رياض ممدوح جمال
الحوار المتمدن-العدد: 8304 - 2025 / 4 / 6 - 00:17
المحور:
الادب والفن
تأليف : رياض ممدوح
المكان : حديقة عامة في منطقة شمال الموصل، يقام نصب لبطل من ابطال الشعب فيها.
الزمان : صباح يوم مشمس من عام 2013.
الشخصيات :
طلال : في الخامسة والسبعين من العمر، وسيم، حسن المظهر، ذو كاريزما.
فجر : في الخامسة والخمسين من العمر، يبدوا تعب السنين والكآبة عليه.
المسؤول : في الخامسة والسبعين من العمر، وسيم حنطي البشرة، دمث الخلق.
وفد الحزب : مكون من عمار وكريم وثابت المغترب خارج البلد.
(حديقة عامة فيها جمع غفير من المواطنين في انتظار المسؤول عن ازاحة ستار نصب المناضل، فجر جالس على احدى الكراسي المتطرفة منعزلاً، كئيباً، تسلط الإنارة عليه)
فجر : صحيح، كل الذي يجري صحيح، سيأتي المسؤول لإزالة الستار عن النصب صحيح، فصاحب النصب يستحق المزيد. وصحيح ايضاً، ما سيقوم المسؤول به من تكريم كبير للمناضل بالكلمة والقلم، وهو مناضل حقاً، للأديب الكبير طلال، فهو يستحق أكثر بكثير أيضاً. ولكن الشيء غير الصحيح، هو تجاه المسؤول لتكريمي انا، انا الذي اصبحت نكرة. هل هذا من العدل؟ يا الهي فقد العدل حتى عند اصحاب العدل، على القيميّن على إقامة العدل في الأرض. وان كان العدل مفقود على يدكم، فلنقرأ عليه السلام. طالب الشرع بإقامة الرجل العدل بين نسائه الاربعة، وقال له وأن لم تعدل فواحدة. والمسؤول اليوم سوف يعدل مع الجميع، الا معي انا. وانا الزوجة القديمة المنكودة الحظ، اليتيمة، المتزوجة عشائرياً "كفصلية دم" التي تحملت فقر وشظف العيش مع الرجل. فانا كنت حمار حمل واضرب بالسياط، وجعلوا مني عقرباً لأعيش. وانا الان طليقته. وانا فقط من انجب له اولاد، والآن هم سند له، لا لي.
أما من سيكرم اليوم، فهو العشيقة المدللة التي لا يجوز لمسها بتاتاً، أنها الفراشة المعشوقة من الجميع، وليس زوجها فقط. وهي صاحبة الحظ السعيد. أما الزوجة الرابعة فهي وفد تشريفي. تزوجته من اجل امواله لا أكثر، تزوجته عندما اصبح غنياً.
(يتقدم الوفد التشريفي بكراسيهم وينظمون الى فجر)
عمار : اهلاً برفيقنا العزيز، اننا نفتقد وجودك بيننا.
فجر : انني معتكف في بيتي، وقلما اخرج منه.
كريم : انت واحد منا، وعزيز علينا، يا رفيق، نحب ان نراك كثيراً.
فجر : لم أعد رفيق، بل صديق لكم.
ثابت : مهما تقل، فانت رفيق لنا، وتبقى انت وتاريخك، ونضال عائلتك فخر لنا.
فجر : لكن النضال لا يرى ذلك. فواحدنا هو قنينة ماء حين تفرغ مصيرها القمامة.
عمار : انت جداً وأهم، يا عزيزي فجر انت من ابعد نفسه عن النضال لا هو، فأبواب النضال مفتوحة للجميع.
فجر : أعلم أنها مفتوحة حتى لأعدائه، اما انا فلن ادخل تلك الأبواب الا وقد عادت لي كرامتي.
ثابت : كرامة الجميع مصانة عند المناضلين الكبار في القيادة، وانت بالذات.
فجر : عرفت القيادة ببراءتي، ولم يكلف نفسه ويعلن ذلك. مثل الرجل العنجهي، حتى بعد ان يعلم انه قد ظلم زوجته، يدعوها بعنجهية للعودة إلى حضيرته، وبلا كرامة.
