|
الصهيونية العربية: خيانة الداخل وخنجر في خاصرة الأمة
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8302 - 2025 / 4 / 4 - 21:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لصهيونية العربية: خيانة الداخل وخنجر في خاصرة الأمة.
إن الصهيونية العربية هي أحد أبرز مظاهر الخيانة التي دمرت النسيج الاجتماعي والسياسي في الوطن العربي، حيث قامت بعض الأنظمة والقوى في الداخل العربي بتقديم الدعم للمشروع الصهيوني على حساب قضية الأمة المركزية: فلسطين. وهذا لم يكن مجرد فعل فردي بل سياسة مدروسة تهدف إلى تقويض الهوية العربية وتعزيز الاستعمار في المنطقة. هذه الصهيونية التي نشأت في ظل الهيمنة الاستعمارية الغربية، بدأت تتخذ أشكالا أكثر وضوحا مع مرور الزمن.
1. تاريخ الصهيونية العربية: الخيانة الأولى
منذ بداية القرن العشرين، بدأ المشروع الصهيوني يكتسب قوة ودعما من القوى الاستعمارية الغربية، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا. فخلال وعد بلفور 1917، كان واضحا أن المشروع الصهيوني كان جزء من مخطط استعمارى غربي لتفتيت المنطقة العربية وفرض الهيمنة عليها. ولكن الغريب في الأمر هو أن بعض القوى العربية كانت قد بدأت تتعاون مع الاستعمار، مستفيدة من الدعم الغربي في محاولتها لتحقيق مصالح ضيقة على حساب مصالح الأمة الكبرى.
إن هذه الخيانة لم تكن مقتصرة على أفراد بعينهم بل امتدت لتشمل بعض الأنظمة العربية التي استخدمت القضية الفلسطينية لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية، في حين تجاهلت حقيقة المشروع الصهيوني - الأمريكي وأهدافه التوسعية.
2. العلاقة بين الإمبريالية والصهيونية: تداخل المصالح الاستعمارية في المنطقة العربية
إن العلاقة بين الإمبريالية الغربية والصهيونية هي علاقة عضوية تقوم على المصالح الاستراتيجية المشتركة، حيث يعمل كلاهما على استغلال المنطقة العربية وتعميق تبعيتها. الإمبريالية الغربية، التي تجسدها القوى الاستعمارية القديمة مثل بريطانيا وفرنسا، بالإضافة إلى الهيمنة الأمريكية الحديثة، قد تبنت الصهيونية كأداة لتعزيز نفوذها في منطقة ذات أهمية جيوسياسية بالغة، خاصة في سياق السيطرة على موارد النفط، وفرض الهيمنة على طرق التجارة، وتثبيت الاستقرار الاستعماري.
الإمبريالية كأداة للمشروع الصهيوني
منذ البداية، كانت الصهيونية بمثابة مشروع استعماري صريح، يهدف إلى إرساء دولة يهودية في قلب المنطقة العربية، مما يمكن الغرب من ضمان الاستقرار في ظل الصراعات التي كانت تجتاح المنطقة. مشروع الصهيونية كان يتماشى مع أهداف القوى الاستعمارية التي كانت تبحث عن مراكز قوة في الشرق الأوسط، قادرة على ضمان استمرار تدفق النفط وحماية مصالح الغرب من أي تهديدات قد تطرأ نتيجة للتيارات التحررية التي شهدتها المنطقة.
إن الصهيونية لم تكن مجرد حركة سياسية دينية، بل كانت حركة استعمارية بامتياز. إنها فكرة تبناها الغرب ليس فقط لأسباب دينية، ولكن أيضا لأغراض استراتيجية. وهي تعمل على تقويض المنطقة العربية وتفتيت الهوية القومية، من خلال نشر الصراع داخل المنطقة وتعميق الانقسام بين شعوبها. وهذا هو السبب في أن الإمبريالية الغربية دعمت الصهيونية بقوة منذ بداياتها، من خلال وعد بلفور وصولا إلى الدعم غير المحدود الذي تقدمه أمريكا للكيان الصهيوني اليوم.
دعم الإمبريالية الأمريكية للكيان الصهيوني: حماية الهيمنة الاستعمارية
بعد الحرب العالمية الثانية، وارتفاع قوة الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى، استمرت الإمبريالية الغربية في دعم المشروع الصهيوني كجزء من استراتيجية أكبر لفرض هيمنتها على الشرق الأوسط و عموم المنطقة العربية. إن الدعم الأمريكي للكيان لم يكن فقط دفاعا عن "دولة يهودية"، بل كان جزء من محاولة دائمة لفرض الهيمنة على الوطن العربي. الولايات المتحدة، كما فعلت سابقا بريطانيا، رأت في الكيان نقطة ارتكاز للمصالح الإمبريالية الأمريكية في المنطقة.
إن هذا الدعمها مستمر حتى اليوم للكيان في كافة المجالات: من المساعدات العسكرية الضخمة إلى التأثير السياسي في الأمم المتحدة. كان وما يزال جزء من سياسة فرض الاستعمار الجديد، الذي يعمل على الحفاظ على الأنظمة التابعة التي تخدم مصالح الشركات الأمريكية الكبرى، والتي تسعى إلى الحفاظ على النفوذ الغربي في قلب الوطن العربي.
الصهيونية العربية: خيانة الداخل وخنجر في خاصرة الأمة.
لطالما ارتبطت الصهيونية في الوعي الجمعي العربي بالمشروع الاستيطاني الذي اغتصب فلسطين، بدعم من القوى الاستعمارية الغربية. لكن الصهيونية ليست مجرد حركة يهودية، بل هي مشروع سياسي استعماري وجد له أتباعا بين بعض الأنظمة العربية والنخب السياسية والثقافية. هؤلاء، الذين يمكن تسميتهم بـ"الصهاينة العرب"، لم يكونوا مجرد أدوات للتطبيع أو وكلاء للاستعمار، بل لعبوا دورا محوريا في ترسيخ الهيمنة الصهيونية على المنطقة عبر التواطؤ، أو التقاعس، أو حتى العمل المباشر ضد قضايا التحرر العربي.
1. الجذور التاريخية للصهيونية العربية: كيف بدأ التواطؤ؟
أ. ما قبل النكبة: علاقات في الخفاء .
