أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - نجاة سوريا في التضامن الأهلي














المزيد.....

نجاة سوريا في التضامن الأهلي


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 8302 - 2025 / 4 / 4 - 12:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يصح الافتراض أن المحنة الرهيبة التي عاشها السوريون منذ مارس/آذار 2011، تفتح المجال أمام تشكل تيارين من الوعي العام، الأول يتجه نحو التحوط من تكرار ما عاشوه، ومنع أسباب نشوء دولة ترتد على شعبها بالشكل العنيف الذي يجعل الأهالي ضحايا المؤسسة العامة التي يفترض بها أن تحميهم. التجربة السورية مع "الدولة الأسدية"، كانت من المرارة بحيث أنه كان من المتوقع أن تدفع لتبلور تيار مؤثر في الوعي، يعيد الاعتبار للدولة بوصفها مؤسسة عامة وليس بوصفها سلاحاً في يد فئة معينة لمواجهة المجتمع. لا ريب أن هذا التيار يمثل الدخول من الباب الضيق، إنه يتطلب من أصحابه، الكثير من الجهد والإخلاص والمسؤولية لفهم أسباب الكارثة والعمل على تلافي تكرارها، ويبقى هو السبيل الوحيد لفتح باب المستقبل أمام البلاد.
التيار الثاني الذي يمكن أن يتشكل عقب الكوارث الشبيهة بالكارثة السورية، هو تيار مناقض للتيار السابق، فهو لا يهتم بفهم أسباب الشر لمعالجتها، بل يميل إلى تجسيد الشر الذي عانى منه السوريون، في فئة محددة، والارتداد ضدها عبر إطلاق غرائز إبادية لا تبخل بها البطانة الشريرة لأبناء آدم. في وعي أصحاب هذا التيار أن استئصال هذه الفئة يساوي استئصال الشر. هذا الميل الغريزي يستعير مفرداته كاملة من أدوات المأساة التي ولدته. في مثل هذه الحالات تتجدد المأساة ويتجه الانتقام غالباً إلى الضحية السهلة غير المسؤولة أساساً عن المحنة. وإذا كان التيار الأول يستند إلى العلم والمعرفة، ويضمن مراكمة الخبرة والقدرة على البناء، يمكن القول إن التيار الثاني يستند إلى آليات الشعوذة، إنه يشبه معالجة المريض النفسي بضربه ضرباً مبرحاً لإخراج الروح الشريرة منه، فينتهي الحال إلى مراكمة الألم على الألم.
ينزع الانسان، بشكل عفوي، إلى الاعتقاد أن الشر يمكن أن يتجسد في كيان مادي، هكذا يمكنه تدمير التجسيد والاطمئنان إلى التخلص منه، معتقداً أنه بذلك يتطهر ويتخلص من الشر. في الثقافة العربية قول لأحد الحكماء "لو كان الفقر رجلاً لقتلته"، الحكيم يدرك أن الفقر لا يتجسد مادياً، بل هو نتيجة عوامل وعلاقات معقدة يحتاج علاجها إلى بحث وعلم ومثابرة. ولو كان الفقر يتجسد في رجل، لتساهل هذا الحكيم مع جريمة القتل لخلاص من الشر، ولكنه يدرك أن الأمر ليس كذلك.
في سوريا، لم يستطع التيار الأول العقلاني البنّاء، كبح التيار الثاني الغريزي المدمر الذي بدأ يمهد لنفسه خلال الشهور الثلاثة الأولى بعد سقوط نظام الأسد، مع تراجع مريع للتيار العقلاني، الأمر الذي انتهى إلى مجازر طائفية دمرت بالفعل اللحظة التأسيسية التي لاحت في الأفق في الأيام الأولى، ثم راحت تختفي مع تغلب نزوع انتقامي أعمى لا ينتقم من الأسباب التي قادت إلى المأساة، ولا ينتقم حتى من أدوات الكارثة السورية السابقة، بل ينتقم، على أساس طائفي، من أبرياء يأتيهم موت غادر إلى داخل بيوتهم. ما جرى من مجازر في الساحل، يناصر في جوهره الأسباب نفسها التي كلفت سوريا الثمن الباهظ الذي دفعته، ويؤسس لدورة جديدة تبدأ مع حكم تمييزي جديد سوف يخرج عليه السوريون لاحقاً وينالون منه بطشاً كالذي نالوه من قبل.
هكذا انزلقت سوريا سريعاً إلى الممر الذي لا يفضي لا إلى تأسيس عدالة ولا إلى تأسيس دولة وطنية. وتبين أن المجتمع السوري لم يمتلك وسائل حماية كافية ضد هذا الانزلاق، وأن سنوات الجحيم التي عاشتها سوريا تحولت إلى وسيلة لتسويغ الانزلاق بدلاً من أن تكون وسيلة لسد الطريق عليه.
في الواقع لم يكن في وعي أسياد المجازر من الجماعات المسلحة، ولا في وعي الحشود المناصرة ذات التعبئة الطائفية، أي عمومية سورية. ولا عجب، والحال كذلك، أن هذه الجماعات ضمت في فعلها الإبادي ضد السوريين من أهل الساحل، الآلاف من السلفيين غير السوريين. العمومية الوحيدة في وعي معظم الجماعات التي وصلت إلى سدة الحكم في دمشق اليوم، هي خصوصيتهم التي يريدون "تعميمها" بالقوة على الجميع.
التسجيلات المسموعة والمرئية الصريحة في طائفيتها ودمويتها، والتي تنتشر بين السوريون هذه الأيام، خطيرة الأثر على الحياة المشتركة. وقد تكون الغاية من نشر هذه التسجيلات دفع "المختلفين" للخروج من البلاد، فالكثير منها يدعوا إلى ذلك صراحة: "من لا يعجبه فليخرج". هذه التسجيلات ليست آراء، إنها ترويع وتعبئة طائفية مسنودة من أهل القوة اليوم، ومن اللافت أن أصحاب هذه التسجيلات (بعضهم غير سوريين)، وأصحاب الخطب التحريضية الطائفية في الجوامع، لا يواجهون أي حظر من جانب السلطات الجديدة التي لم تجد لديها، بعد كل المجازر ورغم الرعب المقيم الذي يعيشه أهل الساحل حتى اليوم، الدافع لإشعارهم أنها ترى ما حل بهم، وللتوجه إليهم بكلمة تطمين مباشرة وصادقة.
آخر ما كان يتوقعه المتابع، بعد سنوات الاستباحة التي عاشتها سوريا لأكثر من عقد من الزمن على يد "الدولة السورية"، أن يقبل السوريون أو أن يتغاضوا أو يستهينوا ويتهاونوا مع استباحة مشابهة عقب سقوط المستبيح الأول، ولكن هذا ما حصل. وحصل أن كثيرين ممن كانوا "ثواراً"، رحبوا بالمجازر، وتناقلوا بسرور أعداد الضحايا من "الخنازير"، وتبادلوا التهاني على صفحات التواصل الاجتماعي وكأنهم، بقتل المزيد من أهل الساحل، إنما يحققون فتحاً. كما حصل أن كثيرين من "المتنورين" السوريين، عرضوا ضمائر متراخية، وتحاليل نفسية وسياسية "عميقة"، تنتهي إلى تجاهل هذا الصدع المبكر في أساس الدولة الناشئة، بدلاً من محاولة رأبه بأقصى قدر من التضامن.
يساهم هذا بدور كبير في حرمان سوريا من بداية تأسيسية على أساس وطني متين. ذلك أن التفاعل السوري الشعبي والحكومي مع ما جرى في الساحل، كان رسالة ليس فقط لمن أهدرت دماؤهم، بل أيضاً، وربما بالقدر نفسه، لكل من هم، بالولادة، من خارج المتن الإسلامي السني، ولكنه أيضاً رسالة إلى هذا المتن نفسه، رسالة تقول إن من يبنون الدولة الجديدة لا يفكرون بالسوريين على أنهم شعب واحد حقاً.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوريا، أوقات مسحورة ولكنها واقعية
- مسؤوليتنا في أحداث الساحل السوري
- إدمان على الاستبداد
- الحقيقة ليست مزاراً، عن جدوى النقاش
- سورية ملونة وليست ألواناً
- الخطر الجاري الذي يهدد مستقبل سوريا
- درس علوي في سورية يجدر تأمله
- مخاطر الانتقال إلى سوريا جديدة
- عن مظاهرات السوريين العلويين
- هل انتصرت الثورة في سوريا؟
- الموالون وتلاشي نظام الأسد
- عن سورية والتطورات الأخيرة
- نزوع الضحية إلى السيطرة
- انتصارات إسرائيل الخاسرة
- عن اللوثة الطائفية في سوريا
- التكيّف مع الاحتلال
- تحول حزب الله من المقاومة إلى الردع
- نحن والاحتجاجات في إسرائيل
- عن انقسام عقيم يلازم السوريين
- أفكار في النقاش السوري العام


