أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمدي سيد محمد محمود - الوعي المقيد والوعي الحر: قراءة في أنماط التصديق الدوغمائي والنقدي














المزيد.....

الوعي المقيد والوعي الحر: قراءة في أنماط التصديق الدوغمائي والنقدي


حمدي سيد محمد محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8303 - 2025 / 4 / 5 - 14:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    



منذ بدايات الفكر البشري، شكّلت أنماط التصديق حجر الزاوية في تكوين الرؤية الإنسانية للعالم، وفي تشكيل أنساقه المعرفية والأخلاقية والسياسية. وفي هذا الإطار، يمكن التمييز بين نمطين جوهريين من التصديق: التصديق الدوغمائي والتصديق النقدي، حيث يمثل الأول انغلاقًا على اليقين الموروث، بينما يمثل الثاني انفتاحًا على المجهول وإيمانًا بقدرة العقل على المراجعة والمساءلة. وبين هذين النمطين يتحدد مصير الإنسان، بين العبودية للتحيزات الراسخة، أو الحرية الفكرية والبحث عن الحقيقة.

أولًا: التصديق الدوغمائي – عبادة الثابت وخوف من المجهول

التصديق الدوغمائي هو إيمان يقيني غير قابل للنقاش، يتشبث بمعتقداته أو أفكاره كما لو كانت حقائق مطلقة، لا تقبل الشك ولا المراجعة. إنه تصديق لا يستند إلى حوار العقل مع الواقع، بل إلى سلطة موروثة، أو مؤسسة قائمة، أو إكراه اجتماعي أو نفسي يجعل من إعادة التفكير فعلاً "خطيرًا" أو "مستهجنًا". في هذا النوع من التصديق، تتحول الأفكار إلى "مقدسات"، وينشأ لدى الفرد شعور بأن أي مساس بها هو اعتداء على الذات أو الهوية أو الإيمان.

يرتبط التصديق الدوغمائي بشكل وثيق بالأنظمة الشمولية، سواء كانت دينية أو سياسية أو أيديولوجية. فهو ما يغذي الإيديولوجيات المغلقة، ويبرر القمع باسم "الحقيقة"، ويمنع تطور المعرفة بحجة الحفاظ على "الثوابت". وتاريخ البشرية حافل بمآسي دوغمائية: محاكم التفتيش، محاربة العلماء في القرون الوسطى، النظم التوتاليتارية، وكل أشكال رفض الآخر وشيطنته. فالدوغمائية لا تحتمل التنوع، وترى في الاختلاف تهديدًا لا إثراءً.

ثانيًا: التصديق النقدي – ثورة العقل على المسلمات

في المقابل، يمثل التصديق النقدي فعلًا وجوديًا حرًا يقوم على مساءلة ما نؤمن به، وتحليله، واختباره، واستعداده الدائم للتغيير إذا توافرت معطيات جديدة. إنه تصديق لا يلغي الإيمان، لكنه لا يقف عنده كمنتهى. فالتصديق النقدي يقوم على مبدأ الشك المنهجي، كما صاغه ديكارت، ويُعلي من قيمة العقل كما فعل كانط، ويرى في الخطأ والتساؤل شرطًا للتقدم المعرفي، كما رأى كارل بوبر. إنه نمط تصديقي يؤمن بأن الحقيقة لا تُمتلك مرة واحدة، بل تُبنى عبر الحوار المفتوح بين العقول.

يمثّل التصديق النقدي قلب الفلسفة وروح العلم. هو الذي حرر الإنسان من سلطة الكهنة، وفتح له أفقًا لا نهائيًا للمعرفة. ومع ذلك، فهو ليس دعوة إلى العدمية أو النسبية المطلقة، بل دعوة إلى الإيمان العاقل، الذي لا يتهرب من مسؤولية الفهم، والذي يدرك أن أعظم قوة للإنسان تكمن في قدرته على مراجعة نفسه.

ثالثًا: بين التصديقين – أثر كل منهما على الوعي والوجود

يكشف تحليل هذين النمطين من التصديق عن تأثيرات هائلة على تشكيل وعي الإنسان. فالتصديق الدوغمائي يُنتج إنسانًا تابعًا، غير قادر على التفكير الحر، يختبئ خلف "السائد" و"المألوف"، ويخشى التغيير. أما التصديق النقدي، فيُنتج إنسانًا حرًا، قلقًا، لكنه مسؤول، يعيش الوجود كسؤال لا كإجابة جاهزة.

من الناحية الاجتماعية، يؤدي التصديق الدوغمائي إلى إنتاج مجتمعات مغلقة، تخاف من الخارج، وتبني هويتها على نفي الآخر. أما التصديق النقدي، فيُسهم في بناء مجتمعات منفتحة، قادرة على الحوار والتطور وتجاوز الانقسامات.

رابعًا: التصديق، الحقيقة، والسلطة

من أخطر ما يمكن أن يكشفه التمييز بين التصديق الدوغمائي والنقدي، هو العلاقة بين الحقيقة والسلطة. فحين تصبح السلطة مصدر الحقيقة، لا يعود التصديق سوى طاعة، ويتحوّل الفكر إلى أداة في يد الحاكم أو المرجعية. أما حين يكون العقل هو الحكم، تصبح الحقيقة مشروعًا إنسانيًا مفتوحًا. ومن هنا تأتي أهمية مقاومة الدوغمائية: لأنها ليست مجرد خطأ فكري، بل شكل من أشكال الاستعباد، بينما التصديق النقدي ليس مجرد عملية معرفية، بل فعل تحررٍ إنساني.