رغم أن الخطاب القومي العربي كان معاديا للصهيونية، إلا أن بعض الحكام العرب لم يكونوا على ذات النهج. تشير الوثائق التاريخية إلى اتصالات بين قادة صهاينة وبعض النخب العربية في فترات ما قبل وأثناء الاستعمار البريطاني والفرنسي للمنطقة. على سبيل المثال، عقد حاييم وايزمان، أحد أبرز زعماء الحركة الصهيونية، لقاءات مع شخصيات عربية نافذة في عشرينيات القرن الماضي، بهدف إيجاد تفاهمات تمنع المقاومة العربية ضد المشروع الصهيوني.
يظهر هذا التواطؤ أيضا في المراسلات بين الشريف حسين والمندوب السامي البريطاني، حيث تم تجاهل المخاطر الصهيونية مقابل وعود بريطانية مضللة بالاستقلال. لاحقا، برزت شخصيات عربية تعاملت مع الاحتلال البريطاني في فلسطين وأبدت استعدادا للتفاوض مع الصهاينة تحت حجج "الواقعية السياسية"، رغم أن المشروع الصهيوني كان واضحا في نواياه الاستعمارية.
ب. حرب 1948: هزيمة أم خيانة؟
أحد أكثر المحاور غموضا في الصهيونية العربية هو دور بعض الأنظمة في الهزيمة العسكرية عام 1948. وثّق المؤرخ الفلسطيني عارف العارف في كتابه "النكبة" كيف أن بعض القادة العسكريين العرب دخلوا الحرب بنية الانسحاب المنظم وليس تحقيق النصر، وهو ما أكدته مذكرات الضابط الأردني عبدالله التل، الذي تحدث عن تواطؤ قيادات عربية في تسليم مواقع استراتيجية للقوات الصهيونية.
من الأمثلة الصادمة كذلك، انسحاب الجيش الأردني من اللطرون والقدس الغربية رغم تفوقه العددي والتسليحي، و وقف الجيش المصري تقدمه في النقب، ما سمح للصهاينة بإعادة تجميع قواتهم. يشير بعض المؤرخين إلى أن هذا كان نتيجة ضغوط بريطانية وأمريكية على بعض الحكام العرب لمنع أي نصر عربي حاسم.
2. الصهيونية العربية بين الخيانة والتطبيع: من التواطؤ إلى العلنية.
أ. كامب ديفيد: لحظة السقوط المدوي .
يعتبر اتفاق كامب ديفيد (1978) بين مصر والكيان الصهيوني أول خطوة علنية في مسار الصهيونية العربية. لم يكن الاتفاق مجرد معاهدة سلام، بل شكل انقلابا استراتيجيا أعاد تشكيل المنطقة لصالح الهيمنة الصهيونية. وكما قال موشيه دايان:
"معاهدة السلام مع مصر تعني أننا انتصرنا في الحرب الحقيقية، لأننا الآن لن نواجه جيشا عربيا موحدا بعد اليوم."
هذه الاتفاقية لم تؤدّ فقط إلى إخراج مصر من الصراع العربي-الصهيوني، بل كرست وجود الاحتلال ككيان شرعي في المنطقة، ومهدت الطريق لخطوات تطبيعية لاحقة في دول عربية أخرى.
ب. اتفاقيات أوسلو ووادي عربة: تكريس الهيمنة الصهيونية
في التسعينيات، استُكملت خيانة القضية الفلسطينية عبر اتفاقية أوسلو (1993) بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني، ثم اتفاقية وادي عربة (1994) بين الأردن وإسرائيل. أوسلو لم تكن سوى فخ صهيوني جرّدت المقاومة من سلاحها السياسي مقابل وعود فارغة، بينما وادي عربة كرست التعاون الأمني بين الأردن والاحتلال.
وكما كتب إدوارد سعيد في مقالته الشهيرة "أوسلو: سلام بلا أرض":
"لقد تخلّت القيادة الفلسطينية عن كل أوراقها دون أن تحصل على شيء حقيقي في المقابل. لقد كان هذا أكبر انتصار للصهيونية السياسية في تاريخها الحديث."
ج. اتفاقيات أبراهام (2020): تطبيع العلاقات بين الكيان الصهيوني وعدد من الدول العربية
في عام 2020، أبرم الكيان عددا من اتفاقيات التطبيع مع دول عربية تحت مسمى "اتفاقيات أبراهام"، كان أبرزها مع الإمارات العربية المتحدة و البحرين، تلاها اتفاقية التطبيع مع السودان، ثم المغرب. هذه الاتفاقيات مثلت تحولا واضحا في السياسة العربية تجاه الكيان، بعد عقود من العداء.
اتفاقات أبراهام فتحت الباب أمام التعاون الأمني والاقتصادي بين هذه الدول و الصهاينة ، وأدت إلى اعتراف علني بشرعية الكيان الصهيوني في المنطقة. هذه الخطوات التطبيعية لاقت انتقادات شديدة من بعض الدول والشعوب العربية التي ما زالت تعتبر القضية الفلسطينية أساسا للصراع مع الكيان الصهيوني . في المقابل، كانت هذه الاتفاقيات جزء من تحالفات إقليمية جديدة في مواجهة التهديدات من إيران والحركات السياسية الإسلامية في المنطقة، وكذلك تعبيرا عن رغبة بعض الأنظمة في التحالف مع الولايات المتحدة وتوثيق علاقاتهم معها.
إضافة إلى ذلك، فإن بعض الدول العربية مثل السعودية و سلطنة عمان فتحت قنوات دبلوماسية غير علنية مع الكيان ، التى أبطأ تحركها طوفان الأقصى، وهو ما يعكس تحولا تدريجيا في السياسات العربية نحو التطبيع.
3. لماذا تتماهى بعض الأنظمة العربية مع الصهيونية؟
أ. التحالف مع الغرب: الحماية مقابل الولاء:
منذ الحقبة الاستعمارية، اعتمدت القوى الإمبريالية الغربية على أنظمة عربية تابعة لضمان استمرار هيمنتها في المنطقة. بعد خروج الاستعمار المباشر، لم تتغير المعادلة، بل تحولت بعض هذه الأنظمة إلى أدوات تنفيذية للمصالح الأمريكية والأوروبية، حيث أصبح دعم الكيان جزء من شروط الولاء للغرب.
تسعى هذه الأنظمة إلى الحفاظ على سلطتها من خلال تبني سياسة التحالف مع الغرب، وذلك في مواجهة تحديات داخلية، مثل الاحتجاجات الشعبية والثورات العارمة التي قد تزعزع استقرار الأنظمة الاستبدادية. فالتحالف مع الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا، ومن بينهم الكيان ، يقدم ضمانا لهذه الأنظمة ضد المخاطر التي قد تواجهها من شعوبها الثائرة كل الدعم . تذكر مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، في أحد تصريحاتها الشهيرة:
"من غير الممكن ضمان أمن الأنظمة في الشرق الأوسط من دون التعاون مع اسرائيل."
