|
|
-المواطن كين- ونرجسية قيادات شيوعية 113
طلال الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 10:36
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
هذه هي الحلقة 113 من سلسلة -التحليل النفسي وتطبيقاته المعرفية-. ---------- الفيلم "المواطن كين" Citizen Kane، دراما أمريكية, عرض لأول مرة عام 1941، من إخراج وإنتاج وكتابة أورسون ويلز.، الذي قام أيضاً بدور البطولة. يُعتبر "المواطن كين" من أعظم الأفلام على الإطلاق، وفقاً للعديد من النقاد. The Best Movies of All Time https://www.britannica.com/art/The-Best-Movies-of-All-Time
كان جورج أورسون ويلز, 1915- 1985, ممثلاً ومخرجاً سينمائياً أمريكياً. يُذكر بأعماله المبتكرة في السينما والإذاعة والمسرح، ويُعتبر من أعظم المخرجين وأكثرهم تأثيراً على مر العصور. Orson Welles https://www.imdb.com/name/nm0000080/
وباعتبار الفيلم عملاً بارزاً في تاريخ السينما، يُصنف ضمن الأفلام القليلة التي يستبعد معظم النقاد إعادة إنتاجها. ونظراً لأهميته الثقافية والتاريخية والجمالية في التراث السينمائي الأمريكي، كان من أوائل الأفلام التي تم اختيارها عام 1989 لإدراجها في السجل الوطني للأفلام التابع لمكتبة الكونغرس. قصة الفيلم مستوحاة من أباطرة الإعلام الأمريكيين وقتها: ويليام راندولف هيرست وجوزيف بوليتزر، وأقطاب شيكاغو صموئيل إنسول وهارولد ماكورميك، بالإضافة إلى جوانب من حياة كتّاب السيناريو أنفسهم.
لمن لم يشاهد الفيلم من قبل, يمكن مشاهدته في Citizen Kane (1941) - Orson Welles, Joseph Cotton https://m.ok.ru/video/6960322644642
قصة الفيلم تدور أحداث القصة في قصر يُدعى زانادو، جزء من عقار فخم شاسع في فلوريدا، حيث يرقد تشارلز فوستر كين، الرجل المسن، على فراش الموت وينطق بكلمته الأخيرة "روزبد". "روزبد" هو الاسم التجاري لزلاجة صغيرة رخيصة كان كين يلعب عليها في اليوم الذي أُخذ فيه بعيدًا عن منزله وأمه. في نهاية حياته، يجلس تشارلز فوستر كين (ويلز)، قطب الإعلام الذي دمرت حياته الشخصية بسبب غروره وسعيه الدؤوب للسلطة، على فراش الموت داخل قصره، زانادو. ممسكًا بكرة ثلجية، ينطق بالكلمة المشؤومة، "روزبد"، قبل أن يسقط الكرة فتتحطم إلى قطع. ثم يلفظ أنفاسه الأخيرة. يروي فيلم اخباري قصة حياة كين، ناشر الصحف الثري للغاية وقطب الصناعة. يُصبح خبر وفاة كين حديث الساعة في جميع أنحاء العالم، ويُكلف منتج الفيلم الصحفي جيري طومسون بمهمة اكتشاف معنى "روزبد".
ينطلق طومسون لإجراء مقابلات مع أصدقاء كين ومعارفه. يحاول التواصل مع زوجته الثانية، سوزان ألكسندر كين، التي أصبحت الآن مالكة ملهى ليلي مدمنة على الكحول، لكنها ترفض التحدث إليه.
يلجأ طومسون إلى الأرشيف الخاص للمصرفي الراحل والتر باركس تاتشر. من خلال مذكرات تاتشر المكتوبة، يتعرف طومسون على بعض اسرار حياة كين.
في عام 1871، اكتُشف الذهب من خلال صك تعدين يعود لوالدة كين، ماري كين. استعانت ماري بالمصرفي ثاتشر لإنشاء صندوق استئماني يُعنى بتعليم كين ويتولى وصايته، لحمايته من والده القاسي. وبينما كان الوالدان وثاتشر يناقشون الترتيبات داخل المنزل، كان كين الصغير يلعب بسعادة على زلاجة في الثلج بالخارج. وعندما عرّفه والداه على ثاتشر وأخبراه أنه سيعيش معه، ضرب الصبي ثاتشر بزلاجته وحاول الهرب.
وبحلول الوقت الذي تولى فيه كين إدارة صندوقه الاستئماني في سن الخامسة والعشرين، كان إنتاج المنجم واستثمارات ثاتشر الحكيمة قد جعلتا من كين أحد أثرى أثرياء العالم. سيطر كين على صحيفة "نيويورك إنكوايرر" وانطلق في مسيرة الصحافة "الصفراء"، ناشرًا مقالات فاضحة هاجمت مصالح ثاتشر التجارية (ومصالحه هو أيضًا). باع كين إمبراطوريته الصحفية لثاتشر بعد أن تسبب انهيار سوق الأسهم عام 1929 في ضائقة مالية لديه.
أجرى طومسون مقابلة مع مدير أعمال كين الشخصي، السيد بيرنشتاين. يتذكر بيرنشتاين أن كين استعان بأفضل الصحفيين المتاحين لزيادة توزيع صحيفة "إنكوايرر". استحوذ كين على السلطة من خلال التلاعب الناجح بالرأي العام بشأن الحرب الإسبانية الأمريكية وزواجه من إميلي نورتون، ابنة شقيق رئيس الولايات المتحدة.
كما أجرى طومسون مقابلة مع جيديديا ليلاند، الصديق المقرب لكين والذي انقطعت علاقته به، في دار للمسنين. يقول ليلاند إن زواج كين من إميلي انهار على مر السنين، على الرغم من إنجابهما ابناً، وأنه بدأ علاقة غرامية مع المغنية الهاوية سوزان ألكسندر أثناء ترشحه لمنصب حاكم ولاية نيويورك بصفته "مناضلاً ليبرالياً ". اكتشف خصمه السياسي، حاكم نيويورك, جيم دبليو جيتيس، العلاقة وأجبر سوزان على مراسلة إميلي بشأنها؛ وأنهت الفضيحة العامة مسيرة كين السياسية.
تزوج كين من سوزان وأجبرها على امتهان الغناء الأوبرالي (الذي لم تكن تملك فيه لا الموهبة ولا الطموح). ثم بنى كين دار أوبرا كبيرة في شيكاغو لتؤدي فيها سوزان عروضها. بعد أن بدأ ليلاند بكتابة مراجعة سلبية عن أول ظهور كارثي لسوزان في الأوبرا، طرده كين لكنه أكمل المراجعة السلبية ونشرها. احتجت سوزان قائلةً إنها لم ترغب أبدًا في مهنة الأوبرا، لكن كين أجبرها على الاستمرار في الموسم.