عمار : (باستخفاف) وهل تريد من القيادة ان تقدم اعتذارها لك!
فجر : ولم لا، ألم اقدم حياتي وحياة عائلتي فداء للنضال؟ ثم صدق المندسين واتهمني بالخيانة، وحكم علي بالموت؟ ولم يعلن ان كنت مجرماً ام بريئاً لحد الان.
كريم : أن القيادة بدعوتها لك بالعودة اليه، هي بمثابة إعلان ببراءتك.
فجر : لا، لأنه دعي حتى من كان قد خان. فلا تعنيني دعوته.
عمار : لا يوجد شيء من هذا القبيل، يا فجر. فلم تدعوا القيادة الخونة ومن تعامل مع الأعداء بالعودة.
فجر : انك لا ترى الشمس حتى في الغربال، يا عمار. وهذا شأنك دائماً. انت كالمتدين، لا يفكر بل ينقل ما قاله الله فقط.
ثابت : نحن داخل التنظيم الان، ونحن ادرى بخفاياه منك.
فجر : لا ادري الان هل علي ان ابكي ام اضحك. اني اراكم الان، وكأنكم عراة مثل يوم مولدكم.
كريم : ليبقى الاحترام الرفاقي، قائم بيننا. ارجوك.
فجر : انت اخر من يستحق لقب مناضل، يا كريم.
كريم : (بانفعال) وانت اخر من يقيمنا.
فجر : لست انا من يقيمكم، بل التاريخ، يا عزيزي.
عمار : تاريخنا ناصع، ولا شائبة عليه.
فجر : عمار، الا تعلم تاريخ كريم وكيف أنه انهار من دون أي تعذيب!
عمار : هذا عهد مضى وانتهى، وبدأنا صفحة جديدة. والذي تقوله مضى عليه أكثر من ثلاثين سنة. كان ذلك في عام 1978 .
كريم : (ينهض) انت اصبحت كالعقرب، تريد ان تلدغ الجميع. وانت لا تستحق حتى السلام (يغادر).
فجر : وانا لا يشرفني سلامك.
ثابت : (ينهض ويلحق بكريم). لن اقبل بإهانة رفاقي.
فجر: لأنك لا تختلف عنه بشيء، والطيور على اشكالها تقع. فقد قضيت الثلاثين عاماً الماضية في لندن، حين كنا نحن نحمل جحيم النضال حباً في شغاف قلوبنا.
عمار : وانا ايضا طير من ضمن سربهم، ولكني لم التحق بهم، غضباناً منك، فأنت صديق قديم، وتربطنا علاقات عائلية عميقة. ولن اتخلى عنك.
فجر : كلا، عليك أن تلتحق بهم، فهم يناسبونك أكثر مني.
عمار : ما هذا الكلام منك، ما الذي جرى لك مع الجميع، حتى انا!
فجر : انت تخليت عني مرتين، مرة حينما كنت انوء تحت حمل أثقال النضال، كنت تتحاشاني خوفاً من ان ادعوك للمشاركة في النضال. والآن تخليت عني، عندما لم تساهم باسترجاع حقي وكرامتي، وانت في موقع المسؤولية ايضاً. فانت في وقت الشدة علىّ اخفيت نفسك عن الجميع، وثابت عبُر البحار هرباً من النضال، وكريم اسقط نفسه في حضن الاعداء والخيانة. أليس من الانصاف ان تتلقوا لدغة العقرب. لأن هي التي تسميها عقرب كانت في عز الشدة تناضل وحدها بجنون، وحين اجتازت المحنة، اتهمت بالخيانة لعدم تصديقكم ان ينجح احد في هذا الامتحان، او ان حسد التلاميذ ممن تفوق عليهم، شيء لا يحتملونه، فاختلقوا له تهمة الخيانة. قرأت مرة قصة نساء قرية خرج جميع رجالها الى اعمالهم، وهجم جيش من الأعداء واغتصبوا جميع النساء، عدا واحدة منهن قاومت غاصبها ببطولة وقتلته. فقامت نساء القرية جميعهن بقتلها، كي لا يلومهن الرجال بعدم اقتدائهن بالقتيلة، وعدم المقاومة.
