلة، والأكثر يقينا من أن الشعب يرفضها ، وكان يراهن على أن دعوته للانسلاخ عنها ووقفِها سيلقى قبول الشعب والجنود المشاركين فيها .. وسيكون نقطة ضعف للنظام القيصري الحاكم وتلك هي النقطة الأضعف في معسكر الأعداء، وسيستغل انشغال كثير من الدول المعادية المشاركة فيها عن التدخل لمواجهة الثورة الروسية ..إلخ، أي أن الثورة كانت ستفشل لو كانا هما القادة ، ولما حصل البلاشفة على الأغلبية في السوفييتات في عشية الثورة أكتوبر 1917بعد أن كانوا الأقلية فيها في فبراير 1917 .
إذن فليست الثقافة هي الفيصل ولا اتساعها هو الحاسم ، فعلى المستوى الفردي يلعب التكامل المعرفي والخبراتي والمهارات العملية والسمات الشخصية المتنوعة وتوازن تلك الخلطة.. العامل الأهم في تولي القيادة. وبنفس الطريقة يمثل توازنها في مجموع تشكيلات الحزب ومجموع أعضائه عامل النجاح الأهم .
عن العلوم الطبيعية والسياسة والمجتمع المدني وسرطان التخصص والتذرير :
التخصص في العلوم الطبيعية دفع البشرية نحو تعميق المعرفة ونحو الإجادة ؛ لكن العرَضَ الذى خلّفه التخصص خلق وحشا أدى إلى تذّرير المعرفة وباعد بين أجزائها وحولها إلى جزر معزولة ؛ وصار سمة سلبية طبعت العصر بأكمله. لقد أفقد ذلك الوحشُ العلمَ نظرته الشاملة التي ظل يتحلى
بها عقودا طويلة.. وبدد هدفه الأسمى ( صالح البشر ) ، كما باعد بين فروع العلم الواحد وتخصصاته المختلفة حيث تحولت الوسيلة ( التخصص والإجادة) إلى هدف مؤقت ما لبث أن اغتال الهدف الأبعد والأسمى ( النظرة الشاملة ).
والقيادة هي النظرة الأشمل .. لمفردات ووحدات الحياة بغرض توظيفها لتتناغم وتفضى إلى الهدف المنشود. وهى التي تنحاز دائما لذلك الهدف - تقدم وإسعاد البشر- في جميع فروع المعرفة ( العلوم الطبيعية والفنون والآداب والسياسة) وكل أنشطة الحياة دون إخلال بنظامها الطبيعي .
القيادة هي الاتساق (الهارموني) الذى يمزج أنغام مجموعة من الآلات لإخراج اللحن الشجي الذى هو المنتج النهائي المتسق.
وفى حالتنا التي نناقشها تحولت إحدى الوسائل ( الكتابة ) إلى هدف اغتال الهدف الأكبر( الحزب ) ودمر الجميع.. حيث لا أفصح من النتائج الملموسة في البرهنة على ذلك. فقد قضت الكتابة على المعايير والتنظيم والكفاح الجماهيري والحماية ووحدة واتساق الحزب وحولته لأفراد مبعثرين
فاقدي الهمة والاتجاه، وتتلقفهم - فيما بعد - آلة التذرير الغربية ( منظمات المجتمع المدني) لتقطع الطريق على أية محاولات للعودة، وتقضى على معنويات الرفاق بل وعلى قدرتهم على الأمل.
مشاهد متكررة تترجم النهاية وتسدل الستار:
يقول الرفيق هاني في صـ 39 ، 40 : •[في غضون شهور معدودة ننجح في منع مذبحة الأقلية ، ويتسع نطاق النقد ليشمل نقدا جذريا لتقرير 9/5 ولكامل الممارسة الحزبية التي بُنيت عليه.
•عام 87 نعقد المؤتمر الأول لحزب العمال، وهو أول مؤتمر للحزب يقوم على انتخاب مندوبيه من المنظمات الحزبية، ورغم ضياع الفرصة التاريخية في السبعينات، ورغم التآكل المتواصل منذ 76، يحضر المؤتمر 50 مندوبا ونقوم أنا وصلاح العمروسي بصياغة قرارات المؤتمر، بما فيها
قرار توحيد الشيوعيين الراديكاليين، يتلوه الوحدة مع بقايا “8 يناير” و” المؤتمر” و” المطرقة” والشروع في حوارات وحدة مع “حزب الشعب”. ومع “8 يناير” نتفق على إعادة تسمية الحزب ليصبح “حزب العمال الموحد” بدلا من حزب العمال الشيوعي المصري ].