وافقت سوزان على إجراء مقابلة مع طومسون ووصفت عواقب مسيرتها في الأوبرا. حاولت الانتحار، وفي النهاية سمح لها كين بالتخلي عن الغناء. بعد سنوات عديدة من العيش التعيس في زانادو مع كين، نشب بينهما شجار انتهى بصفع كين لسوزان. قررت سوزان ترك كين. يروي كبير خدم كين، ريموند، أنه بعد أن غادرت سوزان زانادو، بدأ كين بتدمير محتويات غرفة نومها السابقة بعنف. عندما عثر كين على كرة ثلج، هدأ وقال باكياً: "روزبد". يخلص طومسون إلى أنه لا يستطيع حل اللغز وأن معنى الكلمة الأخيرة لكين سيظل مجهولاً.
في قصر زانادو، يقوم طاقم القصر بتصنيف ممتلكات كين أو التخلص منها بعد مغادرة طومسون. يعثرون على زلاجة، تلك التي كان كين يلعب عليها وهو في الثامنة من عمره يوم اقتيد من منزله في كولورادو، فيلقونها في فرن مع أغراض أخرى. وبدون علم الطاقم، يظهر اسم العلامة التجارية للزلاجة، المطبوع عليها، من خلال اللهب: "روزبد". يتصاعد دخان الزلاجة من المدخنة بينما تتراجع الكاميرا إلى لافتة على السياج الخارجي لزانادو، وهي اللافتة التي بدأت بها أحداث الفيلم: "ممنوع الدخول".
مواطن كين: تحليل نفسي لأحد أكثر الشخصيات شهرة في السينما المضادة للبطولة يُعدّ فيلم "المواطن كين" بمثابة المخطط الأساسي لسرديات فساد السلطة في السينما. ففي عام 1941، أطلّ المخرج أورسون ويلز على الشاشة الفضية بملحمته المثيرة للجدل التي تُفصّل صعود وسقوط قطب الصحافة تشارلز فوستر كين، وآثار أفعاله الأنانية. يُعتبر "المواطن كين" اليوم أعظم فيلم على الإطلاق في نظر العديد من النقاد. وقد قدّم ويلز مجموعة واسعة من تقنيات التصوير التي لا تزال تُستخدم حتى اليوم، من التلاشي التدريجي إلى المونتاج، وصولاً إلى تقنية "en medas res" الشائعة (بدء الفيلم من منتصف القصة وإعادة سردها عبر مشاهد استرجاعية). لا يُمكن لأحد إنكار القفزات النوعية التي حققها فيلم ويلز من حيث نطاقه وبنيته السردية، والتي لولاها لما وُجدت العديد من روائع السينما الحديثة.
من المثير للدهشة إذن قلة التحليلات النفسية التي أُجريت على الشخصية الرئيسية نفسها. فبينما تتناول العديد من الكتب تفاصيل صناعة الفيلم، لم تخضع الشخصية للتحليل النفسي المعمق. لقد أثر تشارلز فوستر كين على عدد لا يُحصى من شخصيات السينما والتلفزيون منذ ظهوره، بدءًا من جيه جوناه جيمسون في سبايدرمان وصولًا إلى هوارد بيل في فيلم نتوورك. كان كين هو الصحفي المجنون الأصلي، فلماذا لم يحلله أحد؟ من خلال التحليل النفسي الحديث، يُرجح تشخيص تشارلز فوستر كين باضطراب الشخصية النرجسية، الناجم عن صدمة في الطفولة المبكرة ورغبة جامحة في ترك بصمته في العالم مهما كلف الأمر.
يُعتبر سيغموند فرويد رائد علم التحليل النفسي. من المرجح أنه كان سيُفتن بشخصية تشارلز فوستر كين. في كتابه "عن النرجسية" الصادر عام 1914، أشار فرويد إلى وجود نوعين من النرجسية: النرجسية الأولية والنرجسية الثانوية. يقول فرويد عن النرجسية الأولية: "لدى الإنسان في الأصل موضوعان جنسيان - نفسه والمرأة التي تُرضعه - وبذلك نفترض وجود نرجسية أولية لدى كل فرد، والتي قد تتجلى في بعض الحالات بطريقة مهيمنة في اختيار موضوعها." في النرجسية الثانوية يتعلق الأمر بإعادة استثمار الذات في الطاقة الجنسية نتيجةً لسحب كميات معينة من الطاقة الجنسية من الشخص الآخر. يحدث هذا بشكل خاص في حالات خيبة الأمل من الشخص الآخر أو في الحزن على فقدانه؛ علاوة على ذلك، يحدث كعملية نمو طبيعية في التماهي الثانوي، حيث يتم نقل جزء من الطاقة الجنسية للشخص المُعجب به أو المحبوب إلى الذات نتيجةً لهذا التماهي. وأخيرًا، يحدث أيضًا عندما يرقى الشخص إلى مستوى مُثله العليا. Freud, S. (1957). On narcissism: An introduction https://www.sakkyndig.com/psykologi/artvit/freud1925.pdf
يستمد كين طاقته وثقته بنفسه غالبًا من طاعة الآخرين، ويفقدها عند التشكيك فيه. ينطبق هذا الكلام ايضا على ساسة متسلطين ومن اتجاهات سياسية مختلفة او متعارضة, فاشيين, (نيو)ليبراليين, شيوعيين الخ. فمثلا تلجأ قيادة الحزب الشيوعي العراقي, بنرجسية ثانوية, الى تكريم وترقية اعضاء الحزب الموالين لخط القيادة-"نعم رفيقي!". اما المعارضون فمصيرهم هو الاهمال او التشهير او الفصل الاعتباطي وبالضد من قواعد النظام الداخلي وهي مفارقة لامثيل لها حين يزعم الحزب انه يدعو الى سيادة القانون. القيادة تعامل اعضاء الحزب ليس وكأنهم يمتلكون قيمة اساسية متأصلة كما تنص عليه فلسفة اعظم فيلسوف للحداثة,كانط, وانما يُعامل عضو الحزب بمقدار انصياعه لخط القيادة, اي ان قيمة عضو الحزب تصبح قيمة استعمالية-استهلاكية-رأسمالية عندما يكون عضو الحزب معرقلا لخط القيادة, فيُرمى في سلة المهملات ويُستبدل بآخر وهكذا دواليك وكأن عضو الحزب بضاعة استهلاكية ترمى في حاوية القمامة عندما تعطب او تخرب-والعطب عادة ما يكون في القيادة وليس في العضو نفسه. اي ان القيادة تمارس مع العضو المقموع ما يسمى reverse psychology كنوع من اسقاط نفسي كاحد اكثر انواع الدفاعات بدائية ويستخدم عادة