خامسًا: في زمن ما بعد الحقيقة – الحاجة الماسة للتصديق النقدي

في عصرنا المعاصر، حيث تسود الشعبوية، وتُخلط الوقائع بالأوهام، وتنتشر نظريات المؤامرة، تزداد الحاجة إلى نمط التصديق النقدي. فالعالم اليوم لا يعاني من نقص في المعلومات، بل من وفرة في المضلل منها. والتصديق الدوغمائي يعود بقوة في ثوب جديد، عبر شبكات التواصل والخوارزميات التي تعزز التحيزات. لذلك، فإن نشر ثقافة التصديق النقدي لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية ومجتمعية في سبيل إنقاذ الإنسان من التلاعب بعقله ووجدانه.

يبقى الفرق بين التصديق الدوغمائي والنقدي هو الفرق بين فكر يسجن الإنسان داخل وهم الامتلاك الكامل للحقيقة، وفكر يحرره ليبحث عنها دائمًا. الأول يُغلق الأفق، ويُميت العقل، ويقدّس الجهل باسم اليقين. والثاني يفتح الطريق أمام الحرية، والمعرفة، والتسامح، والتطور. وهنا، يكمن جوهر الفلسفة والإنسانية: في رفض الجمود، والسير الدائم نحو الحقيقة، مهما كانت المسافة طويلة.



#حمدي_سيد_محمد_محمود (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فاطمة الفهرية: سيدة العلم التي شيدت أول جامعة في التاريخ
- جدلية السلطة والفكر: قراءة موسوعية في تطور الأفكار السياسية ...
- المنطق الرياضي: حجر الأساس للعقلانية والاستدلال في عصر الذكا ...
- مارتن لوثر وثورة الفكر: التداعيات الفلسفية للإصلاح الديني عل ...
- الفلسفات المادية الأوروبية: أزمات جوهرية وتحديات مستقبلية في ...
- ما بعد العلمانية: تحولات المفهوم ومآلاته الفلسفية
- جون لوك: ثورة فكرية غيرت مسار الفلسفة والسياسة
- العدم الرقمي: الإنسان في متاهة ما بعد المعنى
- سبينوزا والكتاب المقدس: نقد النص وإعادة بناء الإيمان
- تحولات السلطة والفكر: رحلة الفلسفة السياسية الأوروبية من ميك ...
- العلمانية الإنسانية: يوتوبيا زائفة أم أزمة وجودية؟
- حماس بين التصنيفات الدولية: جدلية المقاومة والإرهاب في ميزان ...
- الحرية بين وهم الحداثة وسلطة الخوارزميات: من التنوير إلى الا ...
- حفلة شاي بوسطن: شرارة الثورة الأمريكية وتغير موازين التاريخ
- ما بعد سايكس بيكو: تحرير الأمة من سجون الجغرافيا والتاريخ
- مستقبل الديمقراطية الأمريكية في ظل رئاسة ترامب الثانية: بين ...
- صناعة المعرفة في العالم العربي: بين تحديات الحاضر وآفاق المس ...
- جدلية الدين والعلم والسياسة: صراع القوى أم تكامل المسارات؟
- الفلسفة المشائية: من أرسطو إلى ابن رشد - مسار العقل والاستدل ...
- من الاستبداد إلى الإبداع: تحديات الانتقال من الدولة الديكتات ...


المزيد.....




- الحوثيون يعلنون الاشتباك مع حاملة الطائرات الأمريكية -هاري ت ...
- إسرائيل تمنع دخول نائبتين بريطانيتين خوفا من توثيقهما تجاوزا ...
- أوباما يحث الأمريكيين على التصدي لسياسات ترامب والدفاع عن ال ...
- كير ستارمر: العالم كما عرفناه انتهى
- احتجاجات في محيط السفارة الأمريكية بتونس
- عاجل | مراسل الجزيرة: 4 شهداء و20 جريحا في قصف إسرائيلي على ...
- آلاف السودانيين يفرون إلى جنوب أم درمان خوفا من قوات الدعم ا ...
- عاجل | الحوثيون: قوتنا البحرية استهدفت سفينة إمداد تابعة لحا ...
- -ارفعوا أيديكم-.. شعار احتجاجات حول العالم ضد ترامب وماسك
- أفغانستان تشهد ازدهارا سياحيا


المزيد.....

- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ
- العلاقة التاريخية والمفاهيمية لترابط وتعاضد عالم الفيزياء وا ... / محمد احمد الغريب عبدربه
- تداولية المسؤولية الأخلاقية / زهير الخويلدي
- كتاب رينيه ديكارت، خطاب حول المنهج / زهير الخويلدي
- معالجة القضايا الاجتماعية بواسطة المقاربات العلمية / زهير الخويلدي
- الثقافة تحجب المعنى أومعضلة الترجمة في البلاد العربية الإسلا ... / قاسم المحبشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمدي سيد محمد محمود - الوعي المقيد والوعي الحر: قراءة في أنماط التصديق الدوغمائي والنقدي