أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عقيل الفتلاوي - من الريف إلى الحرم.. كيف أثّرت الهجرة العشوائية على هوية النجف وكربلاء














المزيد.....

من الريف إلى الحرم.. كيف أثّرت الهجرة العشوائية على هوية النجف وكربلاء


عقيل الفتلاوي
صحفي وباحث

(Aqeel Al Fatlawy)


الحوار المتمدن-العدد: 8303 - 2025 / 4 / 5 - 17:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


شهدت مدينتا النجف وكربلاء، اللتان تتمتعان بمكانة دينية وتاريخية عميقة في وجدان العراقيين والمسلمين، تحولات ديمغرافية واجتماعية كبيرة بعد عام 2003، نتيجة الهجرة العشوائية الواسعة. هذه الهجرة، التي جاءت لأسباب اقتصادية وأمنية، خلقت واقعاً جديداً أثر على طبيعة المدينتين، ليس فقط من الناحية السكانية، بل أيضاً على المستوى الثقافي والخدمي، مما ولّد العديد من التحديات التي ما تزال آثارها ملموسة حتى اليوم.
بعد سقوط النظام السابق، انفتحت أبواب المدن المقدسة أمام أعداد كبيرة من القادمين من المناطق الريفية، خاصة من محافظات الجنوب الفقيرة، حيث رأى الكثيرون في النجف وكربلاء ملاذاً آمناً وفرصةً للعمل في ظل الانفتاح الاقتصادي والديني الذي شهده العراق. كما أن الزيادة الكبيرة في أعداد الزائرين، خاصة خلال المواسم الدينية، شجعت الكثيرين على الاستقرار في المدينتين للعمل في القطاعات الخدمية المرتبطة بالزيارة، مثل بيع المواد الغذائية، وتأجير السكن، والنقل.
ولكن هذه الهجرة لم تكن مُخطّطة، ولم تواكبها استعدادات حكومية لاستيعاب الأعداد المتدفقة. تحولت مناطق سكنية عديدة إلى عشوائيات، وتمددت المدينة بشكل غير منتظم، مما أثّر على البنية التحتية التي كانت بالأصل تعاني من الإهمال.
كما أدت الهجرة الكثيفة إلى تغيير التركيبة السكانية للمدينتين، حيث أصبح القادمون من الأرياف يشكلون نسبة كبيرة من السكان، بل إن بعض الأحياء التي كانت تعتبر جزءاً من نسيج المدينة التاريخي أصبحت تُعرف بأسماء العشائر أو المناطق الريفية التي قدموا منها .
هذا التغيير الديمغرافي رافقه تغير في العادات الاجتماعية، حيث ظهرت عادات وتقاليد لم تكن مألوفة في المدينتين، مثل بعض الممارسات القبلية في حل النزاعات، أو طقوس العزاء التي تختلف عن تلك المعروفة في المدن.
كما أن الاختلاف في الثقافة الحضرية والريفية ولّد احتكاكاً اجتماعياً، حيث اشتكى سكان المدن الأصليون من أن الوافدين الجدد يحملون معهم قيماً وعادات (دخيلة) تتعارض مع طبيعة المدينتين الدينية والتاريخية. وعلى الرغم من أن التنوع الاجتماعي يمكن أن يكون مصدر ثراء، إلا أن غياب السياسات الحكومية لدمج الوافدين بشكل متناغم مع المجتمع الأصلي أدى إلى توترات متفرقة.
ومن أبرز العادات الدخيلة التي رافقت هذه الهجرة ما يعرف بـ(الدكة العشائرية)، وهي ممارسة تقليدية لحل النزاعات تعتمد على الضغط الجماعي عبر تجميع رجال العشيرة في بيت الخصم لإجباره على القبول بحل معين مستخدمين بذلك كافة الأسلحة التي بحوزتهم، وغالباً ما يكون بعيداً عن القانون أو الأعراف المدنية. هذه العادة، التي كانت سائدة في الأرياف حيث تغيب سلطة الدولة، بدأت تنتشر في أحياء النجف وكربلاء، مما أثار استياء أبناء المدينتين، الذين اعتادوا على اللجوء إلى المحاكم القضائية أو الشرعية، أو إلى "السواني العشائرية" المتعارف عليها في المدينتين.
والسواني العشائرية في النجف وكربلاء تختلف عن مسمى ((الدگة العشائرية)، فهي تعتمد على وساطة شخصيات معروفة بحكمتها وحيادها، دون ضغوط أو إكراه، وغالباً ما تحترم القوانين والأعراف المدنية. لكن القادمين الجدد، الذين اعتادوا على منطق القوة والعدد في حل النزاعات، لم يعترفوا بهذه السواني، مما خلق صراعاً بين المنهجين وأضعف الثقة في آليات الحل السلمي التقليدية.
ومن أكثر الآثار الملموسة للهجرة العشوائية الضغط الكبير على الخدمات الأساسية، حيث لم تعد شبكات الكهرباء والماء والصرف الصحي قادرة على تلبية احتياجات الأعداد المتزايدة من السكان. كما أن الزحام المروري أصبح مشكلة يومية، خاصة في المناطق القريبة من المراقد المقدسة، حيث تتحول الشوارع إلى أسواق عشوائية تزيد من اختناق الحركة.
أما في مجال التوظيف، فقد تنافس القادمون الجدد مع أبناء المدن الأصلية على الوظائف الحكومية والحصص المخصصة للمحافظة، مما خلق شعوراً بالغبن لدى السكان الأصليين الذين رأوا أنهم يُحرمون من فرص العمل لصالح الوافدين، الذين تبنتهم أحزاب سياسية طمعاً في أصواتهم الإنتخابية.
وعلى الرغم من أن الهجرة ظاهرة طبيعية في أي مجتمع، إلا أن غياب التخطيط جعل منها عبئاً على النجف وكربلاء. اليوم، تحتاج المدينتان إلى سياسات تنموية تعيد تنظيم العمران، وتوسع الخدمات، وتشجع على الاندماج الاجتماعي بدلاً من التشرذم. كما أن تعزيز الاقتصاد المحلي في المناطق الريفية قد يخفف من موجات الهجرة المستقبلية، ويحافظ على الطابع التاريخي والديني لمدينتي النجف وكربلاء، بما يليق بمكانتهما كمهدين للتراث والثقافة العراقية الأصيلة.