(تحدث جلبة بين الجمهور لحضور المسؤول، ويشاهد انه يلقي كلمة، لا نسمع نحن كلماتها، ثم يزيح الستار وسط عاصفة من التصفيق)
عمار : لا يجوز بقائنا هنا، جئنا لنشارك، لا لنشاهد من بعيد. هيا بنا.
فجر : اذهب انت وسألحق بك.
(يذهب عمار ويبقى فجر بمفرده، عيناه شاخصتان على النصب)
فجر : يا صاحب النصب التذكاري، يا من أصبحت أيقونة للتقديس، وانت جدير بذلك، ولكننا تعلمنا ان لا نقدس شخص. ولن ابخسك حقك. ولكن أين حقي؟ نضالكم واضح للعيان، وهو تحت الاضواء، وتصارعون العدو الند للند، وتتحدّونه بسلاحكم. وصنعتم مجدكم بقوة السلاح لن تموت من دون ان تقتل احداً من الاعداء بسلاحك. أما نحن، نضالنا في السراديب والاوكار واقبية السجون المظلمة، ولا سلاح لدينا غير ايمانناً. وأعظم سلاح كان لدينا، هو كبسولة سامة مخبأة داخل ياقة قمصاننا، تنقذنا من جحيم التعذيب. افلا نستحق نحن نصباً تذكارياً ايضاً، لمناضلي التنظيم السري؟ يا للعدالة! اصرخ، أين حقي، يا اهل الحق، أين حقي؟
(يرتفع صوت المسؤول من على ميكرفون المنصة)
المسؤول : والآن يسعدنا ويشرفنا، أن نكرم الاستاذ الكبير، طلال.....
فجر : اه، انه طلال، صائد الجوائز، حتى هنا جاء يصطاد الجائزة. يا ظرتي المحبوبة. من لا يحبك! لا احد. حتى انا، نعم حتى انا، احبك، يا من سرقت الاضواء منا. من يكره الفراشات! حتى الوحوش تحب الفراشات، فكيف انا! أحبك رغم أنفي. لقد ضحيت من اجل القضية بكل حياتي وحريتي الشخصية طوال سنين عديدة. كنت اطمح في تحقيق مجدي الخاص المذاب بالمجد العام، وكانت تلك هي اسمى سعاداتي. اترك لي، يا طلال هذه الجائزة الوحيدة التي طالما حلمت بها.
(يترك المسؤول المايكرفون المنصة للأستاذ طلال الذي يعتلي المنصة ليلقي كلمته، التي لا نسمعها، ويتنحى المسؤول جانباً)
فجر : انت اخر رجال المبادئ، تقلّبّ رجال كثيرين، وبقيت وحدك الثابت على الالتزام بأفكارك السامية. انت بوصلة حين يضيع الصواب. يا اعدل الناس الا معي، اترك لي جائزتي، فإن الجوائز هي من تسعى إليك وأنت شارد عنها. انك تثير حسد حتى الزاهدين. يا فراشة ارتشفت من مختلف الزهرات واصبحت زهرة فريدة لا تتكرر. ارتشفت من اليمين ومن اليسار ومن الجميع، وكأنك فوق الاتجاهات والميول جميعها. وهو نبراس للجميع على اختلافهم. ولكن... كتب بوشكين عن ساليري المعجب، لدرجة التقديس، بعبقرية موزارت. ساليري موهوب وصنع مجده بجد وكفاح طويل، ولكنه حالما رأى موزارت ادرك عبقريته، وان مجده لا شيء امام موزارت، فيدس له السم، ويموت موزارت مسموماً. يا الهي، اي درجة من الشطحات الفكرية وصلت اليها! هل اصبحت عقربة تلدغ حتى الفراشة.... لا لا لا.
(تتوجه الانارة على المنصة، والان المسؤول عليها يتكلم ونسمع كلامه واضح وجهوري)
المسؤول : والآن نكرم جندي مجهول طالما ظلمناه، بطل من ابطال التنظيم السري، انه المناضل فجر...
(ينهار فجر على ركبتيه، وعيناه تغرورق بالدموع، وينشج باكياً).
ستار
6/1/2025
#رياض_ممدوح_جمال (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