من قبل اصحاب الشخصية النرجسية وفي ذهان البارانويا. بالطبع ان هكذا معاملة تعرّي شعار الحزب الداعي الى "دولة مدنية!" التي يجب ان تكون منسجمة تماما مع لائحة حقوق الانسان العالمية والتي ترى ان قيمة الأنسان متأصلة فيه, كما يرى كانط, وليست قيمة استعمالية تحددها نرجسية وتنمر القيادة الحزبية ومصالحها في التسلط وتحفيق الامتيازات لأفرادها على حساب الحزب والشعب - انها تسلك, وبمنطق لاهوتي, وكأنها ظل الله على الارض, وبذلك طلقت الماركسية بالثلاث, وان استمرار تجلببها بجلباب الماركسية هو لأسباب منها مصلحية, اولا, وكذلك لتشويه سمعة الماركسية وتقويض الشيوعية من داخلها, ثانيا. انها تثبت لا علمية ولاديالكتيكية تفسيراتها لكل الناس او لأغلبيتهم. نصيب الحزب الانتخابي مؤخرا كان صفرا. ولكن عزاء القيادة ممن قرأ بعض الفيزياء الاولية انه لم يكن صفرا "مطلقا" بسبب تعكزها على موضوعة علمية خاطئة تسميها الظروف الموضوعية. فالديالكتيك والعلم الحديث يرفض الفصل الجامد بين الذات والموضوع. -وهم ثنائية الذاتية-الموضوعية في الفلسفة والعلم- https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=369460 والمثل الشعبي العراقي يلخص هذا بحكمة فطرية حيث يقول "الما يعرف يركَص يكَول الكَع عوجة" (الذي لا يجيد الرقص يتعلل بأن الارض عوجاء او غير مستوية- يوم ما عرفت ترقص قالت لرض عويا" (أي الأرض عوجاء)، ويُستخدم هذا المثل للسخرية ممن لا يعترف بتقصيره ويعلّق أخطاءه على البيئة المحيطة). والحزب معروف عنه ادمانه على اصدار البيانات عملا بالقاعدة "سجلنا موقف(ا)" لاسكات "الخبثاء والمشاغبين!". وكثرة اصدار البيانات قد تكون تقليدا (مدنيا) لمقولة ديكارت "اني افكر, اني اذن موجود", ولكن صيغتها النرجسية تصبح الآن "نحن نصدر بيانات ونمتلك مقرات, اننا اذن موجودون". ولكن الحزب لم ينبس حتى بكلمة واحدة تدعو الى تعويض العراق عن لصوصية بريمر, So, Mr Bremer, where did all the money go? https://www.theguardian.com/world/2005/jul/07/iraq.features11 ولم يقم حتى بترجمة مقالة الغارديان هذه رغم ان الملحق الثقافي للحزب يغرق في ترجمات عن علم الجمال والابستيمولوجيا كديكور ثقافي ولحفظ سمعة الشيوعيين كناس مثقفين (فوقيين!), ولكننا لم نسمع عن حملة شيوعية لتنظيف شارع او تشجيره -نعم انها وظيفة الدولة وليست وظيفتهم, كما انها امور ستعيقهم عن بحث الفرق بين الابستيمولوجي والانطولوجي, وتفاديا لاتهام محتمل من قبل الدولة بالتدخل في شؤونها (البلدية)! يتكلمون عن علم الجمال (الماركسي) والقاذورات والازبال في كل مكان. وحالهم هو حال المؤذن الذي يؤذن "حي على الفلاح, حي على خير العمل!" والفساد المالي والاداري في كل شبر وزاوية. ونحن نتسائل ما فائدة المؤذن (وهم بالآلاف) او الاذان اذن؟ ولكون هذا السؤال من المحرمات (لماذا؟ هل التفكير من المحرمات؟ ولكن هل نستطيع اصدار امرا ديوانيا لأنفسنا بالأقلاع عن التفكير فيصبح حالنا حال زومبيات الرأسمالية؟ Zombie Capitalism Global Crisis and the Relevance of Marx https://ia903406.us.archive.org/17/items/pdfy-kvzhB4k4AcAT-7iA/Zombie%20Capitalism%20-%20Chris%20Harman.pdf) فاننا نسحبه حال طرحه!
تتوافق معظم تصرفات كين مع تعريف فرويد للنرجسية الثانوية، مما يؤدي في النهاية إلى سقوطه. يتضمن مسار كين نحو الهلاك فقدان العديد من مصادره الجنسية، وللأسف، يعود ذلك كله إلى تصرفاته النرجسية. على الرغم من فظاعة هذه التصرفات، لا يمكننا إلقاء اللوم كله على كين. من الناحية النفسية، يبدأ سبب سقوطه بفقدان مصدر جنسي بالغ الأهمية: والدته.
يقول المؤلف مايكل رايان في كتابه "مقدمة في النقد: الأدب/السينما/الثقافة" : يُعدّ فيلم " المواطن كين" مثالًا نموذجيًا تقريبًا على العلاقة المتصدعة بين الأم وابنها. ففي المشهد الذي تُرسل فيه والدة كين ابنها بعيدًا عن المنزل، تُوحي جميع الصور بالبرود والتباعد والنفور بينهما. تتساقط الثلوج، وتبدو الأم قاسية القلب. فهي مرتبطة بالقانون وتوقيع العقود، وكلها أنشطة جامدة لا تُراعي المشاعر. لا وجود لأي عاطفة دافئة في أرجاء المنزل، والسيد تاتشر، المصرفي الذي جاء ليأخذ كين ويكون وصيًا عليه، يرتدي ملابس سوداء حدادًا. في إحدى الصور، تجلس الأم في المقدمة، بينما يظهر كين، وهو صبي، في الخلفية البعيدة - حرفيًا في العراء البارد. صُمّم الديكور بطريقة تفصل كين بصريًا عن والدته بإطارات الأبواب والنوافذ التي تُمثّل استعارات لعلاقته الحقيقية بها، وللتخلي الوشيك عنه من قِبَلها. (ريان, 57) An Introduction to Criticism: Literature - Film - Culture by Michael Ryan (Author) https://www.amazon.de/Introduction-Criticism-Literature-Critical-Analysis/dp/1405182830
تريد ماري أن يحظى ابنها بأفضل الفرص الممكنة، لكنه لا يفهم ذلك. يظن كين أن تصرف والدته يعني أن الثقة بالناس فكرة سيئة، وأنهم سيؤذونه في النهاية. لذلك، سيظل دائمًا على مسافة من الناس، غير متأكد من إمكانية الوثوق بهم، ويتخلى عنهم بمجرد أن يسببوا له مشكلة.
