نجاح محمد علي
سياسي مستقل كاتب وباحث متخصص بالشؤون الايرانية والإقليمية والارهاب وحركات التحرر
(Najah Mohammed Ali)
الحوار المتمدن-العدد: 8318 - 2025 / 4 / 20 - 22:09
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يواجه العراق أزمة طاقة مزمنة تهدد استقراره الاقتصادي والاجتماعي، حيث يعتمد بشكل كبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطات توليد الكهرباء. ومع الضغوط الأمريكية لتقليل الاعتماد على إيران، والانقطاعات المتكررة في إمدادات الغاز الإيراني، تبرز تركمانستان، باحتياطياتها الهائلة من الغاز الطبيعي، كشريك استراتيجي محتمل لمساعدة العراق على تجاوز هذه الأزمة. يستعرض هذا المقال كيف يمكن لتركمانستان أن تسهم في حل أزمة الطاقة العراقية، مع تحليل الجوانب الاقتصادية، السياسية، المالية، والاجتماعية، والتحديات المرتبطة بهذا التعاون.
1. تصدير الغاز الطبيعي إلى العراق
تمتلك تركمانستان، رابع أكبر احتياطي غاز طبيعي في العالم، القدرة على تصدير كميات كبيرة من الغاز إلى العراق. بموجب الاتفاقية الموقعة في أكتوبر 2024، يمكن لتركمانستان تزويد العراق بما يصل إلى 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا عبر آلية المقايضة (السواب) من خلال إيران. في هذا النظام، تستقبل إيران الغاز التركماني في شمالها وتزود العراق بكميات مماثلة من جنوبها.
هذا التصدير يساعد العراق على:
• تلبية احتياجات محطات الكهرباء: يغطي الغاز التركماني جزءًا كبيرًا من العجز في الطاقة الكهربائية، الذي بلغ 5500 ميغاواط في بعض الفترات بسبب انقطاعات الغاز الإيراني.
• تقليل الاعتماد على إيران: يوفر بديلًا موثوقًا في ظل تقلبات الإمدادات الإيرانية الناتجة عن العقوبات أو الطلب الداخلي العالي.
2. خفض تكاليف الغاز
نجحت تركمانستان في التفاوض على خفض رسوم تصدير الغاز إلى العراق، مما يجعل الغاز التركماني خيارًا اقتصاديًا تنافسيًا. هذا الانخفاض في التكاليف يتيح للعراق، الذي يعاني من قيود مالية بسبب انخفاض إيرادات النفط وتكاليف إعادة الإعمار، تأمين الطاقة بتكلفة أقل، مما يحسن استقرار شبكة الكهرباء ويقلل من العبء المالي على المواطنين.
3. تنويع مصادر الطاقة
تعاني العراق من اعتماد مفرط على الغاز الإيراني، الذي يشكل حوالي 30-40% من إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء. تواجه هذه الإمدادات تحديات بسبب:
• الضغوط الأمريكية: تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من نفوذ إيران في العراق، وتمنح إعفاءات مؤقتة من العقوبات لاستيراد الغاز الإيراني، مما يخلق حالة من عدم اليقين.
• انقطاعات إيرانية متكررة: قلصت إيران صادراتها إلى العراق عدة مرات بسبب العقوبات أو الاحتياجات الداخلية، مما أدى إلى نقص حاد في الكهرباء.
يوفر التعاون مع تركمانستان بديلًا استراتيجيًا يعزز أمن الطاقة العراقي من خلال:
• تقليل المخاطر المرتبطة بمصدر واحد: يساعد الغاز التركماني العراق على تنويع مصادره، مما يقلل من تأثير انقطاعات الغاز الإيراني.
• دعم الاكتفاء الذاتي: يتيح التعاون للعراق التركيز على مشاريع طويلة الأجل، مثل عقد توتال الفرنسي لإنتاج الغاز والطاقة الشمسية، أو تطوير حقول الغاز في كردستان العراق.
4. تعزيز دور إيران كمركز طاقة إقليمي
رغم تقليل الاعتماد المباشر على الغاز الإيراني، يحافظ نظام المقايضة على دور إيران كوسيط إقليمي رئيسي. يوفر نقل الغاز التركماني عبر إيران فوائد اقتصادية، مثل:
• رسوم العبور: تحصل إيران على رسوم مالية مقابل تسهيل المقايضة.
• تعزيز البنية التحتية: يزيد النظام من ضغط الغاز في خطوط الأنابيب الإيرانية، مما يحسن كفاءتها.