•في العام 1982 كانت الإطاحة بالأمين العام قد تمت ، وأتذكر أنها لم تغير كثيرا في عقلية الرفاق أو في نفسياتهم ؛ ولا في الأفكار والآراء التي تشعبت وتغلغلت في الحزب فقد أقروا بالهزيمة. فعندما عدت للحزب لاحظت أن ( الرفاق به عجّزوا ، والكثير منهم اتكسر؛ وتبدلت نضارتهم وتهاوت روحهم المعنوية بالمقارنة بمعظم من غادروه – وتساءلتُ أين كان النقد الجذري منذ البداية أو حتى إبان طرد الدفعة الأولى من المخالفين- أو عندما أعلنا بأعلى الصوت " التقرير سيغرقنا " ..؟ وللأسف أن التحرك كان يتم – فقط - إذا ما شعر البعض باقتراب جلودهم من المحرقة.
لقد تكررت بعدها مشاهد الحوار مع رفاق آخرين في عدد من التنظيمات التي كانت - في غالب الأحوال- تعانى من ترفعنا وتعالينا غير الرفاقي ؛ لكن الوقت كان قد فات وغرس الزمن أنيابه في عافيتها ومعنوياتها ، فبماذا تفيد العقاقير إذا ما تغلغل المرض في الروح والأجساد، وبرغم عقد المؤتمر الأول للحزب عام 87 وتكرار المشاهد لكن النتيجة كانت بادية على الوجوه.. إنها النهاية التي أقر المنصفون من الرفاق أنها ليست هذه المرة بفعل القضاء والقدر بل بفعل أيدينا . وإزاء التساؤل الحائر: لكن أية ( أيدى ) على وجه التحديد..؟ تكون الإجابة : لا أهمية هنا لتحديد المتهم ..لأن المهم أن المجنى عليه قد فارق الحياة إكلينيكيا ، ولا تبقى من ذكراه إلا الدروس والعبر.. فهل ستستوعبها الأجيال القادمة..؟!
خاتمة: " هرم الطوب النيّ يبوش بفعل آليته الداخلية " :
عندما تتصارع الأفكار يكون الحديث المجرد بشأنها شيئا ملائما ، لأن الأفكار تتناول مسارات وتوجهات وقضايا عامة لا مجال فيها للحديث عن جزئيات أو أمور فرعية صغيرة . أما الحديث في الأمور السياسية والحزبية التي تتكون من - وتتعرض لـ - عشرات الأحداث والإجراءات والمواقف
العملية فالأوفق لها الكتابة الملموسة المجسدة التي لا أعني بها الاستغراق في التفاصيل. ومن ثم يُمثل التعميم والتجريد في هذه الحالة نوعا من الابتعاد عن الحقائق . وفى الحقيقة فقد لجأ الرفيق هاني في كثير مما تعرض له - من تلك القضايا - لذلك التعميم والتجريد الذى يفقد القارئ قدرته على
الحقيقة وفهْم فحوى الموضوعات المثارة.. مع ملاحظة أن جانبا آخر مما تعرض له من قضايا كان مناسبا.
من ناحية أخرى فمناقشة وقائع وأحداث مرت عليها عشرات السنين تتطلب عرض الصورة محل المناقشة عرضا دقيقا .. وهذه لا يخدمها التعميم و التجريد. ولقد برز ذلك على سبيل المثال لا الحصر في حديثه عن " التكتل والانشقاق" سواء من حيث توقيت الأحداث أو مقدماتها .
وعندما تختفى بعض الأحداث أو تسقط من سياق العرض بسبب تلك الطريقة في الكتابة وتتكرر فإنها تضع القارئ في موقف مرتبك بين تصورين متعاكسين هل يجرى ذلك عفو الخاطر أم بشكل مقصود ؟ ومن ثم فلا لوم عليه إن انحاز للموقف الخاطئ ، لأن التبعة تقع على الكاتب لا عليه.