مع هذا التحالف، يكون هؤلاء الحكام قد اختاروا موقفا يضحي بقضية فلسطين ويكرس الهيمنة الصهيونية في المنطقة.
ب. الخوف من الثورات الشعبية:
الأنظمة الاستبدادية تدرك أن بقائها في الحكم مرتبط بإخماد أي معارضة داخلية، وهنا يأتي دور الكيان الصهيوني ، الذي يملك خبرة واسعة في قمع الحركات الشعبية وإدارة الأنظمة البوليسية. وفي هذا السياق، يعتبر التحالف مع الكيان أداة لتعزيز الاستقرار الداخلي للأنظمة في مواجهة الضغوط الشعبية والتهديدات الثورية.
دول الصمود والتصدي: كيف تم ضربها؟
لطالما كانت دول الصمود والتصدي، مثل سوريا و العراق و لبنان و الجزائر، في طليعة المواجهة مع المشاريع الإمبريالية والصهيونية في المنطقة. هذه الدول كانت دائما على الخطوط الأمامية في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والوقوف في وجه الهيمنة الغربية، خصوصا في الفترة التي تلت نكبة فلسطين في عام 1948.
سوريا: سوريا كانت واحدة من أكثر الدول التي شكلت تهديدا للهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة. لطالما دعت إلى مقاومة الصهيونية وساندت الحركات الفلسطينية والفصائل الثورية. كما كانت سوريا حليفا رئيسيا في مقاومة المشاريع الأمريكية والصهيونية في المنطقة، بما في ذلك دعم حزب الله في لبنان و حركة حماس في فلسطين.
لكن سوريا تعرضت لعدة هجمات، بدء من الحرب الأهلية اللبنانية في السبعينات، حيث كان الكيان يسعى إلى إضعاف سوريا من خلال إثارة الفتن الداخلية في لبنان و التى قوامها المطالبة برحيل التواجد العسكري السوري بها ، كما تعرّضت سوريا إلى عقوبات اقتصادية وحصار سياسي كبير ، كان هدفه إضعاف النظام السوري ، مستغلة في ذلك انتفاضة الشعب السوري للمطالبة بالديمقراطية و الحرية ، و انخراط النظام في الفخّ بمواجهة الاحتجاجات السلمية بالحديد و النار ، ممّا عبّد الطّريق للامبريالية و حلفائها في المنطقة لإدخال عنصر الميليشيات المسلحة الاسلاموية المتحكّم فيها من المخارات الأمريكية و التركية ، في الصراع ، و بالتوازي لمهمتها الرئيسية ضرب كل القوى التقدمية و اضفاء إدخال البلاد في حرب أهلية، نتج عنها ملايين من الهاربين من أتونها و آلاف من القتلى و المعتقلين و المخفيين ، التى شبه انتهت بشد ازر هذه الميليشيات و على رأسها " هيئة تحرير الشّام " لدخول دمشق دون مقاومة نتيجة خيانة في صفوف العسكر و الاستحواذ على مقاليد الحكم بعد هروب بشار الأسد و بالتالي سقوط نظامه ، و اوّل ما باشر به الكيان الصهيوني أمام العالم ، تدمير كل مقدّرات سوريا العسكرية و الاستحواذ احتلالا للعديد من المناطق تحت ذريعة تأمين حدودها و وجودها .
العراق: العراق، تحت حكم صدام حسين، كان أحد أبرز دول التصدي للمشاريع الصهيونية والإمبريالية. و من أخطائه في 1990، غزوه للكويت، الذي أعطى الذريعة للامبريالية الأمريكية لغزوه في 2003 بتعلّة امتلاكه لاسلحة الدمار الشامل ، التى لو كان يملكها لما كان غزوه لها ، وهو ما يُعتبر من أبرز التحركات دمرت معاقل المقاومة في المنطقة، و في تقويض قدرة العراق على اللعب دورا محوريا في دعم قضايا المقاومة ضد الكيان الصهيوني خاصة.
الغزو الأمريكي للعراق كان مصمما لتفكيك الدولة العراقية، وزرع الفوضى، وخلق بيئة طائفية لتقويض تماسك المجتمع العراقي. هذا الهجوم كان أيضا بهدف تصفية الحسابات مع العراق، باعتباره حليفا قديما لمنظمة التحرير الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية.
لبنان: لبنان، منذ عام 1982 عندما قام الكيان الصهيوني بغزو لبنان، كان نقطة محورية في المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية ضد الهيمنة الغربية والصهيونية. حزب الله اللبناني كان جزء أساسيا من هذه المقاومة ويمثل تهديدا مستمرا للمخططات الصهيونية في المنطقة.
لكن لبنان، وعلى الرغم من مقاومته الشرسة، تعرض لعدة محاولات تدمير من قبل الكيان ، بما في ذلك غزوه لها في 2006. هذا الغزو كان يهدف إلى إضعاف حزب الله و فصائل المقاومة وإجبار لبنان على الرضوخ للهيمنة الصهيونية والأمريكية. لكن المقاومة اللبنانية أثبتت قدرتها على الصمود، وأثبتت أنها لا يمكن تحطيمها بسهولة و لا دعمها اللامشروط للمقاومة الفلسطينية، الذي تجلى بشكل واضح وقوفها إلى جانبها في طوفان الأقصى، و ما دفعته من تضحيات جسام نتيجة ذلك و خاصة منها تقديم امينين عامين لها شهداء و كثير من كوادرها المتوسطة و العليا منذ أواخر 2024 و إلى اليوم ، و استباحة جنوب لبنان و اجوائه و كل الوطن فقط لانه التزم بمخرجات اتفاق اممي يخرقه يوميا الكيان في ظلّ صمت البندقية المقاومة .
الجزائر: الجزائر كانت دائما في طليعة الدول التي دعت إلى مقاومة الاستعمار والإمبريالية. بعد ثورة التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، أصبحت الجزائر قوة داعمة لحركات التحرر في إفريقيا والعالم العربي. لكنها في الآونة الأخيرة تعرضت لضغوط مستمرة من الدول الغربية، خاصة بعد أن بدأت الجزائر في مقاومة الهيمنة الأمريكية والغربية في القضايا السياسية والاقتصادية.