المزيد.....




- لأول مرة.. انتقادات علنية من أوباما و كامالا هاريس ضد سياسات ...
- إيران وغزة على رأس الأجندة.. نتنياهو يستعد لزيارة واشنطن
- جنرال إسرائيلي يدين أعمال عنف لمستوطنين في الضفة الغربية
- رسالة تثير الرعب بين الأوكرانيين في أميركا.. ومصدر رسمي يوضح ...
- ترامب ينشر فيديو لضربة استهدفت الحوثيين في اليمن
- محادثات أوروبية أمريكية حول الرسوم الجمركية
- بوشكوف: القضية ضد لوبان أثارت غضب الفرنسيين وترامب يصفها -مط ...
- قوات كييف تشن هجوما ضخما بالمسيرات على مدينة دونيتسك
- -إلحاد وتوطين وغسل أموال-… منظمات دولية تحت مجهر الأمن الليب ...
- -أكسيوس-: نتنياهو يخطط لزيارة البيت الأبيض يوم الاثنين


المزيد.....

- حَرب سِرِّيَة بَين المَلَكِيّات وَالجُمهوريّات 1/3 / عبد الرحمان النوضة
- سلطة غير شرعية مواجهة تحديات عصرنا- / نعوم تشومسكي
- العولمة المتوحشة / فلاح أمين الرهيمي
- أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا ... / جيلاني الهمامي
- قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام / شريف عبد الرزاق
- الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف / هاشم نعمة
- كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟ / محمد علي مقلد
- أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية / محمد علي مقلد
- النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان / زياد الزبيدي
- العولمة المتوحشة / فلاح أمين الرهيمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - نجاة سوريا في التضامن الأهلي