هذا الدور يحافظ على العلاقات الاقتصادية بين العراق وإيران، مما يقلل من التوترات الإقليمية الناتجة عن تقليل الاعتماد على الغاز الإيراني.
5. تطوير البنية التحتية للطاقة
تعاني البنية التحتية للطاقة في العراق من التدهور بسبب عقود من الحروب ونقص الاستثمار. دخول تركمانستان إلى سوق الطاقة العراقية يشجع على:
• زيادة الاستثمارات: يمكن أن تجذب اتفاقيات الغاز استثمارات أجنبية لتحسين خطوط الأنابيب ومحطات الطاقة.
• تحديث الشبكة: يتطلب استيعاب 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا ترقية شبكات التوزيع، مما يعزز كفاءة القطاع الكهربائي.
6. التأثيرات الاجتماعية والاستقرار الداخلي
تتسبب أزمة الطاقة في العراق بانقطاعات متكررة للكهرباء، مما يؤدي إلى احتجاجات شعبية واسعة النطاق، كما حدث في صيف 2018 و2021 في بغداد وجنوب العراق. توفر إمدادات الغاز المستقرة من تركمانستان:
• تخفيف التوترات الاجتماعية: استقرار إمدادات الكهرباء يقلل من الاستياء الشعبي ويعزز الثقة في الحكومة.
• تحسين مستوى المعيشة: توفير الكهرباء بشكل مستمر يدعم القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والصناعة، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي.
7. تحليل التكلفة المالية
أ. تكلفة الغاز من تركمانستان
• السعر الأساسي: خفضت تركمانستان رسوم الغاز في اتفاقية أكتوبر 2024، مما يجعل الغاز التركماني تنافسيًا. وفقًا لمعايير السوق الإقليمية، يتراوح سعر الغاز التركماني بين 150-200 دولار لكل ألف متر مكعب، مقارنةً بـ 200-250 دولار للغاز الإيراني (تقديرات تقريبية بناءً على أسعار السوق الدولية).
• تكاليف المقايضة: تفرض إيران رسوم عبور تقدر بحوالي 10-20 دولار لكل ألف متر مكعب، مما يزيد التكلفة الإجمالية قليلًا. ومع ذلك، هذه الرسوم أقل من تكاليف إنشاء خطوط أنابيب جديدة.
• الاستثمار في البنية التحتية: يتطلب تحسين شبكات التوزيع ومحطات الطاقة استثمارات تقدر بمليارات الدولارات على مدى 5-10 سنوات، لكن هذه التكاليف ضرورية بغض النظر عن مصدر الغاز.
ب. تكلفة الغاز من إيران
• السعر الأساسي: الغاز الإيراني أرخص نسبيًا على المدى القصير (حوالي 200 دولار لكل ألف متر مكعب) بسبب القرب الجغرافي وغياب رسوم العبور.
• مشاكل الدفع: العقوبات الأمريكية تعقد الدفع لإيران، مما يؤدي إلى تراكم ديون بلغت حوالي 6 مليارات دولار حتى 2023. الدفع عبر آليات معقدة (مثل المقايضة بالنفط) يزيد التكاليف الإدارية.
• التكاليف غير المباشرة: انقطاعات الغاز الإيراني تتسبب بخسائر اقتصادية تقدر بمئات الملايين سنويًا، بسبب توقف محطات الكهرباء وزيادة الاعتماد على الديزل المكلف.
ج. المقارنة المالية
• على المدى القصير: الغاز الإيراني أرخص قليلًا بسبب غياب رسوم العبور، لكن مشاكل الدفع والانقطاعات تزيد التكلفة الفعلية.
• على المدى الطويل: الغاز التركماني أكثر جدوى بسبب:
• استقرار الإمدادات، مما يقلل الخسائر الاقتصادية.
• أسعار تنافسية بعد خفض الرسوم.
• تجنب العقوبات الأمريكية، التي قد تؤدي إلى قيود على تصدير النفط العراقي.
8. البدائل الأخرى لتنويع مصادر الطاقة
إلى جانب تركمانستان، يمتلك العراق خيارات أخرى لتنويع مصادر الطاقة، لكنها تواجه تحديات:
• استيراد الغاز من قطر: يمكن لقطر تصدير الغاز الطبيعي المسال (LNG) إلى العراق، لكن ذلك يتطلب بناء محطات استقبال مكلفة (بقيمة 2-3 مليارات دولار) ويستغرق سنوات.