الجزائر تعرضت لمحاولات إضعاف اقتصادي ودعم الحركات المتطرفة التي كانت تستهدف الاستقرار الداخلي. لكن الجزائر، على الرغم من هذه المحاولات، تبقى حريصة على الحفاظ على سيادتها الوطنية ومواقفها الثابتة في دعم حقوق الشعوب ضد الإمبريالية والصهيونية.
إضافة إلى ذلك، تعرضت هذه الدول إلى هجمات مستمرة بهدف تقويض موقفها القوي في مقاومة الصهيونية والتوسع الإمبريالي، ولكن، كما أثبتت التجارب التاريخية، تبقى هذه الدول في صدارة المواجهة مع مشاريع الهيمنة الغربية والصهيونية.
4. الصهيونية العربية وأدوارها في قمع المقاومة.
لم تكتفِ الصهيونية العربية بالتطبيع الاقتصادي والسياسي، بل تحولت إلى أداة لقمع الحركات التحررية في المنطقة. فبعض الدول العربية أصبحت تلعب دور الشرطي لصالح الاحتلال عبر:
1. التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي
أحد أوجه الصهيونية العربية هو التنسيق الأمني بين بعض الأنظمة العربية، مثل السلطة الفلسطينية، والكيان الصهيوني. هذا التنسيق، الذي كان يتم تحت ضغوط غربية وأمريكية، يتضمن التعاون في مراقبة وملاحقة المجموعات المقاومة داخل الأراضي الفلسطينية. وقد أدى هذا التعاون إلى تقويض قدرة المقاومة على العمل بحرية ضد الاحتلال ، بل و اخذ دور الصهاينة في ضرب فصائل المقاومة و ما حدث في جينين خير دليل اليوم. التنسيق الأمني يتضمن أيضا تبادل المعلومات بين قوات الاحتلال الصهيوني والسلطة الفلسطينية في بعض الحالات ، هذه التى اضحت فيلقا من فيالقه . في هذه السياقات، يهدف التنسيق إلى الحد من أي عمليات مقاومة، سواء كانت عسكرية أو غير عسكرية، ضد الاحتلال. ويعتبر هذا التعاون خيانة للقضية الفلسطينية، حيث حولت السلطة نفسها إلى أداة تخدم الاحتلال، بدل من الوقوف بجانب المقاومين.
2. شيطنة المقاومة إعلاميا
الأنظمة العربية التي تميل إلى التعاون مع الاحتلال الصهيوني أو القوى الغربية، غالبا ما تلجأ إلى شيطنة الحركات المقاومة. وبدلا من دعم هذه الحركات، يتم تصويرها على أنها إرهابية أو متطرفة، وهو ما يتماشى مع الخطاب الإعلامي الذي تعتمده الدول الغربية والصهيونية لتشويه سمعة المقاومة الفلسطينية والعربية. في العديد من الأحيان، تتبنى وسائل الإعلام العربية التي تخضع لتوجيهات الأنظمة التي تتعاون مع الاحتلال، مصطلحات غربية مثل "الإرهاب" و"العنف" لوصف المقاومة الفلسطينية، مما يؤدي إلى فقدان الدعم الشعبي لها على المستوى الإقليمي والدولي. هذا النوع من الخطاب يسهم في تشويه صورة المقاومة التي تسعى لتحرير أراضيها، ويحولها إلى "عدو" بدلا من أن يُنظر إليها باعتبارها حركة تحرر مشروعّة.
3. قمع الحركات الداعمة للقضية الفلسطينية .
النقطة الثالثة تتعلق بـقمع الحركات الداعمة للقضية الفلسطينية في بعض البلدان العربية. هنا يشير النص إلى كيف أن بعض الأنظمة العربية التي تروج للتطبيع مع الكيان الصهيوني ، أو التي تسير في مسار التوافق مع السياسات الغربية، قد اتخذت خطوات جادة ضد أي حركات أو أفراد يدعمون القضية الفلسطينية بقوة. في بعض الحالات، تتعرض المنظمات غير الحكومية أو الحركات الشبابية التي تدافع عن حقوق الفلسطينيين في هذه الدول، إلى قمع شديد. على سبيل المثال، يمكن أن تواجه تلك الحركات أو الجماعات التي تدعو إلى المقاطعة أو تنظيم تظاهرات مناهضة للتطبيع مع الاحتلال، حملات اعتقال وملاحقة من قبل السلطات الأمنية. بعض هذه الأنظمة قد تستخدم القمع السياسي لملاحقة النشطاء الذين يدعون إلى دعم المقاومة الفلسطينية، مما يعزز الشعور بأن بعض الحكومات في المنطقة تضع مصالحها الشخصية أو السياسية فوق مصلحة الأمة العربية.
4. تحولات في السياسة العربية تجاه المقاومة
في الواقع، كانت هناك تحولات ملحوظة في السياسة العربية تجاه القضية الفلسطينية في العقود الأخيرة، وهذه التحولات تمثل جزء من ديناميكية "الصهيونية العربية". فبعد أن كانت القضية الفلسطينية قضية محورية لدى معظم الأنظمة العربية، أصبح بعض الحكام العرب اليوم يفضلون دعم السلام مع الكيان المغتصب على حساب المقاومة الفلسطينية. هذه التحولات يمكن فهمها في إطار التحولات الاستراتيجية التي مرت بها بعض الأنظمة العربية، التي اعتبرت أن قبول فكرة التطبيع مع الصهاينة سيعود عليها بمزايا اقتصادية وأمنية، خاصة في إطار الضغوط الأمريكية والغربية. هذه الأنظمة قد بدأت تعتبر أن دعم الحركات المقاومة الفلسطينية - التي يراها الغرب "إرهابية" - سيسبب لها مشاكل داخلية ودولية، ما يجعلها تختار السكوت أو التعاون مع الكيان.
5. قمع الحركات الشعبية المناهضة للتطبيع .
جانب آخر من أدوار الصهيونية العربية في قمع المقاومة هو قمع الحركات الشعبية المناهضة للتطبيع. في بعض الدول العربية، نجد أن هناك قمعا للحركات الشعبية التي ترفض أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل. مثلا، في بعض بلدان الخليج، حيث ظهرت حركات رفض شعبي للتطبيع مع الصهيونية في السنوات الأخيرة، تم استخدام الأدوات القمعية من أجل سحق هذه الحركات، حيث تم اعتقال الكثير من النشطاء أو الحد من فعالياتهم الاجتماعية والاعتصامات ضد التطبيع. مثل هذه الحركات الشعبية ترفض الإملاءات الغربية وتسعى للتأكيد على موقف عربي موحد ضد الاحتلال الصهيوني، لكن وجود أنظمة عربية تميل نحو التطبيع مع الاحتلال يسهم في إضعاف هذه الحركات. في النهاية، يجد المواطن العربي نفسه أمام حكومات قمعية تستخدم السلطة ضد أي صوت معارض لمواقفها، حتى وإن كان هذا الصوت يدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني.