علاوة على مسألة أخرى هي ما جرى بشأن تناول الرفيق أمورا محورية في الحدث ؛ حيث يتم نسيانها أو اختزالها بشكل شديد أو تلخيصها في جملة لا تعبر عنها تعبيرا صادقا أو دقيقا، من هذه الأمور المحورية ما سمى بالانحراف التلقائي ، أو تقرير 9/5/1975 ، أو وثيقة الرفيق بشير ( حلقة
دعائية أم حزب سياسي ) ، أو حقيقة وجوهر مآخذ رفاق الانشقاق على سياسة ما بعد 9/5 ، أو المثالية الإرادية ، أو حتى الفكرة ذائعة الصيت ( الحلقة الوسيطة في التوجه للطبقة العاملة) ، والتي تصيب القارئ أو المستمع بالصمت المطبق لأن فكرة الحلقة الوسيطة على مدي 30 عاما على
الأقل لم تجد أو تصادِف آلية ولا طريقة لتنفيذها ولا جرت الإجابة بشأن أية تساؤلات تستفسر عن معناها.
فكل تلك الأمور المحورية في عملنا الحزبي تتطلب عرضا موجزا دقيقا لفحواها ومضمونها يليه الحديث عنها والنقاش بشأنها. أما غير ذلك فيدفع القارئ أولا للشعور بعدم جدية الكاتب أو بمعرفته الناقصة عنه أو بأي احتمال آخر يرد إلى ذهنه. صحيح أن مناقشة فترة تستطيل إلى نصف قرن
تحتاج نوعا من الاختصار والتلخيص لكنها أيضا وقبل ذلك تتطلب نوعا من الدقة والوضوح. ويمكن اللجوء إلى تجزئتها إلى أجزاء أو مراحل حسبما يرتئي الكاتب.. وذلك هو الأوفق.
كذلك فلا يمكن التعامل بخفة مع عدد من القضايا التي أثبت الزمن والوقائع أنها قضايا حدية من ناحية ؛ وتمثل ثغرات في تفكيرنا الحزبي من ناحية ثانية وفى ممارساتنا العملية من ناحية ثالثة مثل قضية الأمان. ونتحدث عنها باعتبارها قضاء وقدرا أو – في أفضل الأحوال- مثل خطأ التسلل في
كرة القدم تقتصر مضاره على إضاعة مجهود فريق كامل لمدة دقائق معدودة .. رغم أنها كارثة بكل المعايير.
أو التعامل مع فكرة يُخترَعُ بشأنها تطبيق هزلي كالجريدة الجماهيرية ونتوقف أمام المآخذ إما كالمذهولين أو كمن لم يسمع بشأنها شيئا.
فالجريدة – أي جريدة – تُعنى بالأخبار والأحداث والوقائع لابد أن تكون جريدة مراسلين ، أيْ مراسلين من الميدان ، وليس جريدة كتاب كبار يكتبون عن قضايا عامة ومجردة .. حيث أن جريدة بهذا المعنى تسمى مجلة ولا تحتاج لمراسلين بالمعني المتعارف عليه مهنيا. والمراسلون في
الجريدة الجماهيرية هم نقاط التماس القوية مع المواقع ومع الجمهور ، وعبارة (نقاط تماس قوية ) تعنى مناضلين شديدي البأس متمرسين ذوى صلات وعلاقات وتأثير في معظم الهيئات والمؤسسات والشخصيات الهامة المحيطة، ومحط ثقة من الجمهور وصغار المكافحين. وسحبها من الموقع
بقصّ قرون استشعار أي حيوان أو حتى حشرة .. بدونها يفقد الاتجاه .
لذا فمثل هذه الشروح تعنى أننا مازلنا نتحدث عن البديهيات ولم نمتلكها بعد، والمكابرة بشأنها تعنى إضاعة الوقت والعمر مبددا في مناقشات بيزنطية، وتجاهلها يعنى أننا على حافة البلاهة، والذهول الذى ينتاب البعض بشأنها.. يعنى أنه لا شفاء لنا.
لقد صارت تجربة حزب العمال نموذجا يُدَرّس في منهجية تدمير الأحزاب .. بتحوير إحدى مهام النشاط السياسي لتبتلع بقية المهام وتقضى على النشاط بأكمله.