ننتقل سريعًا إلى الأمام لنرى كين شابًا مثاليًا يتوق إلى تقديم أخبار صادقة وموضوعية. إنه شاب طموح، ساذج بعض الشيء عن حقائق العالم، لكنه يمضي قدمًا في خططه لصحيفة "نيويورك ديلي إنكوايرر". يدرك قوة الكلمة المكتوبة في إيصال الرسالة إلى الناس، وسيستغلها لصالحه، قائلًا: "يجب أن أجعل صحيفة " نيويورك إنكوايرر" بنفس أهمية الغاز في المصباح بالنسبة لنيويورك.".أقرب أصدقائه هو ليلاند ( جوزيف كوتون)، الذي وعده بإبقائه على الطريق الصحيح. تنبع ثقة كين بليلاند من قواسم مشتركة بينهما: فهما رجلان يمتلكان رؤية واضحة للصحيفة. يرى كين في ليلاند حليفًا يتفق مع طموحاته وسيتبعه حتى النهاية. يكشف كين عن "إعلان المبادئ"، وهي مبادئ توجيهية لضمان بقاء مصداقية الصحيفة عند نقل الأخبار إلى المدينة. ومع ذلك، فإنها بمثابة تحذير من نرجسيته المتنامية، كما يشير أحد زملائه في العمل. «سأوفر لسكان هذه المدينة صحيفة يومية تنقل جميع الأخبار بأمانة. وسأوفر أيضًا...» “I’ll provide the people of this city with a daily paper that will tell all the news honestly. I will also provide. (يقاطعه زميل): «هذه هي الجملة الثانية التي تبدأها بـ أنا I...» (يتابع كين): «سأوفر لهم أيضًا مدافعًا مناضلًا لا يكلّ عن حقوقهم كمواطنين وكبشر.»
إن مزحة زميله بشأن استخدام كين لكلمة "أنا" بالغة الأهمية. لقد كتب كين مبادئه بنوايا حسنة، لكن اختياره للكلمات يجعله يُعلي من شأن نفسه على حساب سكان المدينة، مما يُغذي نزعته النرجسية. لو لم يكن نرجسيًا، لكان كين على الأرجح قد استخدم "هذه الصحيفة" أو "هذه المؤسسة" بدلًا من "أنا"، لكنه نرجسي، وسيبقى الأمر على حاله. إن تعطشه للسلطة بدأ يظهر هنا فقط، لكنه سيزداد على مدار حياته ليُحدث أثرًا مدمرًا.
يتألف فريق كين من "أفضل الرجال في البلاد"، رجال طيبون ونزيهون يلتزمون بمبادئهم الصحفية. يهيمن الرجال على المكتب، ويُنظر إلى كين على أنه صاحب الكلمة العليا. يستمتع كين بموقعه على الآخرين ويتباهى به. هذا مثال نموذجي على النرجسية الثانوية: يُسقط كين حاجته للسيطرة على الرجال الآخرين، واتباعهم لأوامره لا يزيد الأمر إلا سوءًا.
سرعان ما شعر كين بأن قوته قد بلغت حدًا يسمح له بالحصول على أي شيء وأي شخص يرغب فيه، فأسر قلب امرأة تُدعى إميلي ( روث واريك ). في البداية، انبهرت إميلي بغروره، لكن هذا الانبهار بدأ يتلاشى تدريجيًا مع استغلاله لمشاعرها. ويتجلى هذا بوضوح في مشهد كلاسيكي على مائدة العشاء، حيث تتسع الفجوة بينهما مع مرور السنين، ويرمز إلى ذلك ابتعادهما عن بعضهما على المائدة، يفصل بينهما الطعام والحلي والصحف. اختار كين العمل على حساب إميلي، إذ كان العمل هو الخيار الأهم بالنسبة له، متجاهلًا عواقب أفعاله عليه وعلى من يهتم لأمرهم. يظهر كين مجددًا نرجسية ثانوية حادة مع إميلي: فهو ينعزل عنها ويركز أكثر على الأشياء المادية، باحثًا عن امرأة أخرى تُبادله رغباته عندما تنتقده. كانت إميلي في البداية موضع إعجاب كين لأنها وافقت على مغامراته، لكن تشكيكها في صعوده إلى السلطة تسبب في صراع كبير داخل زواجهما: إيميلي: "ماذا تفعل في منتصف الليل؟" كين : عزيزتي، مراسلك الوحيد هو صحيفة "ذا إنكوايرر" إيميلي: أحياناً أعتقد أنني أفضل منافسة من لحم ودم كين : أنا لا أقضي الكثير من الوقت في قراءة الصحيفة إميلي : الأمر لا يتعلق بالوقت فحسب، بل بما تنشره، من مهاجمة الرئيس.
ينطلق كين في حديثٍ لاذعٍ عن الرئيس، وتتسع الفجوة بين الزوجين أكثر فأكثر حتى يصبحا متقابلين تمامًا على الطاولة. يُحوّل "هجوم" إيميلي المستمر على تصرفات كين وجودها إلى حاجزٍ أمامه، مُحطّمًا بذلك هالة الإعجاب التي كان يُضفيها عليها. في البداية، كانت إيميلي "مثالية" في نظر كين لأنها كانت تُؤيّد أفعاله. إلا أن انتقاداتها تُفسّر له على أنها عدائية، مما يُؤدي إلى تلاشي أي مشاعر حبٍّ كان يكنّها لها بسرعة.
في نهاية المطاف، لم يعد نجاح الصحيفة كافيًا لإرضاء كين. ازداد تعطشه للسيطرة لدرجة أنه بدأ حملة انتخابية لمنصب رئيس البلدية. وكسياسي محنك، تعهد كين بالتغيير للجميع والقضاء على فساد المدينة. وفي مشهد يُعد على الأرجح الأشهر في الفيلم، يقف كين على خشبة المسرح وخلفه صورة ضخمة لرأسه، في إشارة واضحة إلى غروره المتنامي (وهو مشهد يذكرننا ايضا بالمنظر اللاجمالي والنرجسي لصور عديدة وبمختلف الاحجام لمرشحي الانتخابات في العراق ). يمنحه هتاف الناس في نهاية خطابه القبول الذي طالما تاقت إليه نفسه، وإن كان ذلك لفترة وجيزة، إذ تدفعه انتقادات إميلي المستمرة إلى البحث عن بديل لها.