6. مقاومة الصهيونية العربية: كيف نحاربها؟
تُعد مقاومة الصهيونية العربية أكثر من مجرد تحدٍّ لسياسات التطبيع والهيمنة الصهيونية؛ إنها نضال طويل ومعقد ضد القوى الاستعمارية الجديدة التي تسعى لطمس الهوية العربية وتقويض الحقوق الفلسطينية. لكن مقاومة هذه الظاهرة تتطلب استراتيجيات متنوعة تُدمج بين العمل السياسي، الاجتماعي، الثقافي، والاقتصادي، وتتطلب دعما شعبيا واسعا وإرادة حقيقية للتغيير في الداخل العربي.
أ. التحرك الشعبي: دعم المقاومة من الشارع إلى السياسة :
أحد الأبعاد الأساسية لمقاومة الصهيونية العربية هو التحرك الشعبي الذي يعبر عن رفض المجتمع العربي لما يجري من تطبيع وتواطؤ مع الاحتلال. في أكثر من دولة عربية، تبرز مظاهرات شعبية ضد التطبيع و المطالبة بتشريع تجريم التطبيع ، ورغم قمع هذه التحركات في بعض الأحيان، إلا أن تلك المظاهرات تعكس رغبة حقيقية في الحفاظ على هوية الأمة العربية ورفض مشاريع الهيمنة الغربية.
وفي الخليج العربي، حيث غالبا ما تكون الأنظمة متبنية لسياسات التطبيع، تتزايد الحملات الإلكترونية والشعبية التي تندد بهذه السياسات، وهو ما يشير إلى إمكانية تكوين رأي عام شعبي رافض لمثل هذه التوجهات. استطاع الشباب العربي في مختلف الدول استخدام منصات التواصل الاجتماعي لتمرير رسائل مناهضة للتطبيع، وهو ما يعتبر نقطة تحول في مقاومة الصهيونية العربية. فهذه الحركات قد تكون نواة لانتفاضة شعبية أخرى تؤكد أن القضية الفلسطينية ما زالت في قلب الشعوب، حتى إن كانت حكوماتهم تسير في اتجاهات مختلفة.
ب. دعم المقاومة الفلسطينية: تبني استراتيجية نضال شاملة :
دعم المقاومة الفلسطينية يجب أن يكون محورا أساسيا لمقاومة الصهيونية العربية. حيث أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية التي تكشف تواطؤ بعض الأنظمة العربية مع الاحتلال الصهيوني. يجب على الدول والشعوب العربية، التي لا تواكب سياسات التطبيع، أن تجد طرقا جديدة لدعم المقاومة الفلسطينية بشتى أشكالها، من خلال تعزيز التحركات الميدانية وتوفير الدعم اللوجستي، العسكري إن أمكن، والسياسي. من خلال جمع التبرعات، و استخدام كل المنابر الممكنة لفضح الانتهاكات التي يمارسها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني.
إضافة إلى ذلك، يمكن دعم المقاومة الفلسطينية عبر تعزيز الوعي الشعبي بالقضية في الدول العربية، خاصة في الأوقات التي تتزايد فيها الضغوط الغربية على الشعوب العربية لتصفية القضية الفلسطينية. زيادة الوعي يمكن أن تكون من خلال التعليم والإعلام الذي يعيد سرد التاريخ الفلسطيني ويعرض صور المقاومة البطولية ضد الاحتلال.
ومن الواجب التأكيد على أهمية دعم انتفاضة طوفان الاقصى ومقاومة الاحتلال بكل الوسائل الممكنة. فالعدو الصهيوني يعمل على تنفيذ مخططاته الخبيثة التي تتضمن محاولات تهجير الفلسطينيين من أرضهم، خاصة في غزة، عبر عمليات الإفراغ التي يهدف من خلالها إلى طرد الفلسطينيين من أماكنهم التاريخية وتهجيرهم إلى مناطق أخرى، مثل سيناء أو الأردن أو دول أخرى وفق المخطط الترامبي الامبريالي الامريكي . هذه المحاولات لا تقتصر على فرض حصار على غزة، بل تشمل أيضا المحاولات المستمرة لخلق واقع جديد يحاول من خلاله الاحتلال تقليل عدد السكان الفلسطينيين في أراضيهم الأصلية.
إن مقاومة أهداف العدو الصهيوني في هذا الإطار يتطلب تمسك الفلسطينيين في غزة وأراضينا المحتلة بأرضهم والعمل على تثبيت المواطنين في أرضهم بكل الوسائل المتاحة. إضافة إلى ذلك، يجب مواجهة هذا المخطط الصهيوني الأمريكي من خلال تبني استراتيجية نضالية تشمل تعزيز التكامل بين جميع فصائل المقاومة الفلسطينية، من خلال وضع خطة موحدة تعزز الجبهة الداخلية وتوجه ضربة قوية للمخططات الصهيونية الرامية لإفراغ غزة من سكانها.
ج. العمل على عزل الأنظمة المتواطئة مع الاحتلال :
من النقاط المهمة لمقاومة الصهيونية العربية هو عزل الأنظمة المتواطئة مع الاحتلال الإسرائيلي. العمل على عزل هذه الأنظمة يتطلب تعزيز التضامن العربي والإسلامي على جميع الأصعدة. ففي حالة مصر، على سبيل المثال، قد تم تخفيض الدعم العربي لتلك الأنظمة التي تروج لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني. إن تشكيل جبهة شعبية موحدة في وجه الحكومات التي تروج لهذه السياسات في العالم العربي يعد خطوة أساسية نحو الضغط على هذه الأنظمة. يمكن أن يتم هذا العزل عبر فرض المقاطعة الاقتصادية والسياسية، ومنع أي شكل من أشكال التعاون مع الأنظمة التي تروج لسياسات التطبيع.