وإذا ما كان هناك إقرار يقيني بخلق ديكتاتور لا يملك سجونا ولا أجهزة قمع فلمَ لمْ نسأل أنفسنا ما تعنى إشاعة الديكتاتورية وسط عدة مئات من الرفاق ممن يمكن أن تقع رءوسهم تحت مقصلة النظام في أية لحظة ..؟ أو ماذا تعنى تأثيرات الديكتاتورية على معنويات رفاق " نزحوا " فضلات
خلفها الديكتاتور وحواريوه في زمن مضى..؟ او عندما ينقلب تقديره مع حوارييه لآخرين بأنهم (أكذوبة ) بعد أن كانوا قبلها (فرخة بكشك)، أو عندما يري الحواريون- قبل الخلافات - أن ذلك الـ ( فرخة بكشك) لو تمكّنت منا ستنصب المشانق للرفاق جميعا كما فعل ستالين.
وكيف يطمئن الرفاق عندما يسمعون من مسئوليهم الحواريين أن حزبهم يضم 4 مناطق قوية وفى بحر شهور تتهاوي منطقتان في لمح البصر إحداهما .. بضربة أمنية والأخرى بالغربلة ؟ .هل سيصدقونهم أو يثقون في تقديراتهم بعد ذلك..؟
ماذا إذن عن الثقة ، وماذا عن المعايير ، وماذا عن الروح المعنوية والصلات الرفاقية ، وماذا عن الانقلابية التي تقارب سرعة الصوت في تقييم الرفاق تقييمات متعاكسة ، وماذا عن الانتقائية والمواقف المسبقة والانطباعية..؟
لقد فعلنا بأيدينا- ومن ضمننا (الضحية المذنبة ) أروي صالح – بسهولة ويسر- ما لم يستطع أعداؤنا أن يقترفوه في مواجهتنا بالمعاناة وشق الأنفس. هذا ما نستطيع قوله لهذه الكوكبة من رفاق الأمس أو لمجموعة أخرى لم يتصادف وجودها معنا في لقاءات تريد المكاشفة والشفافية ؛ بشأن حلم
وأمل راودنا جميعا بل وراودت نتائجُه المفترضة شعبَنا المغلوبَ على أمره والتي لم تكن بعيدة عنه كثيرا .. لأننا سنحجب ما نقوله عن النشر الجماهيري.
كلمة أخيرة لقد اعترضت على تقرير 9/5/75 فور قراءتي المتأنية له وكنت واثقا من تقديري ومن مشاعري ولا زلت؛ وهو ما جعلني متسقا مع نفسى طيلة العقود المنصرمة لا أشعر بذرّة من ذنب أو ندم ، وظللت محترما نفسى لأنى رفضت دخول اللجنة المركزية رغم كل التلميحات
والترغيبات .. لأنني لم أشارك في تقويض الحزب الذى حفيَت أقدامُنا في بنائه.
كلمة أخيرة بتاريخ مايو 2024:
لقد أقرت الأغلبية فى الحزب وسلمت بخطأ تقرير 9/5 التنظيمى فى تشخيص أوضاع الحزب ؛ فقط بسبب النتيجة العملية لتطبيق التقريروالتى قادت الحزب إلى نهايته، ووثقت ذلك مع غيرها من الرفاق فى تقرير الإحاطة تحت عنوان " الانحراف البيروقراطى العزلوى التصفوى"
وأقرت الأقلية التى شاركت فى تقرير إدانته وتهافته لأن بشائر انهيار الحزب بدت لها ساطعة فى الأفق خصوصا بعد ضربة 1979 الأمنية فى حلوان.، ولحظتها استعانت برفاق الانشقاق فى عملية إسعاف وإنقاذ وترميم من تداعيات الضربة.
لكن كلاهما الأقلية والأغلبية لم تتحرك ضد كاتب تقرير9/5 التنظيمى إلا عندما اقترب الحبل من أعناقهم.
وهذا يعيدنا إلى وضع الأقلية الأسبق عندما كانت جزءا أساسيا من الأغلبية فى موقفها من الرفاق المخالفين إبان إرهاصات المعارضة والانشاق يوم أن رفعت شعار " التضحية بعشرة رفاق من أجل مصلحة الحزب " و " الحزب يقوى بتطهير نفسه "، وأشاعت أن الحزب أنجز فى عام ما لم
حزب لينين فى سبع سنوات. حيث لم يكن موقفها يؤمن بشرعية الصراع الحزبى لأن موقفهم العملى هو الإطاحة بكل من يمثل قطبا للصراع.
فلم يفتحوا - شأنهم شأن الأغلبية – باب الصراع فى الحزب الذى كان سيكتشف ويفرز المخالفين ويحدد مَنْ منهم المناضل الحقيقى ومَنْ يتخذ من هذه الضجة ستارا للانسحاب.