يجد كين "بديله" في سوزان ألكسندر ( دوروثي كومينغور)، الفتاة التي التقاها في الشارع. ومثل إميلي، تنجذب سوزان إلى سلطة كين ومكانته، وربما أكثر نظرًا لوضعها الاقتصادي المتدني. وهذا ما يدفعها إلى مجاراة رغباته، مُشبعةً نرجسيته مؤقتًا. ولهذا السبب، بالكاد يُبدي كين أي ردة فعل عندما تكتشف إميلي خيانته. وربما تعبيرًا عن امتنانه، يُرشّح كين سوزان لاحقًا لبطولة أوبرا رغم افتقارها التام للموهبة والاهتمام بهذا الفن. تُخبره صراحةً أنها لا تُريد أي دور في ذلك، لكنه يعدها بشهرة عالمية، رافضًا تصديق رغباتها أو حتى الاعتراف بها. يُظهر كين بذلك النرجسية الأولية والثانوية: فقد أصبحت سوزان موضوع اختياره، وملهمته المهووسة، وهو على استعداد لفعل أي شيء في العالم للسيطرة عليها والحصول على الدعم لأفعاله. من المحتمل أن يكون كين يكن مشاعر لسوزان في أعماقه، لكن اضطراب الشخصية النرجسية لديه له الأولوية، مما يجعله يبدو عديم الرحمة ومتمركزاً حول ذاته.
إن دوافعه لإجبار سوزان على الغناء محل جدل: فقد يسعى إلى مزيد من السيطرة عليها، أو ربما يعتقد حقًا أنه يرى فيها موهبة. يعود كل شيء إلى هجر والدته له في طفولته. فقد ثبت أن الأطفال يحتاجون إلى دعم أمهاتهم لبناء الثقة مع الآخرين وتطوير علاقات اجتماعية إيجابية. إذا لم يُمنح هذا الدعم، سينشأ الأطفال وهم يعتقدون أن العالم مكان لا يُوثق به، حيث سيضطرون إلى الكفاح بشراسة للحصول على كل ما يريدون، وسينظرون إلى الصداقة الحقيقية على أنها مجرد تلاعب. أي علاقة يقيمها هؤلاء الأطفال لن تدوم إلا طالما لم يستفزهم الطرف الآخر بأي شكل من الأشكال، حتى لو كان الطرف الآخر على حق تمامًا. بدلًا من مواجهة المشكلة، سيعتبر الشخص الآخر "غير جدير" وسيُبحث عن الحب والحنان من مصدر آخر، وينظر إلى الصديق الأول على أنه خصم. (قيادات شيوعية في العراق, كما ذكرت اعلاه, تعامل اعضائها بنفس النرجسية. فهي تقرّبهم وتضعهم في مراكز مهمة اذا سايروا القادة, وترفضهم وترميهم, وكأنهم قطع خردة, في سلة المهملات اذا لم ينصاعوا لأوامر القادة وكأنهم يسلكون سلوك هارون الرشيد او غيره من خلفاء العباسيين او غيرهم الذين اغدقوا بالاموال على من يمدحهم من الشعراء (هنا الوظائف او رواتب التقاعد الخ). ولكنه قد يكون ما يسمى الاستبداد الشرقي, او لأن العقل الاطن لهؤلاء الشيوعيين هو عقل باطن رأسمالي. The capitalist unconscious : Marx and Lacan https://archive.org/details/capitalistuncons0000toms/page/n9/mode/2up ونحن نعلم من التحليل النفسي ان العقل الباطن اهم بكثير من العقل الظاهر في تحديد مشاعر وافكار وسلوكيات الناس. ولذا نشاهد الانفصام بين العقل الظاهر والعقل الباطن في حزب مثل الحزب الشيوعي العراقي. العقل الظاهر الحزب: بالضد من النيوليبرالية! العقل الباطن الحزب: 1. دخول الحزب في مجلس حكم الاحتلال النيوليبرالي برئاسة اللص الدولي بول بريمر. 2. موافقة ممثل الحزب في مجلس حكم الاحتلال على كل قرارات مجلس الحكم النيوليبرالية المائة التي دمرت (الصناعة والزراعة في) العراق. 100 Orders https://en.wikipedia.org/wiki/100_Orders 3. ترأس ائتلافه -البديل- شخص ليبرالي ذو علاقات مشبوهة بالادارة الامريكية. لذا لا غرابة ان يفشل الحزب فشلا كارثيا في الانتخابات الاخيرة, وذلك لأن الناس ادركت فقدان الحزب لمصداقيته وانه حزب رأسمالي-اصلاحي نيوليبرالي يتجلبب بجلباب الشيوعية. ولأن الانفصام بين القول والفعل في الحزب يعود الى هيمنة العقل الباطن الرأسمالي للحزب, فأن اية مقالات او كتابات تهدف الى انقاذ الحزب من كارثته ستكون عديمة الفعل او ذات تأثير شكلي ضئيل في احسن الاحوال: من ناحية الفسلجة العصبية, الكلمات تلامس القشرة الدماغية المسؤولة عن العقل الظاهر ولا تؤثر على العقل الباطن. ولكن البنى التشريحية المرتبطة بالعقل اللاواعي تتألف في الغالب من مناطق تحت القشرة الدماغية، جذع الدماغ والجهاز الحوفي، والتي تُدير السلوكيات التلقائية والغريزية والسلوكيات المرتبطة بالعادات. وعلى عكس القشرة الدماغية التي يركز عليها الوعي، تعمل هذه المناطق خارج نطاق الوعي، وتُدير العمليات الحيوية والعاطفية والإجرائية. Unconscious Mind https://www.science-dir-ect.com/topics/neuroscience/unconscious-mind يذكر مجلد "الطب النفسي" في السلسلة الطبية الوطنية للدراسة المستقلة : "يتمتع الأفراد المصابون باضطراب الشخصية النرجسية بإحساس مفرط بأهميتهم، لكنهم في الوقت نفسه شديدو الحساسية للنقد. ويفتقرون إلى القدرة على التعاطف مع الآخرين، ويهتمون بالمظهر أكثر من الجوهر." (سكولي 266). Scully, James H. “Chapter 11 4B Narcissistic Personality Disorder.” Psychiatry. 3rd Ed. Vol. 1. Richmond, TX: Williams and Wilkins, 2000. 266. -print-. National Medical Ser. For Independent Study. 26 November 2016. ويُظهر كين كل هذه الميول طوال الرواية، سواءً بشكل إيجابي أو سلبي. وهو غير مدرك لخطورة هذه الميول، وينتابه الغضب عندما تنقلب عليه.
مع ازدياد إفصاح سوزان لكين عن استيائها من مسيرتها الغنائية، يحاول كين إنقاذ علاقتهما والحفاظ على حبها، قائلاً في إحدى المرات: "مهما فعلت، أفعله لأني أحبكِ". الحب هو تبريره الأخير: لم تحبه والدته، لذا سيحاول "أن يحب" كل من يستطيع. حاول أن "يحب" زوجتيه بإغداق الشهرة والهدايا المادية عليهما، وأن "يحب" المدينة بمحاولة إدارة صحيفة أصيلة. لكن كما تقول سوزان ألكسندر لاحقًا: "أنت لا تعطيني أبدًا ما أريده حقًا". يقول فرويد: قد يحب المرء: (1) وفقًا للنمط النرجسي: (أ) ما هو عليه (أي نفسه). (ب) ما كان عليه، (ج) ما يرغب أن يكون عليه، (د) شخصًا كان جزءًا منه في يوم من الأيام.