د. تعزيز النضال الفكري والثقافي ضد الصهيونية العربية :
لا تقتصر مقاومة الصهيونية العربية على المقاومة العسكرية أو السياسية فحسب، بل تشمل أيضًا النضال الفكري والثقافي. في هذه المرحلة، يتوجب على المثقفين، المفكرين، الأكاديميين، والفنانين العرب أن يلعبوا دورًا كبيرًا في نشر الوعي بالقضية الفلسطينية في جميع أنحاء العالم العربي. يمكن استثمار الفنون، الأدب، السينما، والموسيقى لتسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال الصهيوني، وتوثيق تاريخ الصراع بين العرب والاحتلال. الفنانين والكتاب مثل غسان كنفاني ومحمود درويش، الذين كانوا جزءًا من حركة مقاومة ثقافية، أظهروا كيف يمكن للفن أن يكون سلاحًا قويًا في مواجهة الهيمنة.
هـ. بناء تحالفات مع القوى العالمية المناهضة للصهيونية :
على المستوى الدولي، يجب أن يكون هناك تحالفات مع القوى العالمية المناهضة للصهيونية، خاصة في ظل الهيمنة الأمريكية والغربية على السياسة العالمية. يجب على الشعوب العربية التحالف مع القوى التي تدعو إلى العدالة الدولية، التي تؤمن بحقوق الفلسطينيين. من خلال دعم المنظمات الدولية التي تكافح ضد الإمبريالية والصهيونية، مثل حركة BDS (مقاطعة، سحب الاستثمارات، وفرض العقوبات)، يمكن تصعيد الضغط على الحكومات والأنظمة التي تسعى لتقوية علاقتها مع الاحتلال الإسرائيلي. مثل هذه التحالفات يمكن أن تساهم في محاصرة السياسات التي تدعم التطبيع وتضييق الخناق على الأنظمة المتواطئة.
و. الضغط على المؤسسات الدينية لإعادة إحياء المقاومة الإسلامية والعربية
النضال ضد الصهيونية العربية يجب أن يشمل أيضًا إعادة إحياء المقاومة الإسلامية والعربية من خلال المؤسسات الدينية. في وقت كانت فيه بعض الحكومات العربية تروج للسلام مع الاحتلال، كانت بعض القوى الدينية تمثل حاجزًا أمام محاولات تصفية القضية الفلسطينية. يجب دعم المؤسسات الدينية التي تتبنى الخطاب المقاوم وتحفظ الذاكرة الجماعية للكيانات الإسلامية والعربية، بحيث تبقى فلسطين جزءًا من الوجدان الشعبي. المؤسسات الدينية في بعض الدول العربية، مثل حركة حماس وحزب الله، تبقى جزءًا من الحراك الذي يرفض التطبيع وتعمل على تعزيز المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.
إجمالًا، مقاومة الصهيونية العربية تتطلب عملًا جماعيًا يتضمن جميع أطياف المجتمع العربي، من الشارع إلى المثقفين، ومن الأنظمة الرافضة إلى الأحزاب السياسية. هذه المقاومة هي أكثر من مجرد مواجهة سياسية؛ إنها معركة حضارية تهدف إلى الحفاظ على الهوية والحقوق الفلسطينية في وجه قوى الهيمنة والتواطؤ.
6. دور الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والأمريكي في تفعيل الصهيونية العربية 1. الاستعمار البريطاني: من وعد بلفور إلى دعم الصهيونية
1. ان الاستعمار البريطاني أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في ظهور الصهيونية.
العربية وتفعيلها. ففي عام 1917، قدم وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور "وعد بلفور" الذي وعد فيه بتأسيس "وطن قومي" لليهود في فلسطين، وهو وعد لم يكن له أي أساس قانوني، لكنه جاء في وقت كانت فيه بريطانيا في حاجة إلى دعم القوى اليهودية ضد الإمبراطورية العثمانية التي كانت قد بدأت تنهار.
البريطانيون كانوا يدركون تمامًا أن تحكمهم في فلسطين كان يتطلب التفاهم مع الحركة الصهيونية، التي كانت تمثل أداة فعالة لخدمة مصالح بريطانيا الاستراتيجية في المنطقة. وقد وجد البريطانيون في بعض الأنظمة العربية، خصوصًا في مناطق مثل العراق وشرق الأردن، تعاونًا ضمنيًا من بعض القادة الذين رأوا في الشراكة مع الاستعمار البريطاني وسيلة لتحقيق "استقلال مشروط" بعد القضاء على الإمبراطورية العثمانية.
التواطؤ بين بريطانيا وبعض النخب العربية، كما يظهر في المراسلات بين الشريف حسين والمندوب السامي البريطاني، يعكس كيف كان هناك من يعتقد أن دعم بريطانيا لم يكن بالضرورة ضد مصلحة الأمة العربية، على الرغم من أن "وعد بلفور" كان يشير بشكل مباشر إلى تسهيل المشروع الصهيوني. هذا التواطؤ كان يأتي تحت شعار "الواقعية السياسية" التي كانت تروجها بعض النخب العربية، مما ساهم في تجذير التواطؤ بين الأنظمة العربية والمصالح الاستعمارية البريطانية.
2. الاستعمار الفرنسي: الهيمنة الاستعمارية في الشام
كما كان الاستعمار البريطاني في فلسطين، كان الاستعمار الفرنسي في مناطق مثل سوريا ولبنان من العوامل التي ساعدت في صعود الصهيونية العربية. فرنسا، التي كانت ترى في المنطقة العربية ساحة لصراعاتها الجيوسياسية مع بريطانيا، كانت تدير نظامًا استعمارياً يعتمد على التعاون مع نخب محلية مهادنة. في لبنان، على سبيل المثال، تم دعم بعض النخب المسيحية التي كانت تتعاون مع الاحتلال الفرنسي، وكان لديهم مواقف غير معادية للحركة الصهيونية. بعض هذه النخب كانت ترى في الصهيونية وسيلة لتحقيق مصالحها على حساب الجماهير العربية، خصوصًا في سياق الصراعات الداخلية في لبنان وسوريا.
كما أن فرنسا، من خلال سياستها الاستعمارية، كانت تهدف إلى فصل العرب عن بعضهم البعض، وتعزيز الانقسامات الطائفية والعرقية. هذا التمزيق لمجتمعات الشرق الأوسط فتح الباب أمام القوى الاستعمارية الأخرى، بما في ذلك الصهيونية، للاستفادة من الفوضى والانقسامات في المنطقة، مما سهل التعاون مع بعض الأنظمة العربية التي كانت تروج للسلام مع الاحتلال الإسرائيلي بهدف الحفاظ على مصالحها الخاصة.