ولو تتبعنا موجات المطرودين أو المجمّدين والخارجين من الحزب بدءا من لحظة إصدار تقرير 9/5 التنظيمى لعرفنا أن هناك الانشقاق فى خريف 1976 والتكتل بعده بثلاثة شهور فى شتاء 1977، والأقلية قبيل ضربة 1979 بحلوان، ثم مجموعات صغيرة كثيرة وأفراد تتسرب بعيدا عن
الحزب دون ضجيج ..
هذا بخلاف الرفاق المركزيين الذين استهدفت الأغلبية تهبيطهم وطلبوا تولى مهام بالخارج أو انسحبوا من اللجنة المركزية.
وما نود الاستفسارعنه هو : هل يمكن أن يوافق أصحاب تقرير الإحاطة ومن عنونوا إدانتهم لتقرير 9/5 التنظيمى بـ ( الانحراف البيروقراطى العزلوى التصفوى ) علي مضمون تقديرنا بشأن أحداث انقلاب 9/5/1975 الذى ضمناه فى تعقيبنا على مقال الرفيق هانى شكرالله فى عام 2017
بشأن قصة حزب العمال..؟إن من يدين تقرير 9/5 التنظيمى بسبب نتائجه العملية فقط ولا يتحرك إلا بعد أن تلسع النار اطراف أصابعه أو يشعر بحبل المشفقة وقد التف حول عنقه لا يمكن الارتكان إلى موقفه أو الثقة فى تقديراته.
ومن لا تهديه أفكاره وآراؤه وقدرته علي استشراف الخطر من على بعد لا يمكن أن يكون سياسيا . فهو مجرد مثقف من نخب المثقفين المنتشرين فى أرجاء الوطن، فالنخب ليست سياسية وثقافية واكاديمية فحسب بل ونضالية. والأخيرة هى ما يمكن الركون إليه عن حق فى مثل تلك المحن والكوارث وتكون قادرة على النهوض والمرشحة للقيام بمهمة استنهاض الآخرين استنادا إلى قانون الحياة الدائم .. قانون الصراع. وللأسف فهذا مالم يتنبهوا له .
وهنا نسأل: لماذا لم يتمكن – من أدانوا فى تقريرالإحاطة تصفية الحزب – من استنهاض جمهرة الحزب من الأعضاء والكوادرممن اصابهم العطب وانهزمت روحهم ، ومن الحلقات المحيطة به من المؤيدين والعاطفين والأنصار بعد أن لفّهم الاكتئاب. .؟ وهل تخرج الإجابة عن ان التقريرالذى توهموه دواء إبان إصداره كان قد قضى على الحزب ونشر روحا انهزامية فى الفضاء السياسى لعشرات السنين التى تتلوه..؟
وقبل أن نعرض موجز التعليق نشير إلى أن التعرف على أدوار المؤسسين فى أى حزب أو التيقن منها تتطلب استيفاء عنصرين حاسمين:
الأول : هوالإمساك بالتاريخ النضالى السابق لالتحاق العضو بالحزب.
والثانى: هو التكوين الشخصى الذى يجب أن يكون متوازنا، وطبيعة الصلة التى تربط العضو بمحيطه الاجتماعى ومهاراته والمجالات التى يرتادها أو ينشط فيها.
أما فى حالتنا التى نناقشها ، فيتوجب الإلمام بجملة الأنشطة الكفاحية والمجالات التى عمل فيها العضو بعد احتدام الخلافات الحزبية أو بعد الخروج من الحزب ، وإنجازاته النضالية بالأساس تليها النقابية ثم الفكرية والثقافية. لأن ذلك سيكون أفضل مفرزة لجملة الرفاق فى الحزب ، وأهم
المحددات للميول والمهارات وجوانب التميز ونقاط الضعف لهم جميعا ، بل والحَكَم والفيصل فى صواب المعايير التى تم تصنيف الرفاق على أساسها.
باختصار: الإلمام بالتاريخ النضالى قبل الحزب وبعده ، وطبيعة التكوين الشخصى للعضو.