• تطوير حقول الغاز العراقية: تمتلك العراق احتياطيات غاز وفيرة، خاصة في كردستان وحقول الجنوب، لكن نقص الاستثمار والتحديات الأمنية يعيقان الإنتاج.
• الطاقة المتجددة: مشاريع الطاقة الشمسية، مثل عقد توتال، واعدة لكنها لا تلبي الاحتياجات الفورية للكهرباء.
تظل تركمانستان الخيار الأكثر جدوى في الوقت الحالي بسبب سرعة التنفيذ، وانخفاض التكاليف النسبية، والتوافق مع الضغوط الأمريكية.
9. التحديات والعقبات
أ. التحديات السياسية
• الضغوط الأمريكية: على الرغم من أن نموذج المقايضة لا ينطوي على معاملات مالية مباشرة مع إيران، إلا أن إدارة ترامب قد تعترض على أي دور إيراني. يتطلب ذلك مفاوضات دبلوماسية مع واشنطن لتأكيد الامتثال لسياسة "الضغط الأقصى".
• مصالح إيران: تقليل الاعتماد على الغاز الإيراني قد يثير مخاوف طهران من فقدان النفوذ في العراق. ومع ذلك، فإن رسوم العبور ودور إيران كوسيط قد يخففان من هذه المخاوف.
ب. التحديات اللوجستية
• قدرة خطوط الأنابيب: تمتلك إيران شبكة أنابيب قادرة على نقل 10 مليارات متر مكعب سنويًا، لكن الصيانة الدورية قد تسبب تأخيرات. يتطلب ذلك استثمارات طفيفة لضمان الكفاءة.
• التزامات إيران مع تركيا: يتعين على إيران موازنة التزاماتها التعاقدية مع تركيا، مما قد يتطلب تعديلات في حجم المقايضة أو رسوم الغاز.
ج. التحديات المالية
• رسوم المقايضة: تحتاج إلى مفاوضات دقيقة لضمان بقائها في مستويات معقولة.
• البنية التحتية العراقية: تحسين شبكات التوزيع يتطلب استثمارات كبيرة، تقدر بـ 5-10 مليارات دولار على مدى عقد.
10. الجدول الزمني للتنفيذ
بدأت الجهود الأولية لنظام المقايضة في عهد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي (2020-2022)، حيث سدد العراق ديون إيران لتركمانستان باستخدام عائدات إيرانية مجمدة. مع توقيع اتفاقية أكتوبر 2024، من المتوقع أن تبدأ إمدادات الغاز خلال 6-12 شهرًا، شريطة إتمام الترتيبات اللوجستية وتحسين البنية التحتية العراقية. التأخيرات المحتملة قد تنجم عن مفاوضات مع الولايات المتحدة أو تحديات تقنية.
11. التطورات الدبلوماسية
تشهد العلاقات الإيرانية-الأمريكية تحسنًا نسبيًا في 2025، مع مفاوضات غير مباشرة حول الاتفاق النووي. هذا الزخم يدعم قبول واشنطن لنموذج المقايضة، خاصة أن المدفوعات تذهب مباشرة إلى تركمانستان، مما يتماشى مع العقوبات الأمريكية. كما أن التعاون الإقليمي بين العراق وإيران وتركمانستان يعزز الاستقرار في المنطقة، مما يشجع الأطراف على تطبيق الاتفاق.
12. الخلاصة
يمثل تعاون العراق مع تركمانستان لاستيراد الغاز الطبيعي فرصة استراتيجية لمعالجة أزمة الطاقة. من خلال تصدير 10 مليارات متر مكعب سنويًا، وخفض الرسوم، وتنويع مصادر الطاقة، تساعد تركمانستان العراق على تحقيق استقرار الكهرباء، تقليل الاعتماد على إيران، وتجنب الضغوط الأمريكية. نظام المقايضة عبر إيران يحافظ على التوازن الإقليمي، بينما تعزز الإمدادات المستقرة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي داخل العراق. على الرغم من التحديات السياسية واللوجستية والمالية، فإن الجدوى الاقتصادية والدبلوماسية للاتفاق تجعله الخيار الأمثل للعراق في الوقت الحالي. مع استكمال الترتيبات خلال 6-12 شهرًا، يمكن لهذا التعاون أن يشكل نقطة تحول في قطاع الطاقة العراقي.
#نجاح_محمد_علي (هاشتاغ)
Najah_Mohammed_Ali#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