3. الاستعمار الأمريكي: الهيمنة الجديدة في القرن العشرين
في ظل الحرب الباردة، بدأ الاستعمار الأمريكي في الظهور كمحرك رئيسي للسياسات في الشرق الأوسط بعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية. الولايات المتحدة، التي كانت قد تزايدت قوتها السياسية والاقتصادية، أدركت أن تحقيق الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتم دون دعم إسرائيل، التي أصبحت حليفًا استراتيجيًا في مواجهة النفوذ السوفيتي.
كان الوجود الأمريكي في المنطقة يشمل الدعم المباشر لأنظمة قمعية كانت تروج للسلام مع إسرائيل من أجل ضمان استمرار الحماية الأمريكية لها. بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، كانت الولايات المتحدة قد ضمنت تحجيم الدور المصري في الصراع العربي الإسرائيلي، كما عززت من مكانة إسرائيل في المنطقة باعتبارها حليفًا استراتيجيًا في إطار صراعها ضد الاتحاد السوفيتي.
الضغط الأمريكي على بعض الأنظمة العربية لتبني موقف تطبيعي مع إسرائيل كان جزءًا من سياسة "الحرب على الإرهاب" في العقدين الأخيرين. الولايات المتحدة استخدمت قوتها الاقتصادية والسياسية لتوجيه العديد من الحكومات العربية نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، معتبرةً أن ذلك سيؤدي إلى "استقرار" المنطقة ويخدم المصالح الغربية في النفط والأمن الإقليمي. وقد تجسد هذا في اتفاقيات أوسلو، التي كانت تحت إشراف أمريكي مباشر، وكذلك في الضغط على حكومات الخليج للتعاون الأمني مع إسرائيل.
الصهيونية العربية: القبول بالتطبيع كمقدمة للاستسلام .
لقد كان تفعيل الصهيونية في العالم العربي لا يقتصر فقط على تواطؤ الأنظمة، بل ترافق مع مسار تطبيع غير معلن، كان يسعى إلى كسر الممانعة الشعبية. كان التطبيع مع إسرائيل في بعض الحالات بمثابة دفع مباشر نحو الاستسلام أمام واقع الاحتلال. هذا التطبيع، الذي شمل العلاقات الاقتصادية، والتعاون العسكري، والسياسي، كان يهدف إلى تقوية الروابط بين بعض الحكام العرب والغرب، على حساب قضية فلسطين والشعوب العربية.
لقد أصبح التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي أداة جديدة من أدوات الهيمنة الغربية، حيث أصبح بعض الحكام العرب يسيرون في ركب القوى الغربية، ويعرضون مصالح شعوبهم للبيع، لتحقيق مكاسب شخصية أو احتفاظهم بالسلطة. هذه السياسات لا تعكس فقط خيانة للقضية الفلسطينية، بل تعكس أيضًا انصياعًا لمصالح الغرب دون مراعاة لكرامة الشعوب العربية.
إن الطريق الذي يسير فيه هؤلاء الحكام يتجاوز مجرد التعاون مع الاحتلال، بل يمتد إلى نشر ثقافة التسوية المذلة، والتي ترى في إسرائيل "دولة جارة" يجب التعايش معها، بينما لا يُعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم والعيش بحرية على أرضهم. هذه التحولات، والتي تُسوّق على أنها سعي نحو السلام، ليست سوى استجابة مباشرة لضغوط الاستعمار الجديد، الذي يسعى إلى إبقاء المنطقة العربية تحت هيمنته.
7. مستقبل الصهيونية العربية: مقاومة أم استسلام؟
إن مقاومة الصهيونية العربية اليوم ليست مجرد مواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، بل هي مواجهة مع مشاريع الأنظمة العميلة التي تسعى إلى تجزئة الأمة العربية وتدمير مشروع الوحدة والتحرر. فالمعارضة الحقيقية للمشروع الصهيوني يجب أن تبدأ من الداخل العربي، من خلال التحرك الشعبي الواسع ضد الأنظمة التي تعمل على تدمير القضية الفلسطينية، ومن خلال تعزيز ثقافة المقاومة التي تتجاوز الحدود الوطنية الضيقة.
إن الخطوة الأولى نحو التحرر تكمن في تحرير العقول من التبعية الثقافية والسياسية التي تروج لها الأنظمة العميلة. إن الشعوب العربية، التي عاشت قرونًا من الاستعمار، يجب أن تستعيد قوتها وتوحد صفوفها، عبر تحالفات حقيقية تقوم على مصلحة الأمة أولاً وقبل أي شيء آخر. لن يكون هناك تحرير حقيقي لفلسطين إلا عندما تتحرر الأنظمة العربية من استبدادها وتبعية الغرب، وتستعيد شرعيتها من خلال اختيار شعوبها.
خاتمة: هل الصهيونية العربية ظاهرة مؤقتة؟
الصهيونية العربية ليست مجرد مرحلة عابرة، بل امتداد لمشروع استعماري طويل المدى. لكن كما أسقطت الشعوب الاستعمار العسكري، ستسقط هذا الاستعمار الجديد، لأن التاريخ لم يعرف احتلالًا دائمًا، ولا خيانة بلا عقاب. وكما قال غسان كنفاني:
"العدو لا يُفاوض، بل يُقاوَم."
وعليه، فإن مواجهة الصهيونية العربية ليست خيارًا، بل ضرورة وجودية لمنع تحول الأمة العربية إلى مستعمرة صهيونية بواجهات عربية.
إن الصهيونية العربية ليست مجرد ظاهرة سياسية مؤقتة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من التواطؤ والخيانة، حيث نشأت كجزء من البنية الوظيفية للأنظمة التي تأسست في ظل الاستعمار الغربي ووجدت في المشروع الصهيوني حليفًا استراتيجيًا يضمن بقاءها في السلطة. ورغم أن هذه الظاهرة شهدت تحولًا من السرية إلى العلنية، ومن التواطؤ الخفي إلى التحالف العلني، إلا أنها تظل في جوهرها مشروعًا هشًا، يفتقد إلى الشرعية الشعبية ويتغذى فقط على القمع الداخلي والدعم الخارجي.