موجز التعقيب على مقال الرفيق هاني:
عندما نتحدث عن تأسيس هيئة أو قوام لعمل ما يتسم بالطابع العام أو حتى الجماعي؛ تبرز على الفور قيمة وأدوار المؤسسين استنادا لتاريخهم وخبراتهم ومعارفهم وقيمهم.ولأن قيمة المناضلين عموما تستند بالأساس إلى أدوارهم الفعلية في ذلك التأسيس ؛ والتي ترتفق أيضا بتاريخهم السابق على ذلك التأسيس.
وإزاء تشكيل هيئة سياسية ؛ كالتي نحن بصددها ( حزب العمال ) يتوجب مراعاة أو رصد المناخ العام المصاحب ( الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ) الذى تتشكل فيه تلك الهيئة: هل هو مناخ نشط يعج بحراك مستمر ..؟ أم مناخ راكد وثابت لفترات طويلة ..إلخ..؟
وعليه فليس مجرد التقاء البعض من القائمين على تشكيله هو الذى يعطى لهم أو لكل منهم معيارا الأفضلية أو الفاعلية أو الأقدمية.
فالتاريخ هو الفيصل في تقدير ذلك سواء فيما قبل توقيت التلاقى المشار إليه أو بعده. والتاريخ يعنى الدور مرتفقا بالفاعلية ومرتبطا بتحديد المسار الاستراتيجي وبتوفير الرصيد المعرفي والخبراتي في هذا الشأن.
ولذا فالتقاء مجموعة من ذوى التاريخ النضالي يختلف عن التقاء مجموعة من ذوى الكفاءات النظرية وكلاهما يختلفان عن التقاء مجموعة ثالثة تضم كلا النوعين.
ومن ملاحظاتنا نرى أن الفترة من 1969 – 1975 ضمت كلا النوعين ولذا كان التوازن وضبط الحيود عن المسار العام الصحيح هو السمة المميزة بشكل عام وإن بدا ذلك التوازن غير متساوٍ في كل المواقع بل اكتنفته التباينات.
مع الوضع في الاعتبار أننا نُخضع نطاق الإسكندرية لمقياس خاص استنادا لأنه كان يتجاوز بشكل واضح جماع خبرة الحزب آنذاك وأن عدم الالتزام بأسس البناء وبعدد من البديهيات هو ما تسبب في الضربة الأمنية بالأساس.
بينما كانت الفترة من 1975 إلى ما بعد ذلك تمثل حيودا عن ذلك الضبط والاتزان في مسيرة تلك الهيئة لصالح الميول النظرية وبعيدا عن أو في مواجهة الطابع العام الغالب على الهيئة الذى سعى – حتى وإن لم يستطع - للاحتفاظ بذلك التوازن في كل اللحظات في الفترة من 1969 –
1975.وفى مقال الرفيق هاني فإنه لجأ للتعميم والتحليق دون تتبع كل الوقائع البارزة والأحداث الكبيرة في تلك المسيرة بتفصيل يتناسب مع عمق واتساع العوامل الفاعلة فيها خصوصا فترة ما بعد 1975 التي هي مربط الفرس في أزمة حزب العمال.
وفى مقابل ذلك اكتفى الرفيق هاني بطرح عبارتين إحداهما تخصه والأخرى تتعلق بالآخرين ليعفينا ويعفى نفسه من الدخول في التفاصيل التي قد تكون بلا جدوى وربما كان طرحهما لأنه يناقش ما هو أوسع من [فلاش باك 2: حزب العمال وحركة العمال].
الأولى هي : [أتوقف لأروي قصة لحظة من مسيرة عشتها مباشرة، أفتخر بها وأتحمل مسؤوليتها مع غيري من “رفاق الخندق” ].. صـ 16.
والثانية : [ ليست منهجية تقييم التجارب الثورية وقراءة دروسها أمرا يتعلق بالولولة ولا بإلقاء الاتهامات وتبادلها ، فما حدث قد حدث ، ولأنه حدث ، فقد كان لابد أن يحدث. فقصور الوعي معطى، ووهن الخبرة التنظيمية وتشوه مفهوم التنظيم معطى، ومؤامرات الخصوم وبطشهم معطى، وطغيان الماضي وأوهامه على العقول معطى، وخصائص التراث النضالي وما ينطوي عليه من خبرة وأوهام وتعقيدات هي أيضا معطى .].. صـ 7.
وتتمثل أبرز مآخذنا على معالجة الرفيق هاني فيما يلى :
1 -ما أسمى بالانحراف التلقائي وتجلياته المحددة التي تحتاج لتوضيح جوهر ذلك الانحراف لأنه يفسر مبرر إصدار تقرير 9/5 التنظيمي..
-2 عدم التوقف عند عملية الاختراق - التي طالت الحزب بمنطقة الإسكندرية - بما يتناسب مع أهميتها لاستخلاص الدروس وإبراز مدى افتقار الرفاق- في الحلقة ثم في الحزب- لامتلاك عدد من البديهيات والقواعد التنظيمية في قضايا الأمان ومقاومة الشرطة السياسية وتنظيم العمل الجماهيري .
3 – تجاهل فكرة الحلقة الوسيطة في التوجه للطبقة العاملة من خلال الحركة الطلابية ، خصوصا وأن قيادة الحزب آنذاك صمتت عن طرح أية وسائل أو أدوات أو آلية لتحقيق ذلك التوجه مكتفية بمط وتضخيم بل وتهويل الفوائد الناجمة عن إصدارها للروافع الثلاث -الجريدة ولسان الحال ونشرة الصراع- التي أشعرت الكثيرين بأن توزيع الجريدة وقراءتها ومناقشة موادها وتمثلها وتجسيدها والصراع بشأن موضوعاتها وقضاياها مع القوى الأخرى وخلق هوامش عمل مشتركة استنادا لصدورها.. بات شيئا سهل المنال، مما أقعدهم عن البحث والتنقيب عن إمكانية تنفيذ ذلك في الواقع ، ومن ثم أصبح توزيع الجريدة عبئا ثقيلا عليهم أكثر منه رافعة مساعدة في تطوير العمل الجماهيري كما هو مفترض.
4 -الاستنكاف عن التعرض- ولا أقصد مجرد ذكرها- لسياسة سحب المناضلين الجماهيريين للغرف المغلقة داخل الحزب وتدجينهم حتى نال منهم الصدأ مناله وما استتبعه ذلك من تراكم أعداد الجريدة في المخازن واللجوء لحرقها لتجنب مضارها الأمنية. وهو ما يعنى الاعتراف الصريح بشطب خط إنتاج كامل- أو بمعني أدق خط الإنتاج الوحيد - في سياسة 9/5 التي تستهدف التوجه للطبقة العاملة بدءا من (تعيين هيئة تحرير للجريدة ومحررين إلى جهود الكتابة وإيصال المقالات مرورا بالطباعة ونقل الأعداد الصادرة للمناطق وتخزينها تمهيدا لتوزيعها ووصولا إلى عبء التوزيع والتأمين) .. وهكذا.
5-تجنب التعرض بالمناقشة للانقلاب الحادث في الخط التنظيمي باستحداث معايير يمينية في العضوية والكادر الوسيط والقيادي، وما أنتجه ذلك الانقلاب من ترهل انعكس على كل الأمور التنظيمية وخاصة الانضباط والأمان وتفسخها بالدرجة التي دفعت القيادة لخرق بديهيات الأمان (المستوى ، الجغرافيا ،المجالات النوعية ، الحلقات المحيطة بالحزب من العاطفين) ، وهو ما أسفر عن كشف عدد من المقرات السرية وسقوطها وأفضي في النهاية لضربات أمنية جديدة كضربة حلوان فى( 1979.(
6 -إهمال التعرض لعدد من مقولات اللجنة المركزية الدفاعية التي اتهمت بها المخالفين لسياستها مثل ( المثالية الإرادية وتغليب المخالفين للعامل الذاتي على الموضوعي بشأن الأوضاع الحزبية ) ، وهو ما أدى لإزاحة أسباب التدهور الحزبي وتحديدا الجماهيري إلى كفة الشرط الموضوعي من ناحية واكتفى بذكر إهمال النضالات الاقتصادية كقضية مركزية رغم تدهور أوضاع الجماهير في هذا الشأن من ناحية ثانية والتراخي في سد الثغرات في العمل الجماهيري والتنظيمي ( كالأمان والانضباط ) من ناحية ثالثة.
