أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عماد الطيب - امرأة بلا هوامش














المزيد.....

امرأة بلا هوامش


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 21:15
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


تبدو هذه الشخصية، في ظاهرها، نموذجًا للانضباط والاتزان، لكنها في عمقها تعيش صراعًا داخليًا مستمرًا بين ما تفرضه على ذاتها وما تتمنى أن تسمح به لنفسها. هاجسها الأول هو ضبط السلوك؛ ليس فقط أمام الآخرين، بل أمام نفسها قبل أي أحد. تسير وفق منظومة قوانين صارمة، دقيقة، تكاد لا تترك هامشًا للخطأ أو العفوية. حتى الهمس لديها محسوب، والحديث مراقَب، والانفعالات مؤجلة أو مكبوتة، وكأنها تخشى أن يؤدي أي تساهل بسيط إلى انهيار البناء الذي شيدته حول ذاتها عبر سنوات.
هذا السلوك لا ينشأ من فراغ، بل هو انعكاس مباشر لطبيعة دورها المهني. فهي شخصية قيادية، تتحمل مسؤولية أن تكون قدوة لآخرين يتعلمون منها، يراقبون تصرفاتها، ويقيسون أفعالهم على أفعالها. القيادة هنا لا تُمارَس بوصفها سلطة، بل بوصفها التزامًا أخلاقيًا وسلوكيًا دائمًا. لذلك تشعر أن أي خطأ شخصي قد يُفسَّر كخلل مهني، وأي ضعف إنساني قد يُقرأ بوصفه فقدانًا للأهلية. هكذا تتحول الذات إلى ساحة مراقبة دائمة، ويصبح الانضباط وسيلة دفاع لا مجرد خيار سلوكي.
غير أن هذا الانضباط المفرط له كلفة نفسية واجتماعية باهظة. فالحياة لا تُدار كلها بالقوانين، والعلاقات الإنسانية لا تزدهر في بيئات شديدة الصرامة. مع الوقت، تنحسر دائرة الأصدقاء، ليس لأن الآخرين لا يرغبون في القرب، بل لأن الاقتراب منها يتطلب جهدًا مضاعفًا وحذرًا دائمًا. الصداقة، التي تقوم في جوهرها على العفوية والتسامح والتغاضي، تجد نفسها أمام شخصية تزن الكلمات، وتحاسب النيات، وتضع حدودًا واضحة قد تُفسَّر على أنها برود أو تعالٍ.
حتى في محيط العمل، حيث يفترض أن تكون العلاقات أكثر مرونة بحكم المشاركة اليومية، تبقى المسافة قائمة. الزملاء قد يحترمونها، لكنهم لا يقتربون منها بسهولة. الاحترام هنا لا يتحول إلى ألفة، والتقدير لا يتطور إلى صداقة. فهي، من حيث لا تشعر، تضع نفسها في موقع المنفصل: حاضرة بقوة، لكنها بعيدة وجدانيًا.
الأكثر تعقيدًا في هذه الشخصية هو تفسيرها لفكرة الاقتحام. فالدخول إلى حياتها الخاصة، أو محاولة تجاوز الحدود التي رسمتها، يُنظر إليه بوصفه هجومًا غير مبرر. ليس لأن النوايا سيئة بالضرورة، بل لأن أي اختراق لهذا النظام الصارم يهدد توازنها الداخلي. هي لا ترى في القرب محاولة احتواء، بل احتمال فوضى. ولا تقرأ في الفضول رغبة في المعرفة، بل تعديًا على الخصوصية.
في العمق، تعاني هذه الشخصية من إرهاق خفي. إنها تعيش باستمرار في وضعية الدفاع، تحرس صورتها، وتحمي دورها، وتمنع ذاتها من الاسترخاء. المعاناة هنا ليست درامية أو صاخبة، بل صامتة، تتراكم مع الأيام. إنها معاناة من اختارت القوة طريقًا وحيدًا، فدفعت ثمنها وحدةً وجفافًا عاطفيًا.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذه الشخصية في معاناتها فقط. فهي تمتلك وعيًا عاليًا بالمسؤولية، وقدرة على التنظيم، وحسًا أخلاقيًا صارمًا. لكن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن بين القيادة والإنسانية، بين الانضباط والرحمة الذاتية. فالقوة التي لا تفسح مجالًا للهشاشة تتحول مع الوقت إلى عبء، والقيادة التي لا تسمح لصاحبها بأن يكون إنسانًا أولًا، تستهلكه بصمت.
إنها شخصية تحتاج، لا إلى كسر قوانينها، بل إلى إعادة تعريفها؛ قوانين تسمح بالاقتراب دون خوف، وبالخطأ دون شعور بالذنب، وبالعلاقات دون شعور دائم بالتهديد. عندها فقط قد تخف حدة المعاناة، وتستعيد الحياة شيئًا من بساطتها المفقودة.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر
- حين يصل الجمال متأخرًا
- حين يصبح الحب وزنًا لا جناحًا
- بين النار والثلج : سيرة انسان
- الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية
- هكذا تُربّى الأجيال: حين يقف التلميذ لأن الفساد جلس مكانه
- تشريح خطاب السلطة ولغة الجسد
- القيادة الحقيقية : عندما يتفوق الوعي على السلطة
- عن اي شيء سيسجل التاريخ ؟
- تأملات في معنى الطبخة السياسية
- كيف خنتُ ضميري لأرفع وهماً ؟


المزيد.....




- مصادر فلسطينية: 3 شهداء بينهم طفلان وامرأة جراء قصف الاحتلال ...
- كيف يرى الغرب النساء العربيات؟
- ” تحرش جنسيًا بزوجات المعتقلين”.. اتهامات لقيادي بجماعة الإخ ...
- “الغادريان”: 150 قناة على “التلغرام” تقدم خدمات “التعري الرق ...
- رمز فلسطيني يُلغي مهرجانًا ثقافيًافي برلين
- تدمير أكبر بنك للأجنة في غزة
- “قولي أنت سيدي”.. سوزان حميد تروي معاناتها في بودكاست” قصص ...
- اليمن: ارتداء النساء للشال يثير الجدل، ما السبب؟
- “سبع سنوات حبس وعقوبة الكلام الموت”.. أنقذوا/ن اليمنية “سمير ...
- “سرعة جنونية وتهديد بالخطف”.. فتاة تروي تفاصيل رحلة مرعبة مع ...


المزيد.....

- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش
- المرأة الإفريقية والآسيوية وتحديات العصر الرقمي / ابراهيم محمد جبريل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عماد الطيب - امرأة بلا هوامش