إن جذور الصهيونية العربية تعود إلى البنية السياسية والاقتصادية التي أرساها الاستعمار في الوطن العربي، حيث سعت القوى الإمبريالية إلى خلق أنظمة تابعة تضمن استمرار الهيمنة الغربية عبر سياسات التحديث الزائف والاعتماد الاقتصادي والأمني على الغرب. وقد وجدت هذه الأنظمة في الصهيونية شريكا طبيعيا في مواجهة أي محاولة للتحرر، سواء من خلال سحق الحركات الثورية والتقدمية، أو من خلال تكريس الاستبداد الداخلي الذي يخدم المصالح الصهيونية على المدى البعيد. وبالتالي، فإن الصهيونية العربية ليست مجرد خيار سياسي لبعض الحكام، بل هي جزء من منظومة عالمية تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يتناسب مع مصالح الاستعمار الجديد.
لكن رغم هذا التمدد، تظل الصهيونية العربية مشروعا مأزوما، إذ إنها تقوم على تناقض جوهري بين إرادة الشعوب العربية التي ترفض الاحتلال الصهيوني، وبين إرادة الأنظمة الحاكمة التي تسعى إلى فرض التطبيع كأمر واقع. فالتاريخ يثبت أن الشعوب العربية، مهما تعرضت للقمع والتضليل، لا يمكن أن تقبل بتحالفات قائمة على الخيانة الوطنية والقومية. والدليل على ذلك أن كل محاولات التطبيع السابقة، من اتفاقيات "كامب ديفيد" إلى "أوسلو" و"وادي عربة" و " ابراهام "، لم تنجح في تغيير الوجدان الشعبي العربي تجاه القضية الفلسطينية. بل على العكس، كلما زادت الأنظمة في انخراطها في المشروع الصهيوني، كلما تصاعدت حركات المقاومة، سواء في فلسطين أو في أماكن أخرى من الوطن العربي.
إن استمرار الصهيونية العربية يعتمد على عاملين رئيسيين: الأول هو الدعم الغربي، والثاني هو القمع الداخلي. فالغرب، وخاصة الولايات المتحدة، يدرك أن الكيان الصهيوني لا يمكنه البقاء دون شبكة من الحلفاء الإقليميين الذين يحمونه من العزلة، ولهذا يتم استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري لضمان ولاء الأنظمة العربية المطبعة. أما القمع الداخلي، فهو السلاح الذي تستخدمه هذه الأنظمة لكبح أي صوت معارض، سواء من خلال السيطرة على الإعلام، أو عبر القوانين القمعية التي تجرّم مقاومة التطبيع، أو حتى من خلال حملات الاعتقال والترهيب لكل من يجرؤ على التعبير عن موقفه الرافض للصهيونية.
ولكن، رغم كل هذه المحاولات، فإن الصهيونية العربية تظل مشروعا غير مستقر، لأنها تقوم على معادلة غير قابلة للاستمرار: أنظمة قمعية تحكم شعوبا ترفض الخيانة. وهذه المعادلة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، لأنها تتناقض مع قوانين التاريخ، التي تثبت أن كل المشاريع التي قامت على الخيانة والتبعية مصيرها الانهيار.
إن العامل الحاسم في تقرير مصير الصهيونية العربية لن يكون فقط الموقف الرسمي للأنظمة، بل أيضا قدرة الشعوب العربية على المقاومة، سواء عبر النضال السياسي، أو من خلال حركات المقاطعة، أو عبر دعم المقاومة الفلسطينية التي تبقى خط الدفاع الأول في مواجهة المشروع الصهيوني. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الصهيونية العربية ظاهرة مؤقتة أم دائمة، بل متى ستنهار، وما هي العوامل التي ستعجّل بسقوطها؟
إذا نظرنا إلى السياق الدولي، نجد أن العالم يشهد تحولا في موازين القوى، حيث لم تعد الهيمنة الغربية مطلقة كما كانت في الماضي. فصعود قوى مثل الصين وروسيا، وتراجع النفوذ الأمريكي، يفتح المجال أمام ظهور تحالفات جديدة قد تضعف من قدرة الصهيونية العربية على الاستمرار. كما أن الأزمات الاقتصادية التي تواجهها الأنظمة العربية، خاصة بعد جائحة كورونا والحروب المستمرة، تجعل من الصعب عليها الاستمرار في بيع الوهم لشعوبها، خاصة عندما يصبح التطبيع عبئا اقتصاديا وسياسيا بدلا من أن يكون وسيلة للبقاء.
لذلك، فإن الصهيونية العربية، رغم كل ما يبدو عليها من قوة، ليست سوى فقاعة سياسية مدعومة من الخارج، ويمكن أن تنفجر في أي لحظة، تماما كما سقطت أنظمة العمالة في الماضي. وما سيحدد مصيرها ليس قوة الأنظمة، بل مدى قدرة الشعوب على استعادة زمام المبادرة وإعادة تشكيل الخريطة السياسية العربية بعيدا عن التبعية والخيانة. فكما سقطت أنظمة الاستعمار، وكما فشلت مشاريع الهيمنة، فإن الصهيونية العربية محكومة أيضا بالسقوط، مهما طال أمدها، لأنها تتعارض مع الإرادة الحقيقية لشعوب المنطقة.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ملمّ بي
-
اسم الهزيمة
المزيد.....
-
لأول مرة.. انتقادات علنية من أوباما و كامالا هاريس ضد سياسات
...
-
إيران وغزة على رأس الأجندة.. نتنياهو يستعد لزيارة واشنطن
-
جنرال إسرائيلي يدين أعمال عنف لمستوطنين في الضفة الغربية
-
رسالة تثير الرعب بين الأوكرانيين في أميركا.. ومصدر رسمي يوضح
...
-
ترامب ينشر فيديو لضربة استهدفت الحوثيين في اليمن
-
محادثات أوروبية أمريكية حول الرسوم الجمركية
-
بوشكوف: القضية ضد لوبان أثارت غضب الفرنسيين وترامب يصفها -مط
...
-
قوات كييف تشن هجوما ضخما بالمسيرات على مدينة دونيتسك
-
-إلحاد وتوطين وغسل أموال-… منظمات دولية تحت مجهر الأمن الليب
...
-
-أكسيوس-: نتنياهو يخطط لزيارة البيت الأبيض يوم الاثنين
المزيد.....
-
حَرب سِرِّيَة بَين المَلَكِيّات وَالجُمهوريّات 1/3
/ عبد الرحمان النوضة
-
سلطة غير شرعية مواجهة تحديات عصرنا-
/ نعوم تشومسكي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
-
أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا
...
/ جيلاني الهمامي
-
قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام
/ شريف عبد الرزاق
-
الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف
/ هاشم نعمة
-
كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟
/ محمد علي مقلد
-
أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية
/ محمد علي مقلد
-
النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان
/ زياد الزبيدي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
المزيد.....
|