7-تجنب التعرض لأحد أهم آثار السياسة التنظيمية اليمينية الجديدة وهو الجو الحربى الذى شاع في مواجهة المخالفين وامتد في النهاية ليصل إلى اللجنة المركزية وكثير من الموالين لها وأسفر عن انفضاض أعداد كبيرة منهم ، وكان من أبرز تجلياته ما جرى للرفيقة أروى التي سطرت تجربتها المُرّة في الحزب بشكل علني ضاربة عرض الحائط بكل احتياطات الأمان باعتبار ذلك تنكرا لتجربة قاسية أوصلتها إلى حد التفكير في مغادرة الحياة بشكل قصدي مع إصرارها على التأكيد نصا بأن ما كتبته عن التجربة تغلفه الشماتة. ومن الناحية الأخرى اكتفى زملاؤها بنعيها بعبارات وتوصيفات جليلة لا تعالج الموضوع ولا تفسره فضلا عن تعليق صورها في غرف مكاتبهم باعتباره تقديرا لها أكثر منه اعترافا بذنب السياسات والممارسات التي اقترفتها مع كثيرين ممن كانوا على صلة بها ، إضافة إلى الجو الخانق المنفر الذى ملأ الحزبَ دخانُه طاردا كل من لم يستطع مقاومته أو التكيف معه.
8-أنه نسي أن يقر بأن جملة ما عاني الحزب منه من انحرافات وسياسات كان ضالعا فيه منذ صدور تقرير 9/5 وأن إدراكه لجملة هذه الكوارث جاءت- في الوقت الضائع- قبيل انفجار القنبلة الأخيرة في أخلص خلصاء الأغلبية المركزية، وكان حريا به الاقرار بأن من أسماهم ( اثنين من أبرز أعضاء اللجنة المركزية وأكثرهم نفوذا ؛ وأسهما معه في منع مذبحة وشيكة لبعض الرفاق) .. كانت مقصلة الإطاحة قد اقتربت من رقابهما باعتبارهما لصيقين بالرفيق الأعلي .. وإلا ما كان يمكن نعتهم بأبرزأعضاء اللجنة المركزية وأكثرهم نفوذا.. وأن محاولات الوحدة مع فصائل أخري كانت تجنبا لانفراط وشيك واضمحلال متصاعد ولم تجرِ في الوقت المناسب . . وهو ما أفصحت عنه التداعيات اللاحقة.
8 يونيو 2018 المحرر
ملاحظة : النص السابق ليس للنشر الجماهيرى، ولا للتداول والتعليق عبر شبكة الإنترنت . التداول والتعليق باليد وللخاصة والجمهور السياسي الواعي فقط. ،،،،،،،، تمت
#بشير_صقر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية فى مصر - الموجة الثالثة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
-
عن رحيل ابن الإسكندرية رفيقنا العزيز طارق يوسف.. قبل قراءة ك
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر -الموج
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
-
دراسة عن الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر - الموجة الثالثة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
-
اغتيالات قادة حزب الله ، وأزمة الاقتصاد العالمى 2008 .. والف
...
-
فى ذكرى مرور 72 عاما علي إصدار قانون الإصلاح الزراعى// والعو
...
-
العم شحاتة النشار.. نموذج مصرى مشرق للنضال السياسى والنقابى
...
المزيد.....
-
الفصائل الفلسطينية ترفض تسليم السلاح
-
الانتخابات الرئاسية البرتغالية: الناخبون يختارون بين الاشترا
...
-
عبد الناصر صالح... الفارس الذي ترجّل قبل المبارزة
-
شرطة إيطاليا تطلق الغاز المسيل للدموع في صدام متظاهرين قرب م
...
-
الولايات المتحدة تفعل حوارا حول الصحراء بين المغرب والبوليسا
...
-
Public Service Worker Strike in Germany
-
Indonesia’s Diplomatic Double Talk on Gaza
-
The Military’s AI Strategy Threatens Everything We Love
-
الثورة التي تُقصي النساء تُقصي نفسها
-
“الصحفيين” السودانيين تدين خطاب العداء ضد اللاجئين في مصر
المزيد.....
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة
...
/ بشير صقر
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة
...
/ بشير صقر
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة
...
/ بشير صقر
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
/ بشير صقر
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية فى مصر - الموجة الثالثة
...
/ بشير صقر
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
/ بشير صقر
-
دراسة عن الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر - الموجة الثالثة
...
/ بشير صقر
-
محاضرة عن الحزب الماركسي
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
نَقْد شِعَار المَلَكِيَة البَرْلَمانية 1/2
/ عبد الرحمان النوضة
-
اللينينية والفوضوية فى التنظيم الحزبى - جدال مع العفيف الأخض
...
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|