لا يفهم كين مفهوم الحب الحقيقي: فهو يعتقد أن رغبات سوزان ستكون مماثلة لرغباته، ولم يخطر بباله قط أن يسألها عما تريده من علاقتهما. لم يخطر هذا السؤال بباله أبدًا لأنه لم يتعلم هذا الجانب من العلاقات. يظن كين أنه يقدم لسوزان الدعم الذي تحتاجه، ولكنه دون أن يدري انه يدفعها بعيدًا عنه.
ومن المثير للاهتمام أن نزاهة كين الصحفية لا تزال سليمة حتى هذه اللحظة. ويبدو أنه يستثمر في الحفاظ على نزاهة الصحيفة أكثر من اهتمامه بسوزان، ويتضح ذلك عندما ينهي مراجعة سيئة لأدائها لليلاند، الذي لم يتحدث معه منذ سنوات عديدة. نرى ليلاند نائمًا على مكتبه وزجاجة نبيذ غير مكتملة بجانبه. بعد قراءة ما لدى ليلاند من المقال، يضحك كين موافقًا ويقرر إكماله، في تذكير بالقواسم المشتركة التي جمعتهما في الماضي. ينتقل المشهد إلى ليلاند وهو يستيقظ من على مكتبه ويجد المقال قد اختفى. يذهب إلى زميل له في العمل الذي يقول له: "السيد كين ينهي مراجعتك تمامًا كما بدأتها. إنه يكتب مراجعة سيئة كما أردتها أنت. أعتقد أن هذا سيُريك الحقيقة."
ثم يدخل ليلاند الغرفة ليتحدث مع كين، الذي يطرده على الفور. يبدو الألم واضحًا على وجه كين؛ فهو لا يريد طرد زميله، لكنه يفعل ذلك لتجنب الصراع الداخلي بين حبيه. في المشهد التالي، نرى ليلاند، وقد تقدم به العمر، يُفسر سبب طرده لمُحاور: "لقد ظنّ (كين) أنه بإنهاء هذا التقرير سيُثبت لي أنه رجل نزيه. كان دائمًا يُحاول إثبات شيء ما." أراد كين أن يُثبت لليلاند، وربما لنفسه، أن نزاهته الصحفية لا تزال قائمة، دون أن يُفكّر في ردة فعل سوزان. حتى أنه أرسل لليلاند شيكًا بقيمة 25,000 دولار، لأنه كان هو الآخر خيارًا مُفضّلًا لدى كين (وإن كان بدرجة أقل)، ولأنه يهتم لأمره حقًا.
لسوء الحظ، لم يُؤدِّ ردُّ فعل سوزان إلا إلى تفاقم الصراع الداخلي لدى كين. فقد أغضبها مقال زوجها الذي انتقد غناءها (وهو أمر لا يهمُّها إطلاقًا)، بالإضافة إلى الشيك. أصبح كين الآن يعاني عذابًا مضاعفًا: فقد طرد ليلاند لتجنُّب الصدام الشخصي، رغم حفاظه على نزاهته الصحفية، ولكنه أغضب سوزان التي اختارها لنفسه. قرر كين أن يُكرِّس كلَّ طاقته لها ويتخلى عن مبادئه الصحفية، وهو ما تجلَّى عندما دمر تلك المبادئ وردَّ على توسلات سوزان له بأن يتركها وشأنها قائلًا: "أسبابي تُرضيني يا سوزان. يبدو أنكِ غير قادرة على فهمها. لن أُخبركِ بها مرة أخرى. ستواصلين الغناء."
يتصرف كين دفاعيًا: يُنظر إلى غضب سوزان على أنه هجوم على غرائزه الصحفية، رغم أنها لم تكن تعلم أنه هو من كتب المقال. يُدمر كين بيان مبادئه لأنه يؤدي إلى صراعه مع سوزان، التي يخشى الآن فقدانها. يُسيطر عليها لفظيًا ليُبقي سيطرته عليها، ويُجبرها على مواصلة الغناء. لسوء الحظ، تُحاول سوزان الانتحار هربًا من قبضة كين، قائلةً: "لم أستطع أن أجعلك ترى ما شعرت به يا تشارلي. لكنني لم أستطع الاستمرار في الغناء مرة أخرى. أنت لا تعرف ما معنى أن تعلم أن الناس، أن الجمهور بأكمله لا يريدك."
أدرك كين أخيرًا كراهية سوزان للغناء، فسمح لها بالتوقف ليحافظ على حبها. كان يخشى من نفور الجمهور منه أكثر من أي شيء آخر في العالم، وخاصة من سوزان. لسوء الحظ، ازدادت رغبته الجامحة، فملأ المنزل بأشياء غريبة، وأجبر سوزان دون قصد على الانعزال. شعر أن بناء قصر فخم حولها وإغداقها بالهدايا سيرضيها، لكن دون جدوى. فشله في فهم رغباتها الحقيقية أدى إلى جدال آخر، حيث طغى يأس كين من السيطرة على حبه لها. رآها بعد ذلك تحزم أمتعتها لتغادره، وفي محاولة أخيرة للحفاظ على حبها، قال: "من الآن فصاعدًا، سيكون كل شيء كما تريدينه تمامًا. ليس كما أعتقد أنكِ تريدينه، بل كما تريدين أنتِ." كانت هذه هي المرة الأولى التي يمنح فيها كين السيطرة لشخص آخر، مدركًا على ما يبدو أخطاءه، ويعتقد أن منح سوزان زمام الأمور في علاقتهما سينقذها. هي تفكر في الأمر للحظة، لكنه يتابع قائلاً: "لا يمكنكِ فعل هذا بي"، مما يدل لنا على أن كل استثماره الشهواني أصبح الآن فيها.
تتركه سوزان على الفور، فيثور كين غضبًا، يمزق غطاء السرير، ويكسّر الزجاج، ويقلب الطاولات، ويدمر كل ما لم يكن مثبتًا. يعود هذا الانفجار إلى فقدانه المفاجئ للسيطرة، بالإضافة إلى شعوره، في قرارة نفسه، بهجر النساء له. تركته أمه، وتركته إميلي، والآن تتركه سوزان. يتوقف ليلتقط كرة ثلجية صغيرة بداخلها زلاجة صغيرة، ويقول "روزبد" قبل أن يدخل من الباب بذهول إلى حشد كبير من الناس في غرفة معيشته. لا يعني له إعجابهم شيئًا؛ لقد أحب سوزان حقًا، وكان فقدانها بمثابة المسمار الأخير في نعشه النرجسي. لقد فقد خياريه في الحياة، والآن فقد الرغبة في إيجاد بديل. لديه كل القوة في العالم، لكنها لا تعني له شيئًا.
كانت كلمة "روزبد" مكتوبة على زلاجة كان يملكها في طفولته. تظهر الزلاجة في البداية، ثم تختفي تمامًا. ولعلّ أهمّ ما يبرّر ظهورها هو أن كين، قبيل موته، يُدرك أخطاءه في حياته ويتوق إلى براءة طفولته. فذكرياته الإيجابية الوحيدة في تلك الفترة كانت اللعب بتلك الزلاجة، لذا فإنّ تذكّره للعبارة منطقيّ تمامًا؛ فهو يُدرك أخيرًا أنه طرد الجميع، ولا يرغب إلا في السلام، وأن تُتاح له فرصة أخرى في الحياة. فرصة لن تنالها أبدًا.
يُعدّ فيلم "المواطن كين" علامة فارقة في تاريخ السينما. فقد استخدم أورسون ويلز تقنيات سينمائية وأساليب سردية عديدة لا تزال تُستخدم وتُطوّر حتى يومنا هذا. ومع ذلك، فبينما لا ينبغي إغفال التطورات التقنية للفيلم، فإن التعقيد النفسي لشخصيته الرئيسية لا يقلّ روعةً. لقد ابتكر أورسون ويلز شخصية رجل مجنون مأساوي، مدفوع بطموح عظيم، لكنه يُحبط باستمرار بسبب شياطينه الداخلية. تشارلز فوستر كين هو الصناعي الأناني الأصلي الذي يجب دراسة نفسيته بنفس دقة دراسة الفيلم الذي يحيط به. يجسّد كين النرجسية، مُظهرًا كل الأعراض التي حددها علماء النفس المعاصرون، بالإضافة إلى تعريف فرويد الأصلي. في النهاية، ينبغي لنا أن نُعجب بتقنيات " المواطن كين" ، ولكن أن نُفتن أيضًا بعلم نفس الرجل نفسه.
يعد الفيلم "المواطن كين" دراسة تحليلية نفسية معمقة لشخصية نرجسية، تتحدد حياتها بصدمة عميقة في طفولتها المبكرة، ألا وهي فقدان والدته وزلاجته "روزبد". يُمثل سعي كين القهري وراء الثروة والفن والسلطة محاولة فاشلة لملء هذا الفراغ العاطفي، كاشفًا في نهاية المطاف أن "برجه العاجي" المادي ليس إلا بديلًا عن الحب والأمان اللذين فقدهما، وهو موضوع يُفسَّر غالبًا من خلال نظرية فرويد عن النرجسية ومفاهيم لاكان عن الرغبة.
الموضوعات التحليلية النفسية الرئيسية: الشخصية النرجسية والغضب: يُظهر كين سمات بارزة للنرجسية، فهو يطالب بإعجاب دائم ويُبدي غضبًا عارمًا عندما لا تُلبّى احتياجاته. عجزه عن تكوين علاقات عميقة أو متعاطفة أو صادقة يجعله معزولًا. الشخصية النرجسية والغضب: يُظهر كين سمات بارزة للنرجسية، فهو يطالب بإعجاب دائم ويُبدي غضبًا شديدًا عندما لا تُلبّى احتياجاته. عجزه عن تكوين علاقات عميقة أو متعاطفة أو حقيقية يجعله معزولًا. "روزبد" كرمز لفقدان شيء ما: ترمز الزلاجة إلى آخر لحظة من السعادة والحب الخالصين والحقيقيين قبل إرساله للعيش مع وصي، فهي تمثل "شيئًا مفقودًا" لا يمكن لأي ثروة أن تعوّضه. متلازمة "البرج العاجي": تمثل مجموعة كين الفنية ومنزله الضخم والمنعزل (زانادو) "كومة غبار" من حياته - محاولة عبثية لامتلاك كل شيء بدلًا من التواصل العاطفي الحقيقي والحميم. آليات الدفاع: يقدم الفيلم حياة كين كآلية دفاعية ضد مواجهة هذا الانفصال المؤلم والمبكر. يشرح هذا الفيديو كيف تحرك رغبة تشارلز فوستر كين في السيطرة شخصيته: Citizen Kane Explained | Everything YOU Missed! https://www.google.com/search?q=citizen+kane+psychoanalysis&rlz=1CAPKUQ_enAT1119&oq=cit&gs_lcrp=EgZjaHJvbWUqBggEECMYJzIGCAAQRRg5MgwIARAAGBQYhwIYgAQyDAgCECMYJxiABBiKBTINCAMQLhjHARjRAxiABDIGCAQQIxgnMgwIBRAuGEMYgAQYigUyDAgGEAAYQxiABBiKBTIHCAcQABiABDINCAgQLhjHARjRAxiABDIHCAkQABiABNIBCjEwNjAzajBqMTWoAgmwAgHxBbBp_ST7tjOe&sourceid=chrome&ie=UTF-8#fpstate=ive&vld=cid:9a6f4a56,vid:2wr4o54Ym84,st:1528
التحليل اللاكاني لا يُفسر التحليل النفسي اللاكاني فيلم "المواطن كين" كمجرد قصة جشع، بل كاستكشاف عميق للرغبة الإنسانية المتمحورة حول "نقص" جوهري (manque) والسعي وراء هدف مستحيل objet petit a. هذا الشيئ ليس شيئا امبريقيا ولذا لا يمكن امتلاكه من قبل الانسان مما يشكل نقصا دائما في النفس البشرية, فيحاول الشخص التعويض عبثا عنه بالسعي وراء المال او الجاه او السلطة او الحب او الجنس التي كلها تمثل موضوع الرغبة التي objet petit a هو سببها. Dose of Insight: Object Cause of Desire - Exploring Jacques ... https://www.google.com/search?q=lacan+petit+objet+a&rlz=1CAPKUQ_enAT1119&oq=lacan+petit+&gs_lcrp=EgZjaHJvbWUqDQgAEAAYkQIYgAQYigUyDQgAEAAYkQIYgAQYigUyBwgBEAAYgAQyBggCEEUYOTIICAMQABgWGB4yCAgEEAAYFhgeMggIBRAAGBYYHjIICAYQABgWGB4yCAgHEAAYFhgeMggICBAAGBYYHjIICAkQABgWGB7SAQk5MTY2ajBqMTWoAgiwAgHxBcO1maPxkDLx8QXDtZmj8ZAy8Q&sourceid=chrome&ie=UTF-8#fpstate=ive&vld=cid:2cbe0188,vid:W1wgosCkxUw,st:0 يُصوّر الفيلم تشارلز فوستر كين كرجلٍ يحركه فراغٌ في نفسه، يسعى لملئه بالسلطة والثروة وإعجاب الآخرين، لكنه يفشل في إيجاد الرضا الحقيقي. جوهر ذهان كين: "النقص" الخسارة البدائية: تشير النظرية اللاكانية إلى أن البشر مدفوعون بنقصٍ أصلي لا واعٍ أو صدمة انفصال (غالباً ما تكون متجذرة في الطفولة). بالنسبة لكين، يتمثل هذا "النقص" في الانفصال المؤلم عن والدته في طفولته وفقدان براءته، وهو ما يرمز إليه زلاجة "روزبد". النقص "روزبد" ك objet petit a: يُمثّل هذا الشئ سبب الرغبة الذي يستحال الوصول إليه أساسًا، والذي فُقد إلى الأبد. إنه يُمثّل "المركز الخفيّ المُؤرّق" الذي يُنظّم حياة كين، وهي ذكرى يُحاول لا شعوريًا إستعادتها من خلال مجموعاته الضخمة من قصر وتحف فنية او تملك زوجته سوزان. الذات الناقصة: يُصوّر كين على أنه "رجل بلا صفات" يبحث عن تعريف ذاته من خلال وسائل خارجية (السلطة، الممتلكات، النساء). ولأن رغبته مبنية على فراغ داخلي، فإن أي قدر من الاقتناء الخارجي لا يُمكنه إشباعه، مما يؤدي إلى سعي دائم غير مُرضٍ. المستويات الثلاثة في فيلم المواطن كين الخيالي (مرحلة المرآة): شخصية كين العامة كـ"مواطن كين" قوي وواثق هي بناء للأنا ضمن النظام الخيالي. يُحاول التماهي مع صورة مثالية ("سيد" أو "رجل أعمال") لإخفاء "نقصه" الداخلي الهش. الرمزي: يعمل كين ضمن النظام الرمزي (اللغة، القانون، المجتمع) محاولًا السيطرة على السردية من خلال صحفه. إلا أنه يفشل في ذلك، إذ تتشتت سمعته وتصبح غامضة، كما يتضح من وجهات النظر المختلفة والمتضاربة في حياته. الواقع Real (وهذا لا علاقة له بالمفهوم الدارج للواقع, وانما يعني كل ما لا يمكن التعبير عنه لغويا- بعرف فتكينشاين هنالك مسافة بين اللغة والواقع بالمفهوم الدارج لا يمكن تخطيها): الواقع هو الفراغ المؤلم الذي لا يُسمى، فراغ الأم/الطفولة المفقودة، والذي يقع خارج نطاق اللغة. حياة كين هي محاولة دائمة لتجنب هذا "الواقع" بملئه بالأشياء (زانادو، التماثيل، الفن)، ولكنه يفرض نفسه عليه عند موته ("روزبد").
مواضيع لاكانية رئيسية الرغبة مقابل الحاجة: يخلط كين بين حاجته للحب ورغبته في السلطة والإعجاب. عبارته "الحب، لهذا فعلت كل شيء" تُظهر أنه أراد أن يحبه الجميع، ولكن لأن رغبته في المستحيل، يبقى معزولًا. الوجود المصاص للدماء: يصف أحد التحليلات حياة كين بأنها محاولة "شبيهة بمصاصي الدماء" لاستعادة حياة ضائعة من خلال استغلال حيوية الآخرين، مثل زوجته الثانية، سوزان ألكسندر. النظرة gaze: يعمل البناء السردي للفيلم (مراسل يبحث عن معنى "روزبد") كآلية لتفاعل المشاهد مع النظرة. "النظرة" كموضوع، في هذه الحالة، هي ما هو غائب أو مخفي في الصورة - الحقيقة حول كين.
باختصار، يرى التحليل اللاكاني أن فشل كين في النضوج ينبع من تعلق دائم ومؤلم بطفولته الضائعة، مما يحول حياته إلى سعي لا ينتهي وراء "شيء مفقود" لا يمكن استعادته أبدًا.
#طلال_الربيعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فنزويلا وعباد اله الموت ثاناتوس
-
الاحتفال برأس السنة الميلادية 112
-
هل مجتمعاتنا ابوية ام امومية (سامة)؟ 111
-
لينين والاشتراك في البرلمان
-
مازوخية الشيوعيين العراقيين وسادية السلطة وجهان لعملة واحدة
...
-
التحليل النفسي والنيوليبرالية (في العراق) 109
-
التحليل النفسي, الخيال العلمي, وخسارة الشيوعيين للانتخابات 1
...
-
التحليل النفسي والأدب القوطي 107
-
التحليل النفسي: -فرانكشتاين في بغداد- 106
-
التحليل النفسي والذكاء الاصطناعي 105
-
اوتو رانك في عصر القلق وعدم اليقين 104
-
الماركسية الظاهراتية: ما لها وما عليها
-
هربرت ماركوزه والماركسية السوفيتية 103
-
تحالف الشيوخ والنيوفاشيين: الاستبداد والنرجسية الجماعية 102
-
ادورنو والشخصية الاستبداية 101
-
التحليل النفسي والعدالة الاجتماعية 100
-
هيغل والتحليل النفسي, وشاز! 99
-
الطب النفسي في العراق والانسان الأقتصادي!
-
تأملات لاكانية وماركسية حول التحليل النفسي والثورة (98)
-
تأملات لاكانية وماركسية حول التحليل النفسي والثورة (97)
المزيد.....
-
وزير الخارجية الإيراني لـCNN: الاتفاق مع أمريكا ممكن بشرط
-
السعودية تعلن عزمها تخصيب وبيع اليورانيوم
-
نقاش حاد بين مذيع الجزيرة مباشر ووزير إسرائيلي سابق حول فتح
...
-
وثائق إبستين تكشف عن نقاشات بشأن خليفة لبوتين
-
رئيس مجلس النواب الأمريكي يرجح إنهاء الإغلاق الحكومي الثلاثا
...
-
كيف سعت إسرائيل لتفريغ فتح معبر رفح من مضمونه؟
-
محللون: هكذا تحاول إسرائيل تكرار نموذج الضفة في غزة
-
بدء تشغيل معبر رفح بعد الإغلاق الإسرائيلي شبه الكامل له
-
-إعصار القنبلة- ينحسر وموجة البرد القطبية لا تزال مستمرة.. م
...
-
مصر.. المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يمنع ظهور هاني مهنا إعلام
...
المزيد.....
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
المزيد.....
|