#عقيل_الفتلاوي (هاشتاغ)       Aqeel_Al_Fatlawy#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين المطرقة والسندان.. كيف يريد الكونغرس الأمريكي تحرير العر ...
- هل تُشعل واشنطن المواجهة مع إيران؟.. حاملة طائرات نووية أمري ...
- تداعيات الفوضى الخلاقة: تحليل لواقع العراق السياسي والاقتصاد ...
- البروباغندا الأمريكية ودورها في الحرب على العراق 2003
- من وراء قطر غيت ؟.. لعبة استخباراتية أم فساد داخل الكيان الإ ...
- العار أصبح ترنداً .. معركة الحياء في السوشيال ميديا ..
- ضربة استراتيجية تشلّ (هاري ترومان) وتُغيّر قواعد اللعبة
- الطبيعة أم التطبع: أيهما يغلب في الآخر؟
- الفاشنيست الدينية: حين يتحول الخطاب المقدس إلى سلعة رقمية..
- الأفكار النمطية: قيود نصنعها بأيدينا
- التكتلات الإعلامية والتحكم في تدفق المعلومات
- من الملعب إلى البرلمان.. هتافات غير لائقة تعيد النفط إلى واج ...
- ثقافة الاستقالة معدومة في العراق: اتحاد اكرة القدم نموذجًا..
- من سيملأ الفراغ السياسي في العراق؟ السيد مقتدى الصدر ينسحب م ...
- بين الإنقاذ والتراجع
- الرقابة الأبوية على المراهقين بين حرية المقاهي وسلطة الأهل
- التحديات الأمنية والاقتصادية لتهريب النفط في الخليج العراق و ...
- كيف يتحكم الإعلام في عقولنا؟ صناعة الموافقة الخفية
- هل دخلت أميركا وكر الأفعى بضربها اليمن وصدامها مع أتباع الحو ...
- صناعة الأصنام والطواغيت: مجتمع بين عبادة الماضي واستغلال الح ...


المزيد.....




- نتنياهو يزور واشنطن، فماذا تتضمن الزيارة؟
- رئيس الوزراء الفرنسي: قرار ترامب خطير جدا وسيسبب أزمة عالمية ...
- موجة جديدة من الأعاصير والفيضانات تقتل 16 شخصا في أميركا
- ترامب للأمريكيين: تنتظرنا أوقات صعبة
- مجهول يتحصن داخل مبنى البرلمان الكندي (فيديو)
- خبير عسكري مصري: حماس أحيت القضية الفلسطينية رغم الخسائر الك ...
- الجيش الألماني يستعد لأكبر مناورات عسكرية منذ الحرب الباردة ...
- تسجيل -الأوغاد- المسرب يشعل أزمة في إسرائيل
- -بوليتيكو-: سيطرة روسيا على موارد أوكرانيا ستكون كارثة على ا ...
- قائد القوات البرية في الجيش الإيراني: نحن من أقوى الجيوش في ...


المزيد.....

- حَرب سِرِّيَة بَين المَلَكِيّات وَالجُمهوريّات 1/3 / عبد الرحمان النوضة
- سلطة غير شرعية مواجهة تحديات عصرنا- / نعوم تشومسكي
- العولمة المتوحشة / فلاح أمين الرهيمي
- أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا ... / جيلاني الهمامي
- قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام / شريف عبد الرزاق
- الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف / هاشم نعمة
- كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟ / محمد علي مقلد
- أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية / محمد علي مقلد
- النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان / زياد الزبيدي
- العولمة المتوحشة / فلاح أمين الرهيمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عقيل الفتلاوي - من الريف إلى الحرم.. كيف أثّرت الهجرة العشوائية على هوية النجف